لا رغبات | قراءة في رواية: لائحة رغباتي.

وعلى قائمة رغباتي، تربّعت أمنية أن أجد الوقت الكافي لكتابة هذا التقرير عن (لائحة رغباتي)!، وكما تعلمون وأعلم، المال لا يشتري الوقت، وهذا ليس أسوأ ما فيه. لكن.. لنعُد للبداية..
….
على صفحة صديقة جميلة، أجد تقريراً عن رواية بسيطة عنوانها: لائحة رغباتي. أبحث عنها بعد أسبوعين تقريبا وأبدأ بالقراءة وأتوقف، أنساها. أعود أمس بعد مضي عشرة أيام لأكملها خلال ساعتين. الرواية قصيرة وكنتُ أعرف أنّ الشخصية الأساسية امرأة، لكنّي لم أنتبه بداية أنّ الكاتب رجل! حتى إذ أنهيتُها.. أصابتني الدهشة مرّة أخرى: كيف يمكن لرجل أن يستشفّ هذا الكمّ الهائل من المشاعر التي تعتمل في نفس امرأة ويستطيع وصفها؟!

بكيتُ وأنا أقرأ بعض الصفحات في الرواية، ولكن المقاطع التي بكيتُ عندها لم تكن متعلّقة بالحدث الأساسيّ، بل بالعلاقة بالأمّ والأبّ.
مشاعر المراهِقة التي سقطتْ أمّها في الشارع ميّتة فجأة، أفزعني تخيّل المشهد. يفزعني التفكير في الموقف، أنّ أمّي لن تكون هنا للأبد، في هذه الحياة.
بكيتُ عند المقاطع التي تصف الدقائق الستّ التي يستعيد فيها أبوها وعيه وذاكرته، في كلّ مرّة كان يسألها من أنتِ؟ وكانت تعيد كلّ شيء من البداية، ويسألها عن أمّها، فتخبره أنّها ذهبتْ للسوق وستعود قريبا. وينسى أنّ زوجته ماتت وأنه أصيب بجلطة دماغية بعد وفاتها بعام، وفقد ذاكرته.

الحقيقة التي تسردها هذه الرواية، حقيقة أعرفها مذ وعيت: المال القليل مثل الكثير، الواحد مثل المليون، لا قيمة له، القيمة في الحاجة إلى الغرض الذي سيشتريه المال. ومعظم الأشياء في حياتنا لا تُشترى بل تُكتسب. الحقيقة أنّي لا أفهم لماذا يتمنّى الناس الحصول على الأموال الطائلة، ماذا سأفعل بكلّ هذا المال لو حصلتُ عليه؟ سأشتري وسأبتاع وسأمتلك.. ثمّ؟ ما هو الإنجاز في ذلك؟ لا شيء. ماذا سأفعل بقصر كبير فيه ألف غرفة؟ لا شيء. هذه قناعتي منذ زمن طويل، المال يأتي لسبب، ولا بدّ أن يذهب في هذا السبب.

قبل قراءتي الرواية شاهدتُ مقطع فيديو قصير أرسلتْه أمّي على الواتس أب، يقول تماما هذا الكلام: لماذا سأشتري هاتفا أفضل وهاتفي يؤدّي الغرض الذي أريده؟ 70% من الأشياء التي في الهاتف لا تلزمني ولا أستخدمها. وقِس على هذه السبعين بالمئة البيت الكبير، والسيارة الجديدة، والمال الكثير. وأضيف من عندي للنساء خاصة: أواني المطبخ! والأحذية!! والحقائب!!!

منذ سبعة أعوام تقريباً، اتخذتُ أسلوباً في حياتي مفاده: كلّما ابتعتُ غرضا جديدا لا بدّ من شرطين: أن يكون لحاجة، وأن أُخرج بدلا منه غرضاً قديما (أي لم أعد أستخدمه وليس مهترئا)، أو صدقة. والبعض رأى في هذا الأسلوب مبالغة، لكنّي ما زلتُ أمشي بنفس الطريقة حتى مع بناتي: لعبة جديدة مقابل لعبة تُهدى لطفل آخر، هاتف جديد لي لأنّ هاتفي تعطّل؟ سأستخدمه حتى يتعطّل. حاسوبي المحمول عمره عشرة أعوام بالتمام، من عمر صفية، كلّما قرّر مجاهد شراء واحد جديد لي، أثنيتُه عن ذلك بكلمة: لسّه شغّال وعين الله عليه. هكذا، تجد أنّ لديكَ مالا لا يلزمكَ، وحينها تفكّر في شيء إيجابيّ تفعله بهذا المال، والإيجابيّة غالبا تشمل غيرك.

لكنّ الأمور ليست كذلك عند كثيرين، فالمال كما تقول الرواية: يغيّر النفوس، ويخرج أبشع ما فيها. يبقى المتحكّم في الأمر هو الأخلاق، والأخلاق لا وجود لها بلا دين، بغضّ النظر عن كُنه هذا الدين، إلا أنّ مبدأ المثوبة والعقوبة الإلهيّة هو في الحقيقة مصدر هذه الأخلاق. لذلك حين يظهر الجشع، والطمع، والسرقة.. يبدو جليّاً غياب الإله عن النفس.

هذا ما حدث لـ (جو) زوج (جوسلين) التي ربحت بطاقة اليانصيب ذات الرصيد الذي يفوق ثمانية عشر مليون يورو! وفي حين يصف الكاتب أنّ وفاة طفلهما الثالث في بطن أمّه قبيل ولادته، كان نقطة فاصلة هدمت أشياء كثيرة في زواجهما، أجد أنّ الأمر مبالغ فيه. فلا أعتقد أبداً أنّ أبا لديه بالفعل صبي وبنت سليمين، وحملتْ زوجته حملا غير مخطط له، ثم مات هذا الطفل بعد اكتماله، سيصبح شخصا عنيفا تجاه زوجته بسبب إحباطه! من الواضح أنّه كان يريد أن يتخلّص منها، وأرادها أن تموت مع الطفل! ولو كان شخصا متديّنا بأيّ دين، لديه إله في نفسه.. لتجاوز هذه المحنة. ولن أقول لو كان يحبّ زوجته حقا، فالحبّ علاقة معقّدة، تحتمل الجرح والتطبيب، والكسر والجبر. لكنّها لا تحتمل القطع أو القتل.

أحببتُ المقطع الذي تصف فيه جوسلين زوجها في إغفاءته وهو مصاب بانفلونزا الخنازير، وتقارنه بأجمل رجل في العالم، وأكثرهم في كل شيء، وأنها لا يمكن أن تتخلى عن جو لأجله، (لأن جو يحتاجني والمرأة تحتاج أن يحتاجها أحد ما. أجمل من في العالم لا يحتاج إلى شيء ما دام لديه كلّ العالم).

وعندما ذهبتْ جوسلين لاستلام الشيك الذي يحمل جائزتها، جلستْ معها أخصائية نفسية، وراحتْ تكلّمها عن مساوئ الحصول على هذا المبلغ الكبير من المال: (المال يسبب الجنون يا سيدة غيربيت، إنه أساس أربع جرائم من كلّ خمس، وسبب حالة اكتئاب من كلّ اثنتين! هل لديكِ أطفال؟ حسنا، لن يعودوا يروك كأم فقط، وإنما كأم غنية. وزوجك، سيدلّلك كثيرا، هذا السيناريو مكتوب منذ زمن طويل، الطمع يشعل كل شيء في طريقه..)

بعد حصولها على المبلغ، تخرج متّجهة إلى أغلى متاجر المدينة، تدلفها بحقيبتها القديمة ومعطفها شبه المهترئ، وتجد ممثلة شهيرة خارجة من المتجر وهي تحمل حقائب ممتلئة، تكلّم نفسها: (أنا أيضا يمكنني إفراغ متجر شانيل، واستئجار ليموزين وسائق، لكن لماذا قد أفعل؟ ما رأيتُه من وِحدة على وجه هذه الممثلة أرعبني).

جوسلين صاحبة متجر بيع مستلزمات الخياطة، التي أنشأتْ مدوّنة الاصابع الذهبية العشر، تتجّه الآن بمالها إلى محلّ أقمشة، وتشتري أشياء لمحلّها في بلدتها الصغيرة، تقول أخيرا وهي تخرج: (تكلّف السعادة أقلّ من أربعين يورو).

وعندما رجعتْ ولم تخبر أحدا أنها ربحتْ، (دخلتْ زبونة وسألتها عن حال زوجها وهل تحسّن من المرض، كانتْ من أصدقاء المدوّنة، وفجأة بدأتْ بالبكاء وهي تخبرها أنّ ابنتها الكبيرة في المشفى مصابة بذات الداء، وعلى وشك الموت. كل هذه الملايين التي معي لم تكن لتنفعها شيئا أو تنقذ ابنتها).

هذا الجملة التي قالتْها جوسلين لنفسها، وجدتُها أكثر من مبكية: (أعلم أنّ المرء لا يدلّل أبدا والديه بما يكفي، وأنّه حين يعي ذلك.. يكون الأوان قد فات).

ترسل إليها ابنتها التي تعمل في صناعة الأفلام في لندن، فِلما قصيرا بطول دقيقة من تنفيذها: (نشاهد امرأة عجوزا على رصيف، في محطة فكتوريا، شعرها أشيب، نزلت من قطار، تمشي بضع خطوات، ثم تضع حقيبتها الصقيلة جدا، تنظر حولها، يطوّقها الحشد كما يطوّق الماء حصاة، وبعد ذلك تجد نفسها وحيدة فجأة، وفي غاية الضآلة، ومنسيّة. إنّها صورة حقيقة، هزيمة مألوفة، عن ألم الهجر والفقدان والخوف والموت).

جوسلين لديها جسم امرأة قاربت الخمسين وحملتْ ثلاث مرّات، جسم عاديّ يميل للبدانة، ومذ حصلتْ على الشيك الذي لم تصرفه، بدأتْ تفقد شهيّتها للطعام، كانتْ تفكّر كيف ستخبر الآخرين، تفكّر في كلام الأخصائية، وهكذا بدأتْ تفقد وزنها، وتقف أمام المرآة تطالع تغييرات جسدها: (لو كنتُ ثريّة لوجدتُه قبيحا، ولرغبتُ في ترميم كلّ شيء فيه، تكبير وشدّ وجراحة تجميلية و.. أن يكون المرء غنيا، يعني أن يرى كل ما هو قبيح، لأنّه يظنّ أن بقدوره تغيير الأمور. وأنه يكفيه أن يدفع المال ليقوم بذلك. لكني لستُ ثرية، أنا فقط أمتلك شيكا بقيمة 18 مليون يورو، مطويّا ومخبّأ في عقب حذاء قديم. لديّ فقط إغراء، إغراء بحياة أخرى ممكنة، منزل جديد، تلفاز جديد، أشياء جديدة.. لكن بعد ذلك، لا شيء مختلف).

أثناء وصفها للإهانات التي تلقّتها من زوجها بعد وفاة الطفلة، وكيف كان يصرخ فيها أنّ بدانتها خنقتْ ابنتها في بطنها! تقول: (كانت سنة سوداء، كنت أنهض في الليل لأبكي في غرفة ابنتي نادين، لم أكن أريده أن يسمعني وأن يرى الألم الذي يسببه لي، لم أكن أرغب بهذا الخزي. النساء وحيدات دائما في أذى الرجال). وأجد كلامها صحيحا تماما، حين يكون هذا الأذى النفسيّ من الزوج، فإنّ الزوجة تنزع إلى إخفاء هذا عنه، لا تحبّ أن يراها مكسورة، ولو كان هذا بسببه وعمل يده! ألم أقل بداية إنّ الحبّ معقّد؟

وتقول في فلسفة التملّك: (الأشياء الصغيرة التافهة التي سنشتريها في الأسبوع القادم، هي ما يدفعنا للتفكير بالمستقبل ويبعث فينا الرغبة للحياة حتى الأسبوع القادم. لذلك يتفاخر المرء بمشترياته، يبرمج الأماكن التي سيزورها، يملأ الخزائن ببطء، والأدراج، يمضي حياته يملأ المنزل، وحين يغصّ، يكسر الأشياء كي يستطيع استبدالها، كي يغدو لديه شيء ما للعمل في اليوم التالي. ويذهب حتى إلى تحطيم زواجه كي يُلقي بنفسه في قصة أخرى، ومستقبل آخر، ومنزل آخر. وحياة أخرى عليه أن يملأها). وهذا ما حدث حين سرق زوجها الشيك الذي اكتشفه صدفة وهو يصلح رفّ خزانة الأحذية، وصرفه باسمه، واختفى من حياتها!

بعد الصدمة: (كنتُ أحبّ حياتي البسيطة مع جو بعمق، وعرفتُ من الوهلة الأولى التي ربحتُ فيها هذه النقود أنها ستفسدها، وفي سبيل ماذا؟ منزل أكبر وأفخم؟ سيّارة حديثة؟ ساعة ذهبية؟ لا ، كنتُ أحظى بما لا يمكن للنقود أن تشتريه، لكنّه دُمّر تماما: السعادة! سعادتي على أية حال، هي سعادتي أنا. بأخطائها وتفاهاتها وصغائرها، لكنها سعادتي أنا. فريدة من نوعها. لذلك كنت قد اتخذت قراري بعد عودتي من باريس ببضعة أيام أنّي سأحرق الشيك. لكنّ الرجل الذي كنتُ أحبّه سرقها).

وبعد سنة صرف فيها ثلاثة ملايين، أصيب بالاكتئاب والجنون، ومات وحيدا في منزل فخم واسع، واتصل الجيران بالشرطة حين فاحت رائحة جثّته. وقد أرسل لها بقيّة المبلغ قبل وفاته كاستغفار أخير.

بعد الصدمة التي تعرّضتْ لها، ابتاعت فيلا مطلة على البحر وأخذت والدها للعيش معها، وظّفتْ له ممرضة، وكانتْ تجلس معه كلّ يوم، وبدلا من أن تحاول تذكيره من هي، كانتْ تكتفي بأن تقول إنها ابنته، ثمّ تخبره كم كان عظيما وتحكي عن الاكتشافات والجوائز التي حقّقها وحازها، كانتْ كلّها أكاذيب، لكنّه كان سعيدا جدا، وبأيّة حال.. كان ينساها بعد ستّ دقائق! أعجبني هذا الأسلوب، لتفهم أنّ هذا الشخص لم يعد يعيش في عالمك، عليك أن تذهب معه إلى عالمه. لا شيء يضرّ، طالما هو سعيد.

يقول الكاتب في الخاتمة: (السؤال الذي طرحته على نفسي هو كيف تصرّفتُ لأصل إلى هذه النقطة في الكتاب ولأغدو أكثر قربا من النساء وأفهمهن على أحسن وجه؟ إنه الحنين. كتبتُ هذا الكتاب لأني أحن إلى أمي، ومع أنها لم تكن قط بائعة في حانوت أدوات خياطة، لكنها كانت تحيك. كنتُ أحنّ إلى كلماتها ونظرتها للأشياء، فاختلقتُ جوسلين. والجواب موجود أيضا في لطف روح النساء اللاتي يعشن معي، زوجتي وبناتي الثلاث).

أمّا اقتباسي الأخير والمفضّل، فهو من المشهد الذي تجلس فيه جوسلين على شرفة منزلها، وبجانبها الرجل الذي صادفها قبل سبع سنوات في فترة النقاهة على شاطئ البحر، وعرفها بمجرّد أن اتصلت به بعد فرار زوجها بالمال، هذا الرجل يحبّها وانتظرها طويلا، وسيحبّها أبداً كما يبدو، لكنّها تقول:
(أغنّي لنفسي، بصمت:

أين ذهبت اللحظات الجميلة
لحظات الحنان والمتعة؟
أين العهود؟ ولماذا تغير كل شيء بالنسبة لي
إلى الدموع والألم؟
ولماذا ذكراهم لم تغادر قلبي؟

أغنّي ووجهي ملتفت نحو البحر المظلم. إنّني محبوبة، لكنّي لم أعد أُحِبّ).

إنّ الحبّ الذي يعيش سنوات في قلب امرأة تجاه زوجها ويغتاله هذا الرجل فجأة، لا تذهب جريمته بالحبّ وحده، بل بقلبها كلّه.
—-
* ملاحظة: ترجمة الرواية حرفية سيّئة، ومضلِّلة في كثير من المقاطع. عدّلتُ كثيرا في صياغة الاقتباسات.

24.10.2019


فتاة الأرشيف

(إذا لم يكن لديك الوقت لقراءة التدوينة، يمكنك الاستماع إليها) :mmm:

تقف إلى مكتبها تستقبل الرسائل؛ في كلّ دقيقة رسالة! تعتقد إنّ مهمة صعبة كهذه لا تحتمل الجلوس.
كرسيّ مكتبها تعلوه طبقة غبار تمسحها أحيانا لأنّ المنظر يثير أعصابها، لكنّها لم تجلس أبدا من قبل.
الجميع يعرف فتاة الأرشيف التي تعمل في القسم الذي يحمل بابه لوحةً تقول: نستقبل الشكاوى والاقتراحات.
والجميع أيضا، يعرف خبير التقنية المعجب بفتاة الأرشيف. كلّ من يعمل في زحام عقلي يعرف أنّه يقضي عندها في القاعة الواسعة نصف دوامه اليوميّ.
يدخل صباحا بكوبي قهوة، يضع كوبها على الطاولة المليئة بالأوراق، ويحمل الأوراق الموجودة على الكرسيّ المقابل، يضعها في أيّ مكان فارغ أو فوق كومة أخرى من الأوراق، ويجلس، ويبدأ يثرثر، ثم ينهض فجأة وينطلق إلى عمله.
يعود بعد ساعتين حاملا علبة من الحلوى، ويجلس على الكرسي ذاته، ويبدأ في الأكل والكلام، وينهض فجأة ويغادر. ثمّ يعود في فرصة الغداء بطبق من الفطائر واللحم بعجين، ويستمرّ هذا المسلسل كلّ يوم إلى ما لا نهاية!
أنا بدأتُ أشعر بالسأم والمقت من هذا التكرار الممل، وأكاد أخاطر بنسف قسم التقنية بأكمله لأقضي على هذا المخلوق! لا أفهم كيف تتحمّله فتاة الأرشيف.

– من قال إنّي أتحمّله؟
كان هذا صوتها تخاطبني، وهي تتنهّد وترمق فضاء القاعة بنظرة مغضَبة من طرف عينها. في الحقيقة، لا يمكنني أن ألومه على الإعجاب بها ومحاولاته المستميتة للبقاء قربها أطول وقت ممكن: إنّها كلّ شيء لطيف ومهذّب في هذا العقل، تقف طيلة ساعات، وهي تصنّف الرسائل التي تنزلق كحبّات المطر من صندوق البريد المعلّق في الطرف الآخر من القاعة.
نعم، قد يبدو هذا غريباً، لكنّها المشكلة الأزليّة: حين يتواجد صندوق الشكاوى في مكان مكشوف، لا يقترب أحد منه، أمّا لو وُضِع في مكان يضمن أنّ أحداً لن يتعرّف صاحب الرسالة، فإنّ زوبعةً من الأوراق ستطير في وجه الإدارة، حتّى ليتعجّب المرء أن كيف كانت أمور العمل تسير وكأنّ لا شيء هناك.

إنّ فتاة الأرشيف لا تكتفي بالتصنيف الروتينيّ: شكوى، اقتراح..شكوى، اقتراح. بل تقوم بقراءة كلّ الرسائل، وتظليل الأقسام الهامّة بألوان مختلفة: أحمر للشكوى، أخضر للاقتراح، أزرق للمشاعر والتوسّلات!، وهذا اللون الأخير جاء نتيجة تفانيها في العمل، الذي انعكس على بقيّة العاملين، وصاروا يعتبرونها قدّيسة من نوع مختلف، ويصوغون في رسائلهم الابتهالات والأدعية، ومشاكلهم الشخصيّة. وكانتْ تحتفظ بتلك الرسائل في الأرشيف دون تمريرها، ما جعلهم يثقون بها أكثر، ويكتبون أكثر.

لكنّ فتاة الأرشيف تبقى فتاة، ليست آلة، ولا بدّ أن تتعب وأن تأخذ استراحة بين حين وآخر. كانتْ تخرج إلى صديقتها المفضّلة: فتاة الحسابات. صبيّة مرحة لأبعد حدّ، لديها أوقات فراغ كثيرة، تحبّ الأرقام لأنّها تحبّ الطعام! تسألها فتاة الأرشيف عن علاقة الأرقام بالطعام، فتردّ توّاً: الثمن والسعرات الحرارية! وتسرد معادلة طويلة معقّدة عن هذا الموضوع، وهي تلتهم شطيرة لحم مليئة بأشياء تسيل من الطرفين لا تريد فتاة الأرشيف أن تعرف كنهها، وتكتفي بالرائحة!
تقول لرفيقتها:
– لا أفهمه، ألا يشعر بالملل؟ بالضيق من نفسه؟ ألا يفهم أنّه سخيف؟ معلاااق؟!
تصحك فتاة الحسابات:
* يا عزيزتي، هو لا يرى شيئا غيرك، هو لا يرى نفسه حتى.
– لا لا لا، لا أظنّ. تخيّلي أنّه منذ أشهر يفعل هذا كلّ يوم: يحضر لي فنجان قهوة، يضعه على المكتب حيث أخشى أن يندلق على الرسائل، ولا ينتبه أنّي لا أشربه. ثم يأتي بالحلوى ويجلس ويأكل ولا يقول: تفضّلي! . وأسوأ من هذا كلّه، أن يجلس في فرصة الغداء ولا ينتبه أنّي لا أجلس ولا آكل ولا أتوقّف عن العمل! أحمق أم أعمى هو؟!
* كلاهما، اسمعي منّي.. الإعجاب يحوّل الرجال إلى عاهات اجتماعية متحرّكة. لكن.. أنا لا أفهم.. لماذا لا تخبرينه؟
– أخبره ماذا؟ أنّه معلاق؟ تخيّلي..
* لا.. ليس هذا، أخبريه أنّكِ لا تشربين القهوة حين يحضرها، وأخبريه أنّه من الذوق أن يدعوك لتناول الطعام حين يأكله أمامك، وأخبريه أنّكِ مشغولة ولا تستطيعين التركيز حين يفتح فمه بالكلام لساعة. إنها أشياء بسيطة.. ليس الأمر صعبا بهذا القدر!
تعقد فتاة الأرشيف ذراعيها على صدرها، وتعقد حاجبيها، وتفكّر:
– الغريب إنّه لا يبدو منزعجاً من عدم إصغائي، يتكلّم طيلة ساعات وأنا أكتفي بـ: ممم، إمم.. إهِم.. آها. ويبدو أنّ كلّ شيء على ما يرام!
* طبعا، كلّ شيء على ما يرام، طالما أنتِ لم تقولي شيئا عكس هذا، فكلّ شيء على ما يرام! جرّبي ما أخبرتكِ به.
– سأفعل..
* أففف.. لا أفهم من أين جاء هذا الحرّ فجأة!
– أنا لا أحسّ شيئاً.. الجوّ طبيعيّ جدّا.
تنظر فتاة الحسابات وهي تتعرّق ووجهها محمرّ إلى صديقتها بدهشة، وكأنّ الأخيرة تقف في كوكبٍ آخر، أو تحمل معها جبل جليد يبثّ فيها البرودة!
….
في اليوم التالي أقرّر أنّي سأتدخّل لأنهي هذه المهزلة القائمة في دهاليز عقلي إذا لم تُحسن فتاة الأرشيف التصرّف، أجلس بترقّب:
ترمق فضاء الغرفة وتقول لي:
لا تقلقي، سأتدبّر الأمر اليوم.
أقول: حسنا،
ويبدأ المشهد:
يدخل فتى التقنية ومعه القهوة، لأوّل مرّة ترفع عينيها عن الأوراق فتنتبه أنّها لم تعرف شكله من قبل: إنّه الفوضى مجسّدة! لا شيء فيه متماشٍ مع بقيّته.. بعضه لا علاقة له ببعضه! الدهشة التي أصابتْها أوقفتْها عن العمل لثوانٍ، وأربكتْه فلم يفتح فمه بالكلام كعادته، لكنّ صوت الرسائل المنزلقة تِباعاً أعادها، فانطلق لسانها قبل أن تنسى ما تجهّزتْ لقوله طيلة الليل:
– شكراً لك، لكنّي لا أشرب القهوة، ولا أيّ شيءٍ ساخن.
* أوه.. أوه.. فهمت.
وقف حائراً لثانيتين، ثمّ غادر بالكوبين. وابتسمتْ الفتاة بهدوء، صفّقتُ أنا لها.
بعد ساعتين، في موعد الحلوى المعتاد، دلف إلى القاعة، بطبقٍ مليءٍ بأشياء دبِقة، رفعتْ رأسها، وقبل أن ينطق كلمة، عاجلتْه بقولها: كنتُ أتمنّى طيلة أيّام أن تقول لي تفضّلي، وأنا لم أنظر مرّة إلى ما تأكله، لكنّي وقد رأيتُه الآن، أشكركَ كثيراً أن أعفيتَني من ورطة التذوّق.
مرة أخرى أصابه الارتباك، ثم غادر، واتّسعتْ ابتسامة فتاة الأرشيف.
في فرصة الغداء، وقف بباب القاعة متردّداً، وهو يحمل طبقه المليء، ولما رفعتْ رأسها إليه، فاجأها بقوله سريعا:
* لن أتكلّم، ولن أزعجك، فقط أريد أن أجلس وأتناول طعامي هنا، معلش؟
ولأوّل مرّة تشعر فتاة الأرشيف بالغضب:
– ما معنى هذا؟ ألا تفهم أنّكَ قليل ذوق وعديم إحساس؟! الجميع يعرف لماذا تحضر إلى هنا كلّ يوم، ولكنّك تصرّ على التصرّف بسخافة وكأن لا شيء هناك! لعلمك، أنا لستُ معجبة بكَ قدر أنملة ولا أعتقد أنّي قادرة على هضمك ولا مع علبتي كولا!

وهنا حدث شيءٌ غريب، لأوّل مرّة تشعر فتاة الأرشيف أنّ الحرّ يخنقها، بينما كان فتى التقنية يتعرّق بشدّة، ويبدو وكأنّه يُطهى في قدر بخار!
نظرتْ إليه وتساءلتْ بوجل حقيقيّ:
– ما الذي يحدث؟!
تمتم فتى التقنية:
* أووه.. أنا آسف.. أنا أحضر كلّ يوم لأنّ هذه القاعة هي أبرد مكان في هذا العقل! ألم تنتبهي أنّ محرّكات الأفكار فيه لا تهدأ والجميع يشكو من شدّة الحرارة؟
فجأة ومضتْ في ذهنها الكلمات التي كانتْ تظلّلها طيلة أشهر في الرسائل: حرّ، حرارة، وضع لا يطاق، ضغط، غليان، حمّى.. كيف لم تنتبه؟
تابع الفتى بابتسامة اعتباطيّة:
* الجميع يعرف أنّ قاعة الأرشيف، هي مصدر البرودة العذبة الوحيد هنا، وأنا بالذات أحتاج هذه البرودة أكثر، لأنّ تعرّضي للحرارة أكبر، ما يؤثّر على أدائي، لذلك آخذ استراحات طويلة هنا.. عندك.
– إحم.. إذاً لا علاقة للإعجاب بالأمر؟
* لا أبدا، أوه.. بأيّة حال.. أعني أنا لم أفكّر في الأمر من هذه الناحية مطلقا.
– جيّد. غادر الآن لو سمحت.
وششش.. تبخّر من أمامها بسرعة البرق. استدارتْ ومشتْ إلى الكرسيّ المغبّر، مسحتْه وجلستْ عليه لأوّل مرّة، وبدأتْ تزفر زفراتٍ طويلة، حتّى استعادتْ القاعة برودها، وعندها خطرتْ في بالها فكرة: فتحتْ أبواب القاعة على اتّساعها، وبدأتْ تنفخ في جميع الاتجهات.. وهكذا استعاد العقل أجواءه المريحة.

في الأيام التالية، صار جميع العاملين يمرّون بفتاة الأرشيف وهم يحملون أشياء لذيذة باردة: كوباً من العصير، مثلّجات بنكهات مختلفة، كعكة الأيسكريم، بودينغ الشوكولا. وصارتْ الفتاة تجد الوقت للاستراحة والأكل، عندما هدأتْ موجة الرسائل المتذمّرة.
….
لاحقاً، فاجأتني بإزالتْها تلك اللوحة من باب القاعة، واستبدالها بلوحة أخرى تقول:
اترك أثقال روحكَ هنا، تخفّف.

22.9.2019


بالمقلوب


تنتابني كآبة حادّة. يسمّونها متلازمة الأعياد، حيث يصاب بعض الأشخاص بالاكتئاب بدلا من الفرح. لكنّي أعرف أنّ الأمر يحوي ما هو أكثر، أكثر من كآبة تنتهي بانتهاء يوم العيد ومروره بسلام، هذا لو حدث ومرّ بسلام، رغم شكّي العميق في ذلك. إنّها خبرة أعوام.
قبل ساعتين سجّلت مقطع فيديو عفويّ، قلتُ فيه: بعض الناس لديهم موهبة في تحويل الأعياد جحيما لا يطاق! لا أدري من أين يأتون بها، لكني لا أرغب في المنافسة. ولأوّل مرّة منذ أعوامٍ طويلة جدّا، أتمنّى أن أنام ليلة العيد، وأصحو في اليوم الذي يليه، فأقضي العيد في غيبوبة، وينقضي هذا اليوم السعيد!

لم أنشر المقطع، واحتفظتُ به لنفسي، لأنّي وجدتُه سلبيّا جدّا، لا يهمّ أحدا غيري. الآن طبعا ناقضتُ نفسي بهذا التسجيل. لكنّ هذا لا يمنعني أن أكتب هنا كي أرتاح قليلا، في النهاية.. أنا أكلّم نفسي ولا أحد يقرأ، وربّما لا أحد يسمع.
لا أحد؟، لعلّني قصدتُ بها (أحداً) أعنيه، لا يقرأ. كيف السبيل للتخلّص من علّة غير محسوسة؟ إن كانتْ هذه العلّة تتجسّد في شكل إنسان، يُفترض أن يكون الحامي والمعين والسند والصديق، ولكنّه لا شيء من هذا؟.
يقول لكِ العالم: إنّه جيّد وطيّب، ليس فيه ما يعيبه. فتقولين: جيّد وطيّب لنفسه، ما نفع هذا لي؟، وتلك اللاعيوب التي لا ترَوْنها، أراها بحجم قبّة فلكيّة!
فما المعنى من أن أكون بحضرة السيّد (ممتاز) وأنا أفكّر في عجن كرات من الرمل ورميه بها على سبيل الدعابة؟ الدعابة التي لا يتقبّلها أبدا.

Continue reading