كاد المعلّم أن

قبل رمضان بأسبوعين، كنّا نتناقش حول الحضور والغياب في المدرسة العربيّة، فسألتني إحدى بنات الصفّ: خالتي، أوّل أسبوع صيام عندي احتفال رياضة في المدرسة وأنا مشاركة فيه.. إذا تعبت معلش أفطر؟
فأجبتُها ببساطة: أنتِ تعلمين أنّ الصيام لمن هو قادر عليه صح؟
– صح.
* إذاً ابدئي يومكِ بنيّة الصيام ثم إذا تعبتِ فعلا أفطري واقضيه مع قضائك. ولكن انتبهي يا بنتي.. الصوم بالذات فريضة خفية، فهي بين العبد وربه.. يعني لو أنتِ أكلتِ أو شربت دون أن يراك أحد لما عرف أحد أنك صائمة أو مفطرة، بينما بقية العبادات (الصلاة، الزكاة، الحج) كلها يمكن أن يراها الناس ويلاحظونها. والله وحده يعلم قدراتك وهل أنتِ فعلا قادرة على تتمّة الصيام أم لا.

فهمتْ البنت كلامي كلّه، وما لم أفهمه أنا هو كيف صارتْ هذه العبادة (الخفيّة) المظهرَ الإسلاميّ الوحيدَ لكثير من المسلمين؟. فهذه البنت مثلا لا تصلّي (تهاونًا) ولا تلبس الحجاب ولا تعرف من تاريخ الإسلام سوى اسم نبيّنا محمّد.. حتى اسم أمه وأبيه لا تعرفهما ولا شيئا من سيرته. ولنترك هذا جانبا، ولننظر للأخلاق والمعاملات، فهي موجودة عندها بحكم القانون والضمير، وليست مرتبطة برضا الله ولا محاسبة النفس. ومع ذلك أتمنّى أن تستمرّ في الحضور وألا تنقطع، لأنّها (من كثرة الزنّ) تستجيب أحياناً.
مثلا عند تسميع القرآن، وفي اليوم الذي طلبتُ منهم أن يحفظوا من بداية سورة المطفّفين، احتجّتْ الصبيّة وقالتْ أنا لا أستطيع، فما كان من زميلها (الذي يحفظ عدّة أجزاء ويشارك في مسابقات حفظ القرآن على مستوى ألمانيا) إلا أن قال بتباهٍ: سهلة وأنا حافظها من قبل. وسخر منها ببضعة عبارات مستفزّة.
وكان من عادتي معهم في تدريس القرآن أنّي أتلو الآيات مرّة أولى عليهم، ثمّ أشرح الكلمات، ثمّ أفسّر المعنى الإجمالي بما يتناسب مع فهمهم. ثمّ أطلب من هذا الحافظ أن يقرأ لأنّ قراءته سلسة، وأعطيهم وقتا ليحفظوا عدداً من الآيات في الصف، وكلّما طلب أحدهم أن أعيد الآيات له أعدتُها. وتنجح هذه الطريقة معهم، فهم في البيت لا يفتحون كتب المدرسة العربية فضلا عن عدم قدرتهم على تلاوة الآيات وحدهم.
ولمّا رأيتُ نظرة التباهي في عين الشاب، ونظرة الانكسار في عين الصبيّة، أخذتُ نفَساً عميقًا وتوكّلتُ على الله وبدأتُ محاضرة أدبيّة، فشرحتُ له كيف أنّ أجر زميلته أعظم من أجري ومن أجره، فكلانا نقرأ بسلاسة ودون عناء. وقلتُ له: لو فتحتُ المصحف الآن من منتصفه وطلبتُ منكَ أن تقرأ آية لم تقرأها من قبل، هل ستكون قراءتك مثل هذه الآيات؟ فسكت ثمّ قال بخفوت: لا. قلت: ولكن أنا سأقرأُها دون خطأ وبالترتيل والتجويد.. ومع ذلك، فأجر زميلتك أكبر من أجري أتدري لماذا؟. هنا كانتْ الصبيّة مشدودة بكامل انتباهها إليّ، فأكملتُ: لعدّة أسباب: أوّلا، إجادتي في القراءة هي من فضل الله عليّ وليس لي فضل في ذلك.. بتوفيقه تدرّبت وتعلّمت. ثانيا أنا كنتُ مثلكَ يا (فلان)، وكنتُ أشارك بمسابقات الحفظ وكانتْ أصعب لأنّنا كنّا ملزمين بالتجويد وأنتَ تشارك بحفظك فقط.. ولمّا كنتُ قريبة من الفوز نسيتُ الآية ببساطة، وحين أتذكّر ذلك الموقف الآن بعد مرور سبعة عشر عاما تقريبا فإنّي أحمد الله أنّي لم أفُز لأنّ الشيطان كان سيجد من ذلك مدخلا عليّ للغرور والتباهي، وإجادتي للقراءة الآن هي عِلم عليّ زكاته بتعليمه لغيري. ثمّ وجّهتُ كلامي للصبيّة وأكملت: والسبب الثالث أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال إنّ الذي يتلعثم بالقرآن أجره مضاعف.. لأنّه يحاول مرّة بعد مرّة. ولنحسب أنّ كلّ حسنة بعشر أمثالها، هذا يعني لو أنا قرأت آية وأخذتُ 100 حسنة مثلا، فأنا قد قرأتُها مرّة واحدة.. بينما أنتِ تقرئينها مرّة أولى فتأخذين 100 ثمّ تعيدين فتأخذين 100 أخرى.. وهكذا. ولمّا تكرّرينها للحفظ لا يتوقّف عدّاد الحسنات.. فأنتِ رابحة بكلّ حال. وأنا لن أعطيكِ درجة على إتقان الحفظ، بل على المحاولة لأنّي أعرف أنه صعب عليك. (ولسان البنت ثقيل فعلا في مخارج العربية). ثمّ جلستُ قربها وقلت لها: وأجركِ ليس لكِ فقط.. بل هو لوالديكِ أيضاً، فأبوك يأتي بكِ كلّ سبتٍ لتحفظي القرآن، وأمّكِ تريد ذلك وتشجّعكِ. فحتّى لو لم يكونا ممّن يقرأ أو يحفظ.. أنتِ بقراءتكِ وحفظكِ ترفعين درجتهم في الجنّة إن شاء الله.
وما انتهتْ الساعة الدراسيّة إلا وقد حفظتْ الطالبة الآيات الستّ وهي تفهمها ولو فهما مجملا.

ولكن.. ما تنفعها تلك الساعة أو الساعتان أمام عمر تقضيه بعيداً عن التوجيه الأساسيّ؟. إنّ مصيبتنا في الجيل الذي ينشأ هنا كمصيبتنا في جيلنا الذي نشأ في البلاد العربيّة تماماً. فقد أخذوا الدين واللغة وراثة. وبينما يسعى المسلمون من غير العرب لتعليم أبنائهم اللغة العربية ليفهموا القرآن حصراً، أو حتّى يتقنوا قراءته، يتوجّه العرب لتعليم العربية من منظور قوميّ بحت، ولتعليم الدين من منظور وراثيّ. قشور بلا جوهر، ثمّ نجد الأبناء يعانون من أبسط مواقف تصادفهم. وبينما تعاني البنت أمام رغبة أهلها في أن ترتدي الحجاب بشكله الخارجيّ (مجرّد غطاء للشعر) وتمتنع عن الطلعات والسهرات خارج البيت، ورغبتها في أن تبقى مقبولة وسط مجتمعها الألمانيّ تماما، نجد أنّ مفهوم الحجاب والغرض من الامتناع ليس موجودا لا عندها ولا عند الأهل! مجرّد أمر.. افعلي لا تفعلي. وأما الشاب في هذا العمر فأصعب ما يواجهه قضيّة (الصاحبة أو الجيرل فريند)، تأتي بعدها قضيّة الشذوذ الجنسيّ! والأهل غير مهيَّئين للنقاش في هاتين القضيّتين، فالردّ على الأولى عندهم هو: حرامٌ في العلن.. وفي الخفاء افعل ما تشاء، وعلى الثانية: الكلام في هذا عيب!

إنّ التلقين في العِلم أساسٌ في السنوات السبع أو الثمان الأولى، بعد ذلك يبدأ الطفل بطبيعته بالإكثار من الأسئلة ومحاولة فهم تفاصيل كلّ شيء، وعندما يصل إلى العاشرة تقريبا تتكوّن لديه طريقته الخاصّة في الاستنتاج وربط الأفكار.وعندها لا بدّ أن يتوقّف التلقين، ويبدأ التحليل، وتنمية دروع الشخصية التي ستصمد أمام الضربات أيّا كانتْ. ومن المصيبة فعلا أنّ يستخدم معلّم اللغة العربية أو الدين في هذا البلد، أسلوب التقريع والتحطيم. وأن تبقى طريقة التدريس كما كانتْ منذ عصر الاستعمار الأوّل لبلادنا وحتّى الآن كما هي بل وأن ننقل هذه الثقافة معنا إلى بلاد أخرى. وأنا لا أمتدح طريقة المدارس الألمانية بمجملها، فلها مساوئها أيضا، يكفي أنّ السيّارة التي تختلف عن القالب يحيلونها إلى لجنة فحص ودراسة ليعرفوا كيف خرجتْ هذه السيّارة من نفس المصنع بمواصفات مختلفة. أعني بذلك الطالب والمدرسة. والمواصفات التي يطلبونها تتعلّق بالشخصية لا بالتحصيل الدراسيّ، وهذه هي الكارثة.

أليس بمقدرونا أن نصل إلى أسلوب من اختراعنا بلا تقليد؟ نضع فيه هدف (التربية) قبل (التعليم)؟. أن نتعامل مع هؤلاء الأولاد كأنّهم أبناؤنا حقًّا؟ وأن نجعل لديهم رصيداً كافياً من القناعات والعاطفة لحين خروجهم من هذه المدرسة وتعرّضهم لمواقف الحياة  المختلفة، يقيهم الأذى النفسيّ ويغنيهم عن التسوّل العاطفي؟.
إنّ التعليم عمليّة متبادلة كدورة الحياة تعود منافعها على الجميع، ومسكين هو المعلّم الذي يخرج طلابه من بين يديه بعد عناء تدريس عامٍ كامل ليقولوا عنه: نكرهه! وقد نسوا كلّ ما درسوه وانشغلوا بكراهيتهم له. مسكين هو المعلّم الذي لم يتغيّر بعد كلّ يوم تدريسيّ ولم يكتشف أين الخطأ الذي يجعله يتعب طيلة اليوم ويشعر باللاجدوى في النهاية. مسكين هو المعلّم الذي لا يرى في الإجابة الوحيدة في ورقة الطالب، رسالة سماويّة تقول له: ركّز هنا.. لتعرف كيف تحيل الورقة كلّها إلى إجابات سعيدة، وإن لم تكن توافق نموذجك. وما أدراكَ أنّ العلّة ليستْ منك؟


التشتّت.

هذا مرض حقيقي، أن يشعر المرء أنّه بحاجةٍ لسماع صوت آخر غير صوته طيلة الوقت، الحاجة للتشتّت! والاعتياد على ذلك إلى درجة استحالة التركيز، وتجنّبه.
منذ شهر وأنا أعمل بضعة ساعات خارج البيت خلال أيام الأسبوع، عدا عن استمرار عملي في يومي السبت والأحد، وأجد نفسي فعلا بلا وقت أضيّعه أبداً، وأتساءل لماذا أفتّش عن حجّة للتشتّت.
حين أخرج صباح السبت بصحبة صفيّة إلى المدرسة العربية، أعلم في نفسي كم هو ثقيل عليها، دوام مدرسيّ كامل في يوم عطلة، نغادر في الثامنة والنصف صباحًا ونعود في الثانية ظهرا. أمّا في يوم الأحد، فأغادر وحدي غالبا، إمّا إلى المدرسة التي أعمل فيها كمعلّمة نشاط، أو لحضور اجتماع أو دورة تدريبية ما. المهم أنّي لم أعرف معنى يوم الأحد منذ فترة طويلة، وحتى لو بقيتُ في البيت، يكون ذلك لتعبٍ صحّيّ وأوّل ما يطالعني (تلّة) الملابس التي تحتاج طيًّا وكيًّا، وورشة الخياطة المؤجّلة، وغالباً يضيع الوقت في التنظيف الذي لا ينتهي. وأتعجّب كيف يسألني الناس: ألا تشعرين بالملل لأنّك بلا وظيفة؟. من أين سيأتي الملل؟، يبدو أنّكم أنتم من يشعر بالملل.. تعالوا إليّ وسأجد لكم عملا على مدار الساعة.
وكأنّ الوظيفة لا معنى لها سوى عقد عملٍ موقّعٍ بثمانِ ساعاتٍ وراتبٍ وقدره وبدلات أجازة وما إلى ذلك. حين سأخرج لوظيفة مماثلة، سأحتاج حينها إلى خادمة، وطبّاخ حتمًا. عدا ذلك.. دفع مبالغ إضافية للروضة والمدرسة لبقاء ابنتيّ ساعات إضافية هناك. هذا ما لا أفهمه حقا: يعني أن أخرج لأكسب المال وأدفعه بعد ذلك للخادمة والطبّاخ والمدرَسة والمربّية والمعلّمة الخصوصيّة والسائق، بدعوى أنّي أحقّق ذاتي؟!
من قال أنّ تحقيق الذات في (وظيفة) ومن قال أنّ (المهنة) هي نفسها الوظيفة بدوام ثمان ساعات؟
أفكّر قليلا وأنا أقارن نفسي بجاراتي الأربع: أنا أعيش في منزل يقع متوسّطا بين أربع منازل متلاصقة، وعندي أربع جارات: الأولى ألمانية عزباء تعيش في هذا البيت الكبير لوحدها، وعمرها في الثلاثينات وتعمل ممرّضة، وحين لا تكون في عملها تكون في البيت لوحدها. الثانية ألمانية ستّينيّة وتعمل في منصب إداريّ، متزوّجة بلا أطفال. تعمل بدوام كامل ولا أراها إلا نادرًا. الثالثة فيتنامية أربعينيّة متزوّجة وابناها تخرّجا من الثانوية ويدرسان و يعملان، وهي تعمل بدوام جزئيّ. والرابعة ألمانية في أواخر الثلاثينات متزوّجة بلا أطفال وتعمل بدوام حرّ. وحين ألقي على جاراتي تحيّة الصباح أو المساء، بحسب ما أرى، فإنّ ابتسامة الفيتناميّة (الأمّ) هي الأكبر، تليها ذات الدوام الحرّ. والأخيرتان تكادان لا تبتسمان أبدًا وكأنّهما مصابتان بتيبّس في عضلات الوجه!
وبالمقارنة أجد نفسي أعمل أكثر منهنّ جميعا! فعندي طفلتان، أعمل لهما: مواصلات (مشيا أو على الدرّاجة أو على السكوتر أو بالوسائل العامّة)، ومربّية، وطبّاخة، ومعلّمة (ألماني/عربي/رياضيات/فنّية/مهارات)، غسّالة وخيّاطة، أخصّائية اجتماعية لحلّ المشكلات، بنك نقود، وبنك عواطف. عدا عملي في نهاية الأسبوع حيث ترتاح جاراتي، وأخرج أنا يومين متتاليين، عدا عملي الحالي خلال الأسبوع، عدا موضوع الطبخ وشعبنا العربي الذي لا يقبل أن يأكل (أيّ كلام) ولا (تمشاية حال)، و(مين هي بيتزا؟)، عدا التنظيف والتعزيل وتنظيف الحمّامات اليوميّ. عدا الحوادث والمفاجآت العابرة، كسكب الماء كلّه على أرض الحمّام حيث لا توجد بلّوعة، وانسيابه ليملأ الممرّ وينسكب على الدرجات إلى الطابق السفلي. طبعا هذه أفعال سميّة. أو استخدام المقصّ في ارتكاب جريمة ذكيّة كقصّ شعر الأخت بدعوى (تقليد ماما)، وهذه طبعاً أفعال صفية. وأشياء كثيرة من هذا النوع.
قبل شهرين تقريبا وعند دخول فصل الربيع، انتشرتْ الأمراض في هامبورغ خصوصا في الروضات، ومرضتْ سمية وانتقل المرض إلى صفيّة وزوجي لمدّة شهر كامل حتّى تعافت الصغيرتان، بينما تعافى زوجي بتناول مضادّ حيويّ قويّ. وأنا من بداية مرضهم وحتّى نهايته لم أترك شريحة زنجبيل لم أبتلعها، ولا مشروبا ساخنا أو دواء حساسية أو أقراص فيتامينات إلا تناولتها، كي لا أقع مريضة وكلّ تفكيري: إذا أنا مرضتُ ماذا سيحلّ بالبيت؟.
الغريب في الأمر، هو اعتقاد كثير من النساء أنّ الرجال العرب متقاعسون عن معاونة زوجاتهم، والحقيقة أنّ المرأة تدلّل زوجها ثمّ تطلب أن يكون الدلال مماثلا من نفس النوع والكمّ. وهو يدلّلها بأن يخرج للعمل ويحضر لها النقود، أكثر من هذا.. صعب. ولا يُجيده، وربّما لا يريد أن يتعلّمه، ليست مشكلة. لو اقترح زوجي أن أخرج ثماني ساعات من البيت لأجلس إلى مكتب وأكلّم شاشة الحاسوب.. سأختار الانتحار بكلّ سهولة. والانتحار يعني مهنة التعليم، التعليم أفضل من هذا الدوام رغم إنّي أحبّ الأطفال ولا أطيق أنظمة التعليم. أن أجلس ثماني ساعات، ثمّ أعود إلى البيت فأرى ابنتيّ وكأنّي لم أرهما منذ شهر، ولمدّة ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير ثم تذهبان للنوم! أن أترك ابنتي تقرأ كتابها المفضّل مع شخص غريب، لا تربطها به أيّة علاقة، ألا أجد الوقت لقضاء مرّة في الأسبوع معها في المطبخ، تلهو بالعجين والكعك. أن أجد طعامًا غريبا على مائدتي، بأيد غريبة. أن ترتّب ملابسي يدان غريبتان.. أن تنظّف حمّامي وأغراضي الشخصيّة امرأة غريبة.. وأن أتصالح مع كلّ هذا؟! لماذا؟ كي أكسب مالا أكثر؟ وماذا سأفعل به؟ أسافر أكثر؟.
إنّ حسابات الناس مختلفة، ولم أتضايق من قبل من هذا الاختلاف بقدر ضيقي الآن، بعد وفود هذا العدد من الضيوف السوريين واحتكاكي بهم. وملاحظتي نظرة (احتقار) تمشي بينهنّ تجاه غير الموظّفة، والقول حرفيًّا: أنّ ربّة المنزل شغلة ستّي وستّك..لأنّ المجتمع كان ضد أن تتعلّم وتعمل. لا يخطر في بالهنّ أنّ هذا اختيارٌ أوّلا وأخيراً. فكما يخترن نمطاً محدّداً لتربية أبنائهنّ، وطموحهنّ ينحصر في (شهادة جامعيّة، ووظيفة مرموقة)، حتّى فكرة الزواج المستقرّ لم تعد مطمحاً لهؤلاء الأمّهات وكأنّه قضيّة هامشيّة. أو كأنّ هؤلاء الأبناء ماكينات ذكيّة، لا تملك عواطفاً أو فلسفات خاصّة في الحياة. أختار أنا نمطاً لتربية ابنتيّ وكلّ طفل أكون مسؤولة عنه: عملي كمربّية، كمعلّمة، كمسؤولة أنشطة، أختار نمط تربية شخصيّة ذات هويّة إسلاميّة. وللأسف، صار هذا المصطلح عيباً وتخلّفاً بين الأمّهات المسلمات. أنا أبني ذاتي فعلا وأحقّق طموحي وأتعلّم كلّ يوم بلا شهادات: منذ الصباح إذ أفكّر كيف سأدير وقتي بحيث أرتدي ملابسي وأفرغ غسّالة الصحون، وأنشر الملابس المبتلّة، ثم أوقظ البنات وأشجّعهنّ طيلة نصف ساعة على الانتهاء من ارتداء الملابس في الوقت المحدّد، وتجهيز الحليب لهما، والإفطار، وتسريحات الشعر، واختيار الجوارب والمعاطف المناسبة للطقس، وتجهيز أغراض الغداء وكتابة ما يلزمني شراؤه في طريق عودتي من العمل وقبل عودة سمية من الروضة، ثم إيصال البنتين، وتذكير كلّ منهما بما يجب أن تتذكره، والكلام مع المعلّمات إذا كان هنالك شيء ما، والعمل كمترجمة أحيانا لبعض الأهالي، ثم الخروج لعملي الذي يتطلّب تركيزا وحُبًّا، ثم العودة، وفي طريق الذهاب والعودة أستغلّ الوقت بتدوين ما يجب عليّ بعدُ فعله، ثمّ أعود لأشتري ما علي شراؤه، وأجهزّ الغداء نصف تجهيز، وأخرج لأعيد سمية للبيت، ثم أدخل المطبخ وأنا أنظر للساعة أترقّب عودة صفية لو كانت ستعود وحدها في ذلك النهار أو لو كنتُ سأخرج لأعيدها، ثم الجلوس معهما لفترة، ثم الانتهاء من الغداء.. والغسيل، ثم يرجع زوجي، وتكون جلسة الغدا/عشاء، ثم دراسة صفية، وتعليم سمية الحروف، ثم قراءة معهما، ثمّ النوم.. ثمّ.. أضعتُ أفكاري حقيقة. إنّ تذكّر ما أفعله كلّ يوم وكتابته لهو أصعب من فعله حقًّا. ولا شيء من هذا روتينيّ أبداً: لا شيء يتكرّر، فلا أنا اليوم هي أنا الأمس، ولا هما ستتوقّفان عن النموّ العقليّ الذي يخترع في كلّ يوم ألف سؤال لأجيبه وألف فكرة لأتفاعل معها!
إنّ ضيقي يزداد فعلا من اختلاف الحسابات، فالحياء صار مذمّة، وصرتُ أشعر أنّي على خطأ حين يكلّمني أخٌ من ديني وبلغتي وعينه في عيني لا يخفضها خجلا أو يوجّه نظره جهة أخرى، والأنكى أن تقف زوجته خلفه ساكتةً لا تقترح أن تكلّمني هي، ولا تقف بيني وبينه لتجعل بيننا مسافة! وكالعادة.. لا أشعر بالغربة وبأنّي من كوكب آخر إلا بين قومي!
الأغرب من هذا كلّه اكتشافي عدد اللواتي يعتقدن أنّي تعيسة، وكئيبة، ومريضة نفسيا لأنّي لا أمارس نفس الانشطة التي تشعرهنّ بالسعادة. ولا يفهمن أنّ سبب عدم اهتمامي بما يفعلنه هو أنّه لا وقت عندي لهذا الاهتمام، وأنّي (لا أعبأ) بهم لأنّ رأسي معبّأ بأشياء أخرى كثيرة، لا أفضل من اهتماماتهم ولا أعلى.. هي فقط أشياء مختلفة عنهم. أحبّ هذا الصطلاح المشتقّ من العِبء، حقّاً إنّ الأفكار عِبءٌ ثقيل في رأس الإنسان.. قد يقتله.
.
.
ما أجمل الرؤوس الفارغة.


خمسون سؤالا لماما. (صفيّة تسأل).

تكاد تبلغ عامها الثامن، وكلّ أسئلتها تتكوّن من خمس كلمات، وتحتاج إجابات من خمس صفحات!

  1. ماما ليش رح تكبري وتصيري عجوز؟
  2. ماما ليش ما منشوف الله؟
  3. ماما ليش ما منقدر نروح عالجنة الآن؟
  4. ماما إش شكل الحسَنات؟
  5. ماما ليش الكرات الحمرا في دمنا لما بتموت بتصير زرقا؟
  6. ماما ليش الكرات البيضا في دمي ما قتلت الفيروسات وأنا مرضت؟
  7. ماما ليش ما بيسمحولي اركب في الألعاب الكبيرة؟ أنا ما بخاف.
  8. ماما ليش صراصير الربيع بيمسكوا بعضهم وبيمشوا مثل القطار؟
  9. ماما ليش السما زرقا؟
  10. ماما معلش أجلي؟
  11. ماما ليش أسناني عبتهزّ وبتوقع؟
  12. ماما ليش أسناني الجديدة ما عبتطلع بسرعة؟
  13. ماما ليش سنّي أعوج؟
  14. ماما ليش في كعبة؟
  15. ماما شلون شكله محمد صلى الله عليه وسلم؟
  16. ماما ليش منصلي؟
  17. ماما إش يعني (تقبّل الله)؟
  18. ماما إش يعني (إن شاء الله)؟
  19. ماما ليش عندنا في تمنا (بزاق/لُعاب)؟
  20. ماما شلون المعدة بتعجن الأكل؟
  21. ماما ليش منراجع/نستفرغ الأكل؟
  22. ماما ليش مندوخ في السيّارة؟
  23. ماما الشمس طالعة… ليش برد؟
  24. ماما شلون يعني الشمس صارت تطلع بكير؟
  25. ماما إشو يعني الساعة؟
  26. ماما إش يعني دقيقة؟
  27. ماما ليش منقول آسف؟
  28. ماما ليش ما عبتحكي معي؟!
  29. ماما ليش ما بصير آكل شيبس كتير؟
  30. ماما شلون المي عالأكل بتشبّع؟
  31. ماما ليش عم بفهق (الفواق)؟
  32. ماما إش شكل العضلات؟
  33. ماما شلون برنّ التلفون؟
  34. ماما ليش ما بيرسموا على كلّ الحيطان رسمات حلوة؟
  35. ماما ليش الناس بيسرقوا؟
  36. ماما إشو يعني كذب؟
  37. ماما ليش بشار هيك عبيعمل؟
  38. ماما ليش السكّر مؤذي؟
  39. ماما ليش باخد فيتامين دال؟
  40. ماما ليش الناس بيعملوا دعايات؟
  41. ماما ليش هدول لابسين قصير كتير؟
  42. ماما إشو يعني ماركة؟
  43. ماما شلون الفراولة كبيرة وطعمتها ما طيبة؟
  44. ماما شلون بيطلع الصوص من البيضة؟
  45. ماما.. كل الأشياء عندن ماما وبابا؟
  46. ماما ليش حطوا كل هاللوحات في الشارع ؟
  47. ماما ليش منحط كريم ع إيدينا؟
  48. ماما ليش العطر بيحرق العين؟
  49. ماما ليش بياكلوا خنزير؟
  50. ماما.. ليش عبتضحكي؟!

إذا غضبتَ فاسكت!

كنتُ يوماً قد قرّرتُ في ما يشبه الوعد لنفسي ألا أحضر اجتماع عمل أيّاً كان، لتجارب عديدة سابقة أثبتتْ لي أن هذا هو الطريق الأفضل لأمرين: راحة نفسي، وإنجاز عملي على خير وجه.
إلا أنّي ككثير من الناس عندي ما يُسمّى: الأمل الأحمق. ذاك الأمل الذي لا يرتكز على أيّ أمرٍ عقليّ رغم كلّ الحقائق، ويحتكم للعاطفة وحدها بأنّ: لعلّ هذه المرّة تكون مختلفة. وطبعاً يلطم نفسه مرّات بعدها لأنّه وصل للنتيجة ذاتها، ولم تكن هذه المرّة مختلفة، بل لعلّها كانتْ أسوأ من سابقاتها.

“إذا غضب أحدكم فليسكت”. حديث من صحيح الجامع.
الظاهر من الحديث هو (قمع) الغضب وإخماده، لكنّ الأمر ليس كذلك. ففي أحاديث أخرى تفاصيل تغيير حالة الغضبان إلى ما يُبعد عنه الغضب: من الاستعاذة والوضوء وتغيير المكان. لكنّ الخطوة الأولى هي السكوت، لأنّ السكوت يعطي الإنسان فرصة للتفكير. وكثيرون يفهمون هذا السكوت ضعفاً وخطأً، لكنّ الساكت ساعة الغضب هو الرابح.. على ألا يكون سكوته عن حقٍّ من حقوق الله. فالغضب الذي علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتنابه وتفادي أسبابه، هو الغضب للنفس.. للذات.. للأمر الشخصيّ. أمّا الغضب لله، فهذا لا يُسكتْ عنه، وإنّما علّمنا رسولنا أيضاً كيف نوجّهه كيف لا يخرج عشوائيّاً، ويتحوّل عاطفة حمقاء تهبّ كعاصفة ثمّ تتلاشى لا يبقى منها سوى غبار. Continue reading