ليس الآن.

“وأنتَ ما زلتَ تتكلّم. والآن بدأ النزق يكسو ملامحكَ متّهمًا إيّاي بأنّي لا أنصت. كيف سأقول لكَ أن تسكت.. لطفًا؟. هل ستقبل ذلك لو طلبتُه منك؟! كيف أقول لكَ إنّ حديثكَ ممتع ولكن ليس الآن؟ وكيف سأخبركَ عن أولئك الذين (يتكلّمون) داخل رأسي ولا يريدون أن (يخرسوا) قليلا، دون أن تظنّ بي جنونًا؟!!
أو عن (هُم) الذين قضوا عدّة ليالٍ سابقةٍ (يتمشّون) في أحلامي ويسهرون وتعلو أصواتهم، حتى أنهض قُبيل الفجر برأسٍ مليءٍ بالخطوات، والكلمات، والمشاكل والنزاعات؟!
لن تصدّقني. أعني إنّكَ لن تصدّق ألا علاقة لي بوجودهم في رأسي، وأنّي لا أملك إخراجهم منه، وألا سلطة لي عليهم وهم داخله!
ليلة أمس مثلا، وبعدما غفونا، استيقظتُ عدّة مرّات خلال ثلاث ساعات، في المرّة الأولى لم أدرك أنّي كنتُ أحلم، فتحتُ عينيّ ونظرتُ إلى نور الساعة الإلكترونيّة ورأيتُه يقترب من الثانية عشرة منتصفَ الليل، التفتُّ يسارًا لأسألـ(ـه) ماذا يفعل هنا، فلم أجده. أتتخيّل الفوضى التي ملأتْني حينها وأنا أحاول هضم الحقيقة إنّه كان حلُمًا؟ وحينها استيقظتَ أنتَ وبتلقائيّة جذبتني إليكَ تضمنّي، وأنا سارحةٌ ببلاهة أحاول فهم من أين جاء إلى رأسي وإلى أين ذهب، والسؤال الأهمّ: من حضرته؟!، وفي قلبي أقول لكَ إنّي أقدّر حبّك لكن ليس الآن وقت التعبير عنه.
لقد رأيتُ أناسًا لم أرهم منذ عقود، وأشخاصًا لا أعرف من هم أصلا، ولا أذكر إنّي التقيتُهم من قبل، لماذا يتجوّلون في دماغي هكذا ويفتحون أدراجه بحريّة؟. دخلتُ غرفةً مليئةً بالغبار واندهشتُ من عدد الناس فيها، كانوا منهمكين كمحقّقين محترفين في التفتيش بين الأرفف والصناديق، عن ماذا؟! لا أدري. من هم؟ لا أعرفهم.. صِدقًا لا أعرف أيًّا منهم. والمشكلة إنّ أشكالهم لا تدلّ على أي ترابط منطقيّ أو تاريخي أو نوعيّ. استيقظتُ للمرّة الثانية، وحين غفوتُ مجدّدًا عدتُ للموقع ذاته، حاولتُ أن أتكلّم وأفهم فقط ما الذي يحدث هنا؟ ثمّ خرجتُ من الغرفة بغضبٍ بعد أن عرفت أنّ صوتي غير مسموع فيها. ورأيتُ نفسي في حديقة مهملة أقرب لغابة استوائيّة، ومليئة بالناس أيضًا! ما هذا الزحام؟ كلّهم منهمكون في نقاشٍ ما، ومتضايقون من شيءٍ ما، ولا يرونني. لماذا يجلسون في رأسي؟! هل وجدوه بالصدفة فارغًا فقرّروا مَلْأه؟!
وأنتَ تأتي الآن لتكلّمني عن تاريخ البطاطس! بربّك.. هل هذا وقتُه؟! هنالك مؤتمرٌ نوويٌّ يجري في عقلي لا أدري من يديره، ولا أعرف مقرّراته النهائيّة. تاريخ البطاطس يبدو شائقًا يا عزيزي.. لكن ليس الآن.
هل تدرك ماذا يمكن أن يحدث لتركيزك بعد عدّة أيّام حين يستيقظ كلّ هؤلاء النائمين في رأسك وقت نومك؟! لكَ أن تتخيّل.. أو أن تكتفي بتأمّلي. إنّهم ليسوا من خيالي فلا تحاول أن تقنعني، في رأسكَ أمثالهم، لكنّهم محنّطون، أو ميّتون، أو خُرس، أو في وضعيّة سُبات أو شلل تامّ، لا يهمّني أن أعرف حالهم. لكن لا تحاول أن تقنعني إنّي اختلقتُ كلّ هؤلاء وزرعتُهم في رأسي! لقد خرجوا فجأة من اللامكان.. ساخطين، أنفاسهم ثقيلة، حجبوا ضوء الشمس عن أرض أفكاري وملؤوها غبارًا وفوضى ومشاكل ونزاعات.
والآن تسألني إن كتبتُ قائمةً بما نحتاجه للبيت! متى وصلنا إلى هنا؟! المستيقظون في عقلي تناولوا فطورهم وقهوتهم واستعادوا نشاطهم وأنا أمشي كالمخدّرة، مندهشةً أنّي وضعتُ طعام الفطور وأكلتُ معكَ وغسلتُ الأطباق! انتبهتُ فجأةً وكأنّي كنتُ في غيبوبة. والتفتُّ إليكَ أقول ليس الآن.
هربتُ واختبأتُ في الحمّام وأغمضتُ عينيّ أحاول التقاط وجهٍ واحدٍ فقط من وجوه هؤلاء المتسكّعين لأتعرّفه، لم أقدر. يفرّون كالزئبق. الآن أنا أقف بينهم وأصرخ: اخرسوا.. وارحلوا، يكفي هذا. لكنّي أرى صوتي يخرج كفقاعة هواء في كوب ماء! (بلب بلب).. يا سلام!!
لم أدرك الوقت الذي مضى إلا وأنتَ تدقّ الباب قلقًا عليّ! الآن بدأتُ أغضب. أنتَ خارج رأسي وهم داخله، وجميعكم تريدون أن تتكلّموا معًا!
أنا أحبّ أن تقلق عليّ يا عزيزي، لكن ليس الآن!!”
..
بعد أيّام، من مشفى الأمراض العقليّة:
“قلتُ لكَ إنّي لستُ مجنونة، كلّ ما في الأمر إنّكَ تملك مفتاحًا تقفل به الباب على (أولئك) في عقلك، وترفض أن تعطيني نسخة من المفتاح لأقفل على (أولئك) الذين يتجوّلون في عقلي!
وكلّما قلتُ لكَ أأعود معكَ اليوم إلى البيت، تقول لي: ليس الآن.”

مستوحاة من سيرة كاتبة روايات إنجليزية أحبّها زوجها كثيرًا وحاول أن يعالجها لكنها في النهاية انتحرتْ، لأنّ الذين (يتكلّمون في رأسها) لم يخرسوا.

خيالٌ كوارثيّ

لم أكن أعرف ما هو (النابالم)، ولم أكن حتى أعرف كيف تُنطق هذه الكلمة. لكنّي وجدتُها بهذا التعريف في (ويكيبيديا) بعد البحث عنها في (جوجل):
//نابالم هو سائل هلامي (gel) يلتصق بالجلد، وهو قابل للاشتعال ويستخدم في الحروب. تم تطويره من خلال مجموعة كيميائيين أمريكيين من جامعة هارفارد أثناء الحرب العالمية الثانية، بقيادة العالم لويس فيزر.
يصنع النابالم من خلال إضافة قطع الصابون الزيتي إلى البنزين المسخن بطريقة غير مباشرة وذلك بوضعه في حوض داخل حوض آخر يحوي ماء يغلي على النار وتضاف القطع مع التحريك المستمر إلى أن يصبح المزيج كثيف القوام ويجب أن يصنع في مكان مفتوح ويجب الحذر لأن هذه المادة سريعة الاشتعال.//
وكنتُ اليوم أفكّر؛ لماذا قد يلجأ شخص ما لكتابة رواية في (الخيال العِلمي الكارثيّ) والعالم مليء بالكوارث الحقيقيّة ولا يحتاج الخيال لإضافة المزيد؟!. حين كتب هربرت جورج ويلز روايته (حرب العوالم)، لم تكن الحرب العالمية الأولى ولا الثانية قد حدثت بعد، وربّما لو رأى بعينه ما الذي يُحدِثه خيالٌ تدميريّ كخياله المريض لنظر إلى تلك الحرب بعين الرضا والسرور!
الأسوأ أن نجد الدول التي اخترعتْ الأسلحة الكوارثيّة واستخدمتْها ثم حرّمتهْا دوليًّا بشكل ظاهريّ بعد أن باعتها لمن تعرف أنّهم لن يستخدموها ضدّها، تعيد تمثيل هذا الخيال المريض في فلم يحقّق شهرة عالميّة. وربّما يكون الفلم قديمًا إذ صار عمره الآن عشر سنوات، لكنّي للتوّ سمعتُ به، ولن أقول إنّي شاهدتُه، فبشاعة الفكرة ورداءتُها وكمّية التوتّر والقرف في الفلم جعلتني أختصر مدّة المشاهدة إلى خمسة عشر دقيقة بالضبط.
في الدول المحترمة تفرض الدولة قانونًا عامًّا على مجالات الثقافة والفنون، على الأقلّ ألا ينسف هذا الفنّ الأمانَ النفسيّ وبراءة أطفالِ جيلٍ كامل!. يبدو إنّ الدول المحترمة انقرضتْ.

أين كان أطبّاء علم النفس عن هذه الكتابات وكيف يسمّى شيءٌ كهذا إبداعًا؟! الخيال العِلميّ يُفترض به أن يكون كما عرفناه صغارًا: أن يدفعنا لاكتشاف الكون بشكل أكبر، ومحاولة تفادي الكوارث الطبيعيّة والنهوض مجدّدًا بعد الحروب. أمّا إنفاق الجهد والمال والوقت في عَرض مشاهد دماء وآلات معدنيّة عملاقة تسحق البشر.. فهذا يمكن رؤيته في أيّة نشرة إخباريّة تتحدّث عن الشرق الأوسط.. بفضل تلك الدولوحلفائها التي صارتْ تطبّق أفلام (خيالها العلمي) على أرض واقعنا وتسمّينا: مناطق منكوبة، ونزاعات مسلّحة!!

أمّا كُتّابنا الذين يعيشون ضمن هذه المناطق وعانوا معاناتها، فإنّني (أغسل يدي) من معظمهم، وكأنّهم في غيبوبة عن الواقع، وإن كتبوا شيئًا، كتبوا عن الحبّ المنحرف بين الجنسين في ظلّ الحرب! تبًّا لكم.. ألم يبقَ في عالمنا سوى هذه التفاهة؟!
لا أريد أن تكتبوا عن ألم الأمّهات والآباء يشاهدون أبناءهم يحترقون، ذلك لأنّكم عاجزون عن الإحساس بهم فكيف تكتبون؟.

ولكن اكتبوا عن شيءٍ عايشتموه: عن الخوف عندما سمعتم صوت القذيفة أوّل مرّة، عن صرخة (يا لطيف) بصوت جاركم، عن صوت الحجارة المتساقطة المندكّة يبدو كهزيم الرعد المرعب في أذني طفل الخمسة أعوام، عنه مرتعشًا خلف ثوب أمّه وهي واقفةٌ تنظر بوجلٍ للدبّابة تحاول بعقلها الريفيّ البسيط أن تحصي الخسائر القادمة: أهو محصول الحبوب، أم شتلات البندورة، أم دجاجاتها، أم يحتلّون دارها؟! أبدًا لا تصل بتفكيرها إلى أن تمتدّ يدٌ إليها أو إلى ابنها.. إنّها تثق بهذا العالم أكثر ممّا يجب. تعرف اللصوص و(الحراميّة) ولكنّها لا تدرك أنّ (أبناء الحرام) يختلفون عنهم.
ألا تقدرون أن تكتبوا عن البرودة التي تسري في جسدها خلال ثوان عندما تراهم يترجّلون من الدبّابة ويجرّون زوجها أمامهم؟.. ألا تجيدون الكتابة عن قبضة يدها تشدّ على الصغير خلفها.. الآن فقط وصلتْ بتفكيرها إليه، وقد كانتْ تظنّه فوق السحاب محميًّا، وأدركتْ بفزعٍ أنّه جسدٍ من عظمٍ ولحمٍ قابلٍ للتمزّق.

العالم ليس بحاجة الخيال الكوارثيّ، فيه ما يكفيه. إن لم تكنوا قادرين على الكتابة عنه كما هو كي نمشي به نحو الأفضل والأجمل؛ فأريحونا
وببساطة.. اسكتوا.

أريد ألملمَني

أريد أن ألملم نفسي وأضع شتات (أنا)يَ في صندوقٍ واحدٍ أغلقه بعض الوقت. صندوقٍ عاديّ جدًّا لا يقف في طريق أحد، ولا يتعثّر به أحد، ولا يستثقل وجودَه أحد، والأهمّ.. ألا يحتاجَه أحد.
أحتاج أن تبقى مفاصلَه ساكنةً لفترة. ألا يتهشّم مزلاجه من كثرة الفتح والغلق. ألا يعتبرَه أحدٌ كرسيًّا لِمَدّ الساقَين! أو طاولةً لصينيّة الشاي! ألا يغطّيه أحدٌ بمفرشٍ ملوّنٍ كثير النقوش. ألا يتعرّض للطلاء أو التشميع أو التزييت. وألا يكون له قفل مُحكَم، ولا مفتاح. إنّ الأقفال والمفاتيح لا تحبّني، ولا أحبّها. أثق بأنّ الآخرين يجيدون الاستئذان. أريد أن أضعـ(ني) في مجرّد صندوقٍ عاديٍّ مهمَل.

أريد أن أحزن بعض الوقت بلا بهرجة ولا مشاركة، ولا تعليقات ولا تعقيبات ولا مناقشات ولا مهاترات. لقد جُنّ العالم تمامًا. جُنّ العالم.. إنّه لا يسكت ولا لحظة واحدة، ويجبرنا على الكلام حين نختار الصمت.
ماذا حلّ بـ: السكوت من ذهب؟!

أريد لحظةً أتعب فيها.. وحدي. وأشتكي لي، وأتّكئ عليّ، دون هاجس.
أريد أن أهوي دون تفكير في الاصطدام، لا أن أحلّق.. لا. ولا أريد الهبوط بمظلّة، حينها عليّ أن أحسب المسافة اللازمة لفتحها.
أريد لتلك الثواني المعدودة القصيرة من لحظة القفز وحتى ملامسة الماء؛ أن تطول..كفِلم بطيء. ولا أريد أن أهوي في الماء، حينها عليّ أن أفكّر في الطفو سريعًا والتقاط أنفاسي.
ولا أريد أن أهوي على سطحٍ مطّاطي، لا أريد أن أرتدّ كالطابة المجنونة!

أريد تلك اللحظة التي وقعتْ فيها (أليس) في جحر الأرنب، وصارتْ تهوي في الفراغ، وترى أشياء لا علاقة لها بها.. ولا تشعر بشيء تجاهها.. تهوي ولا تحسب الزمن اللازم للوصول، ولا الكتلة، ولا مقدار الدفع، ولا السرعة المطلوبة.. كانتْ تشعر بالفراغ وحسب، وكانتْ هادئةً جدًّا.. جدًّا.. أكثر بكثيرٍ ممّا يحتمله الموقف. كانتْ هادئةً تمامًا.. كشيءٍ معبّأٍ في صندوق.
تقريبًا؛ كانتْ ميّتة. وهكذا.. كان يحقّ لها أن تصمت، وألا يطالبها أحدٌ بالكلام، وألا تربت كتفَ أحد، وألا ترفُوَ جرحَ أحد، وألا يتعلّق بأطرافها أحد.. وألا تفكّر في أحد.
وللحظاتٍ كانتْ زمن غفوها وحلُمَها وقصّتَها كلّها..
للحظاتٍ، لم يفكّر فيها أحد، ولم يكن عليها أن تسمع ضجيج الحياة.

هدوء.

أنتِ بطلة

لا أحد يكتب عنكِ، عنّي، عن جيلنا نحن.

الذين يقولون والذين يكتبون والذين يحكمون هم الرجال. كنتُ وما زلتُ دائمًا أتساءل: لماذا قليلة هي الكتابات النسائيّة التفصيليّة عن نفسيّة الرجل أو عمره أو حياته، بينما تمتلئ المقالات والدراسات والكتابات بأقلام ذكوريّة تتحدّث عن النساء في: الحمل والإنجاب والسنّ المناسب للزواج وعمر الإنجاز وخريف العمر وسنّ اليأس والشيخوخة و…..
ربّما لأنّ المرأة تستطيع أن تعيش مستقلّة نفسيًّا وعاطفيًّا، أمّا الرجل فيبقى بحاجة للمرأة ومتعلّقًا بها، أيًّا كانتْ مرتبتها الاجتماعيّة بالنسبة له؟.

ولكنّي مستاءة من النساء اللواتي يرضين أن يتكلّم الرجل باسم مشاعرهنّ الشخصيّة، ويلُمْنه لأنّه لا يفهم شيئًا من الذي يتحدّث عنه. إذًا؛ لماذا لا تكتبن أنتنّ عن أنفسكنّ؟

ورجعتُ أقرأ وأبحث في ذاكرتي عن أغلب المقالات والمعلومات التي تتناول مراحل المرأة العمريّة، فوجدتُ:
1998_P_1346378847325
– الكثير من الكلام عن المرحلة العشرينيّة؛ باعتبارها سنّ الدراسة الجامعيّة والتفكير في الارتباط الزوجيّ وتأسيس أسرة. سنّ الانفتاح على الحياة والثقة بالنفس واتّخاذ القرارات وتحمّل نتائجها. سن التعلّم، الكثير منه، لأنّ العقل ما زال في أوج نشاطه واندفاعه وقوّته.
1998_P_1346378847199
– الكثير الكثير من الكلام عن مرحلة الأربعين والخمسين، وأنّها (خريف العمر) وسنّ اليأس. عن اكتئاب النساء في هذا العمر. عن خطر الإنجاب فيه. عن شعورهنّ بالخواء والانهيار والحاجة لوجود الرفيق (الرجل) في حياتهنّ.
7 6
– الكلام عن سنّ الستّين والسبعين على أنّها أعوام الشيخوخة والتهيّؤ للموت! و: اِلحق برَّ أمّكَ قبل فقْدِها، واختصار ذلك في أن تجعلها جالسةً مستريحة فقط.
– وأخيرًا؛ يقولون: عمر الثلاثين هو العمر الذهبيّ للمرأة. نقطة.. انتهى السطر. لا يزيدون شيئًا على هذا.

هنالك أشياء صحيحة فيما قالوا، لكنّي -باعتباري محسوبة على عالم النساء- أسمح لنفسي اليوم أن أتحدّث عن بعض ما لا يعرفه الرجال ليتكلّموا عنه. عن أشياء لا تقولها النساء غالبًا لعدّة أسباب:
– الشعور بأنّها بديهيّة وافتراض أنّ الرجل يدرك ذلك (أيًّا كانتْ مرتبته الاجتماعيّة في حياتهنّ).
– الشعور بعدم الجدوى من قولها لأنّ أحدًا لا يسمع ولا يفهم.
– افتقاد القدرة على صياغتها والتعبير عنها لأسباب مختلفة.

Fast-fifty-number-20
إذا كنتِ في العشرين من عمركِ وتعتقدين أنّ هذه أجمل مراحل حياتكِ؛ فاحتفظي بهذا الشعور ما استطعتِ لتتمكّني من مواجهة: تعسّر أمور الدراسة لأيّ ظروف في حياتك، تأخّر ارتباطكِ برجل أو ارتباطكِ المبكّر دون رغبتكِ، الشعور بنوعٍ من الضياع وعدم القدرة على تحديد الخيارات لمستقبل واضح. مرحلتكِ العشرينيّة هي فرصة رائعة للتعلّم، تذكّري هذا دائمًا: عقلكِ ما زال قادرًا على التركيز والاستيعاب والهضم والتحليل، مشاغلكِ أقلّ لو لم تكوني أمًّا، أو كنتِ أمًّا لأطفالٍ صغار. ما زال لديكِ الوقت لاختيار مهنة تحبّينها، ودراسة عددٍ من اللغات أو الدورات. ما زال هنالك من يتكفّل بالصرف المادّيّ تجاهكِ فاستغلّي هذا في التفرّغ للتعلّم والتدريب. استمتاعكِ بالإجازات والسفر يكون أفضل. هذا عمر رائع، لا تضيّعيه في الكآبة وصحبةٍ سوداويّة والتفاهات.

40 50-jaar-getrouwd-gouden-bruiloft
إذا كنتِ في الأربعين والخمسين، أصمّي أذنيكِ عن تسمية (سنّ اليأس) هذه، لقد تطوّر الطبّ كثيرًا كثيرًا. فإن كنتِ تسعين للإنجاب؛ فقط ابحثي عن طبيبةٍ تثقين بها وأكثري من الدعاء. إن كنتِ تعانين من أيّ مرضٍ فاتّجهي للطبيب وخذي علاجكِ وتابعي حياتكِ وكأنّ شيئًا لم يكن. إن كان أبناؤكِ كبروا فاستمتعي بتأمّلهم وقد صاروا أطول وأعرض من باب غرفتكِ، واتركي عن ذهنكِ بقيّة سلبيّاتهم لأنّهم صاروا بالغين مكلّفين محاسَبين، وأكثري من مديحهم. أكملي تعليمكِ لو كنتِ لم تحصلي على شهادة عليا، أو اتّجهي لتعلّم مهنة تحبّينها. انتظمي في دورة حاسوب، فقد صار ضرورة. أنتِ الخريف؟ إذًا أمطري وانفخي الأوراق الجافّة واغسلي الأشجار لتبدو أجمل في الربيع. لو كنتِ تعيشين في بلدٍ يسمح لكِ بالمشي في الشارع، فاخرجي وامشي كلّ يوم. ولو كنتِ مضطرّة للبقاء في البيت فاصنعي حديقة داخليّة من النباتات الخضراء، وأعدّي كوب قهوتكِ وضعيه على الطاولة في منتصف غرفة الجلوس، ثم اعرضي على اليوتيوب مشهدًا لموج البحر مع صوته، وامشي ربع ساعة داخل الغرفة، ثمّ اجلسي واشربي قهوتك. هذا عمرٌ رائع، لا تخسريه في الاستماع لمن يتكلّم عن ذبول الشباب. وتذكّري أنّ السيدة خديجة كانتْ في قمّة عطائها وحبّها وجمالها في هذا العمر.

60 image 240_F_26945411_DhoGK1ZKVmHSFqcVl0ENMnHqwOf9SytV
إذا كنتِ في الستّين أو السبعين أو الثمانين؛ اسمحي لي أن أقبّل يديكِ لأنّكِ قادرةٌ على التعامل مع التكنلوجيا وقراءة هذه الكلمات. هذا أنسب عمر لبدء (مشروع حياتكِ) الذي لم تتمكّني من إنجازه سابقًا. فالوقت لديكِ والمسؤوليّات قلّت، والمال متوفّر بإذن الله. طالما ما زلتِ تحتفظين بعقلكِ فهذا أهمّ كنز. وإن خاطبكِ من هو قريبٌ من عمركِ بكلمة: يا جدّتي بدلا من: يا أمّي، أو يا خالة.. فلا تغضبي أبدًا، بل ابتسمي للوقار الذي يبدو عليكِ ويمنحكِ الاحترام والتقدير ممّن حولك. فهذه الكلمة (الجدّة والأمّ والخالة) لا تُهدى لأيٍّ كانتْ. لا تنسي أن تلتزمي بأدويتكِ والغذاء الصحّي، والمشي. فالحركة بركة.

أمّا وأنتِ صديقتي ومن جيلي الثلاثيني، العمر الذهبيّ الذي لا يتكلّم عنه أحد سوى: بالروعة والمديح المبهَم، والانبهار، ولا يقتربون من تفاصيله أبدًا.. تعالي نتحدّث معًا عن (مطبّ) الثلاثين، عن (حفرة) الثلاثين، عن (صدمة) الثلاثين.
لا يعرفون أنّ المرأة في الثلاثين تعبر مرحلة فاصلة كلّ ما فيها يتغيّر ويطحنها طحنًا:
– الهرمونات تجنّ وتتصرّف بفوضى، لا تخضع لمنطقٍ ولا لنظام. كلّ ما يحدث قبل الثلاثين من أمور النساء جملة وتفصيلا يختلف تمامًا بعد الثلاثين.
– إذا لم تكوني متزوّجة؛ فسيجعلكِ المجتمع همّه وحديثه. وإن كنتِ متزوّجة لم تنجبي فسينصحونكِ بألف طبيب، وإن كنتِ أنجبتِ فعلا.. سيلحّون عليكِ بإنجاب المزيد قبل بلوغ الأربعين باعتبارها خطّ نهاية صلاحيّتكِ كأنثى!
– يرتفع احتمال إصابتكِ بالأمراض التالية (إن لم تكوني مصابة بها من قبل): السكّر، الشقيقة (الصداع النصفي)، الصداع الهرموني (صداع يستمرّ خمسة أيام إلى أسبوع قبل موعد الدورة الشهرية)، الديسك (انضغاط فقرات الظهر)، الاكتئاب (وهو مرض حقيقيّ ومن مظاهره العديدة العصبيّة)، أمراض ومشاكل المبايض، أمراض الغدد، الخمول والإرهاق المفاجئ، فقدان الذاكرة الجزئيّ (تشعرين بها كحالات من الغيبوبة وكأنّ أجزاء من ذاكرتكِ سقطت).
– تكتسبين الوزن بشكل مفاجئ ومخيف، وتفشل جميع أنظمة الحمية التي تحاولين الالتزام بها، بالإضافة إلى تغيير في عاداتكِ الغذائيّة لا تستطيعين السيطرة عليه.
– تشعرين أنّ كلّ ما بكِ/لكِ/حولكِ لا يلائمكِ وليس في مكانه الصحيح: بدءًا من وضع جسمكِ، وجهك، شعرك، وزنك، مرورًا بملابسكِ وأغراضكِ الشخصية، بيتكِ وأثاثه، انتهاءً بالناس الذين يحيطون بك!
– تميلين إلى الوِحدة والابتعاد عن الضوضاء، وتنتظرين الفرصة لتجلسي دون عملٍ أو هدف محدّد، وتعلّلين ذلك بأنّه (مجرّد قسط من الراحة يحقّ لك).
– تفكّرين في الاتفصال عن شريك الحياة إذا كنتِ متزوّجة في عمر العشرينيّات أو ما قبلها. وتتردّدين كثيرًا بشأن الارتباط إن لم تكوني متزوّجة.
– تنزَعين إلى الالتزام الدينيّ وتفتّشين عن مصدرٍ روحانيّ موثوق، أو العكس.
– تنظرين بحسرة إلى عمر العشرينات الذي غادرتِه، وشيءٍ من الغيظ من بنات جيله لأنّهنّ -بنظرك- مستهترات متهوّرات لا يعرفن قيمة عمرهنّ و(حرّيتهنّ).
– تميلين إلى التخلّي عن صديقات الطفولة وتشعرين أنّ (هنالك علاقات لها مدّة صلاحيّة وقد انتهتْ).
– تروادكِ فكرة التخلّي عن الحياة والهروب وبدء حياةٍ جديدة من الصفر، لوحدك.

ربّما شعرتِ بكلّ ذلك، بنصفه، أو بربعه.. أو لا شيء منه. إن كنتِ تشعرين به؛ فتابعي القراءة:
30th-sparklers
– أنتِ رغم تلك الهرمونات المجنونة التي سيستمرّ جنونها لسنواتٍ قادمة؛ تضبطين أعصابكِ وتصرّفاتكِ، وتبحثين عن الوسائل المساعدة في ذلك.
– أنتِ غير متزوّجة، متزوّجة ولستِ أمًّا، مطلّقة، متزوّجة وأمّ، وضعكِ الاجتماعي في أيّة خانةٍ كان؛ لا يعدو كونه جزءًا من شخصيّتكِ وهكذا تتصرّفين، وتتجاوبين مع تعليقات المجتمع المستفزّة بدعابة.
– أنتِ مصابةٌ فعلا بمرضٍ دائم؛ لكنّك لا تشكين من أعراضه طيلة الوقت لأنّكِ قادرةٌ -بشيءٍ من الهمّة- أن تتأقلمي معه وتكملي حياتكِ بشكلٍ طبيعيّ.
– تتقرّبين من الله بمختلف الوسائل والطرق، دون ضغطٍ أو سلطة من أحد.. وتكتشفين روعة ذلك.
– تشعرين بالسعادة والبهجة حين تخاطبكِ من هي أصغر منكِ كما تخاطب الشيوخ، وتعتبرينه دليل احترام. وتشعرين بالفخر حين تستشيرك من هي أكبر منكِ اعترافًا منها بخبرتكِ.
– رغم كلّ المسافات المكانيّة والزمانيّة الفاصلة؛ تسألين باستمرار عن أحوال الصديقات، وتطردين كلّ هواجس سوء الظنّ بتقصيرهنّ، وتطيرين فرحًا بإنجازاتهنّ حتى لو كانتْ منافسة لإنجازاتكِ أو متفوّقة عليها.
– تهربين بأفكاركِ إلى المستقبل؛ وتتخيّلين مكانكِ بعد عشرة أعوام. تخطّطين أيّة خبرات تريدين اكتسابها، وأيّة عادات تريدين تركها، وأيّة تجاعيد ستبتسمين لظهورها.
– تتقبّلين التغيّرات الجديدة في شكلكِ، وتكفّين عن (هوس المراهقات) في الاحتفاظ بالقوام الفاتن، والشعر الرائع. وتستبدلين بذلك كلّه: الصحّة والعافية والأناقة.
– تركضين طيلة النهار، وحين تجلسين لترتاحي وتجدين الأعمال المتراكمة، تبتسمين لها وتقولين: أعلم أنّكِ لن تهربي، وأنا سارتاح الآن.. ثمّ نتفاهم.

أنتِ فعلا في العمر الذهبيّ؛ العمر الذي يسمّيه الجميع (سنّ الكمال). لأنّكِ تقعين في الوسط، في المنطقة الفاصلة بين جيلين يعتمدان عليكِ؛ بين الابنة والأمّ، بين المعلّم والمتعلّم، بين المربّي والمتربّي. العالم ينظر إليكِ في كلّ موقعٍ فيراكِ قادرةً، ومسيطرةً، وعلى أهبة الاستعداد. وأنتِ لستِ وحدكِ، كلنا مثلكِ، جيلك.
أنتِ البطلة، إذا كنتِ: تملكين خطّة واضحة وهدفًا في الحياة مرتبطًا بالآخرة تعملين على تحقيقه؛ يوميًّا، ولو بخطوات بسيطة. فقط، لا تتوقّفي.