فانظر عمن تأخذ فكرك

تعثّرتُ قبل أسبوعين تقريبا برابطٍ لمقالةٍ على فيسبوك، من ستوري حسابٍ ما على الانستغرام. احتفظتُ بالرابط وبدأتُ بقراءته. للوهلة الأولى وبعد اطلاع سريعٍ جدّاً، ومخلٍّ جدّاً على العنوان والأفكار البارزة، شعرتُ أنّه يستحقّ الإعجاب، ثمّ تركته لقراءة متمعّنة لم أتفرّغ لها. فطالعني اليوم على قناة السبيل في اليوتيوب، مقطع يفنّد أفكار المقالة إياها، ويردّ عليها بدقّة وهدوء.

يمكنكم الاطلاع على المقالة الأصلية هنا
وعلى مقطع الفيديو
هنا

ولكن قبل الاطلاع، لا بدّ من تكرار التنبيه الذي ذكرتْه صاحبة الفيديو مشكورة في بدايته: إذا لم تكن على اتصال مباشر بالموضوع، ولم تتأثر به، فلا تقرأ ولا تشاهد الفيديو، لأنّ هذا سيفتح عليك بابا أنت في غنى عنه. والأصل أن يبتعد الإنسان عن الشبهات لا أن يعرّض نفسه لها.

أمّا ما سأقوله، فليس ردّاً على أفكار المقالة لأنّي لا أملك عِلما في مجال المقالة لأردّ به، بل على فكرة الكتابة وشخص الكاتبة. نعم، لقد وجدتُ أنّه من المعيب حقّاً كمّ المتابعين لشخصيّة مجهولة والمؤيدين لفكرها، والناشرين له، وهو فكر يمسّ دينهم في صميمه!
متى سنتوقّف عن: فصل الشخص عن أفكاره؟! متى ستنتهي هذه الموجة اللامنطقية؟! كيف تفصل الماء عن الماء إن لم يكن في وعاءين مختلفين؟! فكيف تفصل الإنسان عن فكره إذا لم تقطع رأسه عن جسده؟!. نعم، أنا من هؤلاء الذين يهاجمون الأشخاص، ويحذّرون منهم، حين يجدون من أفعالهم ما يوجب ذلك، ومن يرى أنّ هذا ليس من الإسلام (الحقّ وليس الإسلام الجديد)، فليأتني بالبرهان.
كيف يُعرف الخبيث من الطيّب إذا صار كلّ الناس مائعين في الأحكام؟. لماذا حين يدبّج أحدهم مقالة في التكنلوجيا نجد ألف متصدّر للردّ عليه وتسفيهه، ولا نجد مثل ذلك في علوم الدين؟. ولماذا حين يتقدّم شخص للزواج يلحّ الناس في السؤال عنه في أقاصي الأرض، ولا يسألون عن شخص في الإنترنت يكلّمهم في دينهم؟ في قوام حياتهم وأساسها؟!
الأفكار هي نتاج شخصية وحياة، فكيف تأخذ فكرة مجرّدة وتعجب بها دون أن تفتّش عن قائلها الذي أُعجبتَ به ضمناً، ولا بدّ أن نفسك قد تاقت لرؤيته والتعرّف إليه؟
أليس غير المسلم يقرأ فكرة، أو يرى تطبيقها العمليّ فيعجب بها، فنخبره أنّ مصدرها هو الدين، ومن جاء بها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فيسعى للقراءة والبحث عن هذا الشخص؟. فكيف بالمسلم وبمن يأخذ عنه فِكره ومعتقده ودينه؟
شيء عجيب ومؤلم، أن نرى من يقول عن نفسه إنه باحث أو أكاديمي أو أيا يكن، ويصوغ أفكاره بلغة قوية فنكتفي بهذا ونأخذ ما في جعبته لنضيفه إلى جعابنا، لنكتشف بعد حينٍ أنّ ما أثقلنا به ظهورنا وحملناه بحرصٍ وشغفٍ واهتمام وحرسناه لم يكن ألماسا ولا ذهبا، بل حجارة صلدة!

الفيسبوك هو حرفيّاً (قهوة أبو عرب): يجتمع فيه مختلف خلق الله، من العالِم للبلطجي للشريف للحرامي للجاهل للمتعلم للمتعالم للتقيّ للفاجر. لكنّهم لا يتجالسون، ولا تكون جلساتهم متشابهة، ستجدهم في اجتماعات مختلفة، وتدلّ مظاهرهم عليهم. أي نعم، من قال إنّ الكتاب باين من عنوانه لم يخطئ دائماً. فمن يأخذ قهوته ويمضي، ومن يمرّ ليسلم على أصحابه مروراً سريعا ليدعوهم لمجلس علم أو صلاةٍ جامعة، أو يحثّهم على رياضة تحرّك أبدانهم، يختلف عن المستوطن من الصباح للمساء، يغرف بسمعه من المجالس حوله، لكنها مقتطفات، ومعظمها لا يصلح لبناء شخص.
لذلك، حين أجد مقالة رصينة جدا ليس لها مصدر آخر غير الفيسبوك، مقالة تدّعي العلمية، ويدّعي كاتبها العِلم والمعرفة، ولا تعريف بهذا الكاتب ولا شيء يدلّ على جهده وعلمه وخلفيّته سوى تلك الصفحة في (المقهى)، فلا بدّ أن أرتاب.. وأحتاط، وأفعّل كلّ الفلاتر في عقلي.
فمن هذا أو هذه لآخذ عنه ومنه؟ ولأعجب به، وأسوّق له؟

ولقد بحثت في خلفية الكاتبة علني أصل إلى شيء: قلتُ ربما هي من بيت علم، وأهلها معروفون بذلك، وأنا الجاهلة، فتشجعتْ وقد نشأتْ في بيت باحثين، فلم أجد ما يشير إليها سوى مقالات الرأي.

نحن في مصيبة اسمها: حرية التعبير عن الرأي! لم يعد هنالك عقول تعتقد بالحدود، وصار كلّ من أراد أن يقول شيئاً يقوله، دون تقييد أو تفكير أو اعتبار لأيّ شيء.

مصيبةٌ هي فكرة: الإسلام دين الحرّيّات، لأنّه ليس كذلك. الإسلام لم يأتِ ليقول لكَ تفضّل افعل ما شئت واعصِ كما شئت وأفسِد كما شئت لأنّكَ حرّ!
إن فعلتَ ذلك فلا تدّعِ أنّ الإسلام أعطاك تلك الحرّية. الإسلام جاء ليحرّرك من عبودية نفسك والشيطان إلى عبودية أوسع وأشمل وهي عبودية الخالق. فإن كنتَ ضيّق الأفق، صغير العقل، تريد حشر نفسك في الزاوية التي أخرجكَ منها، فهذا ذنبك لا ذنب الدين، فلا تنسب له ما ليس فيه. وتذكّر أنّكَ محاسب عن كلّ من اتّبعك وأعجب بك وأضللتَه.. قالها الله سبحانه لإبليس قبل آلاف السنين، وأخبركَ بها ولكنّكَ تناسيتَها. وتناسيتَ أنّ خطيئة إبليس كانتْ: الكِبر، الذي أوصله لأن يحاول مساواة نفسه بالخالق، ويتحدّاه، ويطلب أن يُعبَد من دونه. وأنتَ تكابر مثله، فهل حقاًّ لا تعي أنك تفعل ذلك؟!

إنها (مقالة رأي) يا قوم! وبما أنها مجرد مقالة رأي، فسأقول رأيي فيها بكلّ حرية: احذروا من التخبيص في دين الله، سيحاسب من كتبه ومن نشره. ولو كان مبحثا علميا فأين الهوامش والاستدلالات؟ وأين الإشارات إلى أسماء بعينها؟ وأين كلّ ما يحمله المبحث التاريخيّ من صفات؟!

اليوم ندمتُ على كلمتين قلتهما لأمّي، أوّلا حكيتُ لها ما ضايقها عليّ -وليس منّي-، فلما أرادتْ التخفيف عنّي بسؤالها عن التفاصيل، قلتُ إنّ الأمر لا يخصّها. وقد تبدو هذه كلمة عادية، لكنّي أراها شرخاً في جدار البرّ، وكان أولى بي أن أقول لها ألا تشغل بالها، وليس بالأمر المهمّ وأشاغلها وأقول دعابة ما. أمنع نفسي من نشر أشياء كثيرة، مخافة أن أحزنها، أو أقلقها. أخفي عنها أشياء لنفس السبب.. وهذا أبسط البرّ. هذه أمّي وهي وأنا بشر، ولو كنتُ سأفكّر بعقول هؤلاء (الثائرين) على تقييد الحريات، لقلتُ كلّ ما يخطر لي، دون أدنى شعور بالذنب أو الخطأ.
هل هو حقا خطأ وذنب أن أقول ما أفكر فيه دون اعتبار لمشاعرها وهي شخص واحد، وقد يكون في ما سأقوله فائدة لكثيرين؟ قناعتي أن نعم، خطأ وذنب أحاسَب عليه.
فكيف لو كنتُ سأتعدّى على خلقٍ كثيرين حتى أصل إلى الطعن في الدين الذي أدّعي الدفاع عنه؟!

منذ مدّة كتبتُ شيئا في ستوري على الانستغرام عن تعدد الزوجات، فنبّهني أحد الإخوة مشكورا، برسالة على الخاص أنّ ما أقوله يُفهم منه طعنٌ منّي في حكم التعدّد، فشكرتُه ولم أناقش. لكنّي حذفتُ ما كتبت بعد تنبيهه ولم أنتظر اختفاءه كما هي العادة بعد أربع وعشرين ساعة، لأنّي فكّرت: لو كان هو قد فهم هذا، فكم واحدا فهم مثله؟! وكم واحدا فكّر كالتالي: بنت أستاذة ثناء كتبت كذا، فينال أمّي بسوءٍ، أو يأخذ ما كتبتُه على محمل الإعجاب مباشرة دون تمحيص؟ أليس في هذا أذى لأمّي قبل أن يكون لي؟ فأينّ البرّ؟!
وقد صرنا في زمنٍ عجيب صار فيه البرّ عبارة عن مكالمة أو زيارة أو فعل مادّيّ بحت، ولم يعد للامتناع عمّا يؤذي نفس الأهل أيّ اعتبار أو وجود. ولو كنتُ سأنشر كلّ ما أكتبه لامتلأ قلب أمّي غمّاً أو كمداً، ولو كنتُ سأحكي كلّ ما يعكّر حياتي لقضتْ الوقت تلوم نفسها فكيف أحمل ذنباً كهذا؟.

صار من العيب أن يفكّر أبناء الدعاة والملتزمين بمجاملة أهلهم، وعدم البوح بأفكارهم احتراماً لهم. فصارت المعصية أمامهم عاديّة، بحجّة أنّه إن كان يفعل ذلك بأية حال، ولا يستحي من الخالق فلماذا سيتخفّى عن أهله؟! وهذه مفارقة مضحكة حدّ البكاء! فالأصل أن يقوده حياءه من ارتكاب المعصية أمام أهله، وخوفه على مشاعرهم، إلى تركها بالكلية، وليس إلى المجاهرة بها وإيذائهم!
صار التعبير عن الأفكار والميول الشاذّة والغريبة، رائجاً بدعوى (خلص كبرنا)، وما عدنا صغاراً لنخاف أهلنا. نعم، صرنا كبارا وقست القلوب، الأحرى أن تخاف على أهلك، وليس منهم. على زعلهم منك وليس عليك.

وقد صار كلّ من ارتدى الجبّة مفيتاً، وكل من لبس العمامة قاضيا، وكل من كتب كلاما في لمحة موسيقى شاعراً، وكل من نشر كتاباً كاتباً، وكلّ من ارتدت الحجاب.. أيقونة دالة على المرأة المسلمة!
وصار الكلّ يعرّف عن نفسه وكأنّ الواجب أن يكتب تعريفاً بنفسه: كاتب، باحثة، أديبة، ناشطة اجتماعية.. إلخ. لماذا لا تتركون الناس يعرّفون عنكم من أفعالكم وأقوالكم؟!

أخيرا، كلّما كتبتُ شيئاً، لا بدّ أن أعيد وأكرّر التنويه: حين أنتقد خطأً، فليس معنى هذا أبدا أنّي لم أقع فيه. ولو انتظر كلّ إنسان أن يكون كاملا ليقول للخطأ إنه خطأ، لصارت حياتنا جهنّماً.

لا ريب أنكم تحفظون بيت الشعر: وَإِذا أَتَتكَ مَذَمَّتي مِن ناقِصٍ::فَهِيَ الشَهادَةُ لي بِأَنِّيَ كامِلُ
وهو للمتنبّي، ومعنى هذا البيت من أسوأ المعاني. والمتنبي لم يكن شخصاً يصلح ليكون قدوة وهو على قدر عجيب من كِبر النفس والتعالي، فقط لأنه ملكَ مفاتيح اللغة والشعر. فإذا أراد أحدكم أن يستدلّ بهذا البيت، فليفكّر أوّلا في معناه. وقد خصصتُه لأختم به لأنّي أعرف أن كثيرين سيستشهدون به، مع المثل القائل: القافلة تسير والكلاب تنبح.
حتى في الأدب، انتبهوا لما تتشبّعون به. ودمتم بخير.

20.5.2022


شهر عبادة وعمل

رمضان يأتي بصوت أبي رحمه الله يقرأ القرآن وهو الذي ختمه حفظا وقد جاوز الستين. يذكّرني بمشيي معه إلى المسجد لحضور التراويح في جامع إسكان حيّ المعذر في الرياض، حين كنت لا أزال في الثانوية.
بأيام الحرّ التي صمناها مع دوام الجامعة، ومن يعرف حرّ الرياض ظهرا، سيعرف لمَ كان أبي يصرّ أن أجلس في المقعد الخلفي كي لا أتعرض للشمس؛ ومكيّف سيارته يتعطل مرات كثيرة مثل كلّ السيارات التي لا تحتمل تلك الحرارة الرهيبة. رمضان يحضر إلي دائما بصوت غلاية الماء القديمة في مطبخ أمي التي تعدّ السحور، وأبي يتلو في غرفة الجلوس، والأصوات كلها رتيبة هادئة.
لماذا لا أتذكر الإفطار ولا أستحصر صوره؟ لأنه غالبا يكون على عجالة، بلا هدوء.. متعباً لنا، إذ نعمل قبل الإفطار وبعده. حتى آخر رمضان حضرته في الرياض، لم أستحضر فيه أية روحانية، كان في إجازة الصيف، وكانت صفية وسمية صغيرتان.. وكانت جدتي رحمها الله في عامها الأخير. حرّ وإجازة وصيام. لقد اعتدتُ رمضان مع الدوام.. قد يبدو هذا غريبا، لكنه أفضل وأجمل. حتى زوجي يفضّل أن يعمل في نهار رمضان، لأن ذلك يشغله.
هذا العام في السعودية، قررت وزارة التعليم أن يستمر الدوام في رمضان، وهذا ما كنا اعتدنا نحن صغارا عليه، لكن جيل الأبناء هناك لا يعرفه. معظمهم نشأ ورمضان إجازة. سمعت تثاقل صديقاتي الأمهات.. فابتسمت. المشكلة ليست في الدوام، بل في تغيير العادة التي استمرت سنوات: ينامون حتى الظهر ويستيقظون قرابة العصر! فلا يصومون سوى خمس ساعات على الأكثر، ليقضوها في جو مكيف بارد، ثم يكون الإفطار بأصناف كثيرة ومرهقة ومكلفة، وسهرات جماعية لا علاقة لها بالعبادة.
رمضاننا هنا متعب، لكنه جميل. شهر عمل ودراسة وعبادة، لا يوجد ما يشغلنا.
أما العادات التي غيرتها لأسرتي ومن حولي منذ بضع سنوات، فهي عادات مزعجة ومتعبة ولا علاقة لها برمضان:

Continue reading

وجع قلب

أشرقتْ الشمس بعض الوقت صباح اليوم، فخرجتُ لأرتبّ الحديقة التي أنهتكتْها وكسّرتْ فيها العواصف أشياء كثيرة. ثمّ أنهيت جمع أوراق الشجر المتراكمة أمام البيت من أشهر الخريف، ومالك جالسٌ في عربته يراقبني، حتى إذا انتهيت، وجدتُه يحاول النهوض، طالباً النزهة، فرِحاً بالطقس الهادئ. فأخذتُه للملعب القريب، ولم أكن ولا هو بملابس تصلح للعب بالرمل، فقرّرتُ أنها مجرّد تمشية.

كانت العاشرة صباحاً، والملعب الذي يتوسّط تجمّع بنايات سكنية، خاليا ولا صوت من حوله، فالجميع في أعمالهم والأطفال في مدارسهم، حتى قطع السكون صوت قافلة، أو عربة من شكل غريب، تشبه الحافلة اليدوية، تجمّع فيها سبعة أطفال في عمر الحضانة (عامان وأقلّ)، تدفع العربة مربّية ألمانية شابة، ومعها أخرى أظنها من نفس العمر. عرفتُ أنّ هذه (نزهة) من روضة قريبة، وهذا أمر معتاد، كنوع من تغيير الجو للأطفال، حتى لو كان ملعب الروضة كبيراً وجميلا.
بدأتْ المربيتان عملية (تفريغ) الأطفال من العربة، واحدة تحمل الطفل وتناوله للأخرى التي تنزله على الأرض، وهما تكرّران التعليمات على الأطفال. شعرت أنهما تفرغان أشوِلَة من الرمل من عربة بناء. ولاحظتُ الطفل رقم اثنين: كان ينتحب، بطريقة مالك حين يكون نحيبه يعني شيئا واحدا (بدّي ماما)، ولا يقبل أن يسكت مع أيّ شخص آخر. وكان الطفل أصغر حجما من أقرانه، فخمنت أنه أصغر عمرا أيضا. حملتْه المربية ووضعتْه أرضا كما أقرانه فجلس في الأرض، وتابعت هي مع زميلتها إدخال بقية الأطفال. ثمّ حملت الصغير الباكي واتجهت لتجلس على المقعد المجاور مع زميلتها.

انتشر الأطفال في الملعب، وكنتُ منتبهة بكلّي إلى نظرات ابني الذي راح يتأملهم بفرح وشغف، وهو يضحك لهم. لكنّ نحيب الصغير شتّت انتباهي، فتلفّتُّ أنظر، فوجدته في الأرض عند أقدام المربية، ينظر ويكمل نحيبه. وهنا قرّرتُ أن نزهتي انتهت. نهضتُ ودفعت ابني في عربته، وعندما بدأتُ أخطو مبتعدة وصوت البكاء يتردّد في عقلي، اجتاحتني رغبة عارمة في البكاء أيضا.

أدركتُ وقتها أنّي لم أخلق للوظيفة خارج البيت، ولا وظيفة المعلمة ولا المربية، فحتى حين درّستُ المراهقين، كنتُ أشعر برغبة عارمة في ضمّهم إليّ، لما أجد من التماع عيونهم برغبة البكاء حين يتكلون عن أهلهم أحيانا، أو المعلمين أحايين أخرى. وأما الصغار، فأذكر منظر الأطفال في الحضانة حين كنتُ أوصل سمية إلى الروضة، كيف يقفون وراء الزجاج، بعضهم يبكي، وبعضهم يدقّ وبعضهم يصرخ، كأنهم في معتقل!

حمدتُ الله أني لم أضطرّ لمفارقة أبنائي في هذا العمر، وفكّرتُ: ما الذي ستخسره الحكومة الألمانية لو جعلتْ راتب الأمومة يغطّي عامين بدلا من عام واحد من عمر الطفل؟
وراتب الأمومة أو الأبوّة، هو مبلغ يتم دفعه للشخص الذي يبقى في البيت بلا عمل لرعاية الطفل الرضيع حتى يكمل عامه الأول، فيمكن عندها أن تستقبله الحضانة. ويتم تقدير المبلغ باحتساب نسبة من مرتّب الأهل الشهري، أما لو كان الراعي بلا وظيفة، فيمنح مبلغا بسيطا، يعتبر كإعانة على متطلبات الحياة. وهذا يختلف عن المرتب الذي يتم دفعه للطفل نفسه، لتغطية احتياجاته الشخصية. بالإضافة إلى ضمان بقاء مكان الأمّ أو الأبّ الوظيفيّ، بمعنى أنّه يستردّ وظيفته نفسها بعد انتهاء فترة العام.
يا ترى.. كم من الأمهات ستختار أن تبقى عاما ثانيا مع طفلها بلا عمل، لو توفّر لها مصروف يكفيها؟
ولماذا لا تضع الحكومة هذا الاختيار، بدلا من التكاليف التي تدفعها للحضانات، ورواتب المربيات، وتحمّل الإضرابات التي تصل إلى ثلاث أو اربع في العام الواحد، مطالبة بزيادة الأجور؟!

Continue reading