قراءة في: ألف منزل للحلم والرعب.

هنالك أشياء كثيرة في الحرب تجعل الموت بطلقة رصاصة أو بحادث سيارة أو فجأة بأزمة قلبية.. من أجمل الأمنيات وأغلاها على النفس. أفغانستان التي لم تعد تملك من جمالها سوى تلك الملامح العذبة والعيون الملونة التي تحملها وجوه أبنائها. أثرت بي هذه الرواية كثيرا خصوصا وصديقاتي المقربات هنا من الأفغانيات.أسألهن عن كابول فتأتي الإجابات مليئة بالغيم والمجهول.مولودات هنا..يتكلمن اللغة الدارية ولا يكتبنها وربما يقرأنها.لكن الوجوه تحمل تلك الملامح الجميلة التي لا تخطئها العين..والقلوب تحمل تلك الطيبة التي تنعكس ابتسامة وترحيبا طيلة الوقت. هذه رواية تحكي عن هذا..عن كيف صارت طيبة هذا الشعب سبب هلاكه.
*حقيقة: الشجاعة ليست صفة جينية يكتسبها الرجال بمجرد ولادتهم كما نعتقد نحن النساء..إنها صفة مكتسبة يتعلمونها.ولذلك في أزمنة الحروب وحين يغيب الرجال في السجون وساحات المعارك..أو يهربون بعيدا كي لا ينتهوا إلى إحدى النهايتين السابقتين..تغدو الشجاعة صفة نسائية بحتة نابعة غالبا من الأمهات.
اقتباسات:
*ص7 إهداء المؤلف: إلى أمي.إلى أحلامها المتلاشية.
* ص68 :”الشاب الذي كان معك هو أخي.عمره 18سنة فقط.أمضى ثلاثة أسابيع في السجن.أسأل نفسي عما أذاقوه من عذاب كي يفقد عقله.لقد ابيض شعره تماما. ولم بعد ينطق كلمة واحدة.يصحو في الليل يرتجف ويبكي كطفل رضيع”.
ص116:”للمرة الأولى ألاحظ كم أن هذه السجادة تحوي غضبا وكرها.كما لو أن الأيدي التي صنعت هذه السجاجيد عقدت معا خيطان الغضب الأحمر مع خيطان الكراهية السوداء! أيدي نساء..أيدي أطفال”.
ص143:”لكن أحدا لم يلحظ دموعها.لم يسألها أحد: لم تبكين يا أماه؟.بكت أمي أكثر من أي وقت مضى. عادت بسرية كأن لا معنى لها.حتى أنها لم تستطع أن تقول لأحد: ولدي البكر،رجل البيت،مسافر الآن! ولم يجبها أحد:ليكن مكان مسافرك دائم الاخضرار!”.
* لا تقرأ هذه الرواية إذا كنت تهوى النهايات السعيدة أو المتفائلة.هذه الحكاية من الواقع..وهي واقعية جدا!
*أفغانستان..العراق..سورية..كل بلاد الله الجميلة..عليكم سلام!


قراءة في رواية: ظلّ الريح.


ظل الريح: كارلوس زافون.
حسنا،من الرائع أن كانت عودتي للقراءة الطويلة الثقيلة مع هذه الرواية. سأحاول تلخيص عرضي لها في نقاط:
أولا:الترجمة الرائعة. وكلمة رائعة لا تفي هذا المترجم الشاب حقه.تجدون سيرته الذاتية في نهاية الرواية. أتمنى أنه تلقى أجرا ماديا كافيا على هذا الجهد. أسعدني خلوّ الترجمة التي فاقت الخمسمئة صفحة من أخطاء النحو واللغة اللهم إلا بضعةً لم تصل إلى العشرة وأظنّها نتيجة السرعة. ما أصعب الترجمة الأدبية خصوصا حين تحوي الرواية كلمات شعبية ونكاتا وحسّ فكاهة ورمزية..وكانت هذه الرواية تحوي هذا كله. فشكرا عميقا للمترجم (معاوية عبد المجيد).
ثانيا: كانت الحبكة متوقعة وخالية من المفاجآت بالنسبة لي: ففي الصفحة مئة وعشرين تقريبا عرفت أن الشخص الذي يقوم بحرق الكتب هو الكاتب نفسه وإن كان السبب في ظني بداية يعود إلى عدم شهرتها فحقد على موهبته. ترابط الشخصيات بعد ذلك كانت متوقعا في كثير من مراحله أيضا.فإما إنني شخص فقد قدرته على التفاجؤ من كثرة ما شاهد في الحقيقة،وإما إنني صرت ملولا فعلا ولا أطيق التكرار. وأظنني كليهما معا.
ثالثا: العالم مكان قذر ومخيف وبغيض وظالم في كل بقعة منه: هذه خلاصة الرواية، وهي حقيقة فعلا.
رابعا: (من أفكار الرواية) يلجأ الناس للتدين الصوفي الزائف عندما تهجم عليهم المادية البحتة ويقعون في الذلّ بسبب ذلك النوع من التديّن الذي يجسّد المثل الشعبيّ (بمشي الحيط الحيط وبقول يا ربّي السترة) بدلا من إيجاد القوة على قول الحق والدفاع عن أنفسهم. أو يتحولون إلى وحوش: الرواية تمتد بأحداثها من أيام انتهاء الحكم الملكي في أسبانيا مرورا بالحرب الأهلية وانتهاء بالجمهورية. الأفكار الاشتراكية نفسها..أكاد أشم رائحة حزب البعث وسجن تدمر وصوت المساعد جميل بين الصفحات! لو اختلفت الأسماء فالعار واحد والقذارة واحدة والحقارة واحدة والذلّ واحد وطرق التعذيب واحدة ومصطلحات الكفر بالربّ واحدة وكأنها أنماطٌ شخصية يقومون باستنساخها في كلّ مكان وزمان!
خامسا: (من أفكار الرواية) الحب الحقيقي ينتهي بالزواج وتكوين أسرة: عرض الكاتب هذه الحقيقة على طول الصفحات. لا يوجد حبّ بلا التزام. والالتزام الحقيقي هو الزواج، وحبّ الآباء لأبنائهم هو أعظم حب. أشكره كثيرا على تأكيد هذه الحقيقة. أبكاني تذكّر دانيال ليتمه من جهة الأم في أكثر من موضع.لكن أبكاني أكثر عجزه عن التعبير لأبيه عن حبّه وكسر الحاجز إلا نادرا.
سادسا: (من أفكار الرواية) الخطيئة يغفرها الرب ولا يغفرها البشر بعقولهم القاصرة: البشر يحقدون ولهذا لا يغفرون. والله جلّ جلاله يغفر ويعلّمهم طريقة الغفران لإكمال الحياة بطريق طبيعيّ وسعيد ولكنّهم يرفضون، وكأنّهم ينصّبون أنفسهم آلهة فوق حكم الإله!
سابعا: (من أفكار الرواية) إن كنتَ تعتقد أنّك مكتئب أو تعِبٌ أن تعِس فهنالك دومًا من هو أشقى منك: وهذا الأشقى هو في الغالب شخصٌ لم يعرف كيف يستخدم عقله وضميره معًا. الدين درعٌ نفسيٌّ عظيم نسيء استخدامه في حياتنا طيلة الوقت. من وجد طريقه إلى الله كان أسعد الناس.
ثامنا: (من أفكار الرواية) أولئك الذين تحتقرهم لأنهم يسكرون ويرتادون أماكن مشبوهة، لديهم أسباب لذلك لا علاقة لها بالشرّ والطغيان، الطغاة هم الذين يحملون الأسلحة ويقتلون. أمّا من تقول عنهم (فاسقين) ومعربدين فأولئك ضائعون اشمئزّ منهم أمثالك (الفضلاء) فازداد ضياعهم وازداد إصرارهم على الفسوق. لا تتكبّر عليهم، فأنت لا تعرف ما الذي قد يفقدك عقلك أو إيمانك أو كليهما.
تاسعا: (من أفكار الرواية) اتبع أحلامك حتى لو بدتْ لك مستحيلة، طالما هي أحلام شريفة سامية. و… نعم، الروايات والكتابة الأدبية لا تطعم خبزا :) وقد تقتلك بمعنى الكلمة! صحيح أنّ الكتابة قد تفعل ذلك بك، لكنّ كلماتك ستعيش في روح شخص واحد آخر على الأقل، فأحسِن انتقاءها ولا تهدرها، وربّما فكّر أن تحرقها، وأن تبقي نسخة واحدة منها.
عاشرًا: الرواية مليئة بكلمات مخلّة بالأدب، مع أنّ المترجم قام مشكورا بوضع نقاط بدل بعض المفردات، لكنّ الرواية تتحدّث عن بيئة إسبانية في عام 1950 تقريبا، لكنّها موجودة في سورية مذ عرفتُها وحتى الآن. لذلك هذا تنويه فقط لمن تزعجه مثل هذه المفردات: إذا كنتَ قد قرأتَ نهاية رجل شجاع فيمكنك قراءة هذه.

اقتباسات من الرواية:
ص 39: قالتْ كلارا الكفيفة لدانيال:”لقد علّمني ذلك الكتاب أنّ القراءة تمنحني فرصة العيش بكثافة أكبر وأنني قادرة على الإبصار بفضلها”
ص 43: دانيال الطفل متحدّثا عن قلم فكتور هوغو:”وكنتُ في سرّي واثقا من أن تلك المعجزة قادرة على كتابة أيّ شيء، من رواية إلى موسوعة ورسائل ليست في حاجة إلى ساعي بريد. كنتُ بريئا إلى درجة الاعتقاد بأنّ أية رسالة تُكتب بذلك القلم سوف تصل إلى وجهتها لا محالة حتّى لو كانت الوجهة ذلك المكان البعيد حيث توجد أمّي مثلما يزعم والدي”.
ص46: حوار بين دانيال وأبيه عن أمّه المتوفّاة، يدلّ على إيمان أبيه الفطريّ رغم عدم مارسته لأيّ نوع من العبادات: * أنا أريد أن أكتب رسالة لأمّي كي لا تشعر بالوحدة!
يردّ والدي هادئ الأعصاب: “أمّك ليست وحدها يا دانيال، إنها برفقة الله وتعلم بأننا قريبان منها حتى لو لم نكن نراها”.
ص 63: “بمعنى آخر، كنتُ أكرهه بكلّ احترام، وكان شعور الاحتقار متبادلا”.
ص106: “لا رجل يفقه شيئا في النساء، بما فيهم فرويد. حتى النساء يجهلن أنفسهنّ. لكن الأمر يشبه الدارة الكهربائية: ما من داع لتصعقك حتى تفهم كيف تعمل!”
ص180: المعلّم يتكلّم:”يا إلهي إنّهم قردة! في الصف ليس عندي سوى القردة. داروين كان متوهّما، صدّقني، أيّ تطوّر وارتقاء يا رجل! لو استخدم المرء دماغه لكان عليه أن يحارب جيشا من القردة بمفرده.”
ص212: متحدّثا عن الحبّ: “انظر يا دانيال، إنّ الأمر يشبه اضطراب المعدة قليلا. يعطي تنبيها بالإعياء هنا، على رأس المعدة. هل كان شعورك أنكَ ابتلعت قرميدة أم بارتفاع الحرارة فقط؟”
“أميل إلى القرميدة!” :box:
“فالمسألة جدّيّة إذن! أعانك الله”.
ص257: متحدّثا عن نزاهة الكنيسة: ” إن لم يخنّي فرويد فهذا يعني أنّ الأب فرناندو أدخل هدفا في مرمانا”
* لكنّه بدا لي شخصا نزيها.
“ولي أيضا. لكنهم يوفدون الرهبان الصادقين في مهمات بعيدة حيث ينهشهم البعوض وأسماك البارانيا. لكن.. لو كان دجّالا لترقّى في الأسقفية، بدل أن يعطي دروس الحساب واللاتينية، ولكان له مكتب يليق بالكرادلة ومليء بسكاكر اللون لتحلية القهوة”.
ص336: وجدتُ والدي غافيا على الأريكة وكتابه المفضّل في حضنه، نظرتُ إليه: كان يتقدّم في السنّ وجلد وجنتيه يرتخي. في الماضي كان يبدو ذا عزم لا يلين، أما الآن فيبدو رجلا محطّما دون أن يعي ذلك. غطّيتُه بلحاف وقبّلتُ جبينه كي أحميه من الأفكار السيّئة التي تحاول إبعاده عنّي وعن ذكرياتي. كنتُ أودّ أن تخدع تلك القبلة الزمن وتجبره على التوقّف والعودة بنا إلى يوم آخر وإلى حياة أخرى.
ص 360: عندما حكى فيرمين لدانيال كيف عذّبه المحقّق بالأسيد الحارق وهو معلّق من قدميه ليدلي بأسماء رفاقه الضبّاط.
ص480: الأسطر الأخيرة من مذكّرة نوريا:نحن نستمرّ في الحياة في ذاكرة من يحبّنا. أشعر بأنّني أعرفك وأنّني أثق فيك، اذكرني دوما يا دانيال حتى لو في سرّك.. في إحدى زوايا قلبك. حافظ عليّ في قلبك إلى الأبد.

أتمنّى لكم وقتا ممتعا في صحبة الرواية.


في رواية (البلد)..

وكالعادة.. يخبرك بن جلّون في نهاية كلّ رواية؛ أنّك إنسانٌ حقا، وتحترم إنسانيّتك، لأنكَ بكيتَ حين انتهيت من الكتاب وأغلقته.
بكيتَ الأحلام المتكسّرة التي كنتَ تنسجها لتنقذ بها شخوص الرواية. بكيتَ آمالك بتغيير مجرى الأحداث لصالح سعادتهم. وصلتَ إلى النهاية، ولم يحدث شيء يغيّر تلك الكآبة القاتلة والحزن العميق اللذان يخنقان روحك! Continue reading