السمكة الكبيرة

لا يمكنني إيجاد بداية منطقيّة لهذا الكلام، أو اختراع ترتيب له.
تأخّري في الغفو أمس لم يكن سببه الأفكار التي لا تهدأ وليست لديّ القدرة على كتابتها بسبب الإرهاق والتعب. ولم أكن أحشدها بغرض تذكّرها لاحقا خوفاً من فقدانها، لا يوجد شيء من هذا القبيل. فأفكار الكتّاب عبارة عن مقاطع من نصوص تتلو نفسها بصوتٍ عالٍ طيلة الوقت في عقولهم.
ما المشكلة إذا؟
هنالك فلم اسمه Big Fish. يكبر الابن الذي لا يحبّ أباه لأنّه يعتقد أنّه لا يخبره سوى أكاذيب، ويحاول إخفاء القصص الحقيقية في حياته. أمّا الأب الناجح في حياته المهنية والاجتماعية والعائلية، فيعتقد أنّ هنالك نسختان من كلّ قصّة: الواقعيّة المملّة، والممتعة التي يراها بعين الخيال.
فعليّاً لم يكذب الأب في أيّ من حكاياه على ابنه، فقط.. كان يستخدم أوصافاً وعباراتٍ (أدبيّة) خيالية. ليس ذنبه أنّ خيال ابنه -كطفل سليم- لم يكبر معه عندما كبر عمراً، فصار يرى (الخيال) أكاذيب، وصار يفتّش عن (الحقائق).
يقول الأب في الفلم إنّه قرأ مرّة عن سمكة: تكون صغيرة جدّاً حين تضعها في حوض أسماك، وكلّما نقلتها إلى حوض أكبر، ستكبر أكثر.
لكن لو طبّقنا هذا على خيالنا، نجد المعادلة معكوسة: فسمكتنا تولد كبيرة جداً، ونكون نحن صغارا جدا داخلها، كلما كبرنا، صغرتْ هي، حتى إذا توقّفنا عن النموّ، صارت ضئيلة جدّاً تائهة في الحوض الكبير.. الخيال تائه فينا، في عالم الكبار.
(النسخة الممتعة) من الحكاية.. أو من الأكاذيب. هل نكذب على أنفسنا بالخيال؟ أم أنّنا نهرب من واقع لا نحبّه؟. الطبيب النفسي يسمّيه فصاما، هذيانا. هل يمكن أن يصيبنا الخيال بالجنون؟

أذكر في بيت خالتي القديم، ورقَ جدرانٍ على الحائط يشكّل صورةً لشلّال في غابة. كانت الصورة كبيرة جدّا على ارتفاع وعرض الجدار، وكنتُ أجلس مع ابنة خالتي ونتخيّل أنّا دخلنا في الصورة، ولم نخرج من جدار المطبخ (الجهة الأخرى من الجدار)، بل سبحنا في ماء الشلال. وأنا أكتب هذا الآن، يمكنني أن أتذكّر شعور الانتعاش الذي كنّا نتخيّله، يمكنني أن أشمّ رائحة الأغصان الخضراء من الصورة، وكأنّي دخلتُها حقّاً.
هروب من الواقع؟ المدينة مليئة بالغابات هنا، لكن حتّى وأنا أمشي فيها، وعيي لا يمشي معي. فبينما يركض الرياضيّون في الممرّات المشجّرة بشكل تلقائيّ روتينيّ، أمشي وأنا أنتظر أن ألمح ذات الرداء الأحمر تتوارى خلف شجيرة ما.. وأفتّش عن الساعة في يد الأرنب البرّي الذي قفز جواري.
جنون؟ أعتقد أنّ هذه أنسب.

حين تحكي ابنتي عن خيالها، أتذكّر نفسي في عمرها. أخبرتهُا عن خيالي مرّة، فضحكتْ كثيراً، أعجبها ما حكيتُه ونسيتْ الأمر، فهي تعرف أنّه خيال. لكنّي لم أنسَ.
كنتُ في الثامنة أو التاسعة من عمري، مثلها الآن، وكنتُ (متأكّدة) مئة بالمئة، أنّي لو ركضتُ في الممرّ الطويل الذي تتوزّع فيه غرف النوم في بيت أهلي القديم، ثمّ قفزتُ بقوّة في الهواء قبل أن أصل آخره، سأعوم.. تماماً مثل السباحة في الماء، وسأرى طبقة رقيقة شفافّة تفصل طبقة الهواء التي أعوم فيها عن الهواء الذي يتنفّسه أهلي. وهم لن يرونني في السقف.. سأصير مخفيّة شفّافة مثل الهواء، وسأرى أشياء أخرى خفيّة طبعا تسبح مثلي. أذكر أنّي حلمتُ بذلك من كثرة ما تخيّلتُه، لكنّي لم أرَ أشياء تسبح معي.. رأيتُ أشخاصًا، أرواح أموات أعرفهم، وكانوا سعيدين أنّي صرتُ قادرة على (التواصل) معهم بهذه الطريقة السرّيّة.
حدث هذا منذ أكثر من عشرين سنة، لكنّي حتّى اليوم، أعتقد أنّي لو دخلتُ ذلك البيت القديم، وركضتُ الممرّ من أوّله، وقفزتُ قبل آخره.. سأعوم، ولن يراني أحد سوى تلك الأرواح. إنّ مجرّد كتابة الفكرة يجعلني أطفو وأحسّ بالخفّة.

لقد كبرتُ كثيراً، لكنّ (سمكتي) ما زالتْ أكبر منّي.
أخشى أن تبتلعني يوماً ما.


برميل الأسى!

قليلو البكاء..لا يقدرون غالبا على شرح أسباب دموعهم المفاجئة. يعتقد من حولهم أنهم يمرون بظرف سيء، أن حادثا وقع لهم، أنهم مرضى جسديا أو نفسيا.. يريحهم هذا الاعتقاد لأن هؤلاء الآخرين يبكون غالبا بشكل عاديّ مرتبط بأسباب منطقية واقعية للبكاء. وحين يلتقون بشخص من النوع الأول، يرتبكون من تماسكه في مواقف البكاء المعتادة، ثم يرتبكون أكثر من فيض دموعه التي تغرقهم في مواقف ليست مواقف أصلا.
أنا من النوع الأول.. هنالك ذلك البرميل من الأسى في داخلي، الذي أحاول منعه من الامتلاء بدلا من اختراع طريقة لتصريف ما بداخله باستمرار. وهذا البرميل حين يمتلئ رغما عني، سيطفح ويتكبكب، حتى أستجمع قوّتي..فأنحني وأدلقه دفعة واحدة.
برميل أساي ممتلئ منذ بضعة أسابيع.. يرشق يمنة ويسرة.
الرجل العجوز التائه الذي أوقفني في الشارع قبل يومين ليخبرني أنه لا يذكر أين ترك سيارته ويسألني عن العلامات التي يذكرها أين يمكن أن تكون..وأنا في طريقي لإعادة بناتي من المدرسة، سكب في برميلي دلوين فبكيت عندما غادرتُه. عبرت معه الإشارة وأرشدته قدر استطاعتي وهو لا يذكر اسم الشارع حتى..عرضت عليه أكثر لكنه رفض وشكرني جزيلا.
منشور في الفيسبوك أفاض عليّ أسى، يحكي قصّة شهيدة كانت تعمل في جمعية لرعاية الأيتام في حلب، أقرأ التفاصيل وأنا أدعو: يا رب ما تكون هي. يا رب ما تكون هي الأخت التي كلمتني قبل عام أو أكثر وتواصلت معي عدة مرات ثم أهدتني فرصة الكلام لنصف ساعة مع مكفولتي (شهد) التي كانت في بداية صباها ولم تغادره أبدا.. إذ انقطعت أخبارها قرابة شهرين لأعلم لاحقا أنها استشهدت في القصف، لحقت بأبيها الشهيد.
ثم هناك ذلك الخاطر الملحّ يبتزّني لأقلب البرميل.. إنه عن الذي أبكي عندما ألتقيه، وأبكي عندما أودّعه، وأبكي بعد وداعه لأني لا أدري متى ألتقيه مرة أخرى، وأبكي بعد لقائه لأني قلقة من وقت الوداع. أخي..وشطر روحي، وكيف إذا لم يكن شطرا واحدا وإنما أجزاء معلّقة بروح كلّ واحد منهم.
..
ها قد سكبتُه، ها قد أفرغتُه.. برميل أساي لا تفرغه إلا الحروف المنسابة من يدي.. تنقط معها الدموع من عينيّ تباعا كصنبور نسي طفلٌ عجولٌ أن يغلقه بإحكام.


أنا منهم.

نخلة بيت أهلي في الرياض

* لا أدخّن، لا أشرب الكحول، ولا أشرب المنبّهات.
– كيف تعيشين؟!
* لماذا تدخّنين؟
– لأسترخي..
* أنا أسترخي حين أقوم بالتنظيف والترتيب. أحيانا في السوق أراقب الموظّف الذي يقوم بترتيب البضائع على الأرفف. مشاهدته وهو يقوم بالترتيب تريح أعصابي.
-!!
* ولماذا تشربين الكحول؟
– لأنسى وأروّح عن نفسي.. وأنتشي.
* الكحول شبيه بالمخدّرات، هنالك أشياء كثيرة تؤدّي إلى ذات المفعول. مرضى الربو الذين يستخدمون موسّعات الشعب الهوائيّة يفهمونني تماماً. أيضًا مدمنوا المأكولات الحارّة.. هل جرّبتِ أن تشربي قنينة (تباسكو)؟ لا؟.. جربي.. شبيهٌ بمفعول الكحول حتمًا بحسب ما وُصِف لي.
– ماذا عن المنبّهات؟
* لا أحتاجها. لم يحدث أن تناولتُها إلا وارتفع ضغطي (حقيقة لا مجازا)، وأنا من قومٌ ضغطهم الطبيعي كسلك التوتّر العالي. لأبقى مستيقظة؟ أنا لا أنام إلا حين يخلو رأسي من الأفكار، أما لو كانتْ هنالك فكرة تتمشّى فيه وتتفرّع، فيمكن أن أبقى يومين بلا نوم.
– المنبّهات ليستْ مضرّة بالصحّة..
* لم أقل إنّها مضرّة! أنا قلتُ إنّها (تنبّهني) وتقلقني. وأنا (بالناقص قلق)! يا عزيزتي.. أنتِ ألمانيّة وأنا عربيّة. (إش جاب لجاب)؟
– الترجمة لو سمحتِ!
* تكرمي: أنتِ وُلدتِ من دم أزرق، يعني دم بارد.. بارد جدًّا.. (بوظ). في مدينة باردة غائمة معتمة، لم تسخن تحت قدميكِ أرضٌ بحرارة خمسين مئوية في الظلّ. لم يصفرّ شعرك بسبب الشمس بل بسبب الجينات. وجلدكِ يحترق من عشرين درجة مئوية بينما نحن نقول (الجو اليوم بجنّن!) ونرتدي المعاطف.
أنا وُلِدتُ كما تولد النخلة: في الصحراء، نزهتي المفضّلة رملٌ حارق أحفر فيه حتّى أجد باطنه البارد وأدسّ قدمي. بينما عباءتي السوداء تتحوّل إلى شوّاية في شمس (عِزّ الشتاء).
في صيف آب، الذي تختبئين فيه داخل بيتكِ في الظلّ وأنتِ تقريبًا بلا ثياب، أخرج أنا بالجينز والـ تي شيرت إلى حديقة البيت، لأغسل الشجر بالماء الذي يندفع شِبه مَغليّ من الصنبور، وأغسل نفسي بين لحظة وأخرى لأجفّ بعد خمس دقائق على الأكثر.
أنتِ تتركين غسيلك على الحبل لساعات، أو على الأقل لساعتين في الأيام التي يكون فيها الجوّ عدوّك. أنا أجمع الغسيل بعد عشرين دقيقة من نشره على الأكثر، في الأيام العاديّة. فلا يوجد في صحرائي يومٌ عدوّ ولا صديق، النخلة صديقةٌ لجميع الأيّام.
أنتِ لديكِ ملابس مطر كاملة ومظلّة وحذاء طويل العنق، وأنا اشتريتُ معطف المطر (خجلا) من منظر ملابسي المبتلّة لو التصقتْ بي، وما زلتُ أخرج بحذاءٍ قماشيّ صيفيّ وأغرق في كلّ مرّة.
أنـتِ لا تشاهدين الأخبار، ولو فعلتِ، فستكون أخبار مدينتكِ فقط.. ربّما تهتمّين مرّة أو بضع مرّات في العام بأخبار الدولة لو كان لها تأثير مباشر على حياتك. أمّا أنا.. أمّا نحن.. فصغيرنا وكبيرنا يتابع (مسلسل) الأخبار ولا بد أن نشاهده قبل النوم وعند الصحو منه وكأنّه جرعة دواء! نعرف عن العالم أكثر مما نعرف عن أهل البيت. بارعون في التحليل السياسي من كثرة ما شاهدنا، وربّما صرنا خبرة بلغة الإشارة من كثرة متابعة النشرات.
أنتِ لا مشكلة لديكِ من الناحية الأخلاقية مع أطفالك: فكلّ شيء مسموح، ولا إله هنالك. النزاع الوحيد يقع عندما لا تتمكّنين من تدليلهم (مادّيا) كما يطلبون، رغم انعدام الخوف من الرمي في الشارع أو عدم القدرة على دفع أجرة الكهرباء أو الماء أو الطعام أو… فمخاوفكِ الحقيقية هي مستوى الرفاهية.
وأنا.. نحن.. خلّيني ساكتة!
أنتِ لا تجيدين سوى لغة واحدة، ولا يهمّك تعلّم غيرها، ولو تعلّم طفلكِ الإنجليزية فخير وبركة، وبإمكانك الاستفادة من خبراته لو فكرتم في السفر خارج ألمانيا.
أما أنا.. فالحدّ الأدنى لي ولأطفالي هو ثلاث لغات أساسيّة: العربية والألمانية والإنجليزية!
في الحقيقة يا عزيزتي.. أنا التي عليّ أن أسألكِ: كيف تعيشين تحت هذا الضغط كلّه الذي يسبّبه ارتفاع ثمن السجائر، ومشاكل الكحول الصحّية والأخلاقية، والعصبيّة التي تسبّبها لكِ كثرة المنبّهات؟!
تسألينني كيف أحتمل هذه الحياة بدون هذه الأشياء التي برأيكِ تساعدكِ على احتمالها. وأنا متعجّبة لماذا تشعرين أنّكِ مرهقة ومضغوطة: فدنياكِ واحدة، بينما أنا في كلّ حركة أحسب حساب الدنيا والآخرة، وأنتِ في بلدكِ وأرضك ولغتك، بينما أنا لو عِشت هنا ألف عام لبقيت (أجنبيّة) وفوق ذلك (ذات حجاب)، ولكنتي واضحة. لديكِ طفلان على الأكثر تمامًا مثلما عندي، أو أطفالك كبروا وخرجوا من البيت، أو ما عندك أطفال أصلا! فما الذي لا تحتملينه في (هذه) الحياة؟!. أهلك يعيشون معك في البلد ذاته ولكنّكِ لا تعرفينهم تقريبا، بينما أنا أعيش العام كاملا أحسب وأتجهّز لزيارتهم، والمسافات ليستْ بقصيرة.

أنا نخلة وأعيش هنا، هل رأيتِ نخلة هنا من قبل؟! هل ينبت نخل في هذه الأرض السوداء الزنخة؟.. هل يحتمل بردها وصقيعها وبرودها؟
تعالي أنتِ.. أيّتها الصنوبرة الألمانية التي لا تثمر، وجرّبي يومًا واحدًا في مدينتي.. في شتائها، ولن أقول في صيفها لأنّكِ ستتبخّرين دون احتراقٍ حتّى.

أنا من قومٍ حديثهم العاديّ شجار، ونقاشهم الطبيعيّ معركة، وعناقهم اليوميّ ملاكمة، ومتعتهم اليوميّة هي التوتّر، ورياضتهم المفضّلة هي رفع الضغط، وضحكتهم الدائمة هي السخرية من هذه الحياة، واسترخاؤهم هو الصلاة.
أنا منهم ويكفيني هذا، ولا أشعر بحاجة لشيءٍ آخر كي (أجتاز) هذه الحياة بسلام.


التشتّت.

هذا مرض حقيقي، أن يشعر المرء أنّه بحاجةٍ لسماع صوت آخر غير صوته طيلة الوقت، الحاجة للتشتّت! والاعتياد على ذلك إلى درجة استحالة التركيز، وتجنّبه.
منذ شهر وأنا أعمل بضعة ساعات خارج البيت خلال أيام الأسبوع، عدا عن استمرار عملي في يومي السبت والأحد، وأجد نفسي فعلا بلا وقت أضيّعه أبداً، وأتساءل لماذا أفتّش عن حجّة للتشتّت.
حين أخرج صباح السبت بصحبة صفيّة إلى المدرسة العربية، أعلم في نفسي كم هو ثقيل عليها، دوام مدرسيّ كامل في يوم عطلة، نغادر في الثامنة والنصف صباحًا ونعود في الثانية ظهرا. أمّا في يوم الأحد، فأغادر وحدي غالبا، إمّا إلى المدرسة التي أعمل فيها كمعلّمة نشاط، أو لحضور اجتماع أو دورة تدريبية ما. المهم أنّي لم أعرف معنى يوم الأحد منذ فترة طويلة، وحتى لو بقيتُ في البيت، يكون ذلك لتعبٍ صحّيّ وأوّل ما يطالعني (تلّة) الملابس التي تحتاج طيًّا وكيًّا، وورشة الخياطة المؤجّلة، وغالباً يضيع الوقت في التنظيف الذي لا ينتهي. وأتعجّب كيف يسألني الناس: ألا تشعرين بالملل لأنّك بلا وظيفة؟. من أين سيأتي الملل؟، يبدو أنّكم أنتم من يشعر بالملل.. تعالوا إليّ وسأجد لكم عملا على مدار الساعة.
وكأنّ الوظيفة لا معنى لها سوى عقد عملٍ موقّعٍ بثمانِ ساعاتٍ وراتبٍ وقدره وبدلات أجازة وما إلى ذلك. حين سأخرج لوظيفة مماثلة، سأحتاج حينها إلى خادمة، وطبّاخ حتمًا. عدا ذلك.. دفع مبالغ إضافية للروضة والمدرسة لبقاء ابنتيّ ساعات إضافية هناك. هذا ما لا أفهمه حقا: يعني أن أخرج لأكسب المال وأدفعه بعد ذلك للخادمة والطبّاخ والمدرَسة والمربّية والمعلّمة الخصوصيّة والسائق، بدعوى أنّي أحقّق ذاتي؟!
من قال أنّ تحقيق الذات في (وظيفة) ومن قال أنّ (المهنة) هي نفسها الوظيفة بدوام ثمان ساعات؟
قبل شهرين تقريبا وعند دخول فصل الربيع، انتشرتْ الأمراض في هامبورغ خصوصا في الروضات، ومرضتْ سمية وانتقل المرض إلى صفيّة وزوجي لمدّة شهر كامل حتّى تعافت الصغيرتان، بينما تعافى زوجي بتناول مضادّ حيويّ قويّ. وأنا من بداية مرضهم وحتّى نهايته لم أترك شريحة زنجبيل لم أبتلعها، ولا مشروبا ساخنا أو دواء حساسية أو أقراص فيتامينات إلا تناولتها، كي لا أقع مريضة وكلّ تفكيري: إذا أنا مرضتُ ماذا سيحلّ بالبيت؟.
الغريب في الأمر، هو اعتقاد كثير من النساء أنّ الرجال العرب متقاعسون عن معاونة زوجاتهم، والحقيقة أنّ المرأة تدلّل زوجها ثمّ تطلب أن يكون الدلال مماثلا من نفس النوع والكمّ. وهو يدلّلها بأن يخرج للعمل ويحضر لها النقود، أكثر من هذا.. صعب. ولا يُجيده، وربّما لا يريد أن يتعلّمه، ليست مشكلة. لو اقترح زوجي أن أخرج ثماني ساعات من البيت لأجلس إلى مكتب وأكلّم شاشة الحاسوب.. سأختار الانتحار بكلّ سهولة. والانتحار يعني مهنة التعليم، التعليم أفضل من هذا الدوام رغم إنّي أحبّ الأطفال ولا أطيق أنظمة التعليم. أن أجلس ثماني ساعات، ثمّ أعود إلى البيت فأرى ابنتيّ وكأنّي لم أرهما منذ شهر، ولمدّة ساعة أو ساعتين على أقصى تقدير ثم تذهبان للنوم! أن أترك ابنتي تقرأ كتابها المفضّل مع شخص غريب، لا تربطها به أيّة علاقة، ألا أجد الوقت لقضاء مرّة في الأسبوع معها في المطبخ، تلهو بالعجين والكعك. أن أجد طعامًا غريبا على مائدتي، بأيد غريبة. أن ترتّب ملابسي يدان غريبتان.. أن تنظّف حمّامي وأغراضي الشخصيّة امرأة غريبة.. وأن أتصالح مع كلّ هذا؟! لماذا؟ كي أكسب مالا أكثر؟ وماذا سأفعل به؟ أسافر أكثر؟.
إنّ حسابات الناس مختلفة، ولم أتضايق من قبل من هذا الاختلاف بقدر ضيقي الآن، بعد وفود هذا العدد من الضيوف السوريين واحتكاكي بهم. وملاحظتي نظرة (احتقار) تمشي بينهنّ تجاه غير الموظّفة، والقول حرفيًّا: أنّ ربّة المنزل شغلة ستّي وستّك..لأنّ المجتمع كان ضد أن تتعلّم وتعمل. لا يخطر في بالهنّ أنّ هذا اختيارٌ أوّلا وأخيراً. فكما يخترن نمطاً محدّداً لتربية أبنائهنّ، وطموحهنّ ينحصر في (شهادة جامعيّة، ووظيفة مرموقة)، حتّى فكرة الزواج المستقرّ لم تعد مطمحاً لهؤلاء الأمّهات وكأنّه قضيّة هامشيّة. أو كأنّ هؤلاء الأبناء ماكينات ذكيّة، لا تملك عواطفاً أو فلسفات خاصّة في الحياة. أختار أنا نمطاً لتربية ابنتيّ وكلّ طفل أكون مسؤولة عنه: عملي كمربّية، كمعلّمة، كمسؤولة أنشطة، أختار نمط تربية شخصيّة ذات هويّة إسلاميّة. وللأسف، صار هذا المصطلح عيباً وتخلّفاً بين الأمّهات المسلمات. أنا أبني ذاتي فعلا وأحقّق طموحي وأتعلّم كلّ يوم بلا شهادات: منذ الصباح إذ أفكّر كيف سأدير وقتي بحيث أرتدي ملابسي وأفرغ غسّالة الصحون، وأنشر الملابس المبتلّة، ثم أوقظ البنات وأشجّعهنّ طيلة نصف ساعة على الانتهاء من ارتداء الملابس في الوقت المحدّد، وتجهيز الحليب لهما، والإفطار، وتسريحات الشعر، واختيار الجوارب والمعاطف المناسبة للطقس، وتجهيز أغراض الغداء وكتابة ما يلزمني شراؤه في طريق عودتي من العمل وقبل عودة سمية من الروضة، ثم إيصال البنتين، وتذكير كلّ منهما بما يجب أن تتذكره، والكلام مع المعلّمات إذا كان هنالك شيء ما، والعمل كمترجمة أحيانا لبعض الأهالي، ثم الخروج لعملي الذي يتطلّب تركيزا وحُبًّا، ثم العودة، وفي طريق الذهاب والعودة أستغلّ الوقت بتدوين ما يجب عليّ بعدُ فعله، ثمّ أعود لأشتري ما علي شراؤه، وأجهزّ الغداء نصف تجهيز، وأخرج لأعيد سمية للبيت، ثم أدخل المطبخ وأنا أنظر للساعة أترقّب عودة صفية لو كانت ستعود وحدها في ذلك النهار أو لو كنتُ سأخرج لأعيدها، ثم الجلوس معهما لفترة، ثم الانتهاء من الغداء.. والغسيل، ثم يرجع زوجي، وتكون جلسة الغدا/عشاء، ثم دراسة صفية، وتعليم سمية الحروف، ثم قراءة معهما، ثمّ النوم.. ثمّ.. أضعتُ أفكاري حقيقة. إنّ تذكّر ما أفعله كلّ يوم وكتابته لهو أصعب من فعله حقًّا. ولا شيء من هذا روتينيّ أبداً: لا شيء يتكرّر، فلا أنا اليوم هي أنا الأمس، ولا هما ستتوقّفان عن النموّ العقليّ الذي يخترع في كلّ يوم ألف سؤال لأجيبه وألف فكرة لأتفاعل معها!
إنّ ضيقي يزداد فعلا من اختلاف الحسابات، فالحياء صار مذمّة، وصرتُ أشعر أنّي على خطأ حين يكلّمني أخٌ من ديني وبلغتي وعينه في عيني لا يخفضها خجلا أو يوجّه نظره جهة أخرى، والأنكى أن تقف زوجته خلفه ساكتةً لا تقترح أن تكلّمني هي، ولا تقف بيني وبينه لتجعل بيننا مسافة! وكالعادة.. لا أشعر بالغربة وبأنّي من كوكب آخر إلا بين قومي!
الأغرب من هذا كلّه اكتشافي عدد اللواتي يعتقدن أنّي تعيسة، وكئيبة، ومريضة نفسيا لأنّي لا أمارس نفس الانشطة التي تشعرهنّ بالسعادة. ولا يفهمن أنّ سبب عدم اهتمامي بما يفعلنه هو أنّه لا وقت عندي لهذا الاهتمام، وأنّي (لا أعبأ) بهم لأنّ رأسي معبّأ بأشياء أخرى كثيرة، لا أفضل من اهتماماتهم ولا أعلى.. هي فقط أشياء مختلفة عنهم. أحبّ هذا الصطلاح المشتقّ من العِبء، حقّاً إنّ الأفكار عِبءٌ ثقيل في رأس الإنسان.. قد يقتله.
.
.
ما أجمل الرؤوس الفارغة.