ما برد الشاي

لا قيمة للساعات ولا التواريخ هنا، نحن في ذلك الجزء من العالم الذي نحسب فيه الزمن بالقذائف والصواريخ، وعدد المرّات التي نندفع فيها لنلبّي صافرة النجدة.
الرزنامة عبارة عن جداريّة موت: يوم الهجوم، يوم قصفٍ لم يتوقّف، يوم بناياتٍ عدّة سقطت دفعة واحدة، يوم أخرجتُ هذا الصغير بعد أربع ساعات من المحاولة، يوم انتشلنا خمسةً وعشرين شهيداً.. ولا ينتهي الإحصاء القاتل.

وصلتُ البيتَ أخيراً، دخلتُ، سلّمتُ، توضّأت، صلّيت، وجلست. ركضتْ إليّ الصغيرة وقد أطلقتْ أمّها سراحها أخيراً: شوي شوي على بابا.
حاولتُ أن أحضنها وهي تحاول أن تتسلّقني، مرّة من خلف ظهري فتنقلب في حجري وهي تضحك وتكركر، ومرّة تتعلّق بقميصي من أمامٍ وتدوس بقدمها الصغيرة في صدري، فتزلق وتقع على رجلي وتكرّ بالضحك مرّة أخرى حتى أضحك: اللهم صلّ عالنبي..
تردّ أمّها من المطبخ الصغير:
* هلكتني كلّ النهار الله يحميها، ما في غير تركض وتنكش خواتها، ما قدرنا نقرأ ولا حرف اليوم.
– لسّه عم تحاولي معهم؟ الله يعطيك العافية..
* إي طبعاً، بيلتهوا عن الأصوات والرعبات، وبيرجعوا شوي للوضع الطبيعي.

يرجعوا للوضع الطبيعي؟ وهل عرفنَه قبلا ليرجعن إليه؟! لقد وُلدن ثلاثتهنّ في هذا الوضع، في زمنٍ يُكتب بالدمّ على رزنامة الموت.

“باباااااا”
اندفعتْ الوسطى ترمي بنفسها عليّ: أثقل من ريشة (أختها الأصغر) ، وأخفّ من فراشة (أختها الأكبر). هكذا كنتُ أصفها دائماً.
تسأل بلهفة: – اليوم كم مرّة طلعتوا؟ لا تقول.. أنا.. أنا بقول..
تعدّ على أصابعها الصغيرة، كم مرّة سمعتْ صافرة النجدة، وكم مرّة حلّقت طائرة القصف، لتعرف كم مرّة خرجتُ اليوم لأنقذ أطفالا مثلها!
يا الله كيف تبسّط براءةُ الأطفالِ كلّ الأشياء المعقّدة، إلى بُعدين فقط: سعادة أو حزن، خسارة أو ربح. بالنسبة لها، وبميزانها الطفولي البسيط، إذا زاد العدد فهو ربح! هذا يعني أنّي (بطل)، لأنّي عملتُ كثيراً في هذا اليوم. ولكنّ هذا النوع من العمل ربحهُ خسارة! هي فقط لا تعرف.. ولا أريدها أن تعرف.

* إي يلا انتِ عدّي.. وأبتسم لها.

تجلس الكبيرة قربي بهدوئها، أضمّها إليّ وأقبّلها، تبتسم ولا تنطق. لم تنطق منذ عامين، توقّفت فجأة عن الكلام ذات يوم، صارتْ تحادثنا بالابتسامة والدمع فقط.

حضرتْ المائدة البسيطة، باسم الله. كنتُ آكل منتبهاً إلى كلّ واحدة: زوجتي التي لم ترفع إلى فمها سوى لقمتين، وهي تحاول إطعام الصغيرتين، بينما الكبرى ما زالتْ قربي تضع اللقمة وتسرح فيها زمناً.
همستُ لها: – مالك جوعانة؟ ليكون أكلتِ قبل ما أجي..
تبتسم، أدغدغها من خاصرتها فتضحك بلا صوت، تحتجّ أمّها: هلأ بتتشردق..
أنظر إليها: وانتِ ليش ما عبتاكلي؟
تنظر إليّ بطرف عينها بدلال:
عم بشوف رح تحسّ ولا لا!
أبتسم لها وأضحك في سرّي، معجزةٌ هي قدرتُها على استدعاء (دلال النساء) في وقتٍ كهذا! ولكنّي أدرك أنّه الوقت الوحيد الذي لدينا، وهذا هو عمرنا حقّاً، فمتى ستفعل هذا إن لم يكن الآن؟!

أتعمّد لفّ قطعة كبيرة من الخبز أعرف أنّ فمها لن يسعها، وأنتظر أن تفتحه فأدسّها على عجل، ترمقني بنظرة غضبى وقد انتفخ خدّاها، تضحك البنات حتى تدمع عيونهنّ. تبتلع اللقمة أخيراً وتتنهّد:
العشا كلّه بلقمة واحدة! هي اسمها اللقمة الخارقة!

أخيراً وصلتْ البنات للفراش، تغمزني أمّهن باتجاه الكبرى: روح احكي معها، صرلها فترة عم تتأخّر كتير بالنوم، وبتقوم بتدوّر عليك.
أذهب إلى فراشهنّ الممدود على الأرض وسط الغرفة قرب الباب بعيداً عن النوافذ والجدران، أستلقي قربها على جنبي، تستدير إليّ، أنظر في عينيها وأنا أفكّر ماذا سأقول لها؟! أجد أنّ التفكير يزيد الأمر صعوبة، فأقرّر أن أتكلّم: – قال ماما صايرة عم تسهري..
لا ردّ.
– ليكون عم تشربيلي شاياتي..
تبتسم وترفع حاجبيها أنْ (لا).
– ما عم تقدري تنامي؟
تومي أن (نعم).
– بتعرفي، أنا كمان بجي تعبان كتير، بس ما بقدر أنام، بتعرفي اش بعمل؟
تفتح عينيها بفضول.
– بتذكّر كل شي عملتُه معكن بالنهار، كلّ الألعاب اللي لعبناهن سوا، وبفكّر أي لعبة عجبتكن أكتر مشان ألعبها معكن أكتر.
نظرتْ إليّ غير مقتنعة، ولم أعرف ما أقول زيادة. فتنهّدتُ ومسحتُ على رأسها وقبّلتُها، فتعلّقتْ بقميصي. ضممتُها حتّى غفتْ.

* تشرب شاي؟
– يعني ما بدّك تخلّيني نام؟
تبتسم: * التعبان بنام اش ما شرب.
وتُحضِر الشاي وتجلس قربي.
– عاملتيه وبعدين عبتسألي؟
تضحك: * المنيحة ما بدها مشورة.
أصبّ لها ولي.
تسألني: * بدّك سكّر؟
– ليش في سكّر؟
تغمزني: * في إصبعتي.
أضحك: – إي حطّيها لكان..
تضحك: * بس يبرد بحطها.

تقلب رزنامة الموت صفحاتها.
وتنطلق الصافرات ونركض من جديد.

– شيله شيله..
هون لسه في واحد..

تتعالى الصيحات وصرخات الاستنجاد، ونحن نهرع من مكان لآخر، لنفاجأ بالدويّ الهائل من خلفنا، قرب مركز انطلاقنا!
ليس غريباً علينا استهداف المسعفين المباشر، رجع فريقٌ منّا باتّجاه المركز، لكنّنا وكلّما اقتربنا، بدأتُ أدرك أنّ القذيفة لم تكن إلا قرب بيتي.

تذكّرتُ تلك الليلة، لمّا فكّرتُ ما أقول لابنتي فتعقّد الكلام في عقلي، وقلتُ ما خطر ببالي. قفزتُ من السيّارة، وقرّرتُ الا أفكّر، واندفعتُ لأقوم بواجبي الذي كنتُ أقوم به على مدى سنوات، فتلّقاني زميلي يرجعني:
*مالك شغل هون خيي..
– شلون يعني؟
* يعني ارجع لورا..
أجمد لحظة ثم أدفعه فيمسكني محاولا جرّي للوراء، يتحوّل كلّ ما بي إلى طاقة غضبٍ هائلة، أنتزع نفسي من بين يديه، يصيح ببقيّة الرفاق: * لا تخلّوه يقرّب!
ينتبهون لي، ويقفون متأهّبين، الآن صار الأمر أكيداً.. أتوقّف عن مدافعتهم. وأنتحي جانباً، أراقبهم..
يا الله.. ما أسرع ما خرجن! وكأنّهنْ كنّ على عتبة البيت، راكضاتٍ إلى السماء!

انتبهتُ للعدد حين اكتمل ثلاثٍ صغيرات، صحتُ بهم: ارجعوا لورا! ما بطالعها غيري!
نظروا لي ولبعضهم ثوانٍ لم تطل، وتراجعوا.. لن يجرؤوا على مسّها وأنا هنا.

أراهم من خلفي بعين عقلي، يفرشون ملاءة، ويحملون كلّ واحدةٍ منهنّ، يرقدونها بعناية، يمسحون على رأسها، ويغطّونها مع أخواتها بملاءة أخرى، في فراشٍ واحدٍ نمنَ طيلة أعوام، ولم يحتملن الفراق في الفراش الأخير!
أحمل قطع القرميد، أرميها، دمعي يسحّ دون توقّف، ويداي تنبشان الخراب.. حتّى وجدتُها.
صحتُ بهم، فناولوني ملاءة كبيرة،

“- ليش في سكّر؟
تغمزني: * في اصبعتي.”

الآن بدأتُ أبكي وأنا أسحبها وأغطّي ما انكشف منها،

“- إي حطّيها لكان..”

ألفّها وأحملها، يبتعدون، والعالم كلّه صامت من حولي، إلا من بكاءٍ أظنّه بكائي، لكنّهم جميعا يبكون!
أرقدها على الأرض جوارهنّ..

” تضحك: * بس يبرد بحطها.”

وما برد الشاي، ولا برد قلبي!

– إلى بطل الدفاع المدني الذي استشهدت زوجته وبناته الثلاث، في القصف الأخير على ريف إدلب/سورية.
4.1.2020


كبّ الزبالة وانت طالع

منذ شهرين تقريبا، أرى جارتي الألمانيةّ الستّينيّة التي تكبر زوجها ببضعة أعوام، تصحبه لجلسة العلاج الفيزيائي بشكل يوميّ وقت الظهيرة. متزوّجان منذ عقدين ربّما، ولم ينجبا.
بدأت الحكاية في أكتوبر العام الماضي عندما فوجئنا بسيارة إسعاف تقف أمام المنزل، وعرفنا أنّ الجار أصيب بأزمة قلبية. بمرور الأيام، انتبهتُ أنّي لم أعد أراه صباحا وقت خروجه للعمل الذي يصادف خروجي مع البنات إلى المدرسة، وبعدها رأيتُ زوجته وهي تمشي قرب البيت فاستوقفتُها وسألتُها، وعرفتُ منها أنّها الأزمة القلبية الثانية التي يتعرّض لها، وأنّ الأولى كانت قبل عام مضى، وأنّه باق في المشفى الآن تحت المراقبة لإجراء عملية تبديل صمّام القلب له. سالتُها عن موعد عودته المتوقّع فقالتْ: آمل أن يكون في عطلة رأس السنة. تمنّيتُ له الشفاء العاجل، وقلتُ لها ألا تتردّد في طلب أيّ شيء إن احتاجتْ إلى مساعدة أو حتى رفقة مسلية. بالطبع كان هذا أقصى عرض يمكن أن أقدّمه، فالألمان عموما رسميّون جدا في تعاملاتهم، والودّ الزائد من الجارة المحجّبة مخيف. مرّ رأس السنة ولم يعد الجار للبيت، سألتُها مرّة أخرى عن أخباره، فقالتْ ربّما يعود عند إجازة الفصح. أخبرتُ زوجي أن يسأل عنه أيضا بالتفصيل إذا صادفها، وبالفعل.. عرف منها أنّ العملية نجحت ولكن من مضاعفاتها أنّه تعرّض لجلطة أثّرتْ على وظائف الدماغ، بالتالي تأثّر نظره وحركة أطرافه وكلامه، ويحتاج تأهيلا ليغادر المصحّة. مرّت الأسابيع وفي الصيف عاد الزوج إلى البيت، يمشي مستنداً إلى تلك العربة ذات العجلات، ويتحرّك ببطء شديد، لكنّه كان بكامل وعيه، وكان يتكلّم بمنطق سليم، حتّى إنه استلم مرّة طرداً بريدياً لي أثناء غيابي عن البيت، وحين ذهبتُ لأخذ الطرد، كانتْ فرصة لأراه وأسلّم عليه، وأعرف أنّه تحسّن كثيرا.

نأتي الآن للمفيد: كانت للزوج وظيفة ممتازة وللزوجة كذلك، وكلّ منهما لديه سيّارته الخاصّة. عندما طالتْ غيبة الزوج في المشفى، باعتْ الزوجة سيّارتها لأنّها أدركتْ أنّه لن يعود للوظيفة ولا القيادة لفترة طويلة -ربما بقية حياته-، وأبقتْ على سيّارته رغم أنها أكبر وصعبة القيادة بالنسبة لها. ثمّ تكلّمت مع إدارة العمل وسمحوا لها بالعمل من البيت لترعى زوجها. خلال أيام الأسبوع، لا أراها تخرج إلا لأخذه لجلسة العلاج اليومية، وليس لديهم زوّار. تبقى معه طيلة الوقت في البيت، وكذلك الأمر لا يتغيّر في نهاية الأسبوع. خرجتْ مرّة أو مرّتين لتكنس ورق الخريف وتجمعه، وبعد ذلك، كنّا نتناوب أنا وجارتنا في الطرف الآخر على كنس الممرّ أمام بيتها.
حتى حديقة البيت الخلفية، صارتْ مهملة تماما، لأنّها كانتْ تعتمد على زوجها لتنظيفها والعمل فيها. النوافذ معظم الوقت مغلقة، ورغم ذلك، حين أراهما صدفة خارجين، وأسلّم، تكون ابتسامتهما مشعّة. أعتقد أنّها تحلق له لحيته كلّ يوم، لأنّه لا يستطيع ذلك الآن بسبب ارتجاف يديه. شعره وهندامه دائماً مرتّبين، وحين يخرج من البيت ليركب السيّارة، قد يستغرق الأمر أحيانا عشر دقائق كاملة، لكن لم أرَ أو أسمع منها أيّ شيء يدلّ على العصبية أو نفاد الصبر. باختصار.. أرى زوجين سعيدين، يتصرّفان بتلقائيّة وصبر مع الوضع الذي فُرِض عليهما، ولا يهتمّان لشيء طالما هما معاً. هذه الجارة ليستْ متديّنة بأيّ دين، ولا أعرف إن كانتْ تؤمن بالإله.

خلصتْ النسخة الأجنبية؟ نقلب القناة الآن إلى البرنامج العربي.. تفضّلوا!

نموذج أعرفه عن قرب، أكثر مما أعرف جارتي، الزوج صار في الثمانين، والزوجة في أوّل السبعين، مسلمين، ومظاهر الالتزام واضحة. ورغم طول معرفتي بهما، لم أسمع الزوجة قالت يوما كلمة طيبة عن زوجها، لا بحضوره ولا غيبته، ولا يهمّها من الذي يسمع، وكيف يفهم. تعيش دور الضحيّة طيلة الوقت، حتّى عندما يكون هو المصاب! فمثلا، لو وقع له حادث، تأتي لتطمئنّ عليه وهي تلومه بأنّه محبّ للمشاكل ويتصرّف كالمراهقين، وتبدأ في تقريعه حتى يوبّخها ويسمعها كلاما جارحا فتبدأ في ندب حظها الذي أوقعها مع زوج مثله! أو يمرض، ويذهب للمشفى، فتقضي وقتها وهي تحاول التملّص من زيارته، ولا تحتمل الجلوس جواره أكثر من عشر دقائق، ولو استنكر أحدهم ذلك عليها، بدأتْ في التعلّل: تصيبني الدوخة من رائحة المشافي، أكره جو المرض.. إلخ. فإن قيل لها: وهل مرض بكيفه؟ اجلسي معه سلّيه وسرّي عنه. فتصيح: هو أصلا لا يتكلم معي وليس بحاجتي، يضع الهاتف في أذنه وفي يده ويتكلم طيلة الوقت.
مهما حاولتَ معها، فإنها تملك حجّة تردّ بها. لكنّ العكس لا يحدث. هو يقلق عليها طيلة الوقت، ويتّصل بأبنائه ليقول لهم هاتوا لأمكم كذا، أو اتصلوا بها لأنها مريضة اليوم. وهي لا تفعل ذلك أبدا! المهم هي فقط، إنها مركز كونه، وهو سبب مأساة حياتها التي لا أعرف ما هي! فهي لا تعاني من أيّ مرض خطير ولا مستديم، بينما هو لديه بضع إصابات جسدية يفترض بها أن تعيق حركته، لكنه يقاومها. لم تكوِ له قميصا، ولم تعدّ له طبقاً بالطريقة التي يحبّها، ولم تشترِ له شيئا لأنها تذكّرت أنّه يشتهيه. أبدا، لم تقل له يوما: الله يرزقك! الله يسلّم إيديك! والحجّة الحاضرة دائماً: أنّه عدوّ الكلمة الطيبة وعدوّ الجمال.

هذا نموذج، وذلك نموذج. وبينهما يحضرني الحديث الشريف: “يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ” رواه البخاري.
والحقّ يُقال، لم أكن أقف عند فكرة (كفر العشير) هذه كثيرا، حتى استجدّتْ أشياء قبل بضعة أشهر، جعلتْني أعيد النظر والتفكير: علاقة جارتي بزوجها، علاقة هذه المرأة بزوجها، وعلاقة بعض الأقارب الذين مررتُ بهم في الصيف بأزواجهم. كلّ هذه مجتمعة جعلتْني أقف وأفكّر: كيف يحدث هذا الكفر؟، ” لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطّ”، ولكنّها ليستْ الطريقة الوحيدة، فالكثيرات لا يقلن هذا، ولكن..
أليس التشنيع على الزوج من كفر العِشرة؟ أليس البخل بالشكر، والدعاء له من كفر العشرة؟، لا علاقة لهذا للنقاش في قضيّة معيّنة، أو حالة من الزعل أو شعور عابر بالإرهاق أو الضيق، أو التنازل عن الحقوق أو أداء الواجبات، هذه ليستْ (العِشرة). تصليح الباب المكسور منذ عام، والجوارب الوسخة التي تجلس في أفضل مكان في غرفة الجلوس، والطعام الذي يبقى على المائدة لليوم التالي لو كنتِ متعبة وذهبتِ للنوم قبله، والغسيل الذي يتراكم ولا يفكّر يوماً أن يغسله بدلا منكِ لو كنتِ متعبة، والقمامة التي بقيتْ وراء الباب ولم يُخرجها، هذا ليس سوء عِشرة منه، بل هو سوء تصرّف منكِ لأنّكِ لم تطلبي ذلك بوضوح وأسلوب جيّد.
عشرته لك أنّه يذهب لتحصيل المال كلّ يوم، قلتُ لزوجي: لا أعرف فعلا كيف تطيق عملك، لو أنّي سأرى نفس الأشخاص لثماني ساعات يوميّا طيلة أعوام، لجننت! لو أنّي سأجلس على الكرسي أربع ساعات متواصلة أتحادث مع الحاسوب لطقّ عقلي حرفيا!. اليس هذا مجهودا يستحقّ الشكر عليه؟ يستحقّ أن يجد لو مرّة في الأسبوع، وجبة يحبّها دون أن يطلبها؟ قمصانا مكويّة لأنّك لا تقبلين أن يخرج بمظهر رديء؟ حذاءً نظيفاً؟ معطفاً معطّرا بدلا من الروائح المختلفة التي تفوح منه؟. ألا يستحقّ كلمة: يعطيك العافية، عند رجوعكم من مشوار ولو كان هذا مشوار تسوّق أغراض البيت؟ أنا أقود السيارة منذ عام ونصف، وأعرف أنّ القيادة أمر مزعج وخالٍ من المتعة، خصوصا إن كان مشوارا ضروريا، سأحبّ أن يشكرني أبنائي على توصيلهم، ولن يتعلّموا ذلك إذا لم أفعل ذلك مع أبيهم.
ألا يستحق هذا الرجل تذكّره بكلمة، أو صورة، أو تسجيلٍ صوتيّ على الواتس أب، تسألينه فيه عن أخباره مع (الملل) أثناء الدوام؟ نكتة ما؟ سؤال عن صداعه هل زال أم لا؟
لا شيء من هذه الأعمال يذهب بلا معنى، لأنّ الرجل الحقيقيّ، يردّ لكِ الجميل فورا. تتذكّرينه بمكالمة، فيأتي في اليوم نفسه وقد أحضر لكِ شيئا يعرف أنّكِ تحبّينه. لا علاقة لهذا بالباب المكسور منذ عام، فلا تخلطي الأمور ببعضها.

قبل أن تلوميه وتشنّعي عليه، تذكّري:
أوّلا، هذا الرجل الذي تصنعينه أنتِ بتعاملكِ اليوم، هو الذي سيبقى معكِ ثلاثين أو أربعين عاماً قادمة.
ثانيا، الحقوق والواجبات معروفة ويمكن التفاهم عليها بوضوح، ولا علاقة لها بأفعال الوِدّ والبرّ والمحبّة.
ثالثا، وأخيرا.. إذا كانت الابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، على الغرباء، ولم نسمع عن إحسان وُضع لكريم فردّه بإساءة، فكيف بأجر هذه الصدقة على زوجك؟ وهل تزوّجتِ لئيماً؟


لا رغبات | قراءة في رواية: لائحة رغباتي.

وعلى قائمة رغباتي، تربّعت أمنية أن أجد الوقت الكافي لكتابة هذا التقرير عن (لائحة رغباتي)!، وكما تعلمون وأعلم، المال لا يشتري الوقت، وهذا ليس أسوأ ما فيه. لكن.. لنعُد للبداية..
….
على صفحة صديقة جميلة، أجد تقريراً عن رواية بسيطة عنوانها: لائحة رغباتي. أبحث عنها بعد أسبوعين تقريبا وأبدأ بالقراءة وأتوقف، أنساها. أعود أمس بعد مضي عشرة أيام لأكملها خلال ساعتين. الرواية قصيرة وكنتُ أعرف أنّ الشخصية الأساسية امرأة، لكنّي لم أنتبه بداية أنّ الكاتب رجل! حتى إذ أنهيتُها.. أصابتني الدهشة مرّة أخرى: كيف يمكن لرجل أن يستشفّ هذا الكمّ الهائل من المشاعر التي تعتمل في نفس امرأة ويستطيع وصفها؟!

بكيتُ وأنا أقرأ بعض الصفحات في الرواية، ولكن المقاطع التي بكيتُ عندها لم تكن متعلّقة بالحدث الأساسيّ، بل بالعلاقة بالأمّ والأبّ.
مشاعر المراهِقة التي سقطتْ أمّها في الشارع ميّتة فجأة، أفزعني تخيّل المشهد. يفزعني التفكير في الموقف، أنّ أمّي لن تكون هنا للأبد، في هذه الحياة.
بكيتُ عند المقاطع التي تصف الدقائق الستّ التي يستعيد فيها أبوها وعيه وذاكرته، في كلّ مرّة كان يسألها من أنتِ؟ وكانت تعيد كلّ شيء من البداية، ويسألها عن أمّها، فتخبره أنّها ذهبتْ للسوق وستعود قريبا. وينسى أنّ زوجته ماتت وأنه أصيب بجلطة دماغية بعد وفاتها بعام، وفقد ذاكرته.

الحقيقة التي تسردها هذه الرواية، حقيقة أعرفها مذ وعيت: المال القليل مثل الكثير، الواحد مثل المليون، لا قيمة له، القيمة في الحاجة إلى الغرض الذي سيشتريه المال. ومعظم الأشياء في حياتنا لا تُشترى بل تُكتسب. الحقيقة أنّي لا أفهم لماذا يتمنّى الناس الحصول على الأموال الطائلة، ماذا سأفعل بكلّ هذا المال لو حصلتُ عليه؟ سأشتري وسأبتاع وسأمتلك.. ثمّ؟ ما هو الإنجاز في ذلك؟ لا شيء. ماذا سأفعل بقصر كبير فيه ألف غرفة؟ لا شيء. هذه قناعتي منذ زمن طويل، المال يأتي لسبب، ولا بدّ أن يذهب في هذا السبب.

قبل قراءتي الرواية شاهدتُ مقطع فيديو قصير أرسلتْه أمّي على الواتس أب، يقول تماما هذا الكلام: لماذا سأشتري هاتفا أفضل وهاتفي يؤدّي الغرض الذي أريده؟ 70% من الأشياء التي في الهاتف لا تلزمني ولا أستخدمها. وقِس على هذه السبعين بالمئة البيت الكبير، والسيارة الجديدة، والمال الكثير. وأضيف من عندي للنساء خاصة: أواني المطبخ! والأحذية!! والحقائب!!!

منذ سبعة أعوام تقريباً، اتخذتُ أسلوباً في حياتي مفاده: كلّما ابتعتُ غرضا جديدا لا بدّ من شرطين: أن يكون لحاجة، وأن أُخرج بدلا منه غرضاً قديما (أي لم أعد أستخدمه وليس مهترئا)، أو صدقة. والبعض رأى في هذا الأسلوب مبالغة، لكنّي ما زلتُ أمشي بنفس الطريقة حتى مع بناتي: لعبة جديدة مقابل لعبة تُهدى لطفل آخر، هاتف جديد لي لأنّ هاتفي تعطّل؟ سأستخدمه حتى يتعطّل. حاسوبي المحمول عمره عشرة أعوام بالتمام، من عمر صفية، كلّما قرّر مجاهد شراء واحد جديد لي، أثنيتُه عن ذلك بكلمة: لسّه شغّال وعين الله عليه. هكذا، تجد أنّ لديكَ مالا لا يلزمكَ، وحينها تفكّر في شيء إيجابيّ تفعله بهذا المال، والإيجابيّة غالبا تشمل غيرك.

لكنّ الأمور ليست كذلك عند كثيرين، فالمال كما تقول الرواية: يغيّر النفوس، ويخرج أبشع ما فيها. يبقى المتحكّم في الأمر هو الأخلاق، والأخلاق لا وجود لها بلا دين، بغضّ النظر عن كُنه هذا الدين، إلا أنّ مبدأ المثوبة والعقوبة الإلهيّة هو في الحقيقة مصدر هذه الأخلاق. لذلك حين يظهر الجشع، والطمع، والسرقة.. يبدو جليّاً غياب الإله عن النفس.

هذا ما حدث لـ (جو) زوج (جوسلين) التي ربحت بطاقة اليانصيب ذات الرصيد الذي يفوق ثمانية عشر مليون يورو! وفي حين يصف الكاتب أنّ وفاة طفلهما الثالث في بطن أمّه قبيل ولادته، كان نقطة فاصلة هدمت أشياء كثيرة في زواجهما، أجد أنّ الأمر مبالغ فيه. فلا أعتقد أبداً أنّ أبا لديه بالفعل صبي وبنت سليمين، وحملتْ زوجته حملا غير مخطط له، ثم مات هذا الطفل بعد اكتماله، سيصبح شخصا عنيفا تجاه زوجته بسبب إحباطه! من الواضح أنّه كان يريد أن يتخلّص منها، وأرادها أن تموت مع الطفل! ولو كان شخصا متديّنا بأيّ دين، لديه إله في نفسه.. لتجاوز هذه المحنة. ولن أقول لو كان يحبّ زوجته حقا، فالحبّ علاقة معقّدة، تحتمل الجرح والتطبيب، والكسر والجبر. لكنّها لا تحتمل القطع أو القتل.

أحببتُ المقطع الذي تصف فيه جوسلين زوجها في إغفاءته وهو مصاب بانفلونزا الخنازير، وتقارنه بأجمل رجل في العالم، وأكثرهم في كل شيء، وأنها لا يمكن أن تتخلى عن جو لأجله، (لأن جو يحتاجني والمرأة تحتاج أن يحتاجها أحد ما. أجمل من في العالم لا يحتاج إلى شيء ما دام لديه كلّ العالم).

وعندما ذهبتْ جوسلين لاستلام الشيك الذي يحمل جائزتها، جلستْ معها أخصائية نفسية، وراحتْ تكلّمها عن مساوئ الحصول على هذا المبلغ الكبير من المال: (المال يسبب الجنون يا سيدة غيربيت، إنه أساس أربع جرائم من كلّ خمس، وسبب حالة اكتئاب من كلّ اثنتين! هل لديكِ أطفال؟ حسنا، لن يعودوا يروك كأم فقط، وإنما كأم غنية. وزوجك، سيدلّلك كثيرا، هذا السيناريو مكتوب منذ زمن طويل، الطمع يشعل كل شيء في طريقه..)

بعد حصولها على المبلغ، تخرج متّجهة إلى أغلى متاجر المدينة، تدلفها بحقيبتها القديمة ومعطفها شبه المهترئ، وتجد ممثلة شهيرة خارجة من المتجر وهي تحمل حقائب ممتلئة، تكلّم نفسها: (أنا أيضا يمكنني إفراغ متجر شانيل، واستئجار ليموزين وسائق، لكن لماذا قد أفعل؟ ما رأيتُه من وِحدة على وجه هذه الممثلة أرعبني).

جوسلين صاحبة متجر بيع مستلزمات الخياطة، التي أنشأتْ مدوّنة الاصابع الذهبية العشر، تتجّه الآن بمالها إلى محلّ أقمشة، وتشتري أشياء لمحلّها في بلدتها الصغيرة، تقول أخيرا وهي تخرج: (تكلّف السعادة أقلّ من أربعين يورو).

وعندما رجعتْ ولم تخبر أحدا أنها ربحتْ، (دخلتْ زبونة وسألتها عن حال زوجها وهل تحسّن من المرض، كانتْ من أصدقاء المدوّنة، وفجأة بدأتْ بالبكاء وهي تخبرها أنّ ابنتها الكبيرة في المشفى مصابة بذات الداء، وعلى وشك الموت. كل هذه الملايين التي معي لم تكن لتنفعها شيئا أو تنقذ ابنتها).

هذا الجملة التي قالتْها جوسلين لنفسها، وجدتُها أكثر من مبكية: (أعلم أنّ المرء لا يدلّل أبدا والديه بما يكفي، وأنّه حين يعي ذلك.. يكون الأوان قد فات).

ترسل إليها ابنتها التي تعمل في صناعة الأفلام في لندن، فِلما قصيرا بطول دقيقة من تنفيذها: (نشاهد امرأة عجوزا على رصيف، في محطة فكتوريا، شعرها أشيب، نزلت من قطار، تمشي بضع خطوات، ثم تضع حقيبتها الصقيلة جدا، تنظر حولها، يطوّقها الحشد كما يطوّق الماء حصاة، وبعد ذلك تجد نفسها وحيدة فجأة، وفي غاية الضآلة، ومنسيّة. إنّها صورة حقيقة، هزيمة مألوفة، عن ألم الهجر والفقدان والخوف والموت).

جوسلين لديها جسم امرأة قاربت الخمسين وحملتْ ثلاث مرّات، جسم عاديّ يميل للبدانة، ومذ حصلتْ على الشيك الذي لم تصرفه، بدأتْ تفقد شهيّتها للطعام، كانتْ تفكّر كيف ستخبر الآخرين، تفكّر في كلام الأخصائية، وهكذا بدأتْ تفقد وزنها، وتقف أمام المرآة تطالع تغييرات جسدها: (لو كنتُ ثريّة لوجدتُه قبيحا، ولرغبتُ في ترميم كلّ شيء فيه، تكبير وشدّ وجراحة تجميلية و.. أن يكون المرء غنيا، يعني أن يرى كل ما هو قبيح، لأنّه يظنّ أن بقدوره تغيير الأمور. وأنه يكفيه أن يدفع المال ليقوم بذلك. لكني لستُ ثرية، أنا فقط أمتلك شيكا بقيمة 18 مليون يورو، مطويّا ومخبّأ في عقب حذاء قديم. لديّ فقط إغراء، إغراء بحياة أخرى ممكنة، منزل جديد، تلفاز جديد، أشياء جديدة.. لكن بعد ذلك، لا شيء مختلف).

أثناء وصفها للإهانات التي تلقّتها من زوجها بعد وفاة الطفلة، وكيف كان يصرخ فيها أنّ بدانتها خنقتْ ابنتها في بطنها! تقول: (كانت سنة سوداء، كنت أنهض في الليل لأبكي في غرفة ابنتي نادين، لم أكن أريده أن يسمعني وأن يرى الألم الذي يسببه لي، لم أكن أرغب بهذا الخزي. النساء وحيدات دائما في أذى الرجال). وأجد كلامها صحيحا تماما، حين يكون هذا الأذى النفسيّ من الزوج، فإنّ الزوجة تنزع إلى إخفاء هذا عنه، لا تحبّ أن يراها مكسورة، ولو كان هذا بسببه وعمل يده! ألم أقل بداية إنّ الحبّ معقّد؟

وتقول في فلسفة التملّك: (الأشياء الصغيرة التافهة التي سنشتريها في الأسبوع القادم، هي ما يدفعنا للتفكير بالمستقبل ويبعث فينا الرغبة للحياة حتى الأسبوع القادم. لذلك يتفاخر المرء بمشترياته، يبرمج الأماكن التي سيزورها، يملأ الخزائن ببطء، والأدراج، يمضي حياته يملأ المنزل، وحين يغصّ، يكسر الأشياء كي يستطيع استبدالها، كي يغدو لديه شيء ما للعمل في اليوم التالي. ويذهب حتى إلى تحطيم زواجه كي يُلقي بنفسه في قصة أخرى، ومستقبل آخر، ومنزل آخر. وحياة أخرى عليه أن يملأها). وهذا ما حدث حين سرق زوجها الشيك الذي اكتشفه صدفة وهو يصلح رفّ خزانة الأحذية، وصرفه باسمه، واختفى من حياتها!

بعد الصدمة: (كنتُ أحبّ حياتي البسيطة مع جو بعمق، وعرفتُ من الوهلة الأولى التي ربحتُ فيها هذه النقود أنها ستفسدها، وفي سبيل ماذا؟ منزل أكبر وأفخم؟ سيّارة حديثة؟ ساعة ذهبية؟ لا ، كنتُ أحظى بما لا يمكن للنقود أن تشتريه، لكنّه دُمّر تماما: السعادة! سعادتي على أية حال، هي سعادتي أنا. بأخطائها وتفاهاتها وصغائرها، لكنها سعادتي أنا. فريدة من نوعها. لذلك كنت قد اتخذت قراري بعد عودتي من باريس ببضعة أيام أنّي سأحرق الشيك. لكنّ الرجل الذي كنتُ أحبّه سرقها).

وبعد سنة صرف فيها ثلاثة ملايين، أصيب بالاكتئاب والجنون، ومات وحيدا في منزل فخم واسع، واتصل الجيران بالشرطة حين فاحت رائحة جثّته. وقد أرسل لها بقيّة المبلغ قبل وفاته كاستغفار أخير.

بعد الصدمة التي تعرّضتْ لها، ابتاعت فيلا مطلة على البحر وأخذت والدها للعيش معها، وظّفتْ له ممرضة، وكانتْ تجلس معه كلّ يوم، وبدلا من أن تحاول تذكيره من هي، كانتْ تكتفي بأن تقول إنها ابنته، ثمّ تخبره كم كان عظيما وتحكي عن الاكتشافات والجوائز التي حقّقها وحازها، كانتْ كلّها أكاذيب، لكنّه كان سعيدا جدا، وبأيّة حال.. كان ينساها بعد ستّ دقائق! أعجبني هذا الأسلوب، لتفهم أنّ هذا الشخص لم يعد يعيش في عالمك، عليك أن تذهب معه إلى عالمه. لا شيء يضرّ، طالما هو سعيد.

يقول الكاتب في الخاتمة: (السؤال الذي طرحته على نفسي هو كيف تصرّفتُ لأصل إلى هذه النقطة في الكتاب ولأغدو أكثر قربا من النساء وأفهمهن على أحسن وجه؟ إنه الحنين. كتبتُ هذا الكتاب لأني أحن إلى أمي، ومع أنها لم تكن قط بائعة في حانوت أدوات خياطة، لكنها كانت تحيك. كنتُ أحنّ إلى كلماتها ونظرتها للأشياء، فاختلقتُ جوسلين. والجواب موجود أيضا في لطف روح النساء اللاتي يعشن معي، زوجتي وبناتي الثلاث).

أمّا اقتباسي الأخير والمفضّل، فهو من المشهد الذي تجلس فيه جوسلين على شرفة منزلها، وبجانبها الرجل الذي صادفها قبل سبع سنوات في فترة النقاهة على شاطئ البحر، وعرفها بمجرّد أن اتصلت به بعد فرار زوجها بالمال، هذا الرجل يحبّها وانتظرها طويلا، وسيحبّها أبداً كما يبدو، لكنّها تقول:
(أغنّي لنفسي، بصمت:

أين ذهبت اللحظات الجميلة
لحظات الحنان والمتعة؟
أين العهود؟ ولماذا تغير كل شيء بالنسبة لي
إلى الدموع والألم؟
ولماذا ذكراهم لم تغادر قلبي؟

أغنّي ووجهي ملتفت نحو البحر المظلم. إنّني محبوبة، لكنّي لم أعد أُحِبّ).

إنّ الحبّ الذي يعيش سنوات في قلب امرأة تجاه زوجها ويغتاله هذا الرجل فجأة، لا تذهب جريمته بالحبّ وحده، بل بقلبها كلّه.
—-
* ملاحظة: ترجمة الرواية حرفية سيّئة، ومضلِّلة في كثير من المقاطع. عدّلتُ كثيرا في صياغة الاقتباسات.

24.10.2019