روحُ المقاتِل

مهداة إلى خالي الذي قضى ثلاثة عشر عاما في (سجن تدمر) وخرج منه نهاية عام 1992. وإلى الذين كانوا معه، وإلى الذين لم يعودوا من هناك أبداً.

ما بيني وبينكَ
أعني.. ما بين اسمينا
لامٌ قُصّت من أعلاها:
صارتْ نقطة!
لمّا أمّي حملتْ بي،
كانتْ تدعو:
بنتاً،
تختم عِقد الصبيان لديها..
قالتْ لي:
لو كنتِ صبيًّا
كنتُ أسمّيكِ (جمالْ).

وعرفتُ لماذا
لمّا لقيتُكَ أوّل مرّة:
الروحُ المتطاولةُ الوثّابة
ذاتُ الشعلةِ توقدُ روحكَ
توقدُ روحي.
هل كانتْ يومًا قبَساً من أمّي؟
شيءٌ من روحٍ
أخشى ما تخشاهُ: الخوفْ!
الخوف من الجُبنِ أمام النفس،
أن تتراجع أو تتنازل عن حقٍّ تدري
أنّه مكتوبٌ عند (الحقّ).

وحضرتُ زفافكَ وأنا الطفلة،
وحملتُ صغاركَ لما صرتُ صبيّة..
وبقيتُ الطفلةَ في عينيك.
حتّى غبتُ طويلا عن حلبٍ،
ثمّ لقيتُك
وبلا تفكيرٍ قبّلتُ يديكْ
تسحبها منّي عجِلا،
هذي الطفلةُ تحمل من اسمكَ اسماً
جاءتْ أُمّاً
بعدَ غيابٍ ما أطولَهُ:
عشرُ سنين..
تصحبُ بِنتَيْن وزوجاً
تنظر لي، تنظر لهما
تضحك بهِجا،ً مندهِشاً
ماذا كانتْ، ماذا صارتْ!
تحضنني، تلثمني
تخبرني: ازددتِ نحافة!
فأردّ بضحكٍ:
لم أنحف يا خالي
لكنّي كبرتُ
في شعري شيبٌ يتسلّل مهِلا
أحمل في عُنقي روحَيْن
وبقلبي كَومَ همومٍ
تُغرق شعبًا.

نجلس نتحادثُ وتطول الساعات،
وتقصّ علينا كالعادة
شيئاً من ثقبٍ أسودَ يُدعى (تدمر)!
أرشيفكَ لا يخلو أبداً
تقفز من جعبتكَ حكايا
أسماءٌ أعرفها
أخرى أكثرُ لا أعرفها
أرواحٌ..
تسبح في جَوّ الغرفة!
وأنا أسمع، أنصتْ
في آخر مرّة،
سجّلتُ حكاياتكَ خِفية
لكنّي لم أجرؤ أن أسمعها بعد!
وظننتُ بأنّي قادرةٌ أن أكتبها يوماً
أسأل نفسي:
عشرون من الأعوام
من بعد الأربع*..
مذ كنتَ هناك
ما زلتَ تقصّ عليّ جديداً
يسألني عقلي:
كيف نجا؟
فتردّ الروح الوثّابة:
في داخلهِ روح مقاتِل..
أخشى ما تخشاهُ: الخوفْ.

في البحر الواسعِ تلطمنا الأمواج
نضحك، نلعب..
ونفكّ قيودَ الهمّ قليلا
ثم يكونُ أوانُ العودة،
وتودّعُنا
وأقبّل كفّيكَ دموعاً مخنوقة
وبعينيكَ بكاءٌ مكتوم،
ما ينجينا من حزنٍ يعصرنا
إلا روحُ مقاتل
لا تقبل أن تتراجع أو تتنازل.

لم تخطئ أنتَ ولم تذنب،
كانتْ هذي الأقدار
لو سلّمنا، لارتحنا.
أمّا أن نستسلمَ..
أو ننسى ذنب المجرمْ
أن نعفُوَ عن ذنبِ القاتلْ
هذا لا يمكن
قد أنجتْكَ الدعواتُ من الثقب الأسود
قد جاءتْ بكْ
قد منحتْك حياةً
صِفها نعمة، صِفها نقمة
لكنكَ تملكها.
مهما ظننتَ بأنّك تقدرُ
أن تجلس في هدْأةِ شُرفة
تشربَ قهوة
وترى الكون يسيرْ
ألا تتدخّلْ..
لستَ كذلك!
أعرفكَ أنا
واسمي من اسمك
وبروحي أشياءُ كثيرة
من روحكْ
روحُ مُقاتِل.


لقوه.

الهاتف لا يرن إلا حين يتّصل أيمن. وفي هذا اليوم اتّصل. رنّ الهاتف كثيرًا حتّى وصلتْ إليه ملهوفةً تدركه قبل أن ينقطع الخطّ.
* ألو أهلين ابني. (قبل حتّى أن تتأكّد من صوته، فمن يتّصل سواه؟)
– شلونك يوم؟
* الحمد لله بألف خير. (كلمتها الوحيدة دائماً.)
– الحمد لله.. يُوم.. إش بدّي أقلك.. أبوي جنبك؟
* إي جنبي وين بدّه يكون؟ (أين سيذهب هذا العجوز المسكين سوى ليقبض الحوالات التي تصله من ابنهم الثاني في استانبول؟)
– عطيني اياه الله يخليكِ.
لا تسأله ما الخبر.. فليس من عادتها أن تفعل. بحثتْ عن زوجها بأسرع ما مكّنتْها سنواتها الخمس وسبعون، وهي تنادي بأعلى ما استطاعت وبشيءٍ من النزق: أبو أيمن.. أبو أيمن.. إي وينك؟؟ خوه.. إحكي. (وتدفع إليه الهاتف).
* إي أهلين ابني أهلين.. شلونكم؟
– الحمد لله.. يوب.. اسمعني يوب.. إمبيرحة اتصلوا فينا قال لقوه.. (ثوانٍ من الصمت علّ أباه يفهم دون شرح) لقوا إبراهيم.
*… وين؟
– ما بعرف.. بدّن حدا يجي يتأكّد إنّه هو ويستلمه. فهمت عليّ؟!
يسكت أبو أيمن. وتتردّد (فهمت عليّ؟!) التي تشبه التوبيخ في عقله.
– يعني بدكم تنزلوا عالمعبر و..
* بعرف. لا تاكل همنا.. مندبّر حالنا.
وأنهى المكالمة دون أن يزيد شيئًا أو حتى يقول مع السلامة. لم تكن زوجته قربه، فمشى يبحث عنها حتى وجدها. جلس وناولها الهاتف، وقال دون أن ينظر إليها:
* رح ننزل ع حلب.
نظرتْ إليه بدهشة:
* ليش؟
– مشان إبراهيم.
سكتتْ كأنّها لم تفهم.. إبراهيم من؟ ابنهما؟
قالتْ بهمس:
* إبراهيم مات من وقت ما أخدوه من أربع سنين. مات يا أبو أيمن!
ردّ بنزق:
– ما مات وهلق لقوه!
ثوانٍ أُخرى من الصمت أعقبها صوتها بصدمةٍ ولهفة:
* يعني عايش؟!
سكت لحظة وقد أحسّ غباء فعلته:
– ما بعرف. عبقول أيمن لازم ننزل نشوف.. بتعرفي هو ما بيغضر ينزل ع حلب.
الآن فهمتْ ما لا يريد قوله. فهمتْ أنّ عليها أن تتوقّف عن السؤال وأن تسكت حتى ترى بعينيها.. وهذا ما كان.
….
ساعات مضتْ، قبل المعبر وعند المعبر وبعده، حتى سلكتْ بهم سيّارةٌ مملوءةٌ فوق طاقتها بالركّاب والأحمال، الطريقَ إلى (حلب). كانتْ تتخمّر بحجابها الأسود كعادتها مخفيةً فمها ونصف أنفها، وقطرات العرق تسيل على وجهها من خلفه ولا تمسحها. والسيّارة القديمة التي تجوب الشوارع المنكوبة والخرائب، بدتْ كأنّها تئنّ حزناً على ما تراه أعين من تحملهم.
“الله يذلّن اللي ذلّوكِ، الله يبهدلن اللي بهدلوكِ”. تقول لـحلب في سريرتها، بعينيها فقط. وكأنّها لم تكن فيها قبل ثلاثة أعوام فحسب، وكأنّها لم ترَها تُهَدّ بناءً تلو بناء، وكأنّها لم تكن هي التي ركضتْ إلى بيت ابنها أيمن تسحب أبناءه من بنائهم نصف المهدّم، وتركض بهم إلى المسعفين.. وتفتّش عن أمّهم حتّى وجدتْها على بعد أمتارٍ في الأرض ذاهلةً وبين يديها أصغر الأبناء.. عمر ذو العامين، دامي الجبين، مغلق العينين.. لم يفتحهما بعدها أبداً.
وكأنّها لم تكن هي التي تعلّقت بذراع أيمن ترجوه أن يخرج معهم، أو يرسل معهم زوجته وبقيّة أبنائه، وهو يصرّ على رفضه: ما بطلع، وإنتو يا إمّي ما بقى خرجكم عيشة الشنططة هون..بيت ما في، هنيك عالقليلة أخوي حسام عبيشتغل بيبعتلكم، وبدير باله عليكم.
أرادت أن يذهبوا جميعا أو يبقوا جميعا، لكنّ أيمن طمأنها أنّه سيخرج من حلب سالما وسيجد طريقه لبلد آخر. وحدث ذلك.. خرج سالمًا وباكيًا، ووجد طريقه لبلد آخر لم يُبعده عن حلب إلا مسافة ساعةٍ ونصفًا، وأخذ عائلته بعيدًا عن قبر عمر الصغير وعن القصف.. حتّى إشعارٍ آخرَ غيرِ معلومِ التوقيت.
أمّا هي وزوجها فخرجا إلى أقرب بقعة تركيّة، وكأنّ السلام سيعمّ بعد يومين وسيرجعان مشيا على الأقدام، إلى العروس الشهباء. ولم تختلف حياتهما هناك في شيء.. سوى أن الطائرات لم تكن تحلّق كلّ يوم لتحصد الأرواح، وأنّ الصمت صار جزءاً لا يتجزّأ من أثاث البيت الضئيل.

“الله ياخد روحن اللي أخدوا روحك”. أكانت تقولها لحلب أم لإبراهيم؟
….
وصلا وتدبّرا أمرهما في بيتٍ مشترك بالأجرة، إن هي إلا يومان وسيغادران. لم يتوقّف الهاتف في ذلك اليوم بين أيمن وأبيه، ولم تسأل. أخبرها: سنخرج. لبستْ جلبابها وخمارها، وخرجتْ معه. مشيا كثيرًا، لقيا رجلا تحدّث زوجها معه، ومشيا مرّة أخرى. لا تعرف كم مشتْ، عطشتْ. جلب لها ماءً ولم تسأله من أين، شربتْ ومشتْ. أخيرًا وصلا أرضًا بدتْ لها خارج المدينة (التي لم تعد مدينة).
أرضٌ يرتفع فيها عشبٌ برّيٌّ أصفر. وبين العشب تبدو بقعة ملّونة.. فيها الكثير من الناس. اقتربا بتوجّس، وحين وصلا أدركت أنّ تلك الألوان كانتْ قطعَ قماشٍ تغطّي جثثًا ممدّدة.
لم يكن هناك من يحمل أسلحة، هكذا طمأنتْ نفسها.
أشار واحدٌ إليهما:
– إلكم حدا هون؟
أومأ له أبو أيمن، واقترب وتهامس معه، فأومأ الرجل برأسه، وراح يكتب شيئًا ما في الأوراق التي معه. من هؤلاء؟ لا يهمّ. هل حقًّا يهمّها أن تعرف من هم ولمن يعملون وهي فهمتْ توّاً معنى كلمة (لقوه)؟
أخيرًا وجّه الرجل الحديث إليها:
* إذا بتريدي، تعي دوري إنت كمان مشان تخلصوا بسرعة.
هكذا إذاً.. علينا أن نبحث في جميع هذه الوجوه ونتفحّصها بسرعة لنجد من تقولون عنه إنّه موجود؟!
لم تتحرّك، لم تطاوعها قدماها وهي ترى نساءً مُكبّاتٍ فوق جثامينَ يقبّلنَها ويتعالى نحيبهنّ. نظر إليها أبو أيمن فقالتْ فوراً: روح إنت.. إذا لقيته صِحلي.
نظر إليها لحظةً واكفهرّ وجهه، ثمّ استدار مغضبًا وراح ينحني كاشفًا عن الوجوه واحداً تلو الآخر، ومعيدًا الغطاء. بينما هي مشغولةٌ بالنظر إلى بقيّة النساء، الآن فقط بدأت الخواطر التي لجمتْها تقفز في عقلها بعشوائيّة وتمرّد: من قال لأيمن أنّ أخاه هنا؟ لا بدّ أن الذي أخذه وسجنه وقتله هو الذي اتّصل به. أو أحدٌ ممّن كانوا مع إبراهيم. وهؤلاء الذين يقفون هنا، معهم أسلحة.. لم ترها في البداية.. كان (معميّاً على قلبها). إبراهيم كان حيًّا وكان عند هؤلاء أربع سنين! ثلاثة أيام مضتْ تقريبا مذ اتّصل أيمن بأبيه، كيف سيبدو إبراهيم لو وجدوه؟!
* إم أيمن.. إشبك ساعة عبّصحلك!! تعي!!
هرولت إليه قبل أن يندلع غضبه أكثر، لا تدري أين تدوس بقدمها كي لا تدوس على بشرٍ.. ميّت.

نظر إليها بوجهٍ مخنوق وأشار إلى جثّة عند قدميه:
– شوفي.. مو هاد هوّ؟
ترفض شفتاه أن تسمّي الراقد باسم ابنه. حاولتْ أن تنظر إلى زوجها لتفهم من عينيه وصوته أيّةَ إجابة يريد أن يسمع منها، أيّةَ إجابةٍ ستريحه لتقولها. لكنّه أشاح سريعًا كاشفًا عن الوجه الميّت. نظرتْ..حاولتْ أن تتذكّر ابنها وتتخيّله بعد (التحوّل)، أن تفتّش عن (علامة) تخصّ جسده في ذاكرتها، فلم تجد. قد يكون هو، بقايا شعر داكن، ووجه نحيل وأنفه صغير جدًّا كأنف إبراهيم، هذه تبدو كعلامة. لم تدرِ أيّة قوّة جاءتْها لتنحني وتكشف عن قدميه، لإبراهيم قدمان مسطّحتان عريضتان.. لكنّها لم تجد شيئًا من ذلك: كانتْ القدمان تبدوان كعجينة صلصال. أفزعها المنظر فغطّتهما سريعًا، نظرتْ إلى زوجها دامعة، فنظر إليها، وفهمتْ، وقالتْ:
* إي هو.
واستدارتْ مبتعدة.
….
أخذتهما سيّارة، وكان السائق الثرثار يتكلّم كثيرًا حتى قال: ..صار في كتير مقابر، ما بقى تفرق وين الدفن، وبكل الأحوال ما رح يكلفكن كتير.
قاطعه زوجها بعصبيّة:
* إش رايحين ندفن كلب؟! هاد ابني.. ماني سيئل إش كلّف ما كلّف!
سكت الرجل وتوقّف أخيرا عن الكلام.
….
أخيرًا صارا في (الجبّانة)، غسل وتكفين؟ لم تسأل. هل يوجد ماءٌ للشرب أصلا ليكون هنالك ماءٌ لتغسيل الموتى الذين مضى على جثثهم أسبوع؟!. لا تدري بأيّ قماشٍ لفّوه.
كان هنالك شابّان يعملان في حفر القبور.. تساءلتْ في نفسها إن كانا يعملان في النبش لاحقا، ولا تدري من أين جاءها ذلك الخاطر البشع. رجلٌ أربعينيّ وقف على مقربةٌ منهم يراقب الحال، وكأنّه مشرفٌ لا تدري من عيّنه.
قال أحد الشابّين:
– يلا عمّي ودعوه.
انحنى زوجها، قبّل الجبين مغمَض العينين وعاود الوقوف دون تردّد لحظة. قال لها الشاب:
– يلا خالة يلا.. عجلي الله يخلّيكِ.
لماذا هو مستعجل؟ لقد انتظرتُ أربعة أعوام، فلماذا سأتعجّل الآن؟. نظرتْ إلى زوجها:
* بركي ما هو؟
انفلتتْ شفته السفلى بارتجافة وكأنّ هذا الخاطر لم يخطر له، ألم تقل أنّه هو؟ لماذا تفعل به هذا الآن؟!.
لم ينتظر الشابّ أكثر:
– وحدي الله يا خالة.. إش هو ما هو.. الله يخلّيـ..
وقبل أن يكمل قاطعتْه بعصبية:
* لك ابني سكوت!
فابتلع لسانه واستدار مشرعًا سيجارة.
شدّت على كفّ زوجها:
* أبو أيمن.. بركي ما هو؟ بركي كان إبراهيم لسه عندن؟
انتفض في وجهها ساحبًا كفّه من كفّها:
– خلصنا من هالقصّة هلّق!!
سكتتْ، ووقفتْ تنظر إلى المسّجى، عندها فقط اقترب ذلك المشرف المجهول، قال لها بصوتٍ هادئ:
– ودعيه يُوم.. ودعيه وترضّي عليه يا يُوم.
يوم.. يوم.. تردّدتْ الكلمة تلسع قلبها. ترى كم مرّة صاح إبراهيم متألّما في عذابه (آآه يا يوم)؟. ترى كم مرّة ناداها في ليل المعتقل ولم تسمعه؟. وهذا المسجّى.. لو ما كان هو.. فلا بدّ له من (يوم) أخرى.. من أمٍّ تفتّش عنه. نظرتْ إليه تكرارًا، كيف لا تعرف ابنها؟ كيف لا تجد دليلا إليه؟! أخِرفتْ أم فقدتْ عقلها فما عادتْ تحسّ بابنها وهي أمّه؟.
جثتْ على ركبتيها قربه وبدأتْ تبكي.. أخفضتْ خمارها ونظرتْ إليه.. أكان إبراهيم أم لم يكن.. هي تريد أن تجد ابنها، وهو يريد أمًّا تودّعه كي لا يذهب للقبر وحيدًا.
هكذا ستمنحه اسماً على شاهدة قبره كي لا يُدفن بشاهدة لا تحمل سوى رقماً وكلمة (مجهول). وهكذا ستُبقي شيئًا لها في أرض حلب.. ولو كان ذلك الشيء بقايا بشرٍ لا تعرفه.

انحنتْ تقبّل بقايا الجبين وتمسح عظام وجنتيه بأناملها:
* الله معك يا ابني. الله من فوق سابع سما يِرضى عليك.. يرضى عليك.. يرضى عليك وما يخيبك. الله ياخد اللي أخدوك. الله ياخدن. الله يعذبن بحياتن.. الله ينتقم منن. الله يعذبن بكل لحظة عذاب شافتها عيونك. الله يطعمك الجنة يا ابني وما يضيمك. الله معك يا ابني.. الله معك… الله معك.
—-
* تفاصيل القصّة والأسماء جميعها غير حقيقيّة. الحقيقة أكثر وجعًا.


أنا منهم.

نخلة بيت أهلي في الرياض

* لا أدخّن، لا أشرب الكحول، ولا أشرب المنبّهات.
– كيف تعيشين؟!
* لماذا تدخّنين؟
– لأسترخي..
* أنا أسترخي حين أقوم بالتنظيف والترتيب. أحيانا في السوق أراقب الموظّف الذي يقوم بترتيب البضائع على الأرفف. مشاهدته وهو يقوم بالترتيب تريح أعصابي.
-!!
* ولماذا تشربين الكحول؟
– لأنسى وأروّح عن نفسي.. وأنتشي.
* الكحول شبيه بالمخدّرات، هنالك أشياء كثيرة تؤدّي إلى ذات المفعول. مرضى الربو الذين يستخدمون موسّعات الشعب الهوائيّة يفهمونني تماماً. أيضًا مدمنوا المأكولات الحارّة.. هل جرّبتِ أن تشربي قنينة (تباسكو)؟ لا؟.. جربي.. شبيهٌ بمفعول الكحول حتمًا بحسب ما وُصِف لي.
– ماذا عن المنبّهات؟
* لا أحتاجها. لم يحدث أن تناولتُها إلا وارتفع ضغطي (حقيقة لا مجازا)، وأنا من قومٌ ضغطهم الطبيعي كسلك التوتّر العالي. لأبقى مستيقظة؟ أنا لا أنام إلا حين يخلو رأسي من الأفكار، أما لو كانتْ هنالك فكرة تتمشّى فيه وتتفرّع، فيمكن أن أبقى يومين بلا نوم.
– المنبّهات ليستْ مضرّة بالصحّة..
* لم أقل إنّها مضرّة! أنا قلتُ إنّها (تنبّهني) وتقلقني. وأنا (بالناقص قلق)! يا عزيزتي.. أنتِ ألمانيّة وأنا عربيّة. (إش جاب لجاب)؟
– الترجمة لو سمحتِ!
* تكرمي: أنتِ وُلدتِ من دم أزرق، يعني دم بارد.. بارد جدًّا.. (بوظ). في مدينة باردة غائمة معتمة، لم تسخن تحت قدميكِ أرضٌ بحرارة خمسين مئوية في الظلّ. لم يصفرّ شعرك بسبب الشمس بل بسبب الجينات. وجلدكِ يحترق من عشرين درجة مئوية بينما نحن نقول (الجو اليوم بجنّن!) ونرتدي المعاطف.
أنا وُلِدتُ كما تولد النخلة: في الصحراء، نزهتي المفضّلة رملٌ حارق أحفر فيه حتّى أجد باطنه البارد وأدسّ قدمي. بينما عباءتي السوداء تتحوّل إلى شوّاية في شمس (عِزّ الشتاء).
في صيف آب، الذي تختبئين فيه داخل بيتكِ في الظلّ وأنتِ تقريبًا بلا ثياب، أخرج أنا بالجينز والـ تي شيرت إلى حديقة البيت، لأغسل الشجر بالماء الذي يندفع شِبه مَغليّ من الصنبور، وأغسل نفسي بين لحظة وأخرى لأجفّ بعد خمس دقائق على الأكثر.
أنتِ تتركين غسيلك على الحبل لساعات، أو على الأقل لساعتين في الأيام التي يكون فيها الجوّ عدوّك. أنا أجمع الغسيل بعد عشرين دقيقة من نشره على الأكثر، في الأيام العاديّة. فلا يوجد في صحرائي يومٌ عدوّ ولا صديق، النخلة صديقةٌ لجميع الأيّام.
أنتِ لديكِ ملابس مطر كاملة ومظلّة وحذاء طويل العنق، وأنا اشتريتُ معطف المطر (خجلا) من منظر ملابسي المبتلّة لو التصقتْ بي، وما زلتُ أخرج بحذاءٍ قماشيّ صيفيّ وأغرق في كلّ مرّة.
أنـتِ لا تشاهدين الأخبار، ولو فعلتِ، فستكون أخبار مدينتكِ فقط.. ربّما تهتمّين مرّة أو بضع مرّات في العام بأخبار الدولة لو كان لها تأثير مباشر على حياتك. أمّا أنا.. أمّا نحن.. فصغيرنا وكبيرنا يتابع (مسلسل) الأخبار ولا بد أن نشاهده قبل النوم وعند الصحو منه وكأنّه جرعة دواء! نعرف عن العالم أكثر مما نعرف عن أهل البيت. بارعون في التحليل السياسي من كثرة ما شاهدنا، وربّما صرنا خبرة بلغة الإشارة من كثرة متابعة النشرات.
أنتِ لا مشكلة لديكِ من الناحية الأخلاقية مع أطفالك: فكلّ شيء مسموح، ولا إله هنالك. النزاع الوحيد يقع عندما لا تتمكّنين من تدليلهم (مادّيا) كما يطلبون، رغم انعدام الخوف من الرمي في الشارع أو عدم القدرة على دفع أجرة الكهرباء أو الماء أو الطعام أو… فمخاوفكِ الحقيقية هي مستوى الرفاهية.
وأنا.. نحن.. خلّيني ساكتة!
أنتِ لا تجيدين سوى لغة واحدة، ولا يهمّك تعلّم غيرها، ولو تعلّم طفلكِ الإنجليزية فخير وبركة، وبإمكانك الاستفادة من خبراته لو فكرتم في السفر خارج ألمانيا.
أما أنا.. فالحدّ الأدنى لي ولأطفالي هو ثلاث لغات أساسيّة: العربية والألمانية والإنجليزية!
في الحقيقة يا عزيزتي.. أنا التي عليّ أن أسألكِ: كيف تعيشين تحت هذا الضغط كلّه الذي يسبّبه ارتفاع ثمن السجائر، ومشاكل الكحول الصحّية والأخلاقية، والعصبيّة التي تسبّبها لكِ كثرة المنبّهات؟!
تسألينني كيف أحتمل هذه الحياة بدون هذه الأشياء التي برأيكِ تساعدكِ على احتمالها. وأنا متعجّبة لماذا تشعرين أنّكِ مرهقة ومضغوطة: فدنياكِ واحدة، بينما أنا في كلّ حركة أحسب حساب الدنيا والآخرة، وأنتِ في بلدكِ وأرضك ولغتك، بينما أنا لو عِشت هنا ألف عام لبقيت (أجنبيّة) وفوق ذلك (ذات حجاب)، ولكنتي واضحة. لديكِ طفلان على الأكثر تمامًا مثلما عندي، أو أطفالك كبروا وخرجوا من البيت، أو ما عندك أطفال أصلا! فما الذي لا تحتملينه في (هذه) الحياة؟!. أهلك يعيشون معك في البلد ذاته ولكنّكِ لا تعرفينهم تقريبا، بينما أنا أعيش العام كاملا أحسب وأتجهّز لزيارتهم، والمسافات ليستْ بقصيرة.

أنا نخلة وأعيش هنا، هل رأيتِ نخلة هنا من قبل؟! هل ينبت نخل في هذه الأرض السوداء الزنخة؟.. هل يحتمل بردها وصقيعها وبرودها؟
تعالي أنتِ.. أيّتها الصنوبرة الألمانية التي لا تثمر، وجرّبي يومًا واحدًا في مدينتي.. في شتائها، ولن أقول في صيفها لأنّكِ ستتبخّرين دون احتراقٍ حتّى.

أنا من قومٍ حديثهم العاديّ شجار، ونقاشهم الطبيعيّ معركة، وعناقهم اليوميّ ملاكمة، ومتعتهم اليوميّة هي التوتّر، ورياضتهم المفضّلة هي رفع الضغط، وضحكتهم الدائمة هي السخرية من هذه الحياة، واسترخاؤهم هو الصلاة.
أنا منهم ويكفيني هذا، ولا أشعر بحاجة لشيءٍ آخر كي (أجتاز) هذه الحياة بسلام.


العدل المفتَرَض: بين صفية وسمية..

لا يحتاج المرء دقّة ملاحظة عالية لينتبه إلى فروق الشخصيّة بين ابنتيّ (صفية وسمية). لكنّه يحتاج ذكاءً شديداً كي لا يساوي بينهما في المعاملة. نعم، فالمعاملة المتساوية غير منطقيّة ولا صحيحة. العدل لا يعني أبدا أن أعطي الواجب نفسه لكلّ الأطفال، أو المكافأة عينها.
ففي حين تعتبر سميّة (خمسة أعوام) أنّ أجمل الهدايا دمية (باربي) جديدة، أو علبة (ماكياج)، أو أحمر شفاه مثل (الكبار)، ترى صفيّة (ثمانية أعوام) أن الدمى القماشية بجميع أشكالها وأحجامها هي أروع ما يمكن أن تحظى به.
وطيلة عام ونصف تقريبا، كنتُ أسعى -بزعمي للمساواة بينهما- لشراء أشياء متماثلة، قطعتان من كلّ غرض. حتى نظام (شجرة الحسنات) الذي علّقته كان يقضي التساوي بينهما.. وقد بدا ذلك (عادلا) في البداية. لكن حين توزيع المهمّات وجدتُ أنّ العدل المفتَرض مستحيل:
* صفيّة لديها واجبات مدرسية، وسميّة لا.
* صفية لا تحب التنظيف لكنها ترتب بشكل ممتاز وقادرة على نشر الغسيل ولمّه وطيّه وحدها، وسمية تثير الفوضى بشكل مذهل لكنها قادرة على تلميع الزجاج والأرضيات بشكل رائع.
* صفية يمكنها الجلوس أمام التلفاز طيلة النهار إن سمحتُ لها، أما سمية فلا تصبر أكثر من نصف ساعة ثمّ تبدأ باللعب بصوت عال وتستفزّنا لمشاركتها.
* صفية تعشق كلّ شيء في عالم المكتبات، وأجزم أن لو ذهبنا أنا وهي إلى محل قرطاسية أو مكتبة ونسيت نفسي لخرجتُ مفلسة دون أن أشعر: أقلام من كل الأشكال والأحجام والأنواع، أوراق، كتب، دفاتر، مشابك ورقية، ورق ملاحظات، أدوات تزيين وتغليف الهدايا، أدوات الأعمال اليدوية.. إلخ. بينما سميّة لا تطلب شيئا من هذا إلا إن كان لونه (زهريا أو بنفسجيا أو يحمل صورة إلسا وآنا!).
* صفية تعاند بصمت، ولا ترد، وقدرتها على التجاهل تفوق قدرة أي شخص بالغ وتجعله يُهَستِر، باختصار: العالم كلّه.. لإنفها!. أمّا سمية فلسانها أطول منها ولا تعرف فضيلة السكوت، وأجوبتها حاضرة دائما بأسلوب (الردح).
* صفية حين تمشي معي في الطريق ليس عليّ أن أفكر بأي حديث لكسر الصمت، إننا نستمتع معا بصوت أوراق الشجر، والعصافير، وملاحظة الحشرات الصغيرة، والسناجب المتسلقة، وألوان مظلات الناس وقبّعاتهم، وصوت حبّات المطر، وقد تمشي ساعتين قبل أن تقول لي بخفوت: ماما عطشت. أمّا سمية لو مشيت معها.. فلا أسمع شيئا، ولا أرى شيئا! تتكلم ولا تترك فرصة لأحد كي يتنفّس، وتتعب بعد دقيقة، وتجوع بعد دقيقتين، وتقضي نصف ساعة في النقّ على سبيل التسلية!
* صفية لا تكسب الأصدقاء بسهولة أبدا، وتنتظر من الآخرين أن يتودّدوا إليها، وحين لا يعجبها شيء منهم، فهي على استعداد لشطبهم مباشرة، وفي المقابل إن أعجبها أحدهم من أوّل لقاء فإنها تحتفظ بصداقته للأبد ولا تنساه، وهي في الحقيقة لا تعاني من ذلك ولا تشعر بالوحدة، إلا أنّ العالم يضغط عليها. أمّا سمية، فلا يمرّ يوم إلا وأسمع منها اسم طفل جديد معها في الروضة، وأكتشف أنه في مجموعة أخرى لا علاقة لها بها، ولكن حين تطلب أن تدعو أصدقاءها للعب معها في البيت، أجدها محتارة.. وتخبرني أنّها لا تحبّ سوى (أنيسة) الألبانية.
* جميع المعلمين والمعلّمات في المدرسة يعرفن صفية، وكذلك جميع المربّيات في الروضة يعرفن سمية. لكنّ الأسباب مختلفة تماما: صفية معروفة بأنها (خاصّة) وتتصرّف كما لو أنّها لم تفهم ما قيل لها، وتقضي وقت الاستراحة في الأرجوحة وحدها أو في ملاحظة الحشرات. أمّا (سمية) فمعروفة بأنها زعيمة وقائدة وتهتمّ بملاحظة شعر وماكياج وأظافر المربيات!
* صفيّة لا تُبدي اهتمامها بوجود سمية أو غيابها إلا نادرا، لكنّي أعرف أنّ تلك المشاعر تختبئ في قلبها، وتطفو أحيانا حين تصاب سمية بالمرض، فأجدها قلقة، تذهب إليها في السرير وتقترب وتعود إليّ وتسألني متى ستصحو، ولماذا استفرغت الطعام. وفي حين تبدو أسئلتها علمية بحتة، إلا أنها تخفي قلقا حقيقيا. بينما سميّة تندفع نحو أختها في عناق مباغت حتى توقعها أرضا، وتسأل عنها لو اختفت دقيقة، وتلتصق بها أثناء وجودها في البيت، وحين نذهب لزيارة أصدقاء مع أطفالهم، لا تلعب إلا مع أختها، وتقلّدها في كلّ شيء، وتحتمي بها.
* صفية تبدو كبحيرة هامبورغ (الألستر)، هادئة، عميقة، مريحة ومنعشة. أمّا سمية، فهي عاصفة ضاحكة مندفعة في الأرجاء بكلّ الاتجاهات.
* صفية تخزّن المعلومات والكلمات في رأسها من أوّل مرّة لو كانت في حالة انتباه، أمّا سميّة فتحتاج لتكرار كثير. وبالمقابل، تتأخّر صفيّة في إدراك الطلبات المركّبة: هاتي المقصّ الأزرق الموجود في السحابة الثانية في المطبخ. إذ عليّ أن أصيغ لها الطلب بطريقة مختلفة: روحي عالمطبخ، وأنتظر أن تصل، قفي عند الدُرج الأيمن، رقم اثنين من فوق، افتحيه، ابحثي عن المقص الأزرق وهاتيه. أمّا سميّة فتركض مباشرة لتحضره من المرّة الأولى.
* تنزعج صفية من الأصوات العالية، وعليها في كلّ مرّة أن تكرّر طلباتها أربع مرّات على الأقل حتى أفهم ما تقول لخفوت صوتها. بينما تمقت سمية الهدوء، وحين نخرج لمكان بصحبة زوجي ويبتعد عنّا، أستخدم سميّة كجهاز استدعاء لأنّ صوتها أعلى حتى من صوته!
* سمية دبِقة عاطفيا، تلتصق بي حين أجلس، تريد أن تمشّط شعري، وتتمسّح بي، وتقبّلني بإلحاح وثقل دم أحيانا، بينما صفية لا تطلب سوى أن أستلقي جوارها في الليل، أنفها على أنفي، ساقاها فوق ساقيّ، ويدي على شعرها.
* سمية تحدّق في وجوه الناس حين نمشي في أيّ مكان! تحدّق بهم بإصرار وفي العين مباشرة.. وفي معظم الأحيان يشعرون بالحرج ويبتسمون لها فترفع عينها عنهم أخيرا. بينما صفية لا تنظر إليهم إطلاقا، يستدعي مظهرهم العام اهتمامها، لكنها لا تفكّر في معرفة شكل الوجوه أبدا.
* سمية تحبّ تجميع الأحذية وارتداءها، وصفية لديها هوَس الحقائب.
* سمية تلاحظ في الأطفال والكبار لون الشعر والتسريحات وموضوع ارتداء الحجاب واللحية عند الرجال وقادرة على الوصف،  أما صفية.. فتنتبه للتنوّع العِرقي، شكل العيون والسحنات وطول الجسد وعرضه، وتعبّر برسوم دقيقة بعيدة عن الكلمات.
* صفية تفهم وتتكلّم: العربية الفصحى، والعامية، والألمانية، ولديها شغف حاليا بالإنجليزية. أمّا سمية.. فمحصولها اللغوي محصور في العامية العربية والألمانية الأقرب للعامية، ولا تهتمّ لتتعلّم أكثر.
* صفية لا يمكن أن يخطر في بالها حتى اللحظة أن تسأل عن مصدر الطعام أو عن نوع اللحم المقدّم لها لثقتها دوما في من يقدّمه، أمّا سمية.. فتفتح محضر تحقيق.
* سمية لا تهتم لنظافة دورات المياه أو قذارتها، بالنسبة لها هي مجرّد مكان لقضاء الحاجة والخروج ركضا، أمّا صفية فلديها شعور عميق بالقرف، ولا يمكن أن تدخل حمّاما وسخا.
* صفية رقيقة، ولا تقدر أن تدافع عن نفسها، تفترض أنّ العالَم هو من يجب أن يعاملها بلطف، ولا تفهم أبدًا مناكفات الصبيان لها، فتتجنّبهم. بينما سميّة قويّة اليد، لطمتها توجع وتترك أثرا حتى وهي تمزح وتلعب معنا، وتتعامل مع الصبيان بنوع من الاحتقار والدونيّة.
* صفية كانت وما زالت مسالمة مع أختها بشكل عام، ولا تعتدي عليها ولا على ممتلكاتها إلا بعد اعتداءات متكررة من سمية، أي بعد أن يطفح بها الكيل.
* صفية حين تنزعج تخزّن غضبها، وتنعزل في غرفتها، ثمّ تأتي وتعتذر قبل حتى أن تفهم لماذا عليها أن تعتذر، أمّا سمية فلا بدّ أن نعصرها عصرا لتخرج منها كلمة آسفة.. وتنطلق بالنواح (والعواء) وكأنّ قطارا يمشي على قدميها مذنبة كانت أم بريئة!
* سمية لا تخرج من البيت إلا على (آخر طَرز) أي بكامل الأناقة مع مرطّب شفاه وإكسسوارات الشعر، وقبل الخروج تراقبني وتتمعّن في طريقتي عندما ألفّ حجابي أو أضع المرطّب على كفّي، ويأخذ عقلها خاتم زواجي العاديّ وتطلب دائما أن ترتديه، وتغيّر ملابسها مرتين أو ثلاثا في اليوم وتريد أن تختار بنفسها. أمّا صفية فلا ترى شيئا من هذا أبدا، وبالنسبة لها فالملابس خُلِقت لأننا يجب أن نلبسها فقط، والشعر ليغطّي الجمجمة! لكنها تستسلم بهدوء لكلّ اختياراتي في ملابسها وشعرها، وتحتاج أن أخيّرها بين غرَضين دائما عند الارتداء.
* سميّة لا تخضع بسهولة للبلطجة الاجتماعية من الأقران، بينما صفية تدافع عن نفسها بالانعزال، أو تنساق أحيانا.
* صفية لا تُظهر ألما أبداَ وتعتبر الشكوى والبكاء ضعفا، وقد تُجرح أو تمرض ولا أعرف ذلك إلا بعد ظهوره بشكل قويّ. أمّا سميّة.. فيكفي أنّنا ومعلّمتها في الروضة نصفها بكلمة واحدة: درامااااااا! ولا يمكن بحال تمييز صدقها من ادّعائها.
* قبل يومين دخلت شوكة صغيرة جدا من كرسيّ خشبيّ في باطن كف صفية، وحاولتُ إخراجها فلم أفلح، أخبرتُها أن تتحمل حتى نصل إلى البيت فأستخدم الملقط، ولما وصلنا قالت لي بهدوء: ماما رح تطالعيلي إياها؟ وكنت قد نسيت الأمر تماما لأنها مشت إلى البيت ولم تنطق بكلمة عن الموضوع، ولما أخرجنا الشوكة كانت أول كلمة قالتها: وينها بدي أشوفها. كان اهتمامها منصبا على ملاحظة الشيء ولم تتأوّه حتى. أما سمية، فأذكر أن شوكة دخلت في عقب قدمها قبل بضعة أشهر، وكانت مع أبيها، فلما عادوا  وأردنا إخراجها، صار صراخها مرعبا وكأننّا ننتزع روحها، ونحن لم نلمس قدمها بعد! اضطررتُ في النهاية إلى الجلوس فوقها تقريبا وتكتيف يديها إلى أن سحب أبوها الشوكة. وقد خشينا أن يتّصل الجيران بالشرطة من شدّة الصراخ.
وهكذا.. يمكنني أن أسرد عشرات الاختلافات الأخرى، التي تجعل فكرة العدل المفترَضة محض هراء. العدل الحقيقيّ هو أن تعطي طفلكَ ما يجعله متمكّنا من (تقدير ذاته). لذلك بدأتُ في تغيير مبدأ (المعاملة المتماثلة) إلى (المعاملة العادلة بحسب القدرات والرغبات).
وكان أوّل تغيير يكمن في ذهاب صفية إلى دورة تعليم سباحة، في الوقت الذي كانتْ تبقى فيه سمية معي لأنهم لم يقبلوا تسجيلها لصغر سنها، وبأية حال لم تكن أي منهما بحاجة تعلم السباحة التي تعلّمتاها مع أمّي في الصيف، لكنّ النشاط الرياضي كان لدمج صفية مع أطفال من سنّها، بينما سمية لا تحتاج ذلك. ثم دوام صفية لمدة عام كامل في المدرسة العربية بينما تبقى سمية في البيت لأنها بكت ورفضت الذهاب لصف الروضة هناك، واليوم فقط وبعد استلام صفية هديتها وشهادة نجاحها شعرتْ سمية بالمقلب، لكنها سرعان ما نسيتْ. صار اختيار هدايا صفية ضمن نطاق التلوين والرسم اللذان تعشقهما، وتحميلها مسؤولية مسك النقود ومناولتها للبائعة عند الشراء، ومزايا حمل الأغراض، وأخذ ما تريده من مكتبي وأدواتي بخلاف سمية التي لا تملك هذه الميزة ولا الصلاحية لأنها لا تعيد شيئا إلى مكانه أبدا، والأسوأ أنها تخفيه وتنسى أين وضعته، بينما صفية لا تنسى أبدا.
وفي المقابل صارت لسمية مزايا خاصة بها: فبينما لا يصح أن تغيب صفية عن المدرسة إلا بعذر، فإن لسمية الحق أن تبقى معي في البيت متى شاءت طالما لستُ مضطرة للخروج، وحظيت سمية طيلة أشهر بمتعة ركوب الخيل مع برنامج الروضة، واللعب مع الأرانب في حديقة روضتهم أيضا، وحين تطلب دمية باربي جديدة، وهنالك مناسبة لإهدائها إياها، فإني أشتريها ولو كانت غالية، ذلك أنها تحافظ عليها، ولم تُصَب أيّ من دماها بأذى، ولا ضاع منها شيء.
في أوقات التنظيف يكون تحديد المهمّات أسهل: صفية رتبي، سميّة نظفي الطاولة. صفية كنسي بالمكنسة الكهربائيّة، سمية امسحي الأرض. صفية رتبي غسيلك في خزانتك، سمية.. رتبي خزانتك معي! وهكذا..
والآن، صارتْ الأمور أكثر هدوءا بيننا، عندما شعرتْ كلّ منهما أنّها ليستْ مضطرّة لتقليد أختها في شيء للحصول على مزايها، وأنّها ليس بالضرورة أن تحصل على غرض مماثل، بل أن تحصل على ما تحبّه، وأنّ التنوع في الأغراض يتيح لهما التبادل لبعض الوقت. وهنالك طبعا الكثير من الأشياء التي تتشابهان بها، أهمّها: طول القامة مقارنة بالأقران، ما يجعلهما تبدوان أكبر من بقيّة الأطفال في الصفّ المدرسيّ والروضة. ولم يكن ذلك ملاحظا في البداية، لكنّه ازداد مؤخّرا، خصوصا مع انتقال صفية مؤقتا لشعبة دراسية أخرى، وبينما الطلاب هناك يكبرونها ببضعة أشهر وأحيانا بفارق عام، تترافع هي طولا عنهم شبرا وأكثر! وبينما سميّة تلعب مع أصدقائها في الروضة، تبدو من بعيد كأخت كبيرة لهم. وهذا ما يجعلنا ننسى أحيانا أن داخلهما طفلة صغيرة هشّة.
العدل لا يعني المساواة، إذ كيف أساوي بين شخصيّتين مختلفتين بعمرين مختلفين، فقط لأنّ كلاهما أنثى، وكلاهما ابنتي؟!.
الآن فقط أدرك بهدوء أنّ من حقّ صفية أن ترفض أن تكبر، أن تُبقي على الطفلة في داخلها بريئة هشّة، وأنّ عليّ أن أوفّر لها الحماية التي لا تستطيعها، وإلا لماذا أنا موجودة إذا؟. والحقيقة إنّ براءتها نادرة، وحين أرى البنات في صفّها، لا أستطيع أن أصفهنّ.. فهنّ أبعد ما يكنّ عن البراءة رغم أنهنّ في الصف الثاني فحسب.
أمّا سمية فبالعكس، تريد أن تكبر بسرعة جدا، وعلي أن أجاري ذلك أيضا، وأن أراعي جموحها وانطلاقتها وأثق بها أكثر، فمن ذا يجرؤ على الوقوف في وجه الإعصار؟.