حالة خاصة

صحوتُ من القيلولة التي امتدّت رغما عنّي إلى ساعة ونصف الساعة، منزعجة من حرّ سبتمبر الغريب، ورأسي مثقل بأصواتِ الشارع.
نزلتُ مباشرة إلى المطبخ، وحين بدأتُ تجهيز الغداء، كنتُ أسمع من النافذة المفتوحة صوت ابن جيراننا من البناية المقابلة، التي يفصلنا عنها ممشى وصفّ من الأشجار يجعل الرؤية متعذّرة، لكنه لا يمنع وصول الأصوات.
ولعلّ ارتفاع درجات الحرارة وتمدّد فترة الصيف هذا العام، جعلتْ الأطفال أكثر حظّاً باللعب في الخارج لفترات أطول، فصرنا نسمع أصواتهم أكثر.
لكنّ زوجي أيضا لم ينتبه لصوت هذا الطفل إلا هذا العام. قلتُ له: لديهم طفل بحالة خاصة.
– كيف عرفتِ؟
* من صوته. وهناك طفل وطفلة غيره، يلعبان ويتكلّمان بشكل طبيعي، أمّا هو فلديه إعاقة، على الأغلب ذهنيّة وليست كلامية فقط.
– هل رأيتهم؟
* لا..
(ساخرا بعض الشيء): – إي.. وكيف عرفتِ كلّ هذا؟
رددتُ بهدوء وغصّة: من الصوت.. طريقة الأصوات التي يتفاعل بها مع إخوته.
….
أن يكون في عائلتك شخص (مختلف/معاق) يعني أن تكون أنتَ مختلفاً أيضا. لا يمكن أن تكون عائلتك مثل بقية العائلات. إنّكَ تقضي وقتاً أطول في القراءة والبحث، وتسمع أسماء المستشفيات والأدوية أكثر ممّا تسمع أسماء الأكلات والمطاعم، وتبدأ في ملاحظة كلّ شيء وتسأل عن كلّ حالة مشابهة.

في طفولتنا المبكّرة كان ابن خالتي رحمه الله مصاباً بإعاقة من نوع خاص، ربّما كان لها اسمٌ في الطبّ، لكن بأيّة حال لم يكن لدى الأطبّاء أيّة علاجات نافعة، ولا اقتراحات مجدية، ولا حتى يمكنهم طرح أسباب لما حدث معه. ولكنّهم لتسهيل الأمر يختصرونه بقولهم: ضمور في الدماغ. يحدث أن ينمو الجسم دون الدماغ، ويدمّر هذا كلّ الوظائف الجسدية وليس الوعي فقط، فدماغ طفل في الشهر الرابع من العمر لا يمكنه أن يحرّك عضلات المشي، أو المضغ مثلا. تتمدّد العظام وتنطوي على بعضها من قلّة الحركة، لا توجد عضلات تقريبا، ولا يوجد الكثير من التفاعل مع المحيط الخارجي. مع الوقت.. يصبح كلّ شيءٍ عبئاً على هذا الجسد الضعيف، حتى الأنفاس، وتحدث الوفاة.
هذا الوصف الطبي للحالة بلا تعقيدات المسمّيات التي لا تفيد في شيء. بعض الأطباء يكونون صريحين بقولهم: إنّه فعلا في أفضل حالة ممكنة بالنسبة لما لديه. وبعضهم يريد أن يستنزف جيوب الأهالي بآمال كاذبة.

وُلِد ابن أخي بحالة مشابهة جدا، قبل عشرين عامٍ وأكثر. هذه المرّة تغيّرتْ تحليلات الأطبّاء، فالزمن تطوّر، البعض قال إنّ لزواج الأقارب يداً في الأمر، آخرون نفوا ذلك، ورأوا أنّ العلّة تكمن في آثار حرب العراق على الكويت، التي أدّتْ لتسميم الأكل والهواء في الخليج العربي، وبحسب كلامهم، فإنّ كمية الانبعاثات السامّة بمختلف أشكالها الناجمة عن تلك الحرب، ستؤدّي لطفرات في الأجنّة التي تعيش في المنطقة لعشر سنين قادمة أو أكثر! وأيّاً كان السبب، فقد كانتْ المشافي ممتلئة بحالات مختلفة كلّها (خاصّة)، لكنّها تبقى (حالات) حبيسة أروقة المشافي أو البيوت، لأنّ مجتمعنا (يخاف) من الغريب الذي لا يعرف ما هو، وينقلب الخوف إلى نفور وسريعاً إلى عِداء، وهذا الذي فهمتُه متأخّراً جدّاً.
كنتُ أعرف شخصاً مصابا (بالتوحّد)، لنقل إنه كان صديق طفولة، وفي تلك الأيام، كانت مصادر المعلومات تعتمد على الأطباء أو القراءة بشكل أساسي، أو أهل الطفل. وبرأيي، فإنّ هذا كان أمراً إيجابيًا، فالأهل غالبا كانوا ملمّين بوضع ابنهم، قادرين على شرحه للمهتمّين، الذين كانوا قلة دائما.

بعد تخرّجي من الثانوية، وفي طريق عودتنا من سورية، اقترح أخي أن أعود معهم بسيارته عن طريق جولة في لبنان والأردن، أخي الأكبر وأنا الأخت الوحيدة، وزوجة أخي هي ابنة خالي، ومعه أربعة أطفال، كانتْ رحلة موفقة جدّا، وما زلت أحتفظ بذكرياتها وصورها السعيدة لليوم، لكن الذكرى التي لا تفارقني أبدا:
أنّ أصغر أبناء أخي كان في عمر عامين تقريبا، وأخوه في عمر أربعة أو خمسة، وكلاهما بحاجة عربة أطفال. كانت العربة مخصّصة (لفيصل) معظم الوقت لأنّه غير قادر على الحركة، أما الأصغر، فأحيانا يحمله أخي، وأحيانا يسير، وأحيانا نحمله نحن. ولم أكن في ذلك الوقت أنتبه لشيء أعتبره عاديا: ابن أخي لديه حالة خاصة، انتهى.
لا شيء يحتاج شرحاً هنا. حتى كان اليوم الذي دخلنا فيه إلى مطعم أمريكي للوجبات السريعة في بيروت، كان الوقت مساء، متعبين من التجوال، والمطعم مزدحم.
أسرع النادل لتهيئة مكان بعدد كافٍ من الكراسي، وقد عرّفنا بنفسه، كان اسمه (جورج)، ناعم الملامح لا يجاوز عمره العشرين، لطيف الابتسامة، نحيلا معتدل الطول، أذكره رغم مرور سنوات، لأنّ عادة التعريف هذه كانت طارئة عليّ، ولأنّ الاسم كان مسيحيّاً، ولم تكن معاملة المسيحيين لنا في لبنان جيّدة في تلك الإجازة، خصوصا حين يرون عباءاتنا السوداء ثمّ يسمعون لهجتنا السورية.
ثمّ -كما العادة- جاء بكرسيّ أطفال للصغير، فجلس (عمر) فيه، ثمّ أراد أن يجلب كرسيّاً آخر لما رأى (فيصل) في عربة الأطفال، فابتسم له أخي وزوجته، وقالوا له بلطف: لا معلش.. هو بيبقى فيها. فذهب، وعاد بلوائح الطعام، ومعه بالونان مليئان بغاز الهيليوم كل منهما مربوط بشريطة ملونة جميلة، ومال على (عمر) يكلّمه ويمازحه حتى أخذ منه أوّل بالون بسعادة، ثمّ اتجه إلى (فيصل) في عربته وقرفص بجواره، وراح يكلّمه، ونحن نراقبه بصمت، كان يسأله إذا كان يريد البالون الأحمر، هل ضايقه اللون فيحضر له آخر؟ وكان ابن أخي ينظر إليه بطريقته الخاصّة تلك النظرة التي نفهمها نحن: مَن هذا الصوت الغريب الذي يكلّمني وأسمعه لأول مرة؟ فهو يميّز الأصوات أكثر من الصور، وما زال يعرفنا من أصواتنا. ولما حاول جورج أن يناوله البالون في يده، رأى أصابعه المنكمشة بتلك الطريقة المميّزة، وفهم دون عناء أنه لن يفتحها، فقال بهدوء وابتسامته لم تفارقه: طيب ح أربطلك اياه هون.. وعقد نهاية الحبل بمسند الذراع الخاص بالعربة ومضى ليأخذ طلباتنا، وهذا كلّ شيء!

كلّ هذه الأعوام التي مرّتْ، لم أرَ أيّ إنسان غريب يرى (فيصل) ويتصرّف معه بشكل طبيعيّ، سوى ذلك النادل. والطبيعيّ لا يُقصد به أبداً، أن ترى إنساناً كفيفاً فتجبره على أن يسير وحده دون مساعدة، بدعوى أنّكَ لا تريد إظهار الشفقة فتجرح مشاعره! بل الطبيعيّ أن تعامله بمستوى قدراته، وهذا أمر صعب ويحتاج مِراناً وتدريباً.

في هذا المجتمع، لا يتدخّل أحد في أحد أبدا، إلى حدّ السلبية. وفي مجتمعنا العربيّ، يتدخّلون بشكل مقزّز. كم مرّة كان على أهل طفلٍ أن يتجنّبوا نظرات الناس وأسئلتهم، بل وأعجب من عدائيّة الأطفال تجاه طفلٍ مختلف! لا بدّ أنّ مبعث هذا العداء خوفاً، سببه حماقة الأهل. وكأنّنا ما زلنا نعيش في ذلك الزمن الذي كان في الناس يظنّون أنّ (البُهاق) مرضٌ معدٍ يتسبّب به البُرص! لم يتغيّر شيء.

نحن أيضاً تعرّضنا لمواقف كثيرة متعبة، تركتْ ندوبها فينا، لأنّ ابنتنا كانت وما زالت (مختلفة) عن المعايير. ولو أنّها كانت مشاغبة أو عدائيّة، لما وجدنا هذا الكمّ الهائل من الضغط النفسي والمجتمعي علينا، بل العكس! نجد المجتمع يبرّر للطفل المشاكس أفعاله المؤذية له وللغير، ويرتعب من الطفل المنغلق على ذاته.
وكما أنّي ما زلتُ أذكر التصرّف الإنسانيّ الإيجابيّ لذلك النادل، فأنا أيضاً لا أستطيع أن أنسى التصرّف السلبيّ من شخصٍ ليستْ له أية علاقة مباشرة بابنتي، وحين رآها وهي ابنة خمسة أعوام تصرخ في نوبة من نوباتها، قال بحدّة وتوبيخ: هي البنت لازمها إعادة تربية!
ومن طلب رأيك؟!

في صفّ ابنتي (سمية)، الصف الثاني الابتدائي، طفل متوحّد، زميلهم من العام الماضي، وطفلة من أطفال متلازمة داون، جاءت حديثا هذا العام. وفي الحالتين، لم أعرف من ابنتي أيّ شيء مختلف عن هذين الطفلين، حتى التقينا المعلّمة وحكتْ عنهما وعن سعادتها بتعامل الطلاب مع زميليهما، والتفهّم الذي يدلّ على حسن تربية الأهل ووعيهم، وشكرت الجميع كثيرا.
سمية مثل غيرها من الأطفال، لا يفهمون أكثر مما يحتاجون حقّاً: على أحدنا أن يبقى مع (نواه) في الصف لأنّه لا يلعب في الخارج معنا وقت الاستراحة، فالأصوات تزعجه. ويحدث أحيانا أن يغضب فجأة بدون سبب ويبدأ في بعثرة الأشياء والصراخ، ولكننا نتعاون لترتيب كل شيء لاحقا. أما (قمر) فهي لطيفة جدا، لكن لا نفهم معظم كلامها، ما زالت تتعلم، وهي تلعب مع الجميع، فقط لا تقدر أن تركض.

لا أحد يحسّ بالأهل الذين يحترقون على طفلهم المختلف، وبسبب ردود أفعال مثل تلك، يزدادون انغلاقا، ويخسر أطفالهم فرصة الحياة بشكل طبيعيّ بالنسبة لهم. لقد عرفتُ بمرور الوقت قصص أمّهات من صديقاتي، تمنّيتُ لو تشاركناها من البداية، لنخفّف عن بعضنا. لكن نظرة المجتمع الغبيّة، جعلتْ كلّ واحدة تظنّ الخطأ والعلّة منها، وتنغلق على نفسها وتحاول أن (تعالج) طفلها وكأنّه مريض، بدلا من أن تحبّه وتتعلّم كيف تسعده وتسعد نفسها باختلافه.

في كلّ مرّة تعلو أصوات ابن جيراننا، أتذكّر ابن أخي، نفس الأصوات، طريقة التعبير الوحيدة، نبرة واحدة متواصلة، لا يفهمها إلا من يحبّه. وفي كلّ مرّة، أدعو للأهل بطول العمر، ليبقى في ظلّ محبّتهم، ولا يحتاج لمواجهة هذا العالم المتخلّف.

15.9.2020


محشي البطاطا !

تحفر البطاطا وهي نيّئة، ولا تحفر كثيرا بل تبقى سميكة، ثمّ تقلى سريعا من الخارج بقليل من الزيت، ثم تحشى باللحم المعدّ سابقاً مع الجزر والبصل والتوابل، ثمّ تقلى البطاطا التي خرجتْ من الحفر وتصفّ في الصينية مع بقيّة البطاطات، ويصبّ فوق هذا كلّه مرق البندورة المشبع بدبس الرمّان، وتوضع في الفرن لتستوي وتتحمّر.
أكلة صعبة الإعداد لكنّها شهيّة، تحتاج انتباهاً لكنّ النتيجة تستحقّ، تسبّب ألماً في مفصل اليد نتيجة عملية الحفر القاسية، لكنّه ألم مؤقّت يزول لاحقاً.

ماذا لو تجاوزنا أيّاً من هذه الخطوات، أو تغافلنا عن قلي البطاطا قبل حشيها، أو تركناها في الفرن أكثر من اللازم، أو كانت الصلصة كثيرة الماء؟ سيحدث ببساطة أن يخرج طبق مخبوص لا مظهر له، ولا يشجّع على الأكل. وقد تتحوّل كلمة (البطاطا الطيبة) من فم الأطفال إلى (شكلها مقرف!).

هذا ما حدث تماماً، في أنفسنا.
حين استيقظتُ صباحاً، كان رأسي مثقل بالهمّ وشعور الحزن يضغط على نفسي، ولما ذهبتْ البنات للمدرسة، سألتُ زوجي عن ذلك المسلسل الكرتونيّ، أخبرتُه أنّي لم أنم الليل جيّداً من كثرة التفكير، واتّفقنا على منع مشاهدة البنات لأيّ شيء إلا بصحبة واحد منّا. والحقيقة إنّ هذا الاتفاق كان موجوداً أصلا ولكن بشكل جزئيّ: فالتلفاز في منتصف البيت ويمكن للجميع أن يرى ويسمع ما يعرض عليه، ولا توجد أجهزة ثانية يمكن استخدامها بالنسبة للأطفال، والتلفاز ممنوع في أيام الدراسة، ومسموح لفترات محددة في نهاية الأسبوع، ونحن لم نكتشف علّة المسلسل الذي تتابعه البنات إلا بجلوسنا معهم في الغرفة، وتركيزنا معه، لنعرف بعد القراءة والبحث، أنّ المسلسل بأجزائه الستّة يحوي شخصيّتان شاذّتان جنسيّاً: إحداهما من البداية، ذكر مع ذكر، والثانية هي الأساس، أنثى تحوّلتْ من حبّ صديقها لحبّ صديقتها! هذا الشرح والتفصيل وجدتُه بالإنجليزية على صفحة تهتمّ بالمحتوى الإعلامي الداعم للشواذ وتشجّعه.

ثمّ ذهبتُ لأعدّ طعام الغداء، ورأيتُ البطاطا، وتذكّرتُ ابن صديقتي الذي طلبها منّي فشجّعني لعملها لأوّل مرّة، وقرّرتُ أن أعدّها. وحين جلستُ لتقشيرها، أدرتُ التلفاز لمشاهدة الأخبار من القناة الوحيدة التي تنطق بالعربية على تلفازنا، فنحن لا نملك جهاز القنوات الفضائيّة (والحمد لله!). وكان أوّل ما طالعني، أخبار (بيروت) في الصحف، وكلّ ما قيل عرفتُه عن طريق الإعلام الساخر على يوتيوب الذي صار أسرع من كل إعلام آخر. لكنّ هذا لم يمنع من تصاعد المرارة في المريء وأنا أسمع وأفكّر: كانتْ سوريّة كبيرة عليهم، وحين أرادوا أن يقتسموها قبل أن تفوتهم فوجئوا بصفعتين: نصفُ الشعب كانتْ المعاناة تخلق فيه مقاتلين، ولم يكن قد مات تماماً رغم حرصهم على تجهيزه للسحق على مدى عقود ماضية، وقائدٍ منصاعٍ لدولة أخرى قوية. وهكذا تفلّتَتْ الأمور من أيديهم، ودخلوا صراعاً أتمنّى ألا يخرجوا منه إلا خاسرين جميعاً لينجوا الشعب.
أما لبنان، فقد جهّزوها بطريقة ثانية: حشروا جيش سوريّة فيها، ثمّ أثاروا فيها حربًا طائفيّة، ثم سحبوا الجيش وأوقفوا الحرب وقسّموها سلطاتٍ متناحرة، تنخر في كيانها من الداخل كالدود، حتّى لم يبق ما تنخره.. فانهارت في انفجار الميناء، وتسابقوا.. كلٌّ يريد أن يشتري حصّته من الخردة ليبيعها لاحقاً بأفضل ثمن.

انتهيتُ من التقشير، وكانتْ صفيّة قد وصلت للبيت، بينما ذهب زوجي ليحضر سمية من المدرسة. طلبتْ أن تشاهد المسلسل السابق ذكره، فكان ردّي: أوّلا، اليوم مدرسة والتلفاز ممنوع لكم، ثانيا.. وشرحتُ لها ما قرّرناه أنا وأبوها، ثم شرحتُ بتفصيل أكثر معنى العلاقة الشاذّة، ولماذا لا يصحّ أن نشاهد مثل هذا.
في تلك الأثناء، كان القناة العربية قد بدأت بثّ وثائقيّ عن أفغانستان.
أعترف أنّي في الفترة الأخيرة صرتُ حسّاسة جدّاً تجاه أيّ شيء يتحدّث عن حقبة عايشتُها: أمّي ذهبتْ إلى هناك كصحفيّة لتغطية أحوال المخيّمات في بداية التسعينيات. وتقريباً، لا يخلو بيتٌ مسلم من شاب ذهب في تلك الفترة للقتال ضدّ الروس. وحين بدأتْ التفاصيل تتوالى على الشاشة، وأنا أحاول تبسيط بعض المعلومات لصفية، كان مشهد ذلك المجنّد الشاب الذي تحدّث عن قتال الفصائل بعد جلاء الروس: نحن مجرّد جنود، نفعل ما يأمرنا القادة به، وهم يتقاتلون.. لماذا يقاتل المسلم مسلما؟. يطرح هو التساؤل ولا يجيب عليه! أشرح لصفية ما قال، وأقول لها: هذا ما يفعله الجهل والضعف، أن أفعل ما يأمرني به القائد دون تفكير هل هو صحيح أم خطأ.
ربّما انتقلتْ عدوى الدموع من عينيّ وقتها لصفيّة، وهي ترى مناظر الأطفال الذين شوّهتهم الحرب، أو ماتوا جوعاً.
أمّا المشهد الذي صدمنا بغبائه، فهو أنّ قائد إحدى الفصائل، اكتسب قوّة وأتباعاً بأنّه وقف على ظهر شاحنة، وحمل عباءة مدّعيا أنها عباءة النبي صلى الله عليه وسلم! وكان المشهد المذهل هو كيف كان الرجال يتسابقون لرمي عمائمهم للتبرّك والتمسّح، وقد صار هذا القائد قدّيساً في نظرهم! قلتُ لابنتي: ألم يخطر في بال واحد منهم فقط أن يتساءل كيف حصل هذا الرجل على عباءة النبي؟!

كلّ هذا لحقه نقاش بيني وبين زوجي عن قضيّة الاعتراف بدولة الاحتلال، فوجئ بأنّ هنالك من الشعوب العربيّة من يرى إنّ فلسطين مجرّد دولة عادية، فقلتُ له: حين كنتُ في الجامعة، كانتْ البنات السعوديات يقلن لنا إنّ فلسطين قضية قومية لا تخصّنا، وهذا الجيل تربّى في نفس الزمان والمكان والإعلام، وفي جامعة إسلامية. فما بالك بالأجيال التي لم تلحق باب (الولاء والبراء) وكلّ ما يحدّد هوية المسلم في مناهج الدراسة؟ جيل التمييع.. والمياعة.

وحين جلسنا أخيرا إلى مائدة الغداء، فرحتُ لسعادة عائلتي بالطبق الذي أتعبني فعلا، وقد امتلأ قلبي بأحزان كثيرة متراكبة. وشعرتُ أنّ نفسيّة هذه الأجيال تشبه هذا المحشيّ، تحتاج أيدٍ تريد حقّاً أن ينجح، وإلا سنحصل على النتيجة السابقة: (شكله مقرف)!

وبأية حال، كنت أتمنى لو أتيحت لي الفرصة لاستخدام حفّارة المحشي.. في مواطن أُخرى!

22.8.2020


لماذا القصة

باسم الله..

مقدار الفائدة من المعلومة يرجع للمتلقّي، وليس للمعلومة ذاتها. تعال إلى بائع الفول الذي يقف على ناصية الشارع منذ سنوات، وأخبره أنّ بورصة الصين انهارت، سيرفع عينه إليك ويسألك: بدّك الفول بحمض إلا بطحينة؟. أمّا لو أخبرتَ صديقكَ الذي يضارب بالأسهم منذ سنوات أيضاً المعلومة ذاتها، فغالبا ستلبس ذنب إصابته بأزمة قلبية بقية حياتك!
وهذا طبيعي جدّاً، لذلك حين تتعجّب صديقاتي المقرّبات من طبيعة مصادري الثقافية، لا آخذ الأمر بشكل شخصيّ، بل أضحك غالبا.
تسألني صديقتي سوسن (وهي مثل أختي الكبيرة) كيف أنتقي الروايات التي أقرؤها، ومعظم قراءاتي (تسعون في المئة) هي روايات؟!. وقد كان من قبل أن واجهتُ أسئلة مثل ذلك. ومَن حولي من الصديقات يقرأن في كتب فكرية وإيمانية لا أهضم صفحتين منها، ولكتّاب معروفين بفكرهم لا يمكنني أن أسيغ أسلوبهم.
ربّما أنا ما زلتُ طفلة في داخلي لم أكبر، ولذا تكون قراءاتي في القصص، ومشاهداتي في الأفلام لأنها قصص مصوّرة!
وهنا سأجيب في عدّة نقاط وأحاول اختصارها، المحاولة التي ستكون فاشلة على الأغلب :) لأنّ الاستطراد يكون في معظم الأحيان ضرورة. Continue reading