ولنبدأ بطريقة مختلفة

الخامس عشر من يناير، 2020:
أتذكر كيف التقينا أوّل مرّة قبل سنوات؟
إنّي أقول مجازاً (التقينا)، لو كان اللقاء بالصوت والكتابة يعتبر لقاءً. كنتَ متوجّساً تتحسّس كلماتكَ جيّداً قبل النطق بها. خمّنتُ أنّكَ تضغط على نفسك كثيراً لتتكلّم معي بهذا الهدوء وهذه الجدّيّة، وكنتُ أضحك في (عبّي)، كنتَ تتصرّف وكأنّكَ تروّض حصاناً برّيّاً جامحاً، وأنتَ لم تمسك لجاماً في حياتك!
لم أكن أكثر انطلاقا، بل لعلّ توتّري الشديد جعل صوتي يبدو بارداً واثقاً على العكس من داخلي حيث كانتْ العاصفة تغلي موشكة على الانطلاق، وأنا محرَجةٌ أتمنّى أن تنهي المكالمة الصوتية وتنقلها إلى عالم الكتابة لآخذ راحتي أكثر. كم تخفي هذه الشاشات توتّرنا وارتباكنا من أبسط الأمور، كحديث تعارف عابر: مرحبا، كيفك؟!

السابع والعشرين من يناير:
ما أسرع ما تنقّلنا من حديث إلى آخر، ومن عملٍ إلى ثانٍ، ومن نقاشٍ إلى جدالٍ، ومن تعليقات ساخرة بين السطور إلى ضحكات عالية. ولم تكن طيّباً أو متساهلاً أبداً، في كلّ فرصة كنتَ تلمّح أن (أحلّلَ) المال الذي سأقبضه وأتقنَ عملي، ثمّ تقول بنبرة تحذيريّة تسلّطية تحاول إخفاءها فاشلاً، وبأسلوب مازح:
يا ويلك إذا بتكتبي عنّي.
كنتَ واثقاً من قدرتي الكتابيّة، وخائفاً من قلمي السليط، القادر على التشريح والتقطيع والسلخ والسلق أفضل من لساني بكثير. وكنتُ أردّ ببراءة وجدّيّة مصطنعتين: وما الذي أعرفه لأكتب عنك؟ أنا لن أكتب -لو كتبتُ- إلا الصدق. فتجيب مباشرة بنبرة عصبيّة: مفهوم الصدق عندك غريبٌ نوعاً ولا يروقني!
فأضحك بقوّة ضحكة لا تسمعها لأنّي أكتم لاقط الصوت بكفّي، وألتقط أنفاسي قبل أن أعود لنبرتي الجادّة: لن أكتب عنكَ، لأنّي ببساطة لن أحصل على مال مقابل ذلك.. يعني دخيل الله.. مين مفكّر حالك؟!. فيصلني ردّك بكلمة: مصلحجيّة.. وغمغمة أخمّن أنّها شتائم غير لطيفة.

الثامن من فبراير:
أين أنت؟ ولماذا لم تردّ بعد؟، هل يحتاج الأمر منكَ (تبييت استخارة)؟!
يا حبّذا -أعرف كم تكره هذه الكلمة-، فياحبّذا لو أنّكَ تردّ بكلمة لأعرف أنّكَ ما زلتَ حيّاً! نعم، أنا أشعر بالذعر من فكرة أنّكَ ربّما مُتّ قبل أن تردّ عليّ بتفاصيل العمل المطلوب، وترسل لي المبلغ المتفق عليه!

التاسع من فبراير:
مرحبا، أنا لسّه عايش. ارتحتِ؟
كنتُ في إجازة، مسافراً، وهذا عاديّ. لماذا تفترضين وقوع أمرٍ كارثيّ دوماً وكأنّكِ متشوّقة لذلك؟ دعي مزاجك الدراميّ للكتابات التي عليكِ إنجازها خلال الأسابيع القادمة، وأخرجيني من الأحداث. لا أريد أن أصحو يوماً وأجد نفسي شخصيّة في إحدى قصصك المرعبة التي يقف شعر رأسي وأنا أقرؤها!

التاسع عشر من فبراير:
الحمد لله ع سلامتك. إجازة الهنا. ارتحتُ طبعا، تخيّل لو أنَكَ متَّ وفلوسي ما زالتْ في ذمّتك؟! هل ترضاها لنفسك؟
ليتكَ كتبتَ على مجموعة العمل أنّك في إجازة ما بين هذين التاريخين (أيّا كانا)، أليس هذا ما يفترض بالمدير أن يفعله؟ التنظيم؟ وأن يكون هو منظّماً قبل أيّ وكلّ شيء؟. حسنا، أعلم أنّي أكلّمكَ مرّة أخرى بطريقة (الماما) ولكن هل نسيت؟ أنا أكبر منك.
أتذكر كيف صرتَ (تنطّ وما تحطّ) حين قلتُها لكَ أوّل مرّة؟. كنتُ أسمع صوتكَ النزق في شبه صياح: إشّو ابني؟؟ أنا قدّك شلون يعني تقوليلي ابني؟؟
وأنا أكرّ بضحكٍ مكتوم، وأتخيّل شكلك مثل (جنّي علبة النابض القافز)، تجلس على الكرسيّ فيقذفك غضبك عنه وتقف، ثم تجلس فكأنّك جلست على شوكٍ فتقفز مرة أخرى. لا والله لم أرَك ولا مرّة، إلا أنّ صوتكَ كان ينقل الصورة كاملة في بثّ حيّ مباشر.
– إي طبعا ابني، أنا أكبر منكَ بمئتي يومٍ، وأكبر منك بيوم، أعلم منّك بسنة. يعني أنا قد نانتك يا ابني..
هنا، كنتُ أنا أضحك حتى دمعتْ عيناي، بينما أنتَ تبرطم محذّراً وساخطا: حاج بقى، خلصنا..
وتحاول العودة إلى أحاديث العمل.
عموماً، لقد أرسلتُ إليكَ آخر مجموعة، وأتمنّى ألا تكون هنالك تعديلات كثيرة، لأنّي أظنّه العمل الأخير بيننا.

العشرين من فبراير:
مساء الخير، هل بإمكانك اختصار القصّتين الرابعة والسابعة؟ لا أعتقد أنّنا سنتمكّن من تسجيل الحلقات جميعاً. هل سمعتِ خبر الفيروس الجديد؟ الوضع غير مطمئن، ولكنّي سأحاول الضغط على الفريق هنا لعلّنا ننجز هذه المجموعة. إذا لم تتمكّني من اختصارها فلا بأس. تعرفين أنّي لن أفعل، أنا لا أجرؤ على تغيير شيء في كتاباتك. لا أملك الخبرة الكافية للتغيير في نصّ أدبيّ، ولا الخبرة لتجنّب سخطك عليّ إن فعلتُ.

الحادي والعشرين من فبراير:
فاجأتَني بذوقك ولطفك، وهل تملك أصلا حاسّة تساعدكَ على تمييز سخطي من رضاي؟ (لاحظ أني لن أكون لطيفة يوما معك). ما علينا.. سأختصرهما. أعطني يومين وتكون النصوص الجديدة عندك بإذن الله.

الرابع والعشرين من فبراير:
يوماً عن يوم أقتنع أكثر بصواب بقائي عازباً، مِرتاح ومريّح! والله إنّي لأعجز في أحايين كثيرة عن الردّ وأشعر أنّي أنفلق نصفين.
بأيّة حال، شكراً لتعديل القصّتين بهذه السرعة. التعديل ممتاز. نسيتُ أنّي لم أسألكِ: لماذا تظنين أنه العمل الأخير بيننا؟؟ وما معنى (أظنّ)؟. إذا كنتِ تريدين ترك العمل فلا بدّ أن تخبريني مباشرة، في أقرب وقت!!

الثاني من مارس:
ألووو.. أين أنتِ؟!، هل وصلكِ آخر مبلغ؟ لدينا مشروع جديد نريد أن نبدأ به. وأنا بانتظارك.

الخامس من مارس:
هل تركتِ العمل؟. هذا لا يليق. إن لم تكن هنالك عقودٌ مكتوبة فعقود المشافهة تقتضي أن تبلغيني بالفسخ.

السادس من مارس:
عذراً، أنا إجازة مع عائلتي والاتصال بالإنترنت صعب هنا. آسفة جدّاً أنّي لم أوضح كفاية في الرسالة الأخيرة، وكان يجدر بي ألا أرتكب نفس خطئِكَ وأسافر دون إيعاز. المشكلة أنّي مضطرّة لترك العمل معك، سمّها (ظروفاً عائليّة) إن شئت. لكنّ صداقتنا ستبقى بكلّ الأحوال، وأهلا وسهلا بكَ في أيّ يومٍ تمرّ فيه بمدينتنا.
بالنسبة للمبلغ، وصل كاملا، سلمت يداك.. معوّضين إن شا الله. وتعويضاً عن الخسائر التي قد تلحق بكَ بسبب هذا الفسخ المفاجئ، سأعيد نصف المبلغ لكَ، وأرفق هنا عناوين ثلاثة من أفضل الكاتبات اللواتي أعرفهنّ، ولديهنّ استعدادٌ للعمل معكَ. لا تقلق.. لم أذكركَ إلا بكلّ خير.

السابع من مارس:
حسنا، هذا مزعج. لا تعيدي إرسال أيّ شيء من المال، هذا حقّك. شكراً للعناوين المرفقة، سأجرّب التواصل معهنّ. كيف هي إجازتك؟ أتمنّى أن تكوني أنتِ والعائلة بخير. الوضع مقلق، هنالك أخبار عن إغلاق قريب للمطارات في العالم. أتمنّى أن تصلوا بيتكم بسلام.
(ملاحظة: ما زلتُ منزعجاً).

العاشر من مارس:
آسفة مرّة أخرى، لا أعرف ما أقول أكثر من ذلك. لا يمكنني الشرح، لكنّي أثق أنّكَ ستفهم بلا شرح. الإجازة جميلة جدّاً، نحن على شاطئ البحر والمياه دافئة على نحو غريب. أسبح كلّ يوم وأذهب في العمق حتّى يبدأ أبي بالتلويح لي من الشاطئ وقلبه يخفق، أعرف أنّه لا يخاف البحر وإنّما يخاف جنوني الذي قد يدفعني لترك نفسي أبتعد ولا أعود. لا أدري لماذا أخبركَ بهذا.
شكراً لطيب أمنياتك، سمعنا الأخبار، سنكون على متن الطائرة بعد غد بإذن الله. انتبه لنفسكَ وعائلتك أيضا.

الخامس عشر من مارس:
كيف حالك؟ هل توصّلتَ إلى اتفاق جديد؟ صديقتي، إحدى الثلاث اللواتي أرسلتُ لكَ عناوينهنّ، تكتب قصصاً عن الفايروس! قصصا ممتازة وليستْ قصص رعب، بل قصص حبّ. تقول إنّ الناس بعد إعلان الحجر الصحّي في العالم وتحويل الكوكب إلى سجنٍ عملاق، لن يحتاجوا إلى الرعب والإثارة والتشويق، بل إلى الحبّ والعواطف والتفاؤل. أعتقد أنّها محقّة. هل أرسلتْ لكَ شيئاً؟ سأرفق لكَ مقطعاً من أعمالها. كن بخير.

العشرين من مارس:
لقد سمعتُ الخبر من مجموعة العمل، نسيتُ أن أحذفها من هاتفي، وأبقيتَني أنتَ فيها. معافى إن شاء الله. تماسك، الأمر صعب لكنّه ليس مستحيلا. هل تستطيع أن تتكلّم؟ سأتّصل بك. فقط أرسل لي إشارة وسأتّصل، ليس عليكَ أن تقول الكثير. فقط أريد أن أطمئنّ عليك.

السادس والعشرين من مارس:
وصلتْني إشارة من هاتفه اليوم، فاتّصلتُ، فتمّ قطع الاتصال الصوتي من طرفه، ثمّ فوجئتُ بطلب مكالمة مرئيّة. أجبتُ المكالمة، فوجئتُ بممرّض يمسك الهاتف، يخبرني أنّه يتحدّث معهم إيماءً، رأيتُه متصلا بجهاز التنفّس. هل هذا هو؟ سألت. أومأ الممرّض إيجاباً ولم يصلني صوته من خلف الكمّامة. لم يدرك الممرّض أنّي لا أعرف شكل مريضه أصلا، وأنّي أراه للمرّة الأولى! سألتُ مرّة أخرى: كيف فتحتَ الهاتف؟ هل طلب منكَ ذلك؟، أجاب بنعم، إنّ المريض يتكلّم أحيانا لكنّ الأمر يأخذ منه مجهوداً كبيرا، لكنّه في تحسّن. لم أعلّق على النقطة الأخيرة، وطلبتُ إنهاء المكالمة، فوجدتُه يومي برأسه، قرّب الممرّض الهاتف من وجهه، فأشار بصعوبة إلى أذنه، فأغلقتُ الكاميرا ووضعتُ الهاتف على أذني وانتظرتُ بصبر، مرّت الثواني مثقلة بصوت الأنفاس، ثمّ سمعتُ صوته مبحوحاً، حاملاً أثراً من الحصان البرّيّ الجامح الذي كانَه قبل سنوات حين تحادثنا أوّل مرّة: حتّى لو أكبر منّي، مالي ابنك!
فضحكتُ وأنا أبكي، كنتُ أعرف أنّه لن يجد أفضل من هذه العبارة ليقول كلّ ما في قلبه.

الأوّل من أبريل:
لقد تحسّن، إنّه يتعافى! أرسل لي صورته جالساً، مرهقاً جدّاً كأنّه خرج توّاً من نصوص الإلياذة، أو قطع رأس ميدوسا! لكنّه جالسٌ، وبلا أقنعة ولا خراطيم من أيّ نوع متّصلة به. تمعّنتُ لحظة في الصورة، هذه أوّل صورة واضحة له، وهي أقرب لرسم عشوائيّ لرجلٍ مشعّث، لا شيء مميّز فيه.
أرسلتُ له: (الحمد لله على سلامتك) مصحوبة بصورة باقة ورد، ردّ:
– الله يسلمك، إلي عزيمة عندك بس يفتحوا الطيران.
*همّك بكرشك!
– صرلي 13 يوم عباّكل هوا حرفيّاً! مستكترة عليّ؟
* لا طبعاً وَلَو، مية السلامة.

العاشر من أبريل:
لم أفهم. حاولتُ ولم أقدر أن أفهم أو أستوعب.
قال الطبيب إنّ الانتكاسات الخطيرة تحدث، وليستْ غريبة في مثل حالته.
وقّع الطبيب أوراق خروجه في السابع من أبريل إذ لم تكن هنالك حاجة لإبقائه، مع توصيات كثيرة لتمام الشفاء. في اليوم التالي ارتفعتْ حرارته فجأة آبية الانخفاض، عادوا به للمشفى، شخّص الطبيب حالته: (التهاب في الرئة ناتج عن الإصابة بالفيروس). في صباح التاسع من أبريل توقّفتْ رئته اليمنى عن العمل، بدأتْ اليسرى تتهالك بالتدريج بعدها، منذرةً بفشل الأعضاء الباقية وتوقّفها عن العمل لنقص الأكسجين.
في العاشر من أبريل، وصلت المجموعة رسالة موجزة: عظّم الله أجركم في المدير، توفّي اليوم قبل ساعتين.
وبدأتْ المجموعة تطرح أسئلة عن الدفن والصلاة والعزاء، وأنا أقرأ ولا أفهم، ولا أريد أن أفهم. أعرف الإجراءات مسبقاً: لن تكون ثمّة صلاة إلا فرادى، لا جنازة، وسيكون الدفن في كفن ملفوف بأغطية بلاستيكية، والعزاء عن بُعد! لن تجد أمّه كفّاً تمسكها وتسندها لتصل إلى أقرب كرسيّ وتبكي معها، لن يجد أبوه من يجلس في الغرفة ويحكي عن أفعاله الشهمة وشخصيّته المحبوبة. لا شيء، كأنّه لم يكن.

العاشر من مايو:
الآن وقد مضى شهر، بدأتُ أصدّق أنّكَ لن تقفز فجأة في محادثة ما وتقول إنّكَ كنتَ مسافراً، وأنّ هذا من حقّك، أن تأخذ إجازة. ليس من حقّكَ أبداً، وليس هذا عدلا. لا أتحدّث عن موتك، بل عمّا حدث قبل ذلك: ليس من حقّك أن تسافر وتعِد أن تمرّ بدارنا ثمّ تخلف وعدك، في كلّ مرة.
لقد كنتَ نصفي الذي يشبهني بشكل مرعب (ربّما سأكتب قصّة عن هذا التشابه المخيف)، نصفٌ لا قرابة بيننا أبداً، ويشبهني جدّاً: أبدأ بكتابة جملة فأجدكَ كتبتَ ردّا عليها وهي لم تظهر أمامك بعد! وكأنّك تقرأ أفكاري. نتّفق على ذات المبادئ، ونختلف لذات الأسباب: الاعتداد الشديد بالنفس، وعدم تقبّل الخطأ من الآخرين. فلا أنا أقبل أخطاءك ولا أنتَ تقبل أخطائي، ونمضي الوقت في النقد اللاذع المتبادل، حتى ننتهي إلى رفع الراية البيضاء لنضع (المسائل الشخصية) جانبا ونكمل الأعمال. ولكنّ الأعمال كانتْ كلّها مسائل شخصيّة لكلينا.

أفكّر قليلا الآن بعد أن صفى ذهني: لا أظنّكَ كنتَ تريد أن تأتي، ولا أظنّني أردتُكَ أن تجيء. كنّا نقول ذلك من باب المجاملات: تعارف، ثمّ تبادل العناوين، ثمّ: زورونا.. إي ان شا الله.. بتشرفوا والله.. الشرف إلنا.. مية السلامة إيمت ما صحّلكم.. الله يسلمكم..تسلموا..
تعرف طبعا هذا النوع من الأحاديث الجميلة، التي تنتهي بأنّ أيّاً من الطرفين لا يتّصل بالآخر أبداً، ولا يرغب في تعميق العلاقة بتاتاً، ثم يلتقيان بصدفة محايدة عند طرف ثالث، ويعاودان الوعد بالتلاقي والتزاور، وكلاهما لا يريد ذلك حقيقة، ويدرك أنّ شعوره مفضوح تماماً.. لكنّ المجاملة اللطيفة لا تضرّ.

المجاملة لطيفةٌ عادةً، لا تؤذي، إنّما آذتْني أنا، فقدتُ نسخةً منّي لم أتخيّل يوماً أنّها موجودة في العالم وكنتُ بخير قبل اكتشفاها، ولن أعثر على سواها ولو عشتُ ألف عام، سأبقى نصفاً مكسوراً، مثل قلادات البنات الصغيرات التي تحميل قلباً مجزوءاً إلى نصفين بخطٍّ متعرّج، وكلّ منهما في قلادة ومكتوب على أحد النصفين: أفضل، وعلى النصف الآخر: صديقة. أنتَ أفضل أصدقائي، وأخذتَ نصف قلبي معك.

لو رجعتُ إلى ذلك اليوم الأوّل، لأطلقتُ عاصفتي عليكَ بدلاً من ضبطها، لعلّها كانتْ تحملكَ إليّ، وتكونَ الأقدار مختلفة.

أظنّني سأتوقّف عن كتابة قصص الرعب، فكما قالتْ صديقتي: العالم يعيشه يوميّاً، ويحتاج قصصاً عن الحبّ والأمل.

3.5.2020


مرّ العمر كلمح البصر!

“متل اللي عبيبحت بأرضه”، مقولة عامّيّة سمعتُها من أمّي وجدّتي رحمها الله، وتعني -بحسب ما أفهمها- أنّ الشخص يقوم ويفعل ويتحرّك ثم لا يرى نتيجة ولا إنجازاً لتعبه. فكأنّه كان يتحرّك ويضطرب في نفس مكانه.

حضرتْني هذه المقولة يوم أمس وأنا أنجز قائمة من أعمال المنزل التي لا تنتهي، فكتبتُها معقّبة عليها: هذا هو حال الأمّهات والحمد لله. بعض الأمّهات أخذن كلامي على المنحى التربوي، بأنّ الأمّ لا ترى نتيجة تربيتها في أبنائها، والبعض فهمنه كما أردتُه: الأعمال الروتينيّة التي لا تنتهي، وكلّما أنجزتُها شعرتُ أنّي لم أفعل شيئاً.

ومنذ بضعة أشهر، وكلّما حادثتُ أمّاً -موظّفة أم ربّة منزل- كرّرتْ لي العبارة نفسها: الزمن يركض ركضاً، ولا أعرف كيف ينقضي الوقت وأنا في بالي أشياء كثيرة ولا أرى أنّي أنجزتُ شيئاً.
وقبل أن يستبق أيٌّ كان بالتعليق إنّ العلّة في الأجهزة الذكيّة، أقول إنّ هذه الشكوى تصدر غالباً عن أمّ لا تمسك الهاتف إلا ساعة في اليوم، ولم تشاهد برنامجاً مصوّراً منذ أشهر إن لم يكن أعوام.
واستوقفتْني هذه الفكرة كثيراً، خصوصاً عندما تذكّرتُ عبارة من دفتر مذكّراتي أيام الجامعة في عامي الأوّل: مرّ شهر كامل لم أشعر به ولم أكتب نصًّا واحداً! يا إلهي!
في ذلك الوقت، كان معدّل تدويناتي يتراوح بين ثلاث وأربع تدوينات شهريًّا! ما بين مقالة وشعر وخاطرة. وفوات شهر كامل دون كتابة نصّ حقيقيّ طويل يستحقّ القراءة، يعتبر هدراً من عمري!
لكنّي منذ عامين بدأتُ أدرك بعض الحقائق عن الزمن والوقت، أهمّها أنّ العمر الذهبي للإنسان هو قبل الثلاثين. لأنّه -غالبا- وأيّا كانت ظروفه الاجتماعية، سيكون أصفى ذهناً، لكنّي لم أجد ركيزة أو تفسيراً علمياً لهذه الفكرة التي أعتقدها.

هذه المقالة موجّهة للأمّهات أوّلا، ثمّ لكلّ من يتساءل: لماذا يركض العمر؟ ولماذا نشعر أنّ الوقت يطير دون أن ننجز؟!
ولأنّ المقالة تتحدّث عن الوقت، سأقسّمها لأجزاء بعناوين، ليسهل على القارئ التركيز، واستخلاص ما يفيده. والكلام بين النجمتين هو الاقتباسات من مقالات مختلفة. ويمكن الانتقال إلى جزء دون قراءة كلّ الأجزاء:
1. هل يوجد تفسير علميّ لهذا الشعور بتسارع مضيّ الزمن؟
2. إذاً هو مجرّد خليط من المشاعر وفيزياء العقل. ماذا عن فيزياء الكوكب؟
3. الإسقاط الدينيّ: علامات الساعة الصغرى والكبرى:
4. ماذا أستفيد من المعلومات السابقة؟
5. نصائح، نقاط، أساليب للاستفادة من الوقت حتّى آخر قطّورة.

1. هل يوجد تفسير علميّ لهذا الشعور بتسارع مضيّ الزمن؟
الإجابة: نعم! صحيح إنّها أبحاث علميّة تحتمل الصواب أو الخطأ، لكنّي أميل إلى هذه الآراء، التي سألخّصها هنا، ويمكن لمن أرادت الاستزادة، أن ترجع إلى الهامش حيث أدرجتُ جميع الروابط التي قرأتُ منها.

* يقول بروفيسور الهندسة الميكانيكية (أدريان بيغان)، في جامعة Duke، إن العقل بمرور الوقت، يكبر وتزداد الروابط العصبية داخله تعقيدا وتشابكا، ما يؤدي إلى تباطؤ سرعته في معالجة المدخلات المرئيّة والصور، ما يجعلنا نشعر أنّ الوقت مضى سريعا دون أن ندرك أو ننجز ما نريد. وعندما تبدأ هذه الممرات ودهاليز الدماغ في التقدم في السنّ متجهة نحو الشيخوخة، تصبح مقاومتها للسيّالات العصبية أكبر، وتتباطأ سرعة المعلومات فيها.*

التفسير الثاني، المقارب والجميل أيضا، يقول:

* عندما تكون صغيراً أو شابّاً، كلّ شيء حولك يبدو جديدا، هنالك أشياء كثيرة لتتعلّمها، وتجارب كثيرة تختبرها. ما يعني أنّ لدى عقلك الكثير من الأشياء ليعالجها، فتشعر أنّ الوقت بطيء. بينما كلّما تقدّمت في العمر، وزادتْ خبراتك، وبدا لكَ كلّ شيء مكرّرا، الإضافة لوجود الكثير من الروتين، فإنّ عقلك يتباطأ ويتوقّف عن معالجة هذه المدخَلات، ويهملها. فتجد أنّك قضيتَ ثلاثة أشهر وتشعر أنّها أسبوع! ذلك لأنّكَ لم تتعرّض لخبرة جديدة، أو حادثة صادمة.*

عطفاً على ذلك، يقول الروائيّ (هارلان كوبن) في كتابه Don’t Let Go:

* هنالك نظريّات كثيرة تفسّر لماذا تمرّ الأعوام أسرع، كلّما تقدّمنا في العمر. لكنّ النظرية الأشهر والأوضح، هي التي تقول ببساطة، أنّك كلما كبرت، تحوّلتْ سنة من عمرك إلى جزء من النسبة الكليّة. بمعنى، إذا كان عمرك عشرة أعوام، فإنّ العام الواحد يشكّل عشرة بالمئة من مجمل حياتك، وهذه نسبة كبيرة. بينما إن كان عمرك خمسين عاماً، فإنّ السنة الواحدة لا تشكّل أكثر من اثنين بالمئة من مجمل عمرك.
ولكن هنالك نظريّة ثانية تقول، إن الوقت يمرّ أسرع، عندما نكون عالقين في روتين ما، ولا نتعلّم أيّ جديد، مستمرّون في نمط واحد. فإذا أردتِ أن تبطئي من مرور الزمن، فعليكِ بخبرات جديدة.*

هذا التفسير قويّ جدّاً، فلتسأل أيّ طفلٍ في المدرسة عن شعوره بالوقت أثناء الحصّة الدراسيّة، أو عن الأسبوع المدرسيّ. سيقول إنّ نهاية الأسبوع بعيدة جدّاً وقد تكون غداً! وأنّ الدرس كان طويلا جدّاً كأنّه لن ينتهي، وهو لم يكن أكثر من نصف ساعة.
ثمّ اسأل أيّ شخصٍ مهجّرٍ من بيته، سيقول لكَ إنّ كلّ يومٍ بألف يوم. وليس في هذا مبالغة، فالأمر يرجع للشعور.

2. إذاً هو مجرّد خليط من المشاعر وفيزياء العقل. ماذا عن فيزياء الكوكب؟
الحقيقة، إنّ احتماليّة تسارع الزمن واردةٌ في فيزياء الفلك أيضاً، فنجد هذا الشرح الجميل للفكرة:

* كلّما زادت قوى الجاذبية تزيد سرعة دوران الكوكب حول الشمس، ويتناقص بُعده عنها وبالتالي تنقص سنة الكوكب. وبسبب زيادة هذه القوى، ولكي لا يسقط الكون على نفسه، كان لا بُد للكون إلا أن يزيد من تسارعه حتى يبقى في حالة اتزان مستمر. وإذا تباطأ دوران الارض حول نفسها، فإنها لا تستطيع الحفاظ على تماسك كتلتها. هذا يعني أنه في الماضي السحيق، كانت الأرض تدور حول نفسها بسرعة كبيرة جدا، مما جعل اليوم في تلك الحقبة قصيرا، حيث دلت الدراسات على أن طول اليوم كان حوالى ستة ساعات، عندما تكونت الأرض. وبزيادة قوى الجاذبية تبدأ الكواكب بزيادة سرعاتها حول الشمس واقترابها منها، ويتناقص طول سنينها باستمرار. ولقد دلت الدراسات الجيولوجية أن السنة كان بها حوالي 400 يوم قبل حوالى 400 مليون سنة. وتناقص عدد الأيام في السنة باستمرار إلى أن وصل إلى قيمته الحالية، 365 يوما. بالاضافة إلى أن الأرض في الوقت الحالي تقترب من الشمس بحوالي 20 متر في العام!.*

وبشرح أكثر تبسيطاً، فإنّ الأجسام في الفيزياء تكون واقفة ثمّ تبدأ الحركة بطيئاً بدافع ما، ثم تتسارع إذا استمرّ وجود الدافع ولم يكن هنالك عائق، ثم تصل إلى مرحلة من السرعة لا سرعة بعدها، فترتدّ إلى التباطؤ فالتوقّف.
فليس مستبعداً أن تكون سرعة مضيّ الزمن حقيقيّة محسوسة.

3. الإسقاط الدينيّ: علامات الساعة الصغرى والكبرى:
نجد الكثير من المسلمين يستدلّون على تسارع الزمن بالحديث الصحيح في البخاري: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ ، وحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ”. وقد وجدتُ في شرح الحديث نصّاً جميلا:

*وقد اختلف العلماء في معنى تقارب الزمان على أقوال كثيرة ، وأقوى هذه الأقوال :
أن تقارب الزمان يحتمل أن يكون المراد به التقارب الحسي أو التقارب المعنوي .
أما التقارب المعنوي ؛ فمعناه ذهاب البركة من الوقت. أو سهولة الاتصال بين الأماكن البعيدة وسرعته مما يعتبر قد قارب الزمان، فالمسافات التي كانت تقطع قديماً في عدة شهور صارت لا تستغرق الآن أكثر من عدة ساعات.
وأما التقارب الحسّي، فمعناه : أن يقصر اليوم قصراً حسياً ، فتمر ساعات الليل والنهار مروراً سريعاً، وهذا لم يقع بعد، ووقوعُهُ ليس بالأمر المستحيل، ويؤيده أن أيام الدجال ستطول حتى يكون اليوم كالسنة وكالشهر وكالجمعة في الطول، فكما أن الأيام تطول فكذلك تقصر. وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا.*

وهذا التفسير يتماشى مع النظريّات الفيزيائية السابقة، سواء تلك التي على مستوى الكوكب أو الفرد. ففي شرح حديث طلوع الشمس من مغربها في يوم القيامة، يرجع المفسّرون إلى تباطؤ دوران الكرة الأرضيّة بدءاً ممن أيام الدجّال مروراً بفترة وجود عيسى عليه السلام، ثمّ يأذن الله بقيام الساعة، فتتوقّف الأرض وتنعكس دورتها، الأمر الذي يؤدّي لاختلال توازنها وتفكّكها.

4. ماذا أستفيد من المعلومات السابقة؟
لا أعرف :)، لقد كانتْ في بالي أسئلة فبحثتُ عن إجابات لها. ربّما تفيدكِ هذه الإجابات وربّما لا. لكنّي أعتقد أنّ المسلم مسؤول عن وقته اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وهنا سأختم بعددٍ من النصائح -لن تكون مختصرة- خذي ما شئتِ منها، علّها تعينكِ على اجتياز هذا الإحساس بتسرّب الوقت، والإحباط لقلّة الإنجاز.

5. نصائح، نقاط، أساليب للاستفادة من الوقت حتّى آخر قطّورة:

01: لا يصحّ من المسلم تمنّي قيام الساعة بحال من الأحوال. وقد انتشرتْ منذ أعوام على شبكات التواصل دعابة تمنّي النيزك الذي ينذر بدمار الأرض وانتهاء البشرية، وهذا لا يجدر به أن يصدر من مسلم لعدّة أسباب:
سبب التمنّي نفسه، وهو راجع إلى شعور الناس باستبداد الظلم في العالم وضعف الخير، وهذا الشعور في مضمونه سخط على قدر الله، وبدلا من الصبر والاحتساب وتقوية الإيمان والتقرّب لله بالعمل الصالح وإغاثة المظلومين ونصرتهم، يكون النواح والتوسّل لقيام القيامة.
لم يرد شيء من هذا عن نبيّنا الكريم، ولا عن تمنّيه الموت رغم عظم الشدائد التي مرّت به صلى الله عليه وسلم. بل حثّنا على العِلم والعمل للدقيقة الأخيرة من عمرنا حتى لو حضرنا قيام الساعة وبيدنا فسيلة، فلنغرسها.
لا يضمن المرء أن يثبت أمام أهوال القيامة! ومن الغرور الذي يفسد العقيدة أن يظنّ المسلم بنفسه خيراً ويقول إنّ الله سيثبّتني، ويرى أنّ هذا من حسن الظنّ بالله! بل الأتقى والأصحّ أن يدعو ألا يكون ممّن تعرض له الفتن، وأعظمها فتنة المسيح الدجّال التي هي من علامات الساعة الكبرى. وقد أمرنا الرسول بالاستعاذة منها ومن فتن الدنيا نهاية كلّ صلاة.

02: ترك سبّ الدهر: وهذا له أشكاله المختلفة، فأحياناً لا يكون سبّاً واضحاً، بل سخطاً على الوقت بذاته، أو تأفّفاً من نهارٍ بعينه. والأصحّ أن يدعو بدعاء: اللهم إنّي أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده.
وفي الحديث الصحيح:”لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر”. قال النووي في شرحه قولا جميلا:
هو مجاز، وسببه أن العرب كان شأنها أن تسبّ الدهر عند النوازل والحوادث والمصائب النازلة بها من موت أو هرم أو تلف مال أو غير ذلك، فيقولون:”يا خيبة الدهر” ونحو هذا. فقوله : لا تسبّوا الدهر، أي: لا تسبوا فاعل النوازل فإنكم إذا سببتم فاعلها وقع السب على الله تعالى لأنه هو فاعلها ومنزلها ، وأما الدهر الذي هو الزمان فلا فعل له، بل هو مخلوق من جملة خلق الله تعالى.

03: اعتزال الفتن، وما أكثرها على شبكات التواصل. فهذه كلّها مهدرة للوقت والجهد. وجاء في مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عمرو:
بينَما نحنُ حولَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إذ ذَكَروا الفِتنةَ – أو ذُكِرت عندَهُ قالَ: إذا رأيتَ النَّاسَ قد مرَجَت عُهودُهُم، وخفَّت أماناتُهُم وَكانوا هَكَذا، وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ. قالَ: فقمتُ إليهِ فقلتُ لَهُ كيفَ أفعلُ عندَ ذلِكَ جعَلَني اللَّهُ فداكَ؟ قالَ: الزَم بيتَكَ واملِكْ عليكَ لسانَكَ، وخذ ما تعرفُ ودع ما تُنكرُ، وعليكَ بأمرِ خاصَّةِ نَفسِكَ ودَع عنكَ أمرَ العامَّةِ”.
وهذا حديث جميل أقرؤه لأوّل مرّة، وقد أعطاني شعوراً إيجابيّاً قويّاً بأنّ المرّات الكثيرة التي تركتُ فيها الردّ والنقاش، كانتْ خيراً لي.

04: استيقظي قبل الفجر بساعتين: وهذه النصيحة كانت قبل ثلاثة أعوام، تقضي بالاستيقاظ قبل الموعد المعتاد بثلاثين دقيقة، وكيف أنّها تشكّل فرقا. لكنّي أرى اليوم أنّ على جيلنا أن يصحو قبل الفجر بفجر كما تقول صديقتي لبابة، لأنّ الوقت حقّاً تختلف بركته من ساعة لأخرى. خصوصاً للأمّهات. مع الأيام ستصير هذه لكِ عادة، وستنهضين دون منبّه.

05: أكثري من النوافل: إذا لم تكوني ملتزمة بالسنن من الصلوات، فالآن وقت التزامكِ بها. وإن لم تجرّبي صلاة الليل خارج رمضان، فاجعلي لكِ ركعتين عادة كلّما أرقتِ ليلا، أو استيقظتِ مبكّرا قبل الفجر. ضعي لكِ ورداً من القرآن يوميّاً، ربع حزب يكفي، وهنالك تطبيقات ختمة كثيرة على الهاتف المحمول تهينك في ذلك. أثناء قراءة الورد، اتركي تطبيق المفكّرة مفتوحا، لتضعي إشارة للآيات التي تمرّ بكِ، وتشدّ انتباهكِ. وقع القرآن متجدّد في النفس دوما، ويستحيل عند القراءة الواعية ألا تشدّك آية ما. تصدّقي، وتصدّقي، وتصدّقي، أنتِ تملكين فائضاً من المال لكنّكِ لا تعرفين ذلك. حين تلزمين نفسكِ بمبلغ صدقة شهريّ، ستجدين أنّه توفّر.

06: دفتر صغير، ومصحف، وقلم رصاص أو حبر، وقلم تخطيط: هذه العدّة التي تتنقّل معي في البيت والسيّارة والحقيبة، وأقول لكِ عن تجربة أربعة أشهر: إنّ نتائجها الإيجابيّة فوريّة بفضل الله. احملي هذه الأشياء لتخفّفي استعانتكِ بالهاتف قدر الممكن. اكتبي ما تريدين فعله، ربّما تجدين وقتا لاحقا لتنفيذه، لو لم يكن متاحا حاليا. المصحف ليس لحمله للبركة! بل للحفظ، وقلم التخطيط لتضعي علامات على الآيات التي تعجزكِ في حفظها.

07: فوضويّة؟ حان الوقت لتتعلّمي الترتيب: إنّ من أبشع العادات وأسوئها أكلا للوقت هي الفوضى. هنالك عدد لا يحصى من الفيديوهات التي تعلّمك الترتيب الذي يختصر عليكِ أوقاتا كثيرة تضيع بلا فائدة. خذي منها ما ينجح معكِ.

08: توقّفي عن الشراء والتبذير: صدّقي أو لا تصدّقي، من أكثر الأشياء ضياعاً للوقت هو كثيرة الشراء. فالسوق مضيعة للوقت حين تذهبين وليست معك لائحة مكتوبة بالأغراض التي تحتاجينها، والطريق إلى السوق ذهابا وإيابا هو وقت ضائع. أيضا لو احتجتِ تبديل غرض، وقت آخر مهدَر. ترتيب الأغراض الكثيرة وتصنيفها يضيّع الوقت. اقتصدي، واختصري، وتذكّري أنّنا جميعاً محاسبون على كلّ غرضٍ لدينا.

09: كلّ دقيقة مع الأبناء هي وقتٌ مضاعف: تذكّري هذه القاعدة دوماً، ولا تختصري وقتكِ مع أبنائكِ أبداً. حاولي استغلاله كأفضل ما يكون. ضعي جداول وبرامج وخيارات عديدة، لا تتركي مجالا للملل ولا الأجهزة الذكيّة، تشاركي معهم تحدّيات مختلفة. ستجدين أثر كلّ ذلك على وقتكِ الشخصي.

10: تعلّمي قول (لا) حين يجدر بكِ: اعتذري عن الزيارات واختصري أوقات الحفلات، إلا إن كنتِ ممن تستطيع أن تضحب عملها معها (مثل التطريز والكروشيه)، أمّا زيارات الجلوس والأكل، فاستغني عنها. إذا ذهبتِ لزفاف فليس بالضرورة أن تحضريه كلّه، اكتفي بساعة وامضي، أوّله مثل آخره، بل كلّا زادتْ مدّة جلوسكِ، كلّما زادتْ فرص تعرّضكِ للمنكرات ووقوعكِ في السيّئات! قولي لا لأيّ عملٍ لستِ ملزمة به، طلما لديكِ ما هو أهمّ بالنسبة لكِ. أو اطلبي تقسيم العمل، وقولي بوضوح أيّ جزء يمكنكِ إنجازه، واعتذري عن الباقي.

11: تعلّمي طلب المساعدة، واستخدمي الرفاهية المتاحة: تأخّرتُ كثيرا حتى صرتُ أطلب من زوجي وبناتي المساعدة في البيت بحجّة أنّي قادرة، وكان هذا تقصيراً منّي. فمهما كنتُ قادرة، يفترض أن أطلب المساعدة، وأتحمّل (الأفّ) و(النفّ) وأجبرهم عليها أحيانا، لأنّي في أيامٍ أخرى، سأتعب وأحتاجها حقا، وأجد أنّهم لا يعرفون كيف يقومون بالأشياء على الوجه الصحيح. وإذا كانتْ لديك الإمكانيات المادية لاستخدام وسائل التكنلوجيا (كنشّافة الغسيل وغسّالة الصحون وغيرها) التي تختصر وقتاً وجهداً، فلا تقصّري في استخدامها، لتتفرّغي لأعمال أخرى.

12: تعلّمي والتزمي الدعاء: حاولي الالتزام بعلمٍ جديد، لتكتسبي خبرة، فكما مرّ سابقاً، الخبرات الجديدة والتعلّم، تنشّط العقل، وتجعله يسرع مرّة أخرى في معالجة الأمور. أمّا الدعاء، فاجعليه على لسانكِ دائماً وأبدا، بلهجتكِ العامّية البسيطة، ليس بالضرورة أن تكون الأدعية مدروسة ومحفوظة، التزمي الدعاء بالبركة طيلة الوقت.

13: تذكّري: لو اتّبعتِ كلّ هذه النصائح، لن يطول الوقت، ولن يتباطأ اليوم، بل ستزدادين انشغالاً، لكن في الحقيقة، هذا هو الجميل في الأمر. هذا يعني أنّكِ أنجزتِ، وأنّ الوقت الذي انقضى لم يكن هدراً.
وأتمنّى أنّكِ خرجتِ ولو بفائدة واحدة من هذه المقالة، كيف لا تكون الساعات الثلاث التي قضيتُها في الكتابة والتنسيق، قد ذهبتْ بلا فائدة.
….
7.2.2020
….
من علامات الساعة تقارب الزمان: https://t1p.de/ak8y
لماذا يبدو الزمن وكأنّه مرّ بسرعة؟: https://t1p.de/9v6c
لماذا نشعر بأن الزمن يمر بسرعة كلما تقدم العمر؟: https://t1p.de/vi50
Why Does Time Seem to Speed Up with Age?: https://t1p.de/mg6y
تسارع دوران الكواكب حول الشمس: https://t1p.de/22ge
No, It’s Not Just You: https://t1p.de/eg9m
This Is the Best Way to Slow It Back Down: https://t1p.de/jvlh
It’s Spring Already?: https://t1p.de/t6ma


ما برد الشاي

لا قيمة للساعات ولا التواريخ هنا، نحن في ذلك الجزء من العالم الذي نحسب فيه الزمن بالقذائف والصواريخ، وعدد المرّات التي نندفع فيها لنلبّي صافرة النجدة.
الرزنامة عبارة عن جداريّة موت: يوم الهجوم، يوم قصفٍ لم يتوقّف، يوم بناياتٍ عدّة سقطت دفعة واحدة، يوم أخرجتُ هذا الصغير بعد أربع ساعات من المحاولة، يوم انتشلنا خمسةً وعشرين شهيداً.. ولا ينتهي الإحصاء القاتل.

وصلتُ البيتَ أخيراً، دخلتُ، سلّمتُ، توضّأت، صلّيت، وجلست. ركضتْ إليّ الصغيرة وقد أطلقتْ أمّها سراحها أخيراً: شوي شوي على بابا.
حاولتُ أن أحضنها وهي تحاول أن تتسلّقني، مرّة من خلف ظهري فتنقلب في حجري وهي تضحك وتكركر، ومرّة تتعلّق بقميصي من أمامٍ وتدوس بقدمها الصغيرة في صدري، فتزلق وتقع على رجلي وتكرّ بالضحك مرّة أخرى حتى أضحك: اللهم صلّ عالنبي..
تردّ أمّها من المطبخ الصغير:
* هلكتني كلّ النهار الله يحميها، ما في غير تركض وتنكش خواتها، ما قدرنا نقرأ ولا حرف اليوم.
– لسّه عم تحاولي معهم؟ الله يعطيك العافية..
* إي طبعاً، بيلتهوا عن الأصوات والرعبات، وبيرجعوا شوي للوضع الطبيعي.

يرجعوا للوضع الطبيعي؟ وهل عرفنَه قبلا ليرجعن إليه؟! لقد وُلدن ثلاثتهنّ في هذا الوضع، في زمنٍ يُكتب بالدمّ على رزنامة الموت.

“باباااااا”
اندفعتْ الوسطى ترمي بنفسها عليّ: أثقل من ريشة (أختها الأصغر) ، وأخفّ من فراشة (أختها الأكبر). هكذا كنتُ أصفها دائماً.
تسأل بلهفة: – اليوم كم مرّة طلعتوا؟ لا تقول.. أنا.. أنا بقول..
تعدّ على أصابعها الصغيرة، كم مرّة سمعتْ صافرة النجدة، وكم مرّة حلّقت طائرة القصف، لتعرف كم مرّة خرجتُ اليوم لأنقذ أطفالا مثلها!
يا الله كيف تبسّط براءةُ الأطفالِ كلّ الأشياء المعقّدة، إلى بُعدين فقط: سعادة أو حزن، خسارة أو ربح. بالنسبة لها، وبميزانها الطفولي البسيط، إذا زاد العدد فهو ربح! هذا يعني أنّي (بطل)، لأنّي عملتُ كثيراً في هذا اليوم. ولكنّ هذا النوع من العمل ربحهُ خسارة! هي فقط لا تعرف.. ولا أريدها أن تعرف.

* إي يلا انتِ عدّي.. وأبتسم لها.

تجلس الكبيرة قربي بهدوئها، أضمّها إليّ وأقبّلها، تبتسم ولا تنطق. لم تنطق منذ عامين، توقّفت فجأة عن الكلام ذات يوم، صارتْ تحادثنا بالابتسامة والدمع فقط.

حضرتْ المائدة البسيطة، باسم الله. كنتُ آكل منتبهاً إلى كلّ واحدة: زوجتي التي لم ترفع إلى فمها سوى لقمتين، وهي تحاول إطعام الصغيرتين، بينما الكبرى ما زالتْ قربي تضع اللقمة وتسرح فيها زمناً.
همستُ لها: – مالك جوعانة؟ ليكون أكلتِ قبل ما أجي..
تبتسم، أدغدغها من خاصرتها فتضحك بلا صوت، تحتجّ أمّها: هلأ بتتشردق..
أنظر إليها: وانتِ ليش ما عبتاكلي؟
تنظر إليّ بطرف عينها بدلال:
عم بشوف رح تحسّ ولا لا!
أبتسم لها وأضحك في سرّي، معجزةٌ هي قدرتُها على استدعاء (دلال النساء) في وقتٍ كهذا! ولكنّي أدرك أنّه الوقت الوحيد الذي لدينا، وهذا هو عمرنا حقّاً، فمتى ستفعل هذا إن لم يكن الآن؟!

أتعمّد لفّ قطعة كبيرة من الخبز أعرف أنّ فمها لن يسعها، وأنتظر أن تفتحه فأدسّها على عجل، ترمقني بنظرة غضبى وقد انتفخ خدّاها، تضحك البنات حتى تدمع عيونهنّ. تبتلع اللقمة أخيراً وتتنهّد:
العشا كلّه بلقمة واحدة! هي اسمها اللقمة الخارقة!

أخيراً وصلتْ البنات للفراش، تغمزني أمّهن باتجاه الكبرى: روح احكي معها، صرلها فترة عم تتأخّر كتير بالنوم، وبتقوم بتدوّر عليك.
أذهب إلى فراشهنّ الممدود على الأرض وسط الغرفة قرب الباب بعيداً عن النوافذ والجدران، أستلقي قربها على جنبي، تستدير إليّ، أنظر في عينيها وأنا أفكّر ماذا سأقول لها؟! أجد أنّ التفكير يزيد الأمر صعوبة، فأقرّر أن أتكلّم: – قال ماما صايرة عم تسهري..
لا ردّ.
– ليكون عم تشربيلي شاياتي..
تبتسم وترفع حاجبيها أنْ (لا).
– ما عم تقدري تنامي؟
تومي أن (نعم).
– بتعرفي، أنا كمان بجي تعبان كتير، بس ما بقدر أنام، بتعرفي اش بعمل؟
تفتح عينيها بفضول.
– بتذكّر كل شي عملتُه معكن بالنهار، كلّ الألعاب اللي لعبناهن سوا، وبفكّر أي لعبة عجبتكن أكتر مشان ألعبها معكن أكتر.
نظرتْ إليّ غير مقتنعة، ولم أعرف ما أقول زيادة. فتنهّدتُ ومسحتُ على رأسها وقبّلتُها، فتعلّقتْ بقميصي. ضممتُها حتّى غفتْ.

* تشرب شاي؟
– يعني ما بدّك تخلّيني نام؟
تبتسم: * التعبان بنام اش ما شرب.
وتُحضِر الشاي وتجلس قربي.
– عاملتيه وبعدين عبتسألي؟
تضحك: * المنيحة ما بدها مشورة.
أصبّ لها ولي.
تسألني: * بدّك سكّر؟
– ليش في سكّر؟
تغمزني: * في إصبعتي.
أضحك: – إي حطّيها لكان..
تضحك: * بس يبرد بحطها.

تقلب رزنامة الموت صفحاتها.
وتنطلق الصافرات ونركض من جديد.

– شيله شيله..
هون لسه في واحد..

تتعالى الصيحات وصرخات الاستنجاد، ونحن نهرع من مكان لآخر، لنفاجأ بالدويّ الهائل من خلفنا، قرب مركز انطلاقنا!
ليس غريباً علينا استهداف المسعفين المباشر، رجع فريقٌ منّا باتّجاه المركز، لكنّنا وكلّما اقتربنا، بدأتُ أدرك أنّ القذيفة لم تكن إلا قرب بيتي.

تذكّرتُ تلك الليلة، لمّا فكّرتُ ما أقول لابنتي فتعقّد الكلام في عقلي، وقلتُ ما خطر ببالي. قفزتُ من السيّارة، وقرّرتُ الا أفكّر، واندفعتُ لأقوم بواجبي الذي كنتُ أقوم به على مدى سنوات، فتلّقاني زميلي يرجعني:
*مالك شغل هون خيي..
– شلون يعني؟
* يعني ارجع لورا..
أجمد لحظة ثم أدفعه فيمسكني محاولا جرّي للوراء، يتحوّل كلّ ما بي إلى طاقة غضبٍ هائلة، أنتزع نفسي من بين يديه، يصيح ببقيّة الرفاق: * لا تخلّوه يقرّب!
ينتبهون لي، ويقفون متأهّبين، الآن صار الأمر أكيداً.. أتوقّف عن مدافعتهم. وأنتحي جانباً، أراقبهم..
يا الله.. ما أسرع ما خرجن! وكأنّهنْ كنّ على عتبة البيت، راكضاتٍ إلى السماء!

انتبهتُ للعدد حين اكتمل ثلاثٍ صغيرات، صحتُ بهم: ارجعوا لورا! ما بطالعها غيري!
نظروا لي ولبعضهم ثوانٍ لم تطل، وتراجعوا.. لن يجرؤوا على مسّها وأنا هنا.

أراهم من خلفي بعين عقلي، يفرشون ملاءة، ويحملون كلّ واحدةٍ منهنّ، يرقدونها بعناية، يمسحون على رأسها، ويغطّونها مع أخواتها بملاءة أخرى، في فراشٍ واحدٍ نمنَ طيلة أعوام، ولم يحتملن الفراق في الفراش الأخير!
أحمل قطع القرميد، أرميها، دمعي يسحّ دون توقّف، ويداي تنبشان الخراب.. حتّى وجدتُها.
صحتُ بهم، فناولوني ملاءة كبيرة،

“- ليش في سكّر؟
تغمزني: * في اصبعتي.”

الآن بدأتُ أبكي وأنا أسحبها وأغطّي ما انكشف منها،

“- إي حطّيها لكان..”

ألفّها وأحملها، يبتعدون، والعالم كلّه صامت من حولي، إلا من بكاءٍ أظنّه بكائي، لكنّهم جميعا يبكون!
أرقدها على الأرض جوارهنّ..

” تضحك: * بس يبرد بحطها.”

وما برد الشاي، ولا برد قلبي!

– إلى بطل الدفاع المدني الذي استشهدت زوجته وبناته الثلاث، في القصف الأخير على ريف إدلب/سورية.
4.1.2020