ناموسيتك كُحلي

(ناموسيتك كُحلي)، هكذا يُقال هذا المثل عادة، بنبرة ساخرة لائمة، لمن تصحو متأخّرة.
وكأنّ الناموسية التي هي عبارة عن قماش أبيض شبَكيّ خفيف لردّ الناموس، قد حجبت عنها أشعة الشمس فحسبتْ أن الليل ما زال مقيما فتأخرت في الصحو. لكن لماذا على الفتاة تحديداً أن تصحو مبكّرة؟

شخصيّاً: أتنكّد لو صحوتُ بعد التاسعة، لا أعرف متى ولا كيف صار هذا طبعي، في بيت أهلي من المعتاد ألا نتأخر حتى الظهر في النوم حتى في الإجازات ومع السهر، أما في أيام سورية، كنت أصحو في العاشرة أو بعد، لكن حين يكون هنالك موعد، كنت أصحو مع أمي، مثل مواعيد الجوازات، أو نزلة الخالدية لتجهيز مونة الحصرم. وللأسف، كنا نصحو باكرا فنجد الدنيا نائمة! السوق نائم، والخلق نائمون، إلا محلات نادرة جدا. يضايقني هذا الأمر حتى هنا في هامبورغ، معظم مراكز التسوّق لا تفتح قبل التاسعة، وبعضها في التاسعة والنصف، والصيدليات كذلك. وطبعا، اختراع السوبرماركت الذي يفتح أربعا وعشرين ساعة غير موجود. المحالّ التي تفتح باكرا هي المخابز والمقاهي، في السادسة.
أحمد الله أن الماركت القريب ومحلّ أفغاني (حلال) يفتحان أبوابهما في السابعة.
قد يتساءل البعض بخبث: وهل تخرجين في السابعة للتسوق في عتمة وبرد الشتاء؟ بلى أفعل، وهذا أفضل وقت للتسوّق، لأنّي -أوّلا- مصابة بصداع السوق، وهي متلازمة معروفة لمن يصابون بالصداع في الأماكن المليئة بالأضواء والألوان والأصوات والروائح، التي تصيبهم بالتشتّت ويصيبهم الصداع وهم يجتهدون للتركيز في الحصول على مرادهم. البعض يعتبر هذا نوعاً من أطياف التوحّد. وثانيا، هذا الوقت يكون فيه الأولاد نائمون، وأنا أعتقد أن السوق والأولاد لا يصحّ أن يجتمعا في سياق جملة ولا واقع!
وأزيدك من الشعر بيتا، أفعلها في نهاية الأسبوع.. يوم السبت الذي يفترض أن أضحّي بالنومة فيه. يعني أنام للضحى، وليس أضحّي بالنومة فأذبحها، مع أنّ هذا ما يحدث!

اليوم السبت، صحوتُ بعد الثامنة بقليل، انزعجتُ كثيراً لأنّي تذكّرتُ أني نهضتُ في الخامسة لأطفئ المنبّه وأعود للنوم. منبّه الخامسة صباحاً الذي التزمتُ به هذا الأسبوع فأسعدني هذا الوقت كثيراً، ساعتان رائعتان قبل قيام الأولاد للمدرسة. لكنّ الالتزام بروتين مع وجود رضيع ومراهقة ينامان في غرفة واحدة، هو أمر أشبه بالمعجزة. تأخّر نوم الصغير فتأخّر نومي ونمتُ بنفسٍ نكِدة أصلا.
لكنّي حين صحوتُ، قرّرتُ ألا أضيع وقتي في النكد، هكذا صلّيتُ ركعتين، وراجعتُ حفظي من القرآن، وقمتُ بتمارين بسيطة، رتّبتُ الغرفة، والحمّام وجمعتُ الغسيل، وأخذ هذا منّي ساعة تقريبا، وأنا أسمع صوت ابني مع أبيه، يلعب تارة وينقّ تارة.. وأتجاهله حتى أنهيتُ كلّ ما أحتاجه ليتراجع نكدي إلى مستواه الأدنى، وأنا أرى الساعة ما زالتْ قبل العاشرة وقد أنجزتُ بعض (وقتي الخاصّ)، عندها فقط ذهبتُ إليهم.
كان من الصعب جدّاً أن أشرح لزوجي تحديداً أني لا أطيق أن أكلّم أحداً حين أصحو من النوم، لمدّة ساعة على الأكثر، أحتاج أن أرتّب أفكاري بصمت داخل جمجمتي، لكنّه الآن بعد هذه السنوات صار يفهم أنّي لست غاضبة منه حين أفعل ذلك.

وأنا إنسانة طبيعيّة، لستُ روبوتاً، فلا أقدر أن أبقى طيلة الشهر على نظام ثابت، لا بدّ أن نعترف أن الهرمونات والحالة الصحية ووجود شركاء في المسكن، يؤثّر علينا، وأن نتمتّع بالمرونة إلى حدّ ما بخصوص النظام الذي نختاره لأنفسنا. بالطبع أعاني أنا أيضا مثل غيري في نصف الكرة الشمالي، من التفاوت الرهيب الرهيب بين الصيف والشتاء في هذه البلاد، ولكن من رحمة الله أنه تفاوت يحدث بالتدريج على مدار العام كله، وليس دفعة واحدة. فنتأقلم ببطء مع العتمة وقصر النهار، ونذكّر أنفسنا أنها ثلاثة أشهر وستمضي.

أغتاظ حين أسمع طبيباً يتكلّم عن النوم باكراً، وأنّ المدّة التي يجب أن ننامها هي ثمان ساعات يوميّاً، وعن التجارب التي أجروها على عدد من الناس، ووجدوا أنهم ينامون أقلّ من المعدّل الحقيقيّ وأنهم مرهقون. أشعر أنّي أريد أن أمسك بخناقه، من ياقة معطفه الأبيض المغسول والمكويّ، وأخضّ (معلاقه) وأنا أسأله: ألم تفكّر لماذا لا تقول مثل هذا الكلام طبيبة؟. للأسف، يتصرّف بعض الرجال وكأنّ الله خلق كلّ الكائنات على شاكلتهم!
هنالك رجال لا ينامون ويصلون الليل بالنهار في أعمالهم، ورجال يسهرون مع أطفالهم الرضّع الذين تخلّت عنهم أمهاتهم.. نعم، وهؤلاء أيضاً لا يراهم ذلك الطبيب، بل يقول إنّهم (حالات فرديّة)، وهو يخاطب الوضع العامّ الطبيعيّ. ممممم.. وهذا يعني أن أكثر من نصف سكّان الكوكب هم حالات فرديّة!

لم أقتنع في حياتي كلّها بشيء اسمه: تثبيت موعد النوم. ولا أظنّ أن هذا الاختراع كان موجوداً في أي زمن سوى زماننا هذا، زمن البدع العجيبة. فمن زمن بعيد كانت هنالك حروب وكان القادة لا ينامون، وكان هنالك عمل يصل الليل بالنهار، وكان هنالك رضّع لا تنام أمّهاتهم.

كنتُ أيام المدرسة والجامعة، لا أكتب ولا أدرس إلا ليلا في العتمة، وأرى أن النهار موجود للعمل الذي يحتاج حركة. واليوم، صرتُ أكتب في أي وقتٍ كي لا تطير الأفكار، لكني في النهاية، لا بدّ أن أجلس ليلا إلى الحاسوب لأقدر أن أكتب بهدوء، وتركيز.

الآن دعوني أحكي لكم حقيقة مضحكة، نتجتْ عن المساواة التي طالبت بها النساء هنا.
إنّ الذي نتج عن تحقيق تلك (المساواة) أنّنا -كنساء- (أكلنا هوا):
لو كنتِ تصحين مبكّراً في ألمانيا، أهلا بكِ.. التعاسة بانتظارك! بداية من إخراج القمامة وفرزها في حاوياتها المخصّصة، لأنّ سيّارة القمامة تأتي باكرا وقد تفوتك وتبقى القمامة أسبوعا أو أكثر حتى موعد الجمع القادم، بالإضافة إلى القمامة التي نخذها نحن لنوصلها للحاويات الخاصّة. خمّنوا كم حاوية للفرز داخل البيت؟ أربع في المطبخ فقط: العضوية والعادية، البلاستيك والمعادن في حاوية، الأوراق والكرتون في حاوية. ثمّ هنالك تجميع الزجاج لأخذه إلى الحاوية أمام مركزّ التسّوق، وله حاويات بحسب ألوانه، ولا بد أن نغسل تلك المطربات أولا وننظفها، ونزيل منها المعدن أو البلاستيك الملحق بها. وأخيرا تجميع القناني البلاستيكية التي نعيدها للسوبرماركت ونأخذ مقابلها نقوداً.
بعد هذا كلّه قومي يا سيّدتي النشيطة بتحضير الأبناء للمدرسة وتوصيلهم، ثم تسوّقي أغراض بيتك في التخفيضات وقسائم الخصومات، وهذا يعني أن تدوري أكثر من محل، وتخرجي أكثر من مرة في نفس النهار من البيت. إما هذا، أو أن تصلي نهاية الشهر بلا نقود.

وقد يقول قائل: ولكن الرجل الألماني يقوم بهذه المهمات مع زوجته، وليس كالرجل العربي يرمي عليها كل شيء. وأردّ عليه: من قال لك؟. هل جلستَ مع عشرة نساء متزوّجات من رجال ألمان وقلنَ جميعا هذا الكلام؟. باختصار، لا. لا ألماني ولا عربي، الرجل هو الرجل، والمرأة هي المرأة في كلّ الثقافات. والمشكلة هنا بسبب القانون والعُرف ونظام المجتمع.

أما في ثقافتنا ومجتمعنا، فنجد بعض الأهل يقولون: اترك الشاب نائما لأنه -يا عيني- سيكبر ويفتح بيتا ويهلك في الدوام. فنجد الشاب لا كبر ولا فتح بيتا ولا تزوج كي لا يحمل مسؤولية.
بينما البنت لا تشبع نوما لا في بيت أهلها ولا بيتها، ولن أقول بيت زوجها لأن البيت جاء على شرف مجيئها، ولولا أنه تزوجها لما فكّر أن يسـتأجر بيتا ولبقي في دار أهله يخدمونه ببلاش، فالدار دارها، ومع ذلك لا ترتاح فيها.

ثم تُلام النساء لمّا يخرجن للعمل في وظائف بالكاد تغطي رواتبها المواصلات والخادمة والحضانة والأكل الجاهز.
لماذا يعملن إذا؟ غراماً بالشقاء؟!
بل يردن ببساطة الحصول على مال مقابل الجهد، فكلمة (يعطيك العافية) لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة ولا بالمجهر ولا تملأ حصّالة! ولا يمكن لها أن تحصل على هذا المال من بقائها في البيت، لأن كثيرات لا يملكن حسابات بنكيّة، ولا يسحبن من رواتب أزواجهن راتبا شهريا. وهذه مهمّتها وحقّها، هو لن يتذكر أن يفعل ذلك لها، فعليها أن تطلب.

أثناء جلوسنا للمائدة، تعجّبت صفية أن أبوها لم يكن يعمل من البيت في هذا اليوم، قالت له: كأنك تعمل كثيراً؟ خرجتَ من السادسة والنصف من البيت ولم ترجع إلا في السادسة مساء،
قال لها: أنا أعمل ثمانيَ ساعات، هذا الطبيعي، أتظنّينه كثيرا؟ أمّك تعمل خمسة أضعاف عملي في المدّة نفسها.
والله إنّني مندهشة مثلكِ أنتِ التي تقرئين، وقد فوجئتُ شخصيّاً بهذا التصريح، الحمد لله، جاءت لنا لا علينا.

أمّا حين أناقش النساء في الأمر، يقلن: لماذا أحصل على مصروف وأدخل في تعقيدات البنوك؟ أنا أطلب منه متى شئت ما أريد. هكذا أفضل، فهو يعرف أني طلبت النقود لسببٍ يراه بعينه. لا أريد أن يحاسبني أو يسألني أين وكيف صرفت.
ولأي شيء تطلبين النقود؟ لك أم للبيت والأولاد؟
= كيف يعني؟
يعني متى آخر مرّة اشتريت قطعة ملابس لكِ لأنها أعجبتك؟ قلم كحل؟ زجاجة عطر؟ حتى لو عندك عشرة غيرها. متى أكلتِ قطعة كعك ولم تغصّي بها لأنك تأكلين دون الأولاد؟ وتكون الإجابة أنها لم تفعل ذلك أبدا.
أين المشكلة في ذلك؟ المشكلة أنها تنفجر فجأة في وجه زوجها وأولادها، والحق يكون عليها لا معها. لأنها سكتت وراكمت ضيقها داخلها. فالمصروف حقّها الشرعيّ، وليس صدقة منه.
وإن كان يخاف الله فلن يرفض، بالعكس.. معظم الرجال يريحه هذا الأسلوب أكثر، وإن كانت تخاف الله فلن تبالغ أو تأخذ أكثر من حاجتها. ثم النساء أشطر عادة في التوفير، وأعرف من في زماننا هذا تأخذ النقود من الزوج لتخفيها في البيت، لأن الزوج (كريم زيادة وإيده فِرطة ومعازيمه كثر).

والخلاصة: أن تبدئي يومكِ باكراً، ليس للبيت ولا الأطفال ولا العمل ولا الدراسة. افعليه لكِ فحسب.. واحصلي على حقّكِ بهدوء دون ارتباك ولا سخط. العالم لن يعاملكِ بعدلٍ أبداً، إلا لو كانتْ معكِ قوّة الله. وهذه لن تحصلي عليها بنومة طويلة وصحوٍ متأخّر ودوّامة من الفوضى والسهر لا تنتهي.

22 جمادى الآخرة 1444
15.1.2023


فليت الغضا يا غالية

تقول نفسي: لن تتمكني من الهروب إلى الأبد.
لكني لا أهرب، أنا أريد أن أكتب، أن ألقي بهذا الحِمل من على كاهلي، وأرمي به على كاهل كلماتي. لكنها تأتي في أوقاتٍ أكون فيها مشغولة اليدين.. عاجزة عن ترك الحاضر والركض لبكاء الماضي.

الماضي؟ هل حقا صرتِ من الماضي؟ كيف اختفت كلّ أفعال المضارعة والمستقبل هكذا من الحديث عنكِ؟
بعض الأحزان أكبر من استيعابنا، بعضها أكبر من البكاء ذاته. لستُ أهرب منه، لكنّي -فقط- عاجزة عنه.

( أَقولُ لأَصحابي اِرفَعوني فَإِنَّهُ::يَقَرُّ بِعَيني أَن سُهَيلٌ بَدا لِيا
فليت الغضا..)
ما أذكره من كلام أمّي، أنّكِ من اقترحتِ عليها اسمي. ربّما كانت هذه هي البداية.
أذكر ما كانوا يقولونه عن شبهي بكِ، أذكر في عرس ابنة خالتي أنّي جلستُ معكِ ومع ابنتيكِ بينما ذهبتْ أمّي مع خالتي تسلّم على بعض المعارف. كانت النساء يسلّمن عليك، ويلتفتن إليّ قائلات: بنتك الكبيرة ما هيك؟
تبتسمين ابتسامتك الجميلة وتردّين: لا، هي بنت اختي ثناء. وتشيرين إلى بناتك.
بعد سنوات طويلة، وأنا هنا في غربتي، كتبتْ لي صديقةُ طفولة لم تعرفكِ من قبل، تقول: مو معقول بنت خالتك أدّيش بتشبهك. وراحتْ تتذكّر الاسم، رحتُ أفكّر وأسألها: فلانة؟ لا.. فلانة؟ لا.. ثم تذكّرتْه فقالتْه، وفاجأتْني، قلتُ بسعادة: حقّا؟ قالتْ: بشكل مو طبيعي، كأنها أختك!

(فَيا صاحِبي رَحلي دَنا المَوتُ فَاِنزِلا::بِرابِيَةٍ إِنّي مُقيمٌ لَيالِيا
فليت الغضا..)
أذكر نانا، في آخر عام لقيتُها، لم تكن تناديني باسمي أبدا، إما أن تناديني باسمك، أو تحاول تذكّر من أنا، أو تقول لي: فينا أختك؟ مشيرة إلى أمّي.. تحسبني أنتِ.
أمّا ماما، فمذ صرتُ أمّاً لبنتين، كانتْ تكلّمني أحيانا على أنها تكلّمكِ، فتقول لي أخوكِ وهي تقصد خالي.. واعتدتُ كلّ هذا، وأحببتُه.

(لقد كان في أهل الغضا لو دنا الغضا::مزارٌ ولكنّ الغضا ليس دانيا
فليت الغضا..)
أكثر ما أحببتُه أنّكِ كنتِ معلّمتي في المدرسة لعامين متتالين، درستُ الأدب والشعر معكِ فأحببتُه وتعلّمتُ كيف أقاسم الشاعر إحساسه وأنا أراكِ تحلّلين الأبيات كطبيب نفسيّ. علّمتِني أن النحو كالمعادلات الرياضية، كنتُ أتسلّى بالإعراب كلعب الألغاز، حتى صرتُ أصحّح لمعلّمتي التي خلَفتْكِ.

وبالأمس القريب، صادف أن سمعتُ إلقاءً مؤثّراً لقصيدة مالك بن الرّيب، وإذ راحت الأبيات تتوالى، كانتْ صورتكِ واقفة، أنيقة، جميلة، مضيئة الوجه، واثقة، قد حضرتْ، يوم شرحتِ لنا في قاعة الدرس الأبيات ذاتها.
لا تخطئين في حركة أبدا، ولا تغضبين أبدا، نظرة واحدة من عينيكِ تكفي ليسكت الكلّ ويصغي. خطّ يدكِ الدقيق الواضح الجميل على لوح الكتابة. كلّ شيء مرّت عليه عشرون سنة وأكثر.. أذكره تماماً.

ذكرتُكِ واقفة في قاعة الدرس، تضبطين نفسكِ عن البكاء تأثّراً بالأبيات إذ تقرئينها،
حتى وصلتِ:
(وبالرمل منّا نسوة لو شَهِدْنَني :: بكَينَ وفَدَّين الطبيبَ المُداويا
فمنهنّ أمّي وابنتايَ وخالتي :: وباكيةٌ أخرى تَهيجُ البواكيا)
فالتمعتْ عيناكِ، وارتجف صوتكِ، وسألتِنا: من هي برأيكم تلك الباكية؟
وكانتْ يدي -كالعادة في درسكِ- هي الأسبق، وكنتِ -كالعادة- تؤخّرين إجابتي لتكون الأخيرة إذ تثقين بصوابها في كلّ مرة.
وأجابت الزميلات: زوجته.

لم تكن تلك قصيدة عادية، ولم يكن درس خالتي يوماً عاديّاً في حصص الأدب. كانتْ تحبّ ما تقرأ، وتحبّ ما تُلقي وتحبّ ما تعطي ومن تعطي. لكنّي لا أذكرها تأثّرتْ بقصيدة مثل هذه.

(أقيما عَلَيَّ اليَومَ أَو بَعضَ لَيلَةٍ::وَلا تُعجلاني قَد تَبَيَّنَ شانِيا
فليت الغضا..)
لم أستوعب كيف رحلتِ وأنا لم أركِ منذ سنوات طويلة؟ كيف مرّتْ كلها دون أن نلتقي؟
مرضتِ أوّلا، وكنتُ أراكِ وأكلّمكِ عبر الأثير، وتقول أمّي إنك بخير تتعافين.
ثمّ سافرتما، وأرسلتْ لي صورة جديدة. أقول لها: خالتي تبدو متعبة جدّاً وشاحبة. فتقول: لقد تعافتْ توّاً، لكنّ العلاج لم يكن سهلا، تحتاج وقتاً لتستردّ قوّتها.. لا تقلقي.
لم يكن أحد يعلم، حتى أنتِ لم تعلمي يقيناً.
ثمّ مرّ كلّ شيء سريعاً سريعاً عليّ وأنا في البُعد، حدث تلو الآخر، حتى عرفنا أنّ ما بقي مجرّد أيام.. أو ساعات.
أردتُ أن أتّصل بابنتيكِ.. فكّرت: ماذا قد يقول المرء في مثل هذا الموقف؟ لم أعرف.
أنتِ كنتِ تعرفين، وأظنّكِ قلتِه لهما.

(وَقوما إِذا ما اِستُلَّ روحي فَهَيِّئا::لِيَ السّدرَ وَالأَكفانَ عِندَ فَنائِيا
فليت الغضا..)
كيف يرثي المرء نفسه؟ كيف يقف أمام حقيقة الموت ليقول لمن يحبّ:
إنّي راحلٌ عنكم، فتجلّدوا؟
إنّي سأدفن بعيداً، فلا تجزعوا!
إنّ المرض قد فتك بجسدي، وأخذ بقوّتي، والطبّ عاجز، فتقبّلوا الخبر حين يصلكم.

ماتتْ في أرضٍ ربّما عدّتها وطناً لها، لكنّ تلك الأرض حرمتنا أن نكون قربها في مرضها كما كنّا قبل في عافيتها. منعتنا أن نسند ابنتيها، وأن نمشي في جنازتها، ونبكي معهما. أن نزور قبرها.
هكذا.. كابن الريب، رحلتْ بشجاعة رغم الألم.

(فليت الغضا لم يقطع الركب عَرضه::وليت الغضا ماشى الركاب لياليا)

الآن فقط أكمل هذا البيت الذي أحببتُه يوم تعلّمتُ القصيدة معكِ. تذكرين شرحكِ له؟
يتمنّى مالك لو أنّ قافلته لم تغادر وادي الغضا، ولم يرحل عن أهل بيته وعن موطنه.. لو أنّ الوادي مشى مع الركْب، كيف؟ أن تتباطأ القافة فتتأخّر ولا تجتاز الوادي إلا بعد ليالٍ طويلة.

فليتني وليتكِ وليتنا لم نغادر، ولم نفترق قبل أن نتودّع.. ولكنّها لا تنفع ليت.

رحمك الله، وآنس وحشتك، وأوسع لكِ في قبرك وِسع هذه الأرض، وجعله جنّة من جنان الشهداء والصالحين.. حتى نلقاكِ في جنّتِه الآخرة.

3.10.2022


فانظر عمن تأخذ فكرك

تعثّرتُ قبل أسبوعين تقريبا برابطٍ لمقالةٍ على فيسبوك، من ستوري حسابٍ ما على الانستغرام. احتفظتُ بالرابط وبدأتُ بقراءته. للوهلة الأولى وبعد اطلاع سريعٍ جدّاً، ومخلٍّ جدّاً على العنوان والأفكار البارزة، شعرتُ أنّه يستحقّ الإعجاب، ثمّ تركته لقراءة متمعّنة لم أتفرّغ لها. فطالعني اليوم على قناة السبيل في اليوتيوب، مقطع يفنّد أفكار المقالة إياها، ويردّ عليها بدقّة وهدوء.

يمكنكم الاطلاع على المقالة الأصلية هنا
وعلى مقطع الفيديو
هنا

ولكن قبل الاطلاع، لا بدّ من تكرار التنبيه الذي ذكرتْه صاحبة الفيديو مشكورة في بدايته: إذا لم تكن على اتصال مباشر بالموضوع، ولم تتأثر به، فلا تقرأ ولا تشاهد الفيديو، لأنّ هذا سيفتح عليك بابا أنت في غنى عنه. والأصل أن يبتعد الإنسان عن الشبهات لا أن يعرّض نفسه لها.

أمّا ما سأقوله، فليس ردّاً على أفكار المقالة لأنّي لا أملك عِلما في مجال المقالة لأردّ به، بل على فكرة الكتابة وشخص الكاتبة. نعم، لقد وجدتُ أنّه من المعيب حقّاً كمّ المتابعين لشخصيّة مجهولة والمؤيدين لفكرها، والناشرين له، وهو فكر يمسّ دينهم في صميمه!
متى سنتوقّف عن: فصل الشخص عن أفكاره؟! متى ستنتهي هذه الموجة اللامنطقية؟! كيف تفصل الماء عن الماء إن لم يكن في وعاءين مختلفين؟! فكيف تفصل الإنسان عن فكره إذا لم تقطع رأسه عن جسده؟!. نعم، أنا من هؤلاء الذين يهاجمون الأشخاص، ويحذّرون منهم، حين يجدون من أفعالهم ما يوجب ذلك، ومن يرى أنّ هذا ليس من الإسلام (الحقّ وليس الإسلام الجديد)، فليأتني بالبرهان.
كيف يُعرف الخبيث من الطيّب إذا صار كلّ الناس مائعين في الأحكام؟. لماذا حين يدبّج أحدهم مقالة في التكنلوجيا نجد ألف متصدّر للردّ عليه وتسفيهه، ولا نجد مثل ذلك في علوم الدين؟. ولماذا حين يتقدّم شخص للزواج يلحّ الناس في السؤال عنه في أقاصي الأرض، ولا يسألون عن شخص في الإنترنت يكلّمهم في دينهم؟ في قوام حياتهم وأساسها؟!
الأفكار هي نتاج شخصية وحياة، فكيف تأخذ فكرة مجرّدة وتعجب بها دون أن تفتّش عن قائلها الذي أُعجبتَ به ضمناً، ولا بدّ أن نفسك قد تاقت لرؤيته والتعرّف إليه؟
أليس غير المسلم يقرأ فكرة، أو يرى تطبيقها العمليّ فيعجب بها، فنخبره أنّ مصدرها هو الدين، ومن جاء بها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فيسعى للقراءة والبحث عن هذا الشخص؟. فكيف بالمسلم وبمن يأخذ عنه فِكره ومعتقده ودينه؟
شيء عجيب ومؤلم، أن نرى من يقول عن نفسه إنه باحث أو أكاديمي أو أيا يكن، ويصوغ أفكاره بلغة قوية فنكتفي بهذا ونأخذ ما في جعبته لنضيفه إلى جعابنا، لنكتشف بعد حينٍ أنّ ما أثقلنا به ظهورنا وحملناه بحرصٍ وشغفٍ واهتمام وحرسناه لم يكن ألماسا ولا ذهبا، بل حجارة صلدة!

الفيسبوك هو حرفيّاً (قهوة أبو عرب): يجتمع فيه مختلف خلق الله، من العالِم للبلطجي للشريف للحرامي للجاهل للمتعلم للمتعالم للتقيّ للفاجر. لكنّهم لا يتجالسون، ولا تكون جلساتهم متشابهة، ستجدهم في اجتماعات مختلفة، وتدلّ مظاهرهم عليهم. أي نعم، من قال إنّ الكتاب باين من عنوانه لم يخطئ دائماً. فمن يأخذ قهوته ويمضي، ومن يمرّ ليسلم على أصحابه مروراً سريعا ليدعوهم لمجلس علم أو صلاةٍ جامعة، أو يحثّهم على رياضة تحرّك أبدانهم، يختلف عن المستوطن من الصباح للمساء، يغرف بسمعه من المجالس حوله، لكنها مقتطفات، ومعظمها لا يصلح لبناء شخص.
لذلك، حين أجد مقالة رصينة جدا ليس لها مصدر آخر غير الفيسبوك، مقالة تدّعي العلمية، ويدّعي كاتبها العِلم والمعرفة، ولا تعريف بهذا الكاتب ولا شيء يدلّ على جهده وعلمه وخلفيّته سوى تلك الصفحة في (المقهى)، فلا بدّ أن أرتاب.. وأحتاط، وأفعّل كلّ الفلاتر في عقلي.
فمن هذا أو هذه لآخذ عنه ومنه؟ ولأعجب به، وأسوّق له؟

ولقد بحثت في خلفية الكاتبة علني أصل إلى شيء: قلتُ ربما هي من بيت علم، وأهلها معروفون بذلك، وأنا الجاهلة، فتشجعتْ وقد نشأتْ في بيت باحثين، فلم أجد ما يشير إليها سوى مقالات الرأي.

نحن في مصيبة اسمها: حرية التعبير عن الرأي! لم يعد هنالك عقول تعتقد بالحدود، وصار كلّ من أراد أن يقول شيئاً يقوله، دون تقييد أو تفكير أو اعتبار لأيّ شيء.

مصيبةٌ هي فكرة: الإسلام دين الحرّيّات، لأنّه ليس كذلك. الإسلام لم يأتِ ليقول لكَ تفضّل افعل ما شئت واعصِ كما شئت وأفسِد كما شئت لأنّكَ حرّ!
إن فعلتَ ذلك فلا تدّعِ أنّ الإسلام أعطاك تلك الحرّية. الإسلام جاء ليحرّرك من عبودية نفسك والشيطان إلى عبودية أوسع وأشمل وهي عبودية الخالق. فإن كنتَ ضيّق الأفق، صغير العقل، تريد حشر نفسك في الزاوية التي أخرجكَ منها، فهذا ذنبك لا ذنب الدين، فلا تنسب له ما ليس فيه. وتذكّر أنّكَ محاسب عن كلّ من اتّبعك وأعجب بك وأضللتَه.. قالها الله سبحانه لإبليس قبل آلاف السنين، وأخبركَ بها ولكنّكَ تناسيتَها. وتناسيتَ أنّ خطيئة إبليس كانتْ: الكِبر، الذي أوصله لأن يحاول مساواة نفسه بالخالق، ويتحدّاه، ويطلب أن يُعبَد من دونه. وأنتَ تكابر مثله، فهل حقاًّ لا تعي أنك تفعل ذلك؟!

إنها (مقالة رأي) يا قوم! وبما أنها مجرد مقالة رأي، فسأقول رأيي فيها بكلّ حرية: احذروا من التخبيص في دين الله، سيحاسب من كتبه ومن نشره. ولو كان مبحثا علميا فأين الهوامش والاستدلالات؟ وأين الإشارات إلى أسماء بعينها؟ وأين كلّ ما يحمله المبحث التاريخيّ من صفات؟!

اليوم ندمتُ على كلمتين قلتهما لأمّي، أوّلا حكيتُ لها ما ضايقها عليّ -وليس منّي-، فلما أرادتْ التخفيف عنّي بسؤالها عن التفاصيل، قلتُ إنّ الأمر لا يخصّها. وقد تبدو هذه كلمة عادية، لكنّي أراها شرخاً في جدار البرّ، وكان أولى بي أن أقول لها ألا تشغل بالها، وليس بالأمر المهمّ وأشاغلها وأقول دعابة ما. أمنع نفسي من نشر أشياء كثيرة، مخافة أن أحزنها، أو أقلقها. أخفي عنها أشياء لنفس السبب.. وهذا أبسط البرّ. هذه أمّي وهي وأنا بشر، ولو كنتُ سأفكّر بعقول هؤلاء (الثائرين) على تقييد الحريات، لقلتُ كلّ ما يخطر لي، دون أدنى شعور بالذنب أو الخطأ.
هل هو حقا خطأ وذنب أن أقول ما أفكر فيه دون اعتبار لمشاعرها وهي شخص واحد، وقد يكون في ما سأقوله فائدة لكثيرين؟ قناعتي أن نعم، خطأ وذنب أحاسَب عليه.
فكيف لو كنتُ سأتعدّى على خلقٍ كثيرين حتى أصل إلى الطعن في الدين الذي أدّعي الدفاع عنه؟!

منذ مدّة كتبتُ شيئا في ستوري على الانستغرام عن تعدد الزوجات، فنبّهني أحد الإخوة مشكورا، برسالة على الخاص أنّ ما أقوله يُفهم منه طعنٌ منّي في حكم التعدّد، فشكرتُه ولم أناقش. لكنّي حذفتُ ما كتبت بعد تنبيهه ولم أنتظر اختفاءه كما هي العادة بعد أربع وعشرين ساعة، لأنّي فكّرت: لو كان هو قد فهم هذا، فكم واحدا فهم مثله؟! وكم واحدا فكّر كالتالي: بنت أستاذة ثناء كتبت كذا، فينال أمّي بسوءٍ، أو يأخذ ما كتبتُه على محمل الإعجاب مباشرة دون تمحيص؟ أليس في هذا أذى لأمّي قبل أن يكون لي؟ فأينّ البرّ؟!
وقد صرنا في زمنٍ عجيب صار فيه البرّ عبارة عن مكالمة أو زيارة أو فعل مادّيّ بحت، ولم يعد للامتناع عمّا يؤذي نفس الأهل أيّ اعتبار أو وجود. ولو كنتُ سأنشر كلّ ما أكتبه لامتلأ قلب أمّي غمّاً أو كمداً، ولو كنتُ سأحكي كلّ ما يعكّر حياتي لقضتْ الوقت تلوم نفسها فكيف أحمل ذنباً كهذا؟.

صار من العيب أن يفكّر أبناء الدعاة والملتزمين بمجاملة أهلهم، وعدم البوح بأفكارهم احتراماً لهم. فصارت المعصية أمامهم عاديّة، بحجّة أنّه إن كان يفعل ذلك بأية حال، ولا يستحي من الخالق فلماذا سيتخفّى عن أهله؟! وهذه مفارقة مضحكة حدّ البكاء! فالأصل أن يقوده حياءه من ارتكاب المعصية أمام أهله، وخوفه على مشاعرهم، إلى تركها بالكلية، وليس إلى المجاهرة بها وإيذائهم!
صار التعبير عن الأفكار والميول الشاذّة والغريبة، رائجاً بدعوى (خلص كبرنا)، وما عدنا صغاراً لنخاف أهلنا. نعم، صرنا كبارا وقست القلوب، الأحرى أن تخاف على أهلك، وليس منهم. على زعلهم منك وليس عليك.

وقد صار كلّ من ارتدى الجبّة مفيتاً، وكل من لبس العمامة قاضيا، وكل من كتب كلاما في لمحة موسيقى شاعراً، وكل من نشر كتاباً كاتباً، وكلّ من ارتدت الحجاب.. أيقونة دالة على المرأة المسلمة!
وصار الكلّ يعرّف عن نفسه وكأنّ الواجب أن يكتب تعريفاً بنفسه: كاتب، باحثة، أديبة، ناشطة اجتماعية.. إلخ. لماذا لا تتركون الناس يعرّفون عنكم من أفعالكم وأقوالكم؟!

أخيرا، كلّما كتبتُ شيئاً، لا بدّ أن أعيد وأكرّر التنويه: حين أنتقد خطأً، فليس معنى هذا أبدا أنّي لم أقع فيه. ولو انتظر كلّ إنسان أن يكون كاملا ليقول للخطأ إنه خطأ، لصارت حياتنا جهنّماً.

لا ريب أنكم تحفظون بيت الشعر: وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ::فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ
وهو للمتنبّي، ومعنى هذا البيت من أسوأ المعاني. والمتنبي لم يكن شخصاً يصلح ليكون قدوة وهو على قدر عجيب من كِبر النفس والتعالي، فقط لأنه ملكَ مفاتيح اللغة والشعر. فإذا أراد أحدكم أن يستدلّ بهذا البيت، فليفكّر أوّلا في معناه. وقد خصصتُه لأختم به لأنّي أعرف أن كثيرين سيستشهدون به، مع المثل القائل: القافلة تسير والكلاب تنبح.
حتى في الأدب، انتبهوا لما تتشبّعون به. ودمتم بخير.

20.5.2022