لماذا القصة

باسم الله..

مقدار الفائدة من المعلومة يرجع للمتلقّي، وليس للمعلومة ذاتها. تعال إلى بائع الفول الذي يقف على ناصية الشارع منذ سنوات، وأخبره أنّ بورصة الصين انهارت، سيرفع عينه إليك ويسألك: بدّك الفول بحمض إلا بطحينة؟. أمّا لو أخبرتَ صديقكَ الذي يضارب بالأسهم منذ سنوات أيضاً المعلومة ذاتها، فغالبا ستلبس ذنب إصابته بأزمة قلبية بقية حياتك!
وهذا طبيعي جدّاً، لذلك حين تتعجّب صديقاتي المقرّبات من طبيعة مصادري الثقافية، لا آخذ الأمر بشكل شخصيّ، بل أضحك غالبا.
تسألني صديقتي سوسن (وهي مثل أختي الكبيرة) كيف أنتقي الروايات التي أقرؤها، ومعظم قراءاتي (تسعون في المئة) هي روايات؟!. وقد كان من قبل أن واجهتُ أسئلة مثل ذلك. ومَن حولي من الصديقات يقرأن في كتب فكرية وإيمانية لا أهضم صفحتين منها، ولكتّاب معروفين بفكرهم لا يمكنني أن أسيغ أسلوبهم.
ربّما أنا ما زلتُ طفلة في داخلي لم أكبر، ولذا تكون قراءاتي في القصص، ومشاهداتي في الأفلام لأنها قصص مصوّرة!
وهنا سأجيب في عدّة نقاط وأحاول اختصارها، المحاولة التي ستكون فاشلة على الأغلب :) لأنّ الاستطراد يكون في معظم الأحيان ضرورة. Continue reading


ما برد الشاي

لا قيمة للساعات ولا التواريخ هنا، نحن في ذلك الجزء من العالم الذي نحسب فيه الزمن بالقذائف والصواريخ، وعدد المرّات التي نندفع فيها لنلبّي صافرة النجدة.
الرزنامة عبارة عن جداريّة موت: يوم الهجوم، يوم قصفٍ لم يتوقّف، يوم بناياتٍ عدّة سقطت دفعة واحدة، يوم أخرجتُ هذا الصغير بعد أربع ساعات من المحاولة، يوم انتشلنا خمسةً وعشرين شهيداً.. ولا ينتهي الإحصاء القاتل.

وصلتُ البيتَ أخيراً، دخلتُ، سلّمتُ، توضّأت، صلّيت، وجلست. ركضتْ إليّ الصغيرة وقد أطلقتْ أمّها سراحها أخيراً: شوي شوي على بابا.
حاولتُ أن أحضنها وهي تحاول أن تتسلّقني، مرّة من خلف ظهري فتنقلب في حجري وهي تضحك وتكركر، ومرّة تتعلّق بقميصي من أمامٍ وتدوس بقدمها الصغيرة في صدري، فتزلق وتقع على رجلي وتكرّ بالضحك مرّة أخرى حتى أضحك: اللهم صلّ عالنبي..
تردّ أمّها من المطبخ الصغير:
* هلكتني كلّ النهار الله يحميها، ما في غير تركض وتنكش خواتها، ما قدرنا نقرأ ولا حرف اليوم.
– لسّه عم تحاولي معهم؟ الله يعطيك العافية..
* إي طبعاً، بيلتهوا عن الأصوات والرعبات، وبيرجعوا شوي للوضع الطبيعي.

يرجعوا للوضع الطبيعي؟ وهل عرفنَه قبلا ليرجعن إليه؟! لقد وُلدن ثلاثتهنّ في هذا الوضع، في زمنٍ يُكتب بالدمّ على رزنامة الموت.

“باباااااا”
اندفعتْ الوسطى ترمي بنفسها عليّ: أثقل من ريشة (أختها الأصغر) ، وأخفّ من فراشة (أختها الأكبر). هكذا كنتُ أصفها دائماً.
تسأل بلهفة: – اليوم كم مرّة طلعتوا؟ لا تقول.. أنا.. أنا بقول..
تعدّ على أصابعها الصغيرة، كم مرّة سمعتْ صافرة النجدة، وكم مرّة حلّقت طائرة القصف، لتعرف كم مرّة خرجتُ اليوم لأنقذ أطفالا مثلها!
يا الله كيف تبسّط براءةُ الأطفالِ كلّ الأشياء المعقّدة، إلى بُعدين فقط: سعادة أو حزن، خسارة أو ربح. بالنسبة لها، وبميزانها الطفولي البسيط، إذا زاد العدد فهو ربح! هذا يعني أنّي (بطل)، لأنّي عملتُ كثيراً في هذا اليوم. ولكنّ هذا النوع من العمل ربحهُ خسارة! هي فقط لا تعرف.. ولا أريدها أن تعرف.
Continue reading


روح متمرّدة على التدجين.. في الخامسة والثلاثين.

إذا التزم قالوا عنه معقّد وقفل، وإذا فعل ما يحلو له قالوا صايع! وإذا حضر صلاة الجمعة ثم لبس الشورت صار (منافقا)، وإذا تعدى الثلاثين ولم يتزوج، فهو إما (صاحب بنات) أو (صاحب شباب)!
إذا لبستْ العباءة أو الجلباب قالوا (شيخة ما شا الله)، وإذا تحجّبت بغير ذلك صار دينها خفيف والله يهديها. إذا التزمت بحضور دروس، معناها قبيسيّة أو إخوان، وإذا كانت تخالط الجميع وتشارك في كلّ المناسبات صارت (ما عندها مبدأ). إذا وضع صورته الشخصية على مواقع التواصل صار (محبّا للظهور)، وإذا وضعت صورتها صارت (تتسوّل الاهتمام).
ماذا أيضا؟
وإذا رجعنا للبداية لنرى من الذي يقول هذا، نكتشف -بكلّ أسف- أنّه الجيل الذي ربّى هذا الجيل، ويبدو أنّه بعد التربية اكتشف أنّ إنتاجه لم يعجبه!
وكلّ هذه المظاهر تدخل ضمن (الفقه) دينيّا ولا تمسّ (العقيدة)، لكن كثرة العبث بالخدوش تجعلها خروقاً لا راقع لها! ثمّ تتساءلون لماذا صار الشباب لا يقيمون وزناً لعالِم أو فقيه أو مفتٍ، وآخر همّهم إن قال لهم أحدهم إنّ هذا طريق الإلحاد!
هذه صناعة أيديكم، فكفّوا عن محاكمة أبنائكم الذين شابوا أبكر من وقتهم. تقولون إنّ زمانكم لم يكن سهلا وتسترسلون في الحديث عن صعوباته، لكنّكم لا تسمعون لصوتنا الذي يقول صراحة: ما عايشتموه كان نكتة بجانب حياتنا.
نحن ما زلنا نحترمكم، ولكنّكم ما زلتم تعتقدون أنّنا في الخامسة من العمر وقد تجاوزنا عقوداً من البلاوي التي تمرّ علينا كلّ يوم.
لم تعلّمونا وجود الاختلاف، عشنا زمنا لا ندرك أنّ في العالم مذهباً غير مذهبنا، وطريقة غير طريقتنا في عيش حياة محترمة هدفها النهائيّ مثل هدفنا الدينيّ تماما: عمران هذه الأرض بالخير، بغضّ النظر عن النوايا. ولما بدأنا نكتشف ذلك، أحطتمونا بنظريات المؤامرة!
تريدون أن نكون مع أبنائنا أفضل مما كنتم معنا، ولكن بطريقتكم وعلى نهجكم! وكأنّكم لم تدرسوا أن المعطيات المختلفة تعطي نتائج مختلفة أيضا!
وبدلا من الشعور بالسعادة باختلافنا عنكم، بأنّنا (نسخة مطوّرة) منكم، تريدون أن نبقى النسخة القديمة، هل هو الخوف من الانقراض؟ أنتم لستم جوّالات نوكيا! ونحن لسنا أبّل! وإن كان لكلّ برنامج ثغرات، فلذلك يدرس الإنسان ويتعلّم كيف يسدّها.
نحن نبْتٌ أنتم زرعتموه، وإن كان قد شبّ على غير هواكم، فلا يوجد في الحياة عِرقٌ أخضر بلا فائدة ما، حتى النبات الطفيليّ، له فائدته في دورة الحياة.

Continue reading