نانا

(نانا)؛ بحثتُ منذ عام عن مصدر هذه الكلمة الموجودة في لهجتنا، حتّى وجدتُها في القاموس الإنجليزيّ، يقول: نانا هي الجدّة أو من تقوم مقامها كمربيّة.
هكذا باختصار يقول القاموس عنكِ: مصدر التربية التي يختلط فيها الحزم بالحنان والمحبّة والعطف. لا تُقال للأمّ لأنّ الأمّ لا تمتلك هدوء وحكمة الجدّة، ولا تُقال للمعلّمة لأنّها لا تملك محبّة وحنان الجدّة، هي لكِ أنتِ فقط. كلمة خفيفة لطيفة عذبة سريعة تلخّص كلّ مشاعرنا:
نانا.. نهرب إليكِ من عقوبة ماما، نانا.. تعطينا الحلوى بدون حدود، نانا.. تجعل المبيت الجماعيّ في دارها مسموحًا بل وواجبًا، نانا.. آخر من يجلس إلى مائدة الطعام لأنّها تريد أن تتأكّد بنفسها من وجود كلّ شيءٍ واكتمال السفرة.
نانا من المستحيل أن تطلب من أحدنا أن ينهض ويحضر لها الملح أو كوب الماء المليء بالثلج.. تنهض بصمت لتحضره بنفسها.
نانا هي التي تتولّى شواء اللحم مهما كانت درجة الحرارة، ولو حدث وتنازلتْ عن العمليّة لا بدّ أن تجلس للمراقبة والملاحظة.
نانا لا تقبل أن يسيء البشر لأيّ كائن حيّ: لا تقبل ترويع طائر، ولا طرد قطّة، ولا قطع نبتة.
نانا لا تحبّ أن تبقى القطط في حديقة البيت كي لا تعيث في الزرع فسادًا، لكنّها لا تقبل أبدًا أن تُبقيها جائعة.
نانا ترى أن طريقتنا في التنظيف عبثٌ ولعب، ولديها القدرة على (نفض) البيت بطوابقه وحجراته بمفردها.
نانا حين تهدينا شيئًا من أغراضها نطير فرحًا، وتفرح هي كلّما رأتنا نلبسه أو نستخدمه.
نانا لم تتعلّم القراءة ولا الكتابة ولكنّها تحسب أسرع من الحاسوب وتعرف كيف تستخدم الهاتف.
نانا لم أرَها ترمي كيسًا ولا قطعة قماشٍ قطّ، كانتْ تطويها جميعًا بعناية وترتّبها في مكانٍ ما.
نانا كانتْ تدخّن منذ صباها وتركتْ التدخين وهي في الثمانين، ورغم كراهيتي للتدخين.. كنتُ أحبّ علبتها المذهّبة الصغيرة، وطريقتها في لفّ ورق التبغ.
نانا لم أسمعها تتأوّه أو تقول إنّ شيئًا يوجعها.. كانتْ كلمتها فقط: أووووف مع زفرة طويلة.
نانا لم تكن تعتقد بجدوى الدراسة لبناتها، لكنّها كانتْ تلاحق حفيداتها على التفوّق وتفرح بشهاداتنا الجامعيّة.
نانا كانتْ تجيد كلّ شيء..وما لم تكن تقدر أن تنجزه بيدها.. كانتْ تعرف من يمكنه أن ينجزه بإتقان كإتقانها.
حين تصمت نانا وتشرد.. كنتُ أشعر بالحزن لأنّي لم أكن قريبة منها كفاية لأعرف معنى نظرتها الشاردة.
حين ترى ابنتي الصغرى امرأةً عجوزًا تمشي متوكّئة على عكّاز؛ تقول: هَي عجوز جدًّا مِتِل نانا الكَبِيرة.
تردّ أختها الكبرى: إي بس نانا الكبيرة ماتت.
فتقول الصغرى: إي ماتت لأنّه صارتْ عجوز جدًّا.
فتجيب الكبرى بيقين وبساطة: لا.. ماتتْ لأنّه خِلِص عمرها.
ما بال ذلك اليقين يغيب عنّي أحيانًا وأنا قد لقّنتُها إيّاه؟
أفكّر لو أنّي كنتُ أكبر قليلا، لو أنّ أمّي أنجبتْني أنا أوّلا، لعرفتُكِ أكثر، لوجدتُ طريقي إلى قلبكِ أكثر، لقضيتُ أنا وبناتي معكِ وقتًا أكثر.

اشتقتُ لكِ نانا.. اشتقتُ كثيرًا، ولا أعرف ما أقول أكثر.

عذاب الموهوبين

كنتُ أكتب كثيرًا في ما يسمّيه الناس (مذكّرات) وأسمّيها أنا (مزبلتي الفكريّة).
منذ خمسة أعوام مضت.. لم أعد أكتب فيها إلا لمامًا، اعتقدتُ أنّ السببَ متعلّقٌ بماهيّة كتاباتي السابقة، وكان هذا صحيحًا نوعًا ما.. فأنا كنتُ أكتب هناك حين أشعر بالضيق والانزعاج -وغالبًا- حين يتملّكني شعور سلبيّ. الآن صرتُ أصرّف مشاعري السلبيّة بطرق أخرى، نعم.. أحيانًا باللسان، وغالبًا باليد.. في تلميع واجهات خزائن المطبخ!.
واليوم تذكّرتُ آخر سطر ٍكتبتُه في الدفتر منذ شهرين تقريبًا:
الكتابة مهنة المترَفين، وعذاب المحتاجين الموهوبين. كتبتُها كي أتوقّف عن لوم نفسي لأنّي فشلتُ في (الاسترزاق) من وراء الكتابة. وتذكّرتُ بغيظٍ كم كتابًا قرأتُ وثمنُه المبلغَ الفلاني.. وحزنتُ على الشجرة التي قطعوها ليصنعوا منها ورقًا يمتلئ بالهراء وينتهي في حاوية الورق لإعادة التكرير، لعلّه إن صار مناديل مطبخٍ أو حمّامٍ بات أكثر نفعًا.
اليوم فكّرتُ وأنا أقرأ كتابًا لابنتي، قرأتُه لها عشر مرّات سابقًا على الأقلّ: هل كلّ القرّاء يقرؤون بانتقاديّة مثلي؟ أعني إنّي لم أقرأ لها نصّ الكتاب ولا مرّة كما هو، في كلّ مرّة أغيّر فيه. ترى لو علمتُ أنّ أحدًا غيري يفعل بكتاباتي ما أفعله بكتابات غيري من تغيير للنصوص بانتقاديّة.. هل سأتضايق أم سأشكره لأنّه عبّر عن رأيه؟ لا أعرف حقًّا.
الكتابة عذاب الموهوب الذي يحتاج مصدر رزق لأنّها أبدًا لن تكون له ذلك إلا إن صار مثل الشعراء على أبواب السلاطين قديمًا. ليس لأنّ الناس اليوم لا تقرأ.. وهل كان الناس من قبل يقرؤون؟ ولماذا إذن كان العلماء يعيشون حياة الكفاف تقريبًا إلا من عاش منهم في كنف الحاكم الذي كان -من لطف أقدار الله- يحبّ العلم والعلماء؟ حتى إذا قضى الله أمره واستردّ أمانته جاء الحاكم الذي يليه ورمى بالعلماء لأنّه من مشجّعي المعارك والحروب. هكذا كان الحال من قبل وما زال، ومن قبل كان الناس متفرّجين وما زالوا. ومن قبل كان هنالك الخاصّة الأقلّيّة الذي يفرضون اتّجاه العلم والدين والسياسة والقوّة في كلّ بلد، وهنالك العامّة الأكثريّة الذين يتبعون، وما زال هذا الحال.
الكتابة مهنة المترَف الذي ضمن مهنة أو وظيفة أخرى وصار في غنًى عن البحث عن لقمة عيشه. أو هي مهنة الأعزب الوحيد الذي لا يعول سوى نفسه وليس لديه (من) يخسره.
لكنّها حتمًا ليست المهنة الملائمة للأمّ، أبدًا. ولن تطعمها سوى وجع القلب وصداع الرأس وضيق الوقت.
أن أفكّر بالكتابة بعد أربع ساعات في المطبخ، وخروج وعودة خمس مرّات للتوصيل من وإلى البيت، ومراجعة دروس ابنتي وواجباتها، والقراءة معها لتحسين مستوى تحصيلها الدراسيّ، والجلوس مع الأخرى التي لا واجبات لديها ولكنّ الغيرة تأكل قلبها، وتريد أن تنال مثل ذلك الاهتمام، ثم التنظيف والترتيب والغسيل وأعمال البيت العاديّة التي لا تنتهي والتي لا يُلقي لها بقيّة أفراد البيت بالا لسببٍ بسيط: هي لا تهمّهم. لقد اكتشفتُ متأخّرًا أنّي الشخص الوحيد في البيت الذي يرى الأوساخ.. أي والله! ويهتمّ لإزالتها. بل وأشعر بأنّ أعصابي تخرج من رأسي وتقفز أمامي حين أرى رفًّا أصابته الفوضى فجأة وأنا -بحسب آخر معلوماتي- قد رتّبتُه منذ يومين فقط! ولم أدرِ هل أسعد بهذا الاكتشاف وأحمد الله وأحاول أن أرتاح وأتعلّم التجاهل و(التطنيش)؟ أم أبقى على ما أنا عليه من ملاحقة ومتابعة حتى لا تصيبني العدوى ويتحوّل البيت إلى مكبّ نفايات مرّ به إعصار؟!
وبعد ذلك النهار الذي يبدأ مع السادسة صباحًا ولا ينتهي، أجلس لأقول لنفسي إنّي أكتب كي أرتاح، فما إن آخذ مكاني على كرسيّ المكتب حتى أرى الكتاب الذي قرأتُ منه صفحتين وتوقّفت، ومصحفي ووِردي اليوميّ الذي تأخّرتُ فيه، وكتب المدرسة والتحضير، وماكينة الخياطة والأقمشة المقصوصة التي تنتظر دورها، والكاميرا التي تنتظر ابنتي أن أفرغ مقاطع الفيديو منها. وأحاول أن أتجاهل، وأفتح حاسوبي فأتذكّر الامتحان الذي عليّ أن أؤدّيه عندما (أشعر) أنّي جاهزة له! يا سلام ما أجمل هذه الكلمة.. التي لن تحدث أبدًا طبعًا. وهل سأمشي إلى الامتحان برضاي وأنا (أشعر) شعورًا إيجابيًّا بالجاهزيّة؟! ربّما، لو صرتُ كائنًا آخر سواي.
كيف يجد الناس الوقت لكلّ أشيائهم؟! تحديدًا أولئك الذين يجلسون ولا يفعلون شيئًا؟. أليس لديهم مئة ألف مشروعٍ مثلي؟ ألم يكتبوا قائمة أحلامهم وقائمة مهمّاتهم المستَعجلة، وأخرى لتلك المؤجَّلة، فوجدوها تعدّتْ العشرين في يوم واحد؟! من أين يأتيهم هذا (الرَّواق)؟ هذا المزاج لفعل اللاشيء؟. للجلوسِ بيدين خاليتين؟!.
اليوم تحديدًا يلحّ عليّ النصّ الأخير الذي كتبتُه عن تلك الكاتبة الإنجليزيّة المنتحرة، وتذكّرتُ إنّها كانتْ من النوع الأوّل: مترَفة تمتهن الكتابة. لم ترزق أطفالا، ولديها خدمٌ في بيتها وكانتْ كاتبة فريدة في زمانها،  وكان زوجها يحبّها ويتفهّم مزاجها الغريب. وفي النهاية.. أغرقتْ نفسها في النهر مع رسالة اعتذارٍ له، تقول فيها إنّ الذين يتكلّمون في رأسها لم يخرسوا! بربّك؟!.. ربّما لو كنتِ مشغولة بالطبخ وحفر الكوسا مثلا، أو بالغسيل والوقوف ساعتين للكيّ، أو بتلميع الأراضي الخشبيّة والكريستالات التي تملأ بيتك؛ لما وجدتِ وقتًا لتسمعي صوت أولئك الذي يتكلّمون، لخرسوا جميعًا وانهدّوا من التعب وأصِبتِ كلّ ليلةٍ بإغماءةٍ تبدو كالإغفاءة، وشُفيتِ من داء الكتابة وتوقّفتِ عن النشر وتبنّيتِ طفلا أو اثنين من الميتم وعاش الجميع سعداء!

أظنّني أفضّل أن أكون من الموهوبين على أن أكون من المترَفين، نعم.. أنا موهوبة في الكتابة وليس هذا فخرًا، بل مرَضًا لا شفاء منه، وإن لم أفعّله فعليّ زكاتُه، الأمر يشبه عندي العودة للتعليم رغم كراهتي (لجوّه) المدرسيّ، لأنّي أعرف أنّ عليّ زكاة علمي وأنّي قادرة على منح أولئك الأولاد شيئًا ينفعهم.

لكنّي -ولسببٍ ما- لا أستريح لفكرة أن آكل بأفكاري خبزًا. ربّما أفضّل أن أتوقّف عن الكتابة تمامًا وأبقى في خانة المعذَّبين على التحوّل للخانة الأخرى.

ليس الآن.

“وأنتَ ما زلتَ تتكلّم. والآن بدأ النزق يكسو ملامحكَ متّهمًا إيّاي بأنّي لا أنصت. كيف سأقول لكَ أن تسكت.. لطفًا؟. هل ستقبل ذلك لو طلبتُه منك؟! كيف أقول لكَ إنّ حديثكَ ممتع ولكن ليس الآن؟ وكيف سأخبركَ عن أولئك الذين (يتكلّمون) داخل رأسي ولا يريدون أن (يخرسوا) قليلا، دون أن تظنّ بي جنونًا؟!!
أو عن (هُم) الذين قضوا عدّة ليالٍ سابقةٍ (يتمشّون) في أحلامي ويسهرون وتعلو أصواتهم، حتى أنهض قُبيل الفجر برأسٍ مليءٍ بالخطوات، والكلمات، والمشاكل والنزاعات؟!
لن تصدّقني. أعني إنّكَ لن تصدّق ألا علاقة لي بوجودهم في رأسي، وأنّي لا أملك إخراجهم منه، وألا سلطة لي عليهم وهم داخله!
ليلة أمس مثلا، وبعدما غفونا، استيقظتُ عدّة مرّات خلال ثلاث ساعات، في المرّة الأولى لم أدرك أنّي كنتُ أحلم، فتحتُ عينيّ ونظرتُ إلى نور الساعة الإلكترونيّة ورأيتُه يقترب من الثانية عشرة منتصفَ الليل، التفتُّ يسارًا لأسألـ(ـه) ماذا يفعل هنا، فلم أجده. أتتخيّل الفوضى التي ملأتْني حينها وأنا أحاول هضم الحقيقة إنّه كان حلُمًا؟ وحينها استيقظتَ أنتَ وبتلقائيّة جذبتني إليكَ تضمنّي، وأنا سارحةٌ ببلاهة أحاول فهم من أين جاء إلى رأسي وإلى أين ذهب، والسؤال الأهمّ: من حضرته؟!، وفي قلبي أقول لكَ إنّي أقدّر حبّك لكن ليس الآن وقت التعبير عنه.
لقد رأيتُ أناسًا لم أرهم منذ عقود، وأشخاصًا لا أعرف من هم أصلا، ولا أذكر إنّي التقيتُهم من قبل، لماذا يتجوّلون في دماغي هكذا ويفتحون أدراجه بحريّة؟. دخلتُ غرفةً مليئةً بالغبار واندهشتُ من عدد الناس فيها، كانوا منهمكين كمحقّقين محترفين في التفتيش بين الأرفف والصناديق، عن ماذا؟! لا أدري. من هم؟ لا أعرفهم.. صِدقًا لا أعرف أيًّا منهم. والمشكلة إنّ أشكالهم لا تدلّ على أي ترابط منطقيّ أو تاريخي أو نوعيّ. استيقظتُ للمرّة الثانية، وحين غفوتُ مجدّدًا عدتُ للموقع ذاته، حاولتُ أن أتكلّم وأفهم فقط ما الذي يحدث هنا؟ ثمّ خرجتُ من الغرفة بغضبٍ بعد أن عرفت أنّ صوتي غير مسموع فيها. ورأيتُ نفسي في حديقة مهملة أقرب لغابة استوائيّة، ومليئة بالناس أيضًا! ما هذا الزحام؟ كلّهم منهمكون في نقاشٍ ما، ومتضايقون من شيءٍ ما، ولا يرونني. لماذا يجلسون في رأسي؟! هل وجدوه بالصدفة فارغًا فقرّروا مَلْأه؟!
وأنتَ تأتي الآن لتكلّمني عن تاريخ البطاطس! بربّك.. هل هذا وقتُه؟! هنالك مؤتمرٌ نوويٌّ يجري في عقلي لا أدري من يديره، ولا أعرف مقرّراته النهائيّة. تاريخ البطاطس يبدو شائقًا يا عزيزي.. لكن ليس الآن.
هل تدرك ماذا يمكن أن يحدث لتركيزك بعد عدّة أيّام حين يستيقظ كلّ هؤلاء النائمين في رأسك وقت نومك؟! لكَ أن تتخيّل.. أو أن تكتفي بتأمّلي. إنّهم ليسوا من خيالي فلا تحاول أن تقنعني، في رأسكَ أمثالهم، لكنّهم محنّطون، أو ميّتون، أو خُرس، أو في وضعيّة سُبات أو شلل تامّ، لا يهمّني أن أعرف حالهم. لكن لا تحاول أن تقنعني إنّي اختلقتُ كلّ هؤلاء وزرعتُهم في رأسي! لقد خرجوا فجأة من اللامكان.. ساخطين، أنفاسهم ثقيلة، حجبوا ضوء الشمس عن أرض أفكاري وملؤوها غبارًا وفوضى ومشاكل ونزاعات.
والآن تسألني إن كتبتُ قائمةً بما نحتاجه للبيت! متى وصلنا إلى هنا؟! المستيقظون في عقلي تناولوا فطورهم وقهوتهم واستعادوا نشاطهم وأنا أمشي كالمخدّرة، مندهشةً أنّي وضعتُ طعام الفطور وأكلتُ معكَ وغسلتُ الأطباق! انتبهتُ فجأةً وكأنّي كنتُ في غيبوبة. والتفتُّ إليكَ أقول ليس الآن.
هربتُ واختبأتُ في الحمّام وأغمضتُ عينيّ أحاول التقاط وجهٍ واحدٍ فقط من وجوه هؤلاء المتسكّعين لأتعرّفه، لم أقدر. يفرّون كالزئبق. الآن أنا أقف بينهم وأصرخ: اخرسوا.. وارحلوا، يكفي هذا. لكنّي أرى صوتي يخرج كفقاعة هواء في كوب ماء! (بلب بلب).. يا سلام!!
لم أدرك الوقت الذي مضى إلا وأنتَ تدقّ الباب قلقًا عليّ! الآن بدأتُ أغضب. أنتَ خارج رأسي وهم داخله، وجميعكم تريدون أن تتكلّموا معًا!
أنا أحبّ أن تقلق عليّ يا عزيزي، لكن ليس الآن!!”
..
بعد أيّام، من مشفى الأمراض العقليّة:
“قلتُ لكَ إنّي لستُ مجنونة، كلّ ما في الأمر إنّكَ تملك مفتاحًا تقفل به الباب على (أولئك) في عقلك، وترفض أن تعطيني نسخة من المفتاح لأقفل على (أولئك) الذين يتجوّلون في عقلي!
وكلّما قلتُ لكَ أأعود معكَ اليوم إلى البيت، تقول لي: ليس الآن.”

مستوحاة من سيرة كاتبة روايات إنجليزية أحبّها زوجها كثيرًا وحاول أن يعالجها لكنها في النهاية انتحرتْ، لأنّ الذين (يتكلّمون في رأسها) لم يخرسوا.

خيالٌ كوارثيّ

لم أكن أعرف ما هو (النابالم)، ولم أكن حتى أعرف كيف تُنطق هذه الكلمة. لكنّي وجدتُها بهذا التعريف في (ويكيبيديا) بعد البحث عنها في (جوجل):
//نابالم هو سائل هلامي (gel) يلتصق بالجلد، وهو قابل للاشتعال ويستخدم في الحروب. تم تطويره من خلال مجموعة كيميائيين أمريكيين من جامعة هارفارد أثناء الحرب العالمية الثانية، بقيادة العالم لويس فيزر.
يصنع النابالم من خلال إضافة قطع الصابون الزيتي إلى البنزين المسخن بطريقة غير مباشرة وذلك بوضعه في حوض داخل حوض آخر يحوي ماء يغلي على النار وتضاف القطع مع التحريك المستمر إلى أن يصبح المزيج كثيف القوام ويجب أن يصنع في مكان مفتوح ويجب الحذر لأن هذه المادة سريعة الاشتعال.//
وكنتُ اليوم أفكّر؛ لماذا قد يلجأ شخص ما لكتابة رواية في (الخيال العِلمي الكارثيّ) والعالم مليء بالكوارث الحقيقيّة ولا يحتاج الخيال لإضافة المزيد؟!. حين كتب هربرت جورج ويلز روايته (حرب العوالم)، لم تكن الحرب العالمية الأولى ولا الثانية قد حدثت بعد، وربّما لو رأى بعينه ما الذي يُحدِثه خيالٌ تدميريّ كخياله المريض لنظر إلى تلك الحرب بعين الرضا والسرور!
الأسوأ أن نجد الدول التي اخترعتْ الأسلحة الكوارثيّة واستخدمتْها ثم حرّمتهْا دوليًّا بشكل ظاهريّ بعد أن باعتها لمن تعرف أنّهم لن يستخدموها ضدّها، تعيد تمثيل هذا الخيال المريض في فلم يحقّق شهرة عالميّة. وربّما يكون الفلم قديمًا إذ صار عمره الآن عشر سنوات، لكنّي للتوّ سمعتُ به، ولن أقول إنّي شاهدتُه، فبشاعة الفكرة ورداءتُها وكمّية التوتّر والقرف في الفلم جعلتني أختصر مدّة المشاهدة إلى خمسة عشر دقيقة بالضبط.
في الدول المحترمة تفرض الدولة قانونًا عامًّا على مجالات الثقافة والفنون، على الأقلّ ألا ينسف هذا الفنّ الأمانَ النفسيّ وبراءة أطفالِ جيلٍ كامل!. يبدو إنّ الدول المحترمة انقرضتْ.

أين كان أطبّاء علم النفس عن هذه الكتابات وكيف يسمّى شيءٌ كهذا إبداعًا؟! الخيال العِلميّ يُفترض به أن يكون كما عرفناه صغارًا: أن يدفعنا لاكتشاف الكون بشكل أكبر، ومحاولة تفادي الكوارث الطبيعيّة والنهوض مجدّدًا بعد الحروب. أمّا إنفاق الجهد والمال والوقت في عَرض مشاهد دماء وآلات معدنيّة عملاقة تسحق البشر.. فهذا يمكن رؤيته في أيّة نشرة إخباريّة تتحدّث عن الشرق الأوسط.. بفضل تلك الدولوحلفائها التي صارتْ تطبّق أفلام (خيالها العلمي) على أرض واقعنا وتسمّينا: مناطق منكوبة، ونزاعات مسلّحة!!

أمّا كُتّابنا الذين يعيشون ضمن هذه المناطق وعانوا معاناتها، فإنّني (أغسل يدي) من معظمهم، وكأنّهم في غيبوبة عن الواقع، وإن كتبوا شيئًا، كتبوا عن الحبّ المنحرف بين الجنسين في ظلّ الحرب! تبًّا لكم.. ألم يبقَ في عالمنا سوى هذه التفاهة؟!
لا أريد أن تكتبوا عن ألم الأمّهات والآباء يشاهدون أبناءهم يحترقون، ذلك لأنّكم عاجزون عن الإحساس بهم فكيف تكتبون؟.

ولكن اكتبوا عن شيءٍ عايشتموه: عن الخوف عندما سمعتم صوت القذيفة أوّل مرّة، عن صرخة (يا لطيف) بصوت جاركم، عن صوت الحجارة المتساقطة المندكّة يبدو كهزيم الرعد المرعب في أذني طفل الخمسة أعوام، عنه مرتعشًا خلف ثوب أمّه وهي واقفةٌ تنظر بوجلٍ للدبّابة تحاول بعقلها الريفيّ البسيط أن تحصي الخسائر القادمة: أهو محصول الحبوب، أم شتلات البندورة، أم دجاجاتها، أم يحتلّون دارها؟! أبدًا لا تصل بتفكيرها إلى أن تمتدّ يدٌ إليها أو إلى ابنها.. إنّها تثق بهذا العالم أكثر ممّا يجب. تعرف اللصوص و(الحراميّة) ولكنّها لا تدرك أنّ (أبناء الحرام) يختلفون عنهم.
ألا تقدرون أن تكتبوا عن البرودة التي تسري في جسدها خلال ثوان عندما تراهم يترجّلون من الدبّابة ويجرّون زوجها أمامهم؟.. ألا تجيدون الكتابة عن قبضة يدها تشدّ على الصغير خلفها.. الآن فقط وصلتْ بتفكيرها إليه، وقد كانتْ تظنّه فوق السحاب محميًّا، وأدركتْ بفزعٍ أنّه جسدٍ من عظمٍ ولحمٍ قابلٍ للتمزّق.

العالم ليس بحاجة الخيال الكوارثيّ، فيه ما يكفيه. إن لم تكنوا قادرين على الكتابة عنه كما هو كي نمشي به نحو الأفضل والأجمل؛ فأريحونا
وببساطة.. اسكتوا.