فانظر عمن تأخذ فكرك

تعثّرتُ قبل أسبوعين تقريبا برابطٍ لمقالةٍ على فيسبوك، من ستوري حسابٍ ما على الانستغرام. احتفظتُ بالرابط وبدأتُ بقراءته. للوهلة الأولى وبعد اطلاع سريعٍ جدّاً، ومخلٍّ جدّاً على العنوان والأفكار البارزة، شعرتُ أنّه يستحقّ الإعجاب، ثمّ تركته لقراءة متمعّنة لم أتفرّغ لها. فطالعني اليوم على قناة السبيل في اليوتيوب، مقطع يفنّد أفكار المقالة إياها، ويردّ عليها بدقّة وهدوء.

يمكنكم الاطلاع على المقالة الأصلية هنا
وعلى مقطع الفيديو
هنا

ولكن قبل الاطلاع، لا بدّ من تكرار التنبيه الذي ذكرتْه صاحبة الفيديو مشكورة في بدايته: إذا لم تكن على اتصال مباشر بالموضوع، ولم تتأثر به، فلا تقرأ ولا تشاهد الفيديو، لأنّ هذا سيفتح عليك بابا أنت في غنى عنه. والأصل أن يبتعد الإنسان عن الشبهات لا أن يعرّض نفسه لها.

أمّا ما سأقوله، فليس ردّاً على أفكار المقالة لأنّي لا أملك عِلما في مجال المقالة لأردّ به، بل على فكرة الكتابة وشخص الكاتبة. نعم، لقد وجدتُ أنّه من المعيب حقّاً كمّ المتابعين لشخصيّة مجهولة والمؤيدين لفكرها، والناشرين له، وهو فكر يمسّ دينهم في صميمه!
متى سنتوقّف عن: فصل الشخص عن أفكاره؟! متى ستنتهي هذه الموجة اللامنطقية؟! كيف تفصل الماء عن الماء إن لم يكن في وعاءين مختلفين؟! فكيف تفصل الإنسان عن فكره إذا لم تقطع رأسه عن جسده؟!. نعم، أنا من هؤلاء الذين يهاجمون الأشخاص، ويحذّرون منهم، حين يجدون من أفعالهم ما يوجب ذلك، ومن يرى أنّ هذا ليس من الإسلام (الحقّ وليس الإسلام الجديد)، فليأتني بالبرهان.
كيف يُعرف الخبيث من الطيّب إذا صار كلّ الناس مائعين في الأحكام؟. لماذا حين يدبّج أحدهم مقالة في التكنلوجيا نجد ألف متصدّر للردّ عليه وتسفيهه، ولا نجد مثل ذلك في علوم الدين؟. ولماذا حين يتقدّم شخص للزواج يلحّ الناس في السؤال عنه في أقاصي الأرض، ولا يسألون عن شخص في الإنترنت يكلّمهم في دينهم؟ في قوام حياتهم وأساسها؟!
الأفكار هي نتاج شخصية وحياة، فكيف تأخذ فكرة مجرّدة وتعجب بها دون أن تفتّش عن قائلها الذي أُعجبتَ به ضمناً، ولا بدّ أن نفسك قد تاقت لرؤيته والتعرّف إليه؟
أليس غير المسلم يقرأ فكرة، أو يرى تطبيقها العمليّ فيعجب بها، فنخبره أنّ مصدرها هو الدين، ومن جاء بها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فيسعى للقراءة والبحث عن هذا الشخص؟. فكيف بالمسلم وبمن يأخذ عنه فِكره ومعتقده ودينه؟
شيء عجيب ومؤلم، أن نرى من يقول عن نفسه إنه باحث أو أكاديمي أو أيا يكن، ويصوغ أفكاره بلغة قوية فنكتفي بهذا ونأخذ ما في جعبته لنضيفه إلى جعابنا، لنكتشف بعد حينٍ أنّ ما أثقلنا به ظهورنا وحملناه بحرصٍ وشغفٍ واهتمام وحرسناه لم يكن ألماسا ولا ذهبا، بل حجارة صلدة!

الفيسبوك هو حرفيّاً (قهوة أبو عرب): يجتمع فيه مختلف خلق الله، من العالِم للبلطجي للشريف للحرامي للجاهل للمتعلم للمتعالم للتقيّ للفاجر. لكنّهم لا يتجالسون، ولا تكون جلساتهم متشابهة، ستجدهم في اجتماعات مختلفة، وتدلّ مظاهرهم عليهم. أي نعم، من قال إنّ الكتاب باين من عنوانه لم يخطئ دائماً. فمن يأخذ قهوته ويمضي، ومن يمرّ ليسلم على أصحابه مروراً سريعا ليدعوهم لمجلس علم أو صلاةٍ جامعة، أو يحثّهم على رياضة تحرّك أبدانهم، يختلف عن المستوطن من الصباح للمساء، يغرف بسمعه من المجالس حوله، لكنها مقتطفات، ومعظمها لا يصلح لبناء شخص.
لذلك، حين أجد مقالة رصينة جدا ليس لها مصدر آخر غير الفيسبوك، مقالة تدّعي العلمية، ويدّعي كاتبها العِلم والمعرفة، ولا تعريف بهذا الكاتب ولا شيء يدلّ على جهده وعلمه وخلفيّته سوى تلك الصفحة في (المقهى)، فلا بدّ أن أرتاب.. وأحتاط، وأفعّل كلّ الفلاتر في عقلي.
فمن هذا أو هذه لآخذ عنه ومنه؟ ولأعجب به، وأسوّق له؟

ولقد بحثت في خلفية الكاتبة علني أصل إلى شيء: قلتُ ربما هي من بيت علم، وأهلها معروفون بذلك، وأنا الجاهلة، فتشجعتْ وقد نشأتْ في بيت باحثين، فلم أجد ما يشير إليها سوى مقالات الرأي.

نحن في مصيبة اسمها: حرية التعبير عن الرأي! لم يعد هنالك عقول تعتقد بالحدود، وصار كلّ من أراد أن يقول شيئاً يقوله، دون تقييد أو تفكير أو اعتبار لأيّ شيء.

مصيبةٌ هي فكرة: الإسلام دين الحرّيّات، لأنّه ليس كذلك. الإسلام لم يأتِ ليقول لكَ تفضّل افعل ما شئت واعصِ كما شئت وأفسِد كما شئت لأنّكَ حرّ!
إن فعلتَ ذلك فلا تدّعِ أنّ الإسلام أعطاك تلك الحرّية. الإسلام جاء ليحرّرك من عبودية نفسك والشيطان إلى عبودية أوسع وأشمل وهي عبودية الخالق. فإن كنتَ ضيّق الأفق، صغير العقل، تريد حشر نفسك في الزاوية التي أخرجكَ منها، فهذا ذنبك لا ذنب الدين، فلا تنسب له ما ليس فيه. وتذكّر أنّكَ محاسب عن كلّ من اتّبعك وأعجب بك وأضللتَه.. قالها الله سبحانه لإبليس قبل آلاف السنين، وأخبركَ بها ولكنّكَ تناسيتَها. وتناسيتَ أنّ خطيئة إبليس كانتْ: الكِبر، الذي أوصله لأن يحاول مساواة نفسه بالخالق، ويتحدّاه، ويطلب أن يُعبَد من دونه. وأنتَ تكابر مثله، فهل حقاًّ لا تعي أنك تفعل ذلك؟!

إنها (مقالة رأي) يا قوم! وبما أنها مجرد مقالة رأي، فسأقول رأيي فيها بكلّ حرية: احذروا من التخبيص في دين الله، سيحاسب من كتبه ومن نشره. ولو كان مبحثا علميا فأين الهوامش والاستدلالات؟ وأين الإشارات إلى أسماء بعينها؟ وأين كلّ ما يحمله المبحث التاريخيّ من صفات؟!

اليوم ندمتُ على كلمتين قلتهما لأمّي، أوّلا حكيتُ لها ما ضايقها عليّ -وليس منّي-، فلما أرادتْ التخفيف عنّي بسؤالها عن التفاصيل، قلتُ إنّ الأمر لا يخصّها. وقد تبدو هذه كلمة عادية، لكنّي أراها شرخاً في جدار البرّ، وكان أولى بي أن أقول لها ألا تشغل بالها، وليس بالأمر المهمّ وأشاغلها وأقول دعابة ما. أمنع نفسي من نشر أشياء كثيرة، مخافة أن أحزنها، أو أقلقها. أخفي عنها أشياء لنفس السبب.. وهذا أبسط البرّ. هذه أمّي وهي وأنا بشر، ولو كنتُ سأفكّر بعقول هؤلاء (الثائرين) على تقييد الحريات، لقلتُ كلّ ما يخطر لي، دون أدنى شعور بالذنب أو الخطأ.
هل هو حقا خطأ وذنب أن أقول ما أفكر فيه دون اعتبار لمشاعرها وهي شخص واحد، وقد يكون في ما سأقوله فائدة لكثيرين؟ قناعتي أن نعم، خطأ وذنب أحاسَب عليه.
فكيف لو كنتُ سأتعدّى على خلقٍ كثيرين حتى أصل إلى الطعن في الدين الذي أدّعي الدفاع عنه؟!

منذ مدّة كتبتُ شيئا في ستوري على الانستغرام عن تعدد الزوجات، فنبّهني أحد الإخوة مشكورا، برسالة على الخاص أنّ ما أقوله يُفهم منه طعنٌ منّي في حكم التعدّد، فشكرتُه ولم أناقش. لكنّي حذفتُ ما كتبت بعد تنبيهه ولم أنتظر اختفاءه كما هي العادة بعد أربع وعشرين ساعة، لأنّي فكّرت: لو كان هو قد فهم هذا، فكم واحدا مثله فهم مثله؟! وكم واحدا فكّر كالتالي: بنت أستاذة ثناء كتبت كذا، فينال أمّي بسوءٍ، أو يأخذ ما كتبتُه على محمل الإعجاب مباشرة دون تمحيص؟ أليس في هذا أذى لأمّي قبل أن يكون لي؟ فأينّ البرّ؟!
وقد صرنا في زمنٍ عجيب صار فيه البرّ عبارة عن مكالمة أو زيارة أو فعل مادّيّ بحت، ولم يعد للامتناع عمّا يؤذي نفس الأهل أيّ اعتبار أو وجود. ولو كنتُ سأنشر كلّ ما أكتبه لامتلأ قلب أمّي غمّاً أو كمداً، ولو كنتُ سأحكي كلّ ما يعكّر حياتي لقضتْ الوقت تلوم نفسها فكيف أحمل ذنباً كهذا؟.

صار من العيب أن يفكّر أبناء الدعاة والملتزمين بمجاملة أهلهم، وعدم البوح بأفكارهم احتراماً لهم. فصارت المعصية أمامهم عاديّة، بحجّة أنّه إن كان يفعل ذلك بأية حال، ولا يستحي من الخالق فلماذا سيتخفّى عن أهله؟! وهذه مفارقة مضحكة حدّ البكاء! فالأصل أن يقوده حياءه من ارتكاب المعصية أمام أهله، وخوفه على مشاعرهم، إلى تركها بالكلية، وليس إلى المجاهرة بها وإيذائهم!
صار التعبير عن الأفكار والميول الشاذّة والغريبة، رائجاً بدعوى (خلص كبرنا)، وما عدنا صغاراً لنخاف أهلنا. نعم، صرنا كبارا وقست القلوب، الأحرى أن تخاف على أهلك، وليس منهم. على زعلهم منك وليس عليك.

وقد صار كلّ من ارتدى الجبّة مفيتاً، وكل من لبس العمامة قاضيا، وكل من كتب كلاما في لمحة موسيقى شاعراً، وكل من نشر كتاباً كاتباً، وكلّ من ارتدت الحجاب.. أيقونة دالة على المرأة المسلمة!
وصار الكلّ يعرّف عن نفسه وكأنّ الواجب أن يكتب تعريفاً بنفسه: كاتب، باحثة، أديبة، ناشطة اجتماعية.. إلخ. لماذا لا تتركون الناس يعرّفون عنكم من أفعالكم وأقوالكم؟!

أخيرا، كلّما كتبتُ شيئاً، لا بدّ أن أعيد وأكرّر التنويه: حين أنتقد خطأً، فليس معنى هذا أبدا أنّي لم أقع فيه. ولو انتظر كلّ إنسان أن يكون كاملا ليقول للخطأ إنه خطأ، لصارت حياتنا جهنّماً.

لا ريب أنكم تحفظون بيت الشعر: وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ::فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ
وهو للمتنبّي، ومعنى هذا البيت من أسوأ المعاني. والمتنبي لم يكن شخصاً يصلح ليكون قدوة وهو على قدر عجيب من كِبر النفس والتعالي، فقط لأنه ملكَ مفاتيح اللغة والشعر. فإذا أراد أحدكم أن يستدلّ بهذا البيت، فليفكّر أوّلا في معناه. وقد خصصتُه لأختم به لأنّي أعرف أن كثيرين سيستشهدون به، مع المثل القائل: القافلة تسير والكلاب تنبح.
حتى في الأدب، انتبهوا لما تتشبّعون به. ودمتم بخير.

20.5.2022


إجهاض

(أي تشابه بين أحداث أو شخصيات القصة والواقع، هو تشابه مقصود).

بَعد:
تلك الأضواء التي تمرق سريعًا في سقف الممرّ، السرير المتحرّك البارد جدًّا، قدماها مثلجتان.. كم تكره هذه البرودة التي تتطلّبها العمليّات الجراحيّة. تشعر دومًا أنّها دورة تأهيليّة لدخول ثلاجة الموتى.
توقَّف الممرّضان أخيرًا عند باب غرفة العمليّات. ناولا الملفّ لطاقم التخدير الواقف بانتظارها؛ انحنتْ عليها طبيبة التخدير وضاقتْ عيناها بطريقة خمّنتْ منها أنّها تبتسم من خلف الكمّامة الطبّيّة، وقالتْ لها بلطف:

هل أنتِ قلقة؟
هزّت رأسها بهدوء أن (لا).
جيّد.. وربتتْ على كتفها المغطّى بالشرشف الطبّيّ بيدٍ مثلجة. كلّ شيءٍ باردٌ هنا.. حتى التعاطف.


دفعتْ ممرضتان سريرها إلى غرفة العمليّات. أصابتها دهشة.. لم تتوقّع أن تكون كبيرة هكذا.. وفكّرتْ في نفسها ساخرة: هل يرقصون (الدبكة) هنا عندما ينتهون من عمليّة ناجحة؟ وأعجبتْها نكتتها فابتسمتْ ابتسامة عريضة لنفسها.. ما جعل طبيبة التخدير تبادلها الابتسام بطريقة تضييق العينين وهي تتناول ذراعها لتصله بالأجهزة. أخيرًا.. جاء الطبيب، وحين رأتْه، تذكرتْ لقاءها الأوّل به قبل أعوام: كانت مضطربة جدا في حملها الأوّل، وكان هو رئيس قسم الولادة، وتمّ استدعاؤه من قبَل الطبيبة المشرفة. دلف الغرفة ورأى شابة حاملا في الشهر الثامن، وضع عاديّ أن تحضر لأخذ موعد قبيل الولادة، وتشعر بالألفة في المشفى. لكنها كانت متشنّجة ومرعوبة بشكل لم يسبق أن رآه. عرف أن ذاكرتها عن الحرب لم تمنحها شعورا أفضل من هذا.
لم يكن كبيرا في العمر، متوسّطا في الأربعين، أبيض البشرة، أسود الشعر جدا، أزرق العينين جدا، عدا ذلك، عاديا جدا، وكان النقيض من كل شيء حولها: لم يكن باردا، أبدا!


ابتسم لها بودّ من لحظة دخوله، ومد يده مصافحا معرّفا باسمه الأول على غير عادة أهل البلد: أنا ميشائيل .. نادني ميشائيل فقط.. ليس عليك مصافحتي إن كنت لا تصافحين.
أومأت برأسها: داليا.. شكرا لتفهمك. مشيرة إلى ملاحظته عن المصافحة.
ابتسم بدفء أكثر: أين زوجك؟
إنه يعمل.. لا يمكنه أن يحضر معي.
في الحقيقة، أجد أنك شجاعة كثيرا لحضورك وحدك، أنت لا تحتاجينه من ناحية اللغة.. ربما أنت تتكلمين الألمانية أفضل منه..
ابتسمتْ: هذا صحيح..
ضحك: النساء حين يتعلمن يغلبننا بالذكاء، وأنت اليوم غلبتِ بالذكاء والشجاعة.


تذكّرتْ كلّ هذا حين اقترب منها بالكمّامة الطبيّة؛ وانحنى مسندًا ثقله على يده الممسكة طرف السرير فوق رأسها تمامًا، وسألها:
كيف حالك؟ ابتسمتْ ولم تردّ. فابتسمتْ عيناه دون أن تضيقا.
*مستعدّة؟.
نعم ولكن..
وأومأتْ له أن يقترب، فاقترب قدر ما يستطيع.
نسيتُ أن أقول لك، إذا حدث شيء.. أيّ شيء.. لديّ بطاقة موقّعة منّي بالتبرّع بأعضائي الصالحة كاملة.. هل تفهمني؟
نظر ثوانٍ في عينيها تمامًا، واقترب أكثر حتى لم تعد المسافة الفاصلة بين عينيهما شيئًا:
لن يحدث شيء.. اتفقنا؟
أومأتْ برأسها.
تمام؟
ابتسمتْ وردّت: تمام.


ابتعد أخيرًا وأشار لطبيبة التخدير أن تبدأ عملها. فوضعتْ القناع الأسود الغليظ على وجهها.. شعرتْ بالاختناق، وتوتّرتْ. راحتْ الطبيبة تعدّ بصوت روتيني.. كان يفترض أن تغيب عن الوعي عند رقم سبعة أو ثمانية على الأكثر، لكنها بقيتْ متيقّظة!
اقترب الطبيب مرّة أخرى، وانحنى هذه المرّة دون أن يلمس شيئًا فقد كان جاهزًا ومرتديًا قفّازاته.
ما الحكاية؟ هل شربتِ قهوةً ليلة أمس؟
ابتسمتْ ساخرة: أنا لا أشرب المنبّهات أبدًا.
إذًا.. استرخي..
وتراجع مرّة أخرى. فتنهّدتْ.. وأغمضتْ عينيها. عاد القناع إلى وجهها وذهنها ما زال يعمل: لا أستطيع أن أسترخي، لأنّي لا أريد أن أنام.. أخاف أن تتحامقوا! الحقيقة أنا لا أثق بمن معك، أثق بك، ولكنّ الطبيب لا يفعل كلّ شيء من الألف إلى الياء! ماذا لو نسيتم قطعة قطن مثلا؟ هذه الأشياء تحدث. ماذا لو كنتم مهملين؟ لا أريد أنـــ…..
وذهبتْ في غيبوبة التخدير!


قَبل:
كانتْ تنظر إلى تحليل الحمل المنزليّ بيدٍ مرتجفة، وعقلها يردّد السؤال الغبيّ ذاته: كيف؟. لم يكن تساؤلا عن الديناميكة التي تمّ بها الأمر حتما، لكنه التساؤل العاطفيّ: كيف حدث ذلك في هذا التوقيت الذي يفترض ألا يحدث فيه؟ وكيف سأتصرّف الآن؟ وكيف وكيف وكيف…
أخيرًا تنهّدتْ؛ ورمتْ التحليل في القمامة وقد قرّرتْ ألا داعي لإخبار أحد!
هكذا.. مضتْ تتابع حياتها بذات السياق: ركض وراء بنتها بأعوامها الخمسة، والصبيّ المشاكس في عامه الثاني، البيت بكلّ أعماله، والوظيفة اليوميّة.
كانتْ تصحو مع أذان الفجر؛ يرنّ منبّه هاتفها المحمول فتصحو بعد ثانيتين. تشعر بالألم في فكّها فتدرك أنّها كانتْ تصرّ على أسنانها أثناء النوم. تعتدل في السرير وتضع قدميها على الأرض. كالعادة.. لا إحساس بهما.. تمشي من الغرفة للحمّام وهي لا تحسّ شيئاً وكأنّ نصفها الأسفل يتحرّك من نفسه، ثمّ يستيقظ فجأة فتصعق بألمٍ كالكهرباء يسري دفعة واحدة، ويبدأ يخف تدريجيا.
تعدّ فطورا سريعا لأطفالها، تكوي ملابس العمل لها ولزوجها خلال دقائق، لأنّه لا يعرف كيف يكوي ملابسه، ولم يتعلّم!

صباح الخير.
دون أن تنظر إليه؛ وكأنّ الأمرٌ مفروغٌ منه، تردّ: صباح النور.


تغسل أسنانها، تتوضّأ، تصلّي، تلبس.. خلال ستّة عشر دقيقة، إنّها دقيقة الحساب حين يتعلّق الأمر ببرنامج الصباح. لا يجوز أن يتأخّر أحد. يخرج زوجها. تقوم بتمارينها وهي تتذكّر وجه طبيبها: لا تتوقّفي عن الرياضة؛ لن تحتاجي إلى الأدوية طالما تمارسينها. وهي تمارس كلّ شيء أمرها به، عدا الراحة طبعا!
تحمل أغراضها وتذهب لتوقظ الأطفال. عشر دقائق للحمّام. عشر دقائق للملابس. خمس عشر دقيقة للإفطار.
إلى الباب.. انطلقوا!
تعود من العمل الجزئيّ الذي تصرّ ألا تسمح له بالتحوّل إلى دوام كامل كي لا تخسر أطفالها، ترجعهم إلى البيت. إلى الحمّام ثم المطبخ، وأخيرًا تحظى باستراحة عندما يأخذ الصغير قيلولة بينما تسمح لابنتها بمشاهدة التلفاز. وتنسلّ هي إلى غرفتها؛ لا وقت للنوم.. لا. تفتح الديوان الشعريّ الذي اشترتْه من خمسة أشهر! وعند علامة الوقف تفتح الصفحة، تتربّع على الأرض قرب النافذة.. تقرأ بشغف. قصيدة.. اثنتان.. تقفز إلى درجها وتتناول دفترها وقلمها، وتبدأ تكتب.. وتكتب.. أربعون دقيقة مضتْ وهي غارقة في قراءة وكتابة! تقفز بذعر من أمسكتْه الشرطة وهو يبيع المخدّرات، تعيد كلّ شيء إلى درجها وتتأكّد من إقفال باب غرفتها كيلا يعبث صغيراها فيها. توقظ الصغير بلطف وهي تلاعبه، تجلس مع أطفالها لتلعب معهم. نصف ساعة، يصل زوجها. تنهض مرّة أخرى للمطبخ.. تجلس معه ليتناولا وجبة الغداء المتأخّر، وهو يتكلّم كجهاز بثّ لا يحوي زرّ إيقاف، وهي تعطيه التعبيرات اللازمة: هااا حقا؟ اممم.. غريب، جميل.. كيف؟ هل نجح الأمر؟. وبمجرّد أن تنتهي وجبة الطعام تكون قد نسيتْ تمامًا كلّ ما تحدّث عنه.
تقول لنفسها: يريد الإصغاء المتعاطِف، فليكن.


يدها اليسرى ترتجف مرّة أخرى وهي تجمع الأطباق. طبيب الأعصاب الذي أطال الفحص والتنقيب زفر أخيرًا وهو يقول لها بأسفٍ شديد حتى حسِبتْه سيقدم على بتر ذراعها من قوّة زفيره: لا يوجد أيّ خلل، هذه حالة نفسيّة تمامًا ناتجة عن التوتّر والإرهاق. طالما أنّ الأمر يتحسّن عندما تحصلين على قسطٍ وافرٍ من النوم، يمكنني أن أكتب لكِ أقراصًا مهدّئة.
المخدّرات تلاحقها هنا أيضًا! هكذا ابتسمتْ لنفسها ساخرةً وهي تقارن الأشعار السياسيّة التي تهوى قراءتها بالمهدّئات.
شكرًا لك، لا أعتقد أنّي أحتاجها.
وخرجتْ وهي تكمل في نفسها: لا أستطيع أن أنام كثيرًا، ماذا لو انتهى العالم وأنا نائمة؟!. العالم فعلا قد ينتهي وأنا نائمة.. أن أصحو فأجد ذانَيك الصغيرين مستيقظان قبلي فهذه حتمًا نهاية العالم! ربّاه.. لا يمكنني حتى تخيّل الأمر.
وهكذا مضتْ الأيام بهذا الروتين حتى كان ذلك اليوم.

بعدَ ما بعد:
حين تنبّهتْ من التخدير أخيراً، كان أوّل ما رأتْه تلك الساعة الجدارية الكبيرة مقابلها، الوقت.. عدوّها ورفيقها. تمعّنتْ وهي تحاول شدّ ذاكرتها لتصحو تماماً من ضباب الغيبوبة السابقة، لتعرف كم لبثتْ في غرفة العمليات: ساعة وربعا، ولنقل إنّي هنا منذ ربع ساعة.. طبيعي.
تلفّتت حولها، كانتْ تشعر برغبة ملحّة في الذهاب للحمّام، كيف ستنهض؟! هنالك أسرّة كثيرة من كلا الجانبين وعلى الصف المقابل لها أيضا! هذه غرفة الإنعاش بعد التخدير، غرفة مؤقّتة لا ريب. رأتْ خيالا يتحرّك خلف الستار المجاور الذي يفصلها عن السرير الآخر،

إحم.. عفوا . نادت ْبصوتٍ عال بلغة البلد التي أتقنتْها بلهجتها المحلّيّة.حالاً أحضر لك..
هل سمعتْ صوت رجل؟!، تأكّد ظنّها حين أتاها ممرّض مبتسم:
صحّ النوم -قال باسماً- ، كيف أخدمك؟
آآ هل سأبقى هنا كثيرا؟
نحتاج بعض الوقت لنقلكِ إلى غرفة عادية..
حسنا، شكرا.
العفو..
وحين انصرف، عاودت استلقاءها محاولة تجاهل مثانتها الممتلئة المزعجة، عندما رأتْ الطبق الكرتونيّ الصغير وعرفتْ أنّ الممرّض كان سيساعدها ببساطة بوضع ذلك الطبق أسفل منها في الفراش لتبول فيه!
شعرتْ بالغيظ والحنق والألم، ولأوّل مرّة منذ أعوام.. بالغربة والوحدة. وابتلعتْ ريقها وغصّتها، وهي تسلّي نفسها بملاحظة كلّ ما حولها من أصوات وأشياء.
زوجها لا يعرف أصلا أنّها في المشفى، لا يعرف حكاية الحمل ولا الإجهاض. اتّصلتْ بصديقة لها أطفال في عمر أبنائها، تثق بها. صديقة أجنبيّة، وليستْ من بلدها الأصليّ، لتضمن ألا تخبر الزوج العزيز! كانتْ قد عرفتْ بالطريقة الصعبة، أنّها لا يمكن أن تثق بأيّة امرأة لأنّها فقط من دينها أو لغتها أو ثقافتها أو بلدها، فقد كانتْ تجاربها معهنّ.. مأساويّة.
أخبرتْ رفيقتها: خذي الأطفال من الروضة إليكِ، لقد أخبرتهم أنّي في هذا اليوم سأتأخّر، وقد يبيتون عندك..
ابتسمتْ بودّ: لا عليكِ، جوليا ستطير فرحا بوجود بسمة في بيتنا.. أمّا ويليام وعمر، فعليّ أن أنتبه لهما كي لا يطير البيت بما فيه!
ضحكتا.. لكنّ ضحكتها الممزوجة بمرارة جعلتْ الرفيقة تسأل:

لماذا تخافين إخباره؟ هذا حقّكِ، وهذا جسمك، ولستِ مجبرة على ذلك.. هو لا يفعل شيئا للأطفال وتقريبا لا يراهم إلا في نهاية الأسبوع كضيف شرف.

لا أستطيع أن أشرح لكِ، الأمر معقّد جدّاً. أنا لستُ خائفة منه في الحقيقة، أعرف أنّ القانون معي.. أنا خائفة من نفسي، فهذه أشياء لا رجعة فيها، وهذه مرحلة من التغيير حين يصلها الإنسان، لا يكون بمقدوره أن يعدل عنها.

جاء الممرّض أخيرا، وبدأ يجرّ السرير، كانتْ تشعر بالعريّ رغم أنها مختفية حتى ذقنها تحت اللحاف، لكنّ رأسها كان عاريا إلا من قبّعة طبّيّة شفّافة. وكان شعورها بالسخط ينمو ويتحوّل تدريجيّا إلى غلّ.
وضع السرير في غرفة مشتركة، كما هي العادة. سريران في كلّ غرفة: هل تحتاجين شيئا آخر؟
هزّت رأسها بابتسامة أن لا.
ابتسم وخرج.
التفتتْ بهدوء للسرير المجاور، أخذتْ لمحة وغضّت البصر: كانت امرأة سمراء بصحبة امرأتين تزورانها، نساء أفريقيات، رحن ينظرن لها باستغراب، تجاهلتْ النظرات، كانتْ تريد أن تذهب للحمّام!
تذكّرت كلام الممرّض، ملابسها في الخزانة وأعطاها المفتاح. لم تكن قد استحضرتْ ثيابا إضافية كما الولادة، فقد أخبروها أنها لا تحتاج مبيتاً، نهضتْ من الفراش على مهل، تشعر بأنّ وجهها يغلي من السخط، أمسكتْ بيدها ثوب المشفى المفتوح من الخلف وشدّته من منتصف ظهرها على بعضه حتى بلغتْ الخزانة، وجدتْ ملابسها هناك. من حظّها وجود ستارة تفصل مكان الملابس عن الأسرّة. أغلقتها، وانتبهتْ أنها حافية. حتى لم تحضر معها خفًّا من البيت، وشعرتْ بالقرف حين داست على الأرض. أخرجتْ بنطالها وحين حاولتْ ارتداءه، انتبهت إلى بقع الدمّ التي خلّفتها على البلاط الأبيض، لبستْه وهي ترتجف، وبدأتْ تشعر بالدوار. عثرتْ على علبة مناديل فتناولتْ منها ومسحتْ البلاط.ارتدتْ جواربها، ثمّ ملابسها العلوية، وأخيرا عثرت على ربطة شعرها، وحجابها. وفتحت الستارة أمام النظرات المندهشة، واتجهتْ إلى الحمام الموجود في نفس الغرفة.
خرجتْ أخيراً، وعادتْ إلى السرير، وراحتْ تراقب وجبة الطعام التي تُركتْ لها.

ما زالتْ النساء الثلاث في السرير المجاور يراقبنها ولا يتوقّفن عن الكلام، وبعد طول تشاور بينهنّ، سألتْها واحدة بلغة ركيكة:
أنتِ وحدكِ؟
نعم
معك صديقة؟
هزّت رأسها أن لا،
زوج؟
لا..
وحدي، وحدي، وارتعشتْ شفتها السفلى، ولمّا نهضتْ تلك المرأة إليها في فراشها واحتضنتْها..
أجهشتْ بالبكاء!

24.7.2020


شهر عبادة وعمل

رمضان يأتي بصوت أبي رحمه الله يقرأ القرآن وهو الذي ختمه حفظا وقد جاوز الستين. يذكّرني بمشيي معه إلى المسجد لحضور التراويح في جامع إسكان حيّ المعذر في الرياض، حين كنت لا أزال في الثانوية.
بأيام الحرّ التي صمناها مع دوام الجامعة، ومن يعرف حرّ الرياض ظهرا، سيعرف لمَ كان أبي يصرّ أن أجلس في المقعد الخلفي كي لا أتعرض للشمس؛ ومكيّف سيارته يتعطل مرات كثيرة مثل كلّ السيارات التي لا تحتمل تلك الحرارة الرهيبة. رمضان يحضر إلي دائما بصوت غلاية الماء القديمة في مطبخ أمي التي تعدّ السحور، وأبي يتلو في غرفة الجلوس، والأصوات كلها رتيبة هادئة.
لماذا لا أتذكر الإفطار ولا أستحصر صوره؟ لأنه غالبا يكون على عجالة، بلا هدوء.. متعباً لنا، إذ نعمل قبل الإفطار وبعده. حتى آخر رمضان حضرته في الرياض، لم أستحضر فيه أية روحانية، كان في إجازة الصيف، وكانت صفية وسمية صغيرتان.. وكانت جدتي رحمها الله في عامها الأخير. حرّ وإجازة وصيام. لقد اعتدتُ رمضان مع الدوام.. قد يبدو هذا غريبا، لكنه أفضل وأجمل. حتى زوجي يفضّل أن يعمل في نهار رمضان، لأن ذلك يشغله.
هذا العام في السعودية، قررت وزارة التعليم أن يستمر الدوام في رمضان، وهذا ما كنا اعتدنا نحن صغارا عليه، لكن جيل الأبناء هناك لا يعرفه. معظمهم نشأ ورمضان إجازة. سمعت تثاقل صديقاتي الأمهات.. فابتسمت. المشكلة ليست في الدوام، بل في تغيير العادة التي استمرت سنوات: ينامون حتى الظهر ويستيقظون قرابة العصر! فلا يصومون سوى خمس ساعات على الأكثر، ليقضوها في جو مكيف بارد، ثم يكون الإفطار بأصناف كثيرة ومرهقة ومكلفة، وسهرات جماعية لا علاقة لها بالعبادة.
رمضاننا هنا متعب، لكنه جميل. شهر عمل ودراسة وعبادة، لا يوجد ما يشغلنا.
أما العادات التي غيرتها لأسرتي ومن حولي منذ بضع سنوات، فهي عادات مزعجة ومتعبة ولا علاقة لها برمضان:

Continue reading