لقوه.

الهاتف لا يرن إلا حين يتّصل أيمن. وفي هذا اليوم اتّصل. رنّ الهاتف كثيرًا حتّى وصلتْ إليه ملهوفةً تدركه قبل أن ينقطع الخطّ.
* ألو أهلين ابني. (قبل حتّى أن تتأكّد من صوته، فمن يتّصل سواه؟)
– شلونك يوم؟
* الحمد لله بألف خير. (كلمتها الوحيدة دائماً.)
– الحمد لله.. يُوم.. إش بدّي أقلك.. أبوي جنبك؟
* إي جنبي وين بدّه يكون؟ (أين سيذهب هذا العجوز المسكين سوى ليقبض الحوالات التي تصله من ابنهم الثاني في استانبول؟)
– عطيني اياه الله يخليكِ.
لا تسأله ما الخبر.. فليس من عادتها أن تفعل. بحثتْ عن زوجها بأسرع ما مكّنتْها سنواتها الخمس وسبعون، وهي تنادي بأعلى ما استطاعت وبشيءٍ من النزق: أبو أيمن.. أبو أيمن.. إي وينك؟؟ خوه.. إحكي. (وتدفع إليه الهاتف).
* إي أهلين ابني أهلين.. شلونكم؟
– الحمد لله.. يوب.. اسمعني يوب.. إمبيرحة اتصلوا فينا قال لقوه.. (ثوانٍ من الصمت علّ أباه يفهم دون شرح) لقوا إبراهيم.
*… وين؟
– ما بعرف.. بدّن حدا يجي يتأكّد إنّه هو ويستلمه. فهمت عليّ؟!
يسكت أبو أيمن. وتتردّد (فهمت عليّ؟!) التي تشبه التوبيخ في عقله.
– يعني بدكم تنزلوا عالمعبر و..
* بعرف. لا تاكل همنا.. مندبّر حالنا.
وأنهى المكالمة دون أن يزيد شيئًا أو حتى يقول مع السلامة. لم تكن زوجته قربه، فمشى يبحث عنها حتى وجدها. جلس وناولها الهاتف، وقال دون أن ينظر إليها:
* رح ننزل ع حلب.
نظرتْ إليه بدهشة:
* ليش؟
– مشان إبراهيم.
سكتتْ كأنّها لم تفهم.. إبراهيم من؟ ابنهما؟
قالتْ بهمس:
* إبراهيم مات من وقت ما أخدوه من أربع سنين. مات يا أبو أيمن!
ردّ بنزق:
– ما مات وهلق لقوه!
ثوانٍ أُخرى من الصمت أعقبها صوتها بصدمةٍ ولهفة:
* يعني عايش؟!
سكت لحظة وقد أحسّ غباء فعلته:
– ما بعرف. عبقول أيمن لازم ننزل نشوف.. بتعرفي هو ما بيغضر ينزل ع حلب.
الآن فهمتْ ما لا يريد قوله. فهمتْ أنّ عليها أن تتوقّف عن السؤال وأن تسكت حتى ترى بعينيها.. وهذا ما كان.
….
ساعات مضتْ، قبل المعبر وعند المعبر وبعده، حتى سلكتْ بهم سيّارةٌ مملوءةٌ فوق طاقتها بالركّاب والأحمال، الطريقَ إلى (حلب). كانتْ تتخمّر بحجابها الأسود كعادتها مخفيةً فمها ونصف أنفها، وقطرات العرق تسيل على وجهها من خلفه ولا تمسحها. والسيّارة القديمة التي تجوب الشوارع المنكوبة والخرائب، بدتْ كأنّها تئنّ حزناً على ما تراه أعين من تحملهم.
“الله يذلّن اللي ذلّوكِ، الله يبهدلن اللي بهدلوكِ”. تقول لـحلب في سريرتها، بعينيها فقط. وكأنّها لم تكن فيها قبل ثلاثة أعوام فحسب، وكأنّها لم ترَها تُهَدّ بناءً تلو بناء، وكأنّها لم تكن هي التي ركضتْ إلى بيت ابنها أيمن تسحب أبناءه من بنائهم نصف المهدّم، وتركض بهم إلى المسعفين.. وتفتّش عن أمّهم حتّى وجدتْها على بعد أمتارٍ في الأرض ذاهلةً وبين يديها أصغر الأبناء.. عمر ذو العامين، دامي الجبين، مغلق العينين.. لم يفتحهما بعدها أبداً.
وكأنّها لم تكن هي التي تعلّقت بذراع أيمن ترجوه أن يخرج معهم، أو يرسل معهم زوجته وبقيّة أبنائه، وهو يصرّ على رفضه: ما بطلع، وإنتو يا إمّي ما بقى خرجكم عيشة الشنططة هون..بيت ما في، هنيك عالقليلة أخوي حسام عبيشتغل بيبعتلكم، وبدير باله عليكم.
أرادت أن يذهبوا جميعا أو يبقوا جميعا، لكنّ أيمن طمأنها أنّه سيخرج من حلب سالما وسيجد طريقه لبلد آخر. وحدث ذلك.. خرج سالمًا وباكيًا، ووجد طريقه لبلد آخر لم يُبعده عن حلب إلا مسافة ساعةٍ ونصفًا، وأخذ عائلته بعيدًا عن قبر عمر الصغير وعن القصف.. حتّى إشعارٍ آخرَ غيرِ معلومِ التوقيت.
أمّا هي وزوجها فخرجا إلى أقرب بقعة تركيّة، وكأنّ السلام سيعمّ بعد يومين وسيرجعان مشيا على الأقدام، إلى العروس الشهباء. ولم تختلف حياتهما هناك في شيء.. سوى أن الطائرات لم تكن تحلّق كلّ يوم لتحصد الأرواح، وأنّ الصمت صار جزءاً لا يتجزّأ من أثاث البيت الضئيل.

“الله ياخد روحن اللي أخدوا روحك”. أكانت تقولها لحلب أم لإبراهيم؟
….
وصلا وتدبّرا أمرهما في بيتٍ مشترك بالأجرة، إن هي إلا يومان وسيغادران. لم يتوقّف الهاتف في ذلك اليوم بين أيمن وأبيه، ولم تسأل. أخبرها: سنخرج. لبستْ جلبابها وخمارها، وخرجتْ معه. مشيا كثيرًا، لقيا رجلا تحدّث زوجها معه، ومشيا مرّة أخرى. لا تعرف كم مشتْ، عطشتْ. جلب لها ماءً ولم تسأله من أين، شربتْ ومشتْ. أخيرًا وصلا أرضًا بدتْ لها خارج المدينة (التي لم تعد مدينة).
أرضٌ يرتفع فيها عشبٌ برّيٌّ أصفر. وبين العشب تبدو بقعة ملّونة.. فيها الكثير من الناس. اقتربا بتوجّس، وحين وصلا أدركت أنّ تلك الألوان كانتْ قطعَ قماشٍ تغطّي جثثًا ممدّدة.
لم يكن هناك من يحمل أسلحة، هكذا طمأنتْ نفسها.
أشار واحدٌ إليهما:
– إلكم حدا هون؟
أومأ له أبو أيمن، واقترب وتهامس معه، فأومأ الرجل برأسه، وراح يكتب شيئًا ما في الأوراق التي معه. من هؤلاء؟ لا يهمّ. هل حقًّا يهمّها أن تعرف من هم ولمن يعملون وهي فهمتْ توّاً معنى كلمة (لقوه)؟
أخيرًا وجّه الرجل الحديث إليها:
* إذا بتريدي، تعي دوري إنت كمان مشان تخلصوا بسرعة.
هكذا إذاً.. علينا أن نبحث في جميع هذه الوجوه ونتفحّصها بسرعة لنجد من تقولون عنه إنّه موجود؟!
لم تتحرّك، لم تطاوعها قدماها وهي ترى نساءً مُكبّاتٍ فوق جثامينَ يقبّلنَها ويتعالى نحيبهنّ. نظر إليها أبو أيمن فقالتْ فوراً: روح إنت.. إذا لقيته صِحلي.
نظر إليها لحظةً واكفهرّ وجهه، ثمّ استدار مغضبًا وراح ينحني كاشفًا عن الوجوه واحداً تلو الآخر، ومعيدًا الغطاء. بينما هي مشغولةٌ بالنظر إلى بقيّة النساء، الآن فقط بدأت الخواطر التي لجمتْها تقفز في عقلها بعشوائيّة وتمرّد: من قال لأيمن أنّ أخاه هنا؟ لا بدّ أن الذي أخذه وسجنه وقتله هو الذي اتّصل به. أو أحدٌ ممّن كانوا مع إبراهيم. وهؤلاء الذين يقفون هنا، معهم أسلحة.. لم ترها في البداية.. كان (معميّاً على قلبها). إبراهيم كان حيًّا وكان عند هؤلاء أربع سنين! ثلاثة أيام مضتْ تقريبا مذ اتّصل أيمن بأبيه، كيف سيبدو إبراهيم لو وجدوه؟!
* إم أيمن.. إشبك ساعة عبّصحلك!! تعي!!
هرولت إليه قبل أن يندلع غضبه أكثر، لا تدري أين تدوس بقدمها كي لا تدوس على بشرٍ.. ميّت.

نظر إليها بوجهٍ مخنوق وأشار إلى جثّة عند قدميه:
– شوفي.. مو هاد هوّ؟
ترفض شفتاه أن تسمّي الراقد باسم ابنه. حاولتْ أن تنظر إلى زوجها لتفهم من عينيه وصوته أيّةَ إجابة يريد أن يسمع منها، أيّةَ إجابةٍ ستريحه لتقولها. لكنّه أشاح سريعًا كاشفًا عن الوجه الميّت. نظرتْ..حاولتْ أن تتذكّر ابنها وتتخيّله بعد (التحوّل)، أن تفتّش عن (علامة) تخصّ جسده في ذاكرتها، فلم تجد. قد يكون هو، بقايا شعر داكن، ووجه نحيل وأنفه صغير جدًّا كأنف إبراهيم، هذه تبدو كعلامة. لم تدرِ أيّة قوّة جاءتْها لتنحني وتكشف عن قدميه، لإبراهيم قدمان مسطّحتان عريضتان.. لكنّها لم تجد شيئًا من ذلك: كانتْ القدمان تبدوان كعجينة صلصال. أفزعها المنظر فغطّتهما سريعًا، نظرتْ إلى زوجها دامعة، فنظر إليها، وفهمتْ، وقالتْ:
* إي هو.
واستدارتْ مبتعدة.
….
أخذتهما سيّارة، وكان السائق الثرثار يتكلّم كثيرًا حتى قال: ..صار في كتير مقابر، ما بقى تفرق وين الدفن، وبكل الأحوال ما رح يكلفكن كتير.
قاطعه زوجها بعصبيّة:
* إش رايحين ندفن كلب؟! هاد ابني.. ماني سيئل إش كلّف ما كلّف!
سكت الرجل وتوقّف أخيرا عن الكلام.
….
أخيرًا صارا في (الجبّانة)، غسل وتكفين؟ لم تسأل. هل يوجد ماءٌ للشرب أصلا ليكون هنالك ماءٌ لتغسيل الموتى الذين مضى على جثثهم أسبوع؟!. لا تدري بأيّ قماشٍ لفّوه.
كان هنالك شابّان يعملان في حفر القبور.. تساءلتْ في نفسها إن كانا يعملان في النبش لاحقا، ولا تدري من أين جاءها ذلك الخاطر البشع. رجلٌ أربعينيّ وقف على مقربةٌ منهم يراقب الحال، وكأنّه مشرفٌ لا تدري من عيّنه.
قال أحد الشابّين:
– يلا عمّي ودعوه.
انحنى زوجها، قبّل الجبين مغمَض العينين وعاود الوقوف دون تردّد لحظة. قال لها الشاب:
– يلا خالة يلا.. عجلي الله يخلّيكِ.
لماذا هو مستعجل؟ لقد انتظرتُ أربعة أعوام، فلماذا سأتعجّل الآن؟. نظرتْ إلى زوجها:
* بركي ما هو؟
انفلتتْ شفته السفلى بارتجافة وكأنّ هذا الخاطر لم يخطر له، ألم تقل أنّه هو؟ لماذا تفعل به هذا الآن؟!.
لم ينتظر الشابّ أكثر:
– وحدي الله يا خالة.. إش هو ما هو.. الله يخلّيـ..
وقبل أن يكمل قاطعتْه بعصبية:
* لك ابني سكوت!
فابتلع لسانه واستدار مشرعًا سيجارة.
شدّت على كفّ زوجها:
* أبو أيمن.. بركي ما هو؟ بركي كان إبراهيم لسه عندن؟
انتفض في وجهها ساحبًا كفّه من كفّها:
– خلصنا من هالقصّة هلّق!!
سكتتْ، ووقفتْ تنظر إلى المسّجى، عندها فقط اقترب ذلك المشرف المجهول، قال لها بصوتٍ هادئ:
– ودعيه يُوم.. ودعيه وترضّي عليه يا يُوم.
يوم.. يوم.. تردّدتْ الكلمة تلسع قلبها. ترى كم مرّة صاح إبراهيم متألّما في عذابه (آآه يا يوم)؟. ترى كم مرّة ناداها في ليل المعتقل ولم تسمعه؟. وهذا المسجّى.. لو ما كان هو.. فلا بدّ له من (يوم) أخرى.. من أمٍّ تفتّش عنه. نظرتْ إليه تكرارًا، كيف لا تعرف ابنها؟ كيف لا تجد دليلا إليه؟! أخِرفتْ أم فقدتْ عقلها فما عادتْ تحسّ بابنها وهي أمّه؟.
جثتْ على ركبتيها قربه وبدأتْ تبكي.. أخفضتْ خمارها ونظرتْ إليه.. أكان إبراهيم أم لم يكن.. هي تريد أن تجد ابنها، وهو يريد أمًّا تودّعه كي لا يذهب للقبر وحيدًا.
هكذا ستمنحه اسماً على شاهدة قبره كي لا يُدفن بشاهدة لا تحمل سوى رقماً وكلمة (مجهول). وهكذا ستُبقي شيئًا لها في أرض حلب.. ولو كان ذلك الشيء بقايا بشرٍ لا تعرفه.

انحنتْ تقبّل بقايا الجبين وتمسح عظام وجنتيه بأناملها:
* الله معك يا ابني. الله من فوق سابع سما يِرضى عليك.. يرضى عليك.. يرضى عليك وما يخيبك. الله ياخد اللي أخدوك. الله ياخدن. الله يعذبن بحياتن.. الله ينتقم منن. الله يعذبن بكل لحظة عذاب شافتها عيونك. الله يطعمك الجنة يا ابني وما يضيمك. الله معك يا ابني.. الله معك… الله معك.
—-
* تفاصيل القصّة والأسماء جميعها غير حقيقيّة. الحقيقة أكثر وجعًا.


لو ما كنتَ أنتَ.

“سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ “. هكذا كتبوا على لوح قبرك. وخطّوا تحت الآية اسمكَ، وكتبوا قبله: مَرقد. هكذا عرفنا أنّكَ (ترقد) هناك، تحت التراب، مرتاحاً من عفن هذا العالم بعدما خرجتَ منه شهيداً.

أين أمّك؟ هل ما زال أبوك على قيد الحياة؟، متى كانتْ آخر مرّة استطاعا فيها أن يزورا قبرك ويبكيا عنده وهما يتلوان الفاتحة؟ هل قصّا عليكَ ما حدث من بعدك؟.

أخبركَ أنا إذاً، ولكنّي لا أريد لقلبكَ أن يحزن، فخذ نفَساً عميقاً قبل أن أبدأ:

لم يحدث بعدك شيء.. تقريباً! ما حدث بعد رحيلكَ كان عاديّاً وطبيعيّاً جدّاً، وكنّا نعرف أنّه سيحدث لكنّنا نعتقد أنّ إنكارنا له سيحول دون وقوعه.

كلّ ما في الأمر أنّهم: اعتقلوك، عذّبوك، وقتلوك. وما في ذلك من أمرٍ لم نعرفه؟، ألم يفعلوها قبل أن تولد أنتَ وأنا؟ فما الذي أخرس شعبنا قبلا ولم يخرسهم لاحقاً؟، لم أفتّش كثيراً عن إجابة هذا السؤال، بالنسبة لي وكشخصٍ مؤمن، هنالك إجابة مريحة جدّاً تسمّى: قضاء الله وحكمته التي لا نعلمها قبل وقوعها. لكلّ شيءٍ أوانه لا يستقدم ولا يستأخر. إلا أنّنا لا نعرفه حتّى يقع.

لما فعلوها أوّل مرّة قبل عقود؛ ارتعب أهلونا من جدار زجاج كان بيننا وبينهم! يرَوْن ما لا يطيقون رؤيته، ولا يقدرون على إيقافه. قضوا أربعين عاماً محتجزين ضمن جدرانٍ زجاجيّة، ناسين أنّها تنكسر وتنهدّ تباعاً بضربة حجرٍ واحدة.

لكنّ أحدًا لم يجرؤ على رفع الحجر، حتّى رفعه رفاقك، ورميتَهُ أنتَ.. بموتك. تناثر الزجاج آلاف شظايا، وكلّ واحدٍ نال نصيبه وقام بدوره.

تخيّل.. هنالك من يشتم جثّتكَ الخالية من الحياة لأنّها رمت الحجر وهدمت الوهم الذي كانوا يعيشونه! تخيّل.. هنالك من يلعن رفاقكَ لأنّهم رفعوا رؤوسهم فوق الحواجز، واعتَلوا فوق الجدران الخياليّة، ورفعوا أيديهم إلى المكان الذي تستحقّ أن تكون فيه: عالية متسامية.

لم يحدث شيء لم نعرفه قبلا، ومع ذلك ما زلنا رغم سنواتٍ ستٍّ نفتح أعيينا على وِسعها بدهشة أعمى يرى للمرّة الأولى!

اهنأ بالا وطِب في مرقدكَ يا (حمزة)، فلو ما كنتَ أنتَ، لكان غيرك. ماضون نحن مع من يريد من شعبنا، حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

  • نشر على صفحة أدباء الشام.

قالتْ لي العتمة

..وكان السؤال الذي ارتسم في عتمة الغرفة منسابًا مع دمعي الساخن الصامت:
“لماذا نصرّ على استجلاب ما يثير أحزاننا الكامدة؟”

لم أكن أدري وأنا آوي إلى فراشي بالأمسِ قرابةَ منتصفِ الليل بعد نهارٍ طويل؛ أنّي سأفتح نافذةً من البكاء تُغرِقُ روحي، إذ أفتح نافذةَ الغرفةِ لتهويتها قليلا.

كان الطقس كامدًا بالخارج رغم نفخاتٍ متتابعةٍ من الهواء البارد، لكنّها محمّلةٌ بالرطوبة الثقيلة، ما أشاع دفئًا غريبًا لا علاقة له ببردِ ينايرَ ولا الليلِ المتأخّرِ ولا الدرجاتِ الخمسِ المئويّة.
فتحتُ مصراعَ النافذة الأقربِ لسريري بشكلٍ أفقيٍّ على وِسعه، واستلقيتُ منتظرةً تذوُّقَ طعم هواء الليل البارد الذي أحبّه.
لكنّي لإرهاقي غفوت.. ربّما ثانيةً أو جزءًا من الثانية، ثمّ فتحتُ عينيّ، أو هكذا ظننتُ..
وسمعتُ صوت ضحكٍ وسعالٍ وأحاديث من الشارع، أشخاصٌ يمشون.. ألقيتُ نظرةً على الغرفة المعتمة إلا من ضوء الشارع الأبيض البعيد، الخزانة الخشبيّة، نور الساعة الإلكترونيّة، صوتُ حفيفِ الشجر ونفخُ الريح كلُهاثٍ ضجِر، كلّ شيءٍ في مكانه تمامًا.. أنا فقط؛ لستُ هنا.

العتمة الجزئيّة قالتْ لي إنّ مصراع النافذة خشبيٌّ مطليٌّ باللون البنّي، وإنّ الأصوات التي سمعتُها تأتي من الطابق السفليّ حيث يجتمعون، وإنّ هذا هو أيلول الذي لا يُمطر ولذلك أحسّ الرطوبةَ الثقيلةَ المنعشةَ معًا، وإنّ الشجر الذي أسمع حفيفه هو السّرْوُ في الحديقة الشرقيّة، وإنّي لو التفتُّ قليلا تجاه النافذة على مهلٍ فسأرى البومة التي تقف هنالك بعينيها الكبيرتين.
قالتْ العتمة أيضًا إنّ هذه فرصتي كي أنهض وأفتح مصراع الشرفة التي لا يجلس فيها أحدٌ إلا نادرًا، وآخذ نفَسًا عميقًا من الوحدة والهدوء والسكينة، وأنا أنظر إلى شرفة منزل أهلي في البناية المقابلة، منزلهم الذي لا أعرفه لأنّ عُصبة السُّرّاق التي سرقتْ الوطن كلّه؛ اغتصبتْ بالجُملة حقّ ملكيّته من قبل أن أُوجد في الحياة.
قالتْ العتمة إنّي لو أغمضتُ عينيّ أكثر قليلا سأكون هنالك زمنًا أطول، وسأحفظ تفاصيل أكثر، قد أتذكّر مثلا عدد الأدراج في الخزانة الخشبيّة عند باب الغرفة، تلك الخزانة التي كنتُ أفتح دُرجها الأوّلَ خِلسةً من جدّتي وأتفرّج على أمشاط الشعر.. لعلّني أنتقي مرّة أخرى مشطًا مزهّرًا كذاكَ الذي أعطتنْي إيّاه.
قالتْ لي العتمة أشياءَ كثيرة؛ ولم تنتبه إلى دمعي الذي راح يقطر تِباعًا بصمتٍ كصنبورٍ ينقُط على منشفة. ولم ترَ السؤال الذي ارتسم في الفضاء:
“ما هي الحقيقة التي كانتْ؟ وما هي الحقيقة التي ستأتي؟ أيّهما أفضل لي: أن أتذكّر أو أنسى؟ من يقرّر ذلك إذا كنتُ لا أعرف كيف أقرِّرُه؟ ولماذا.. لماذا نصرّ على استِجْلاب ما يُثير أحزانَنا الكامدة؟”

أغلقتُ النافذة، وأغلقتُ المِصراع الكهربائيّ مانعةً آخرَ بصيصِ نورٍ من التسلّل، قلبتُ وسادتي وجعلتُ المبتلّ منها بعيدًا عن وجهي، تشرنقتُ بلحافي.. وتلوتُ أذكاري، وتأكّدتُ من إغلاق عينيّ جيّدًا.

الآن أنام.. أنام كجنينٍ في رحم أمّه.. يرفس بقدمه متعجّلا الخروج، يريد أن يعرف ما وراء العتمة، ولا يدرك أنّ تلك المعرفة ستأخذ منه حياةً كاملة!


في صباحٍ كهذا..

إنّه ذلك اليوم الذي يكون فيه الطقس رائعًا أكثر ممّا تحتمله أنفاسك.
شمس الصباح تسطع بدفءٍ خجولٍ لا يريد حرق النسمات الباردة. تشعّ بلطفٍ يجعلك ممتنًّا للمعطف الخفيف. الأشجار الخضراء تبدو خضراء جدًّا؛ عطِرةً برائحةٍ مميّزة ليستْ لها.. إنّها رائحة غابة جبليّة من بلادك البعيدة.

أنت تبكي، تدرك ذلك حين تنتبه لشخصٍ يمرّ قربك.

تتذكّر يوم ولادة طفلكَ الأوّل في صباحٍ كهذا تمامًا. كيف حملتَه، أذّنتَ في سمعه، رائحتَه التي لم يغيّرها شيءٌ بعد. ترْقُب حمّامه الأوّل بشغفٍ وتوتّر، تقول لك الممرّضة ألا تتوتّر هكذا فهي تجيد عملها. وأنتَ تكاد تبكي.. لأنّك تدرك الآن كم قلبك ضعيفٌ تجاه هذا الكائن الصغير.

في صباحٍ كهذا؛ تعثّر طفلكَ في الشارع لأوّل مرّة بعد أسبوع من تعلّمه المشي. ومع أنّك كنت تمسك كفّه بأصابعك، لكنّه سقط سقطة أليمة. ركبتاه انخدشتا، وكذا أنفه. تحمله سريعًا وبذعرٍ لا تعرفه في نفْسِك تخفّف عنه. تعود به إلى البيت وأنتَ تحمله لأنّك تشعر بالرعب من فكرة سقوطه مرّة أخرى؛ تناوله لأمّه بتوجّس، تسألها أن تتفحّصه جيّدًا. ولعدّة أيّام لاحقة؛ تبقى محيطًا به بذراعيك كلّما خطا في البيت خشية أن يسقط مرّة أخرى.. حتى تتزن خطواته.

في صباحٍ منعشٍ كهذا؛ ذهبتَ معه بصحبة أمّه لحضور يوم الروضة الأوّل. وحين أردتما الانصراف، تعلّق ببنطالكَ وبكى وهو يشدّك. زوجتكَ تسحبكَ وتقول لك: لن يحدث له شيء، تعال.. قسّي قلبك شوي. لكنّك تعجز. تذهب هي وتبقى أنت. تتغيّب عن عملك عدّة أيام حتى يهدأ الصغير ويركن إلى الحاضنة التي تُعني به. وفي كلّ يومٍ حين تعود إلى البيت، يكون قلبكَ معلّقًا برؤيته بانتظارك خلف الباب إذ يسمع خشّة مفاتيحك. تتعمّد أن تضع المفتاح في الباب وترنّ الجرس، فيقفز محاولا فتحه من الداخل وهو يهتف باسمك مجرّدًا كصديقٍ قديم.

في صباحٍ أخضر جدًّا كهذا؛ كان يومه الأوّل في المدرسة، كنتَ تلقي على مسامعه النصائح والإرشادات طيلة الطريق: لا تسمح لأحدٍ أن يلمسك، أو يضربك، أو يسخر منك، أو يسيء إليك بأيّ شكل. أنتَ كبير وذكيّ ومحترم. إذا واجهتكَ مشكلة ما، لا تفكّر بالضرب كوسيلة للحلّ.. إنّه شكلٌ من أشكال الاعتداء. دافع عن نفسكَ بالصدّ، ولكن لا تضرب أحدًا. استمتع بوقتك وكن شجاعًا. لا تخجل أن تسأل عمّا لا تفهم. وكان يجيبكَ بالإيماء ويقاطعكَ مرّاتٍ وهو يشير إلى أشياء في الشارع، ويعدّ أسماء أولاد الجيران الذين سيكونون في صفّه.

وفي صباحٍ يعلن دخول الصيف رسميًّا كهذا الصباح؛ كنتَ تركض من عملكَ وقلبكَ يكاد يتوقّف عن عمله. لا تبعد عن مدرسته سوى ثلاثة شوارع، قطعتَها في ثوانٍ.. لكنّها لم تكن كافية. بين ركام الحجارة تفتّش؛ بأظفاركَ الدامية تنبش وهنالك من يساعدك. أخيرًا وقد مالتْ الشمس للغروب، يَخرجون بأجسادهم الطريّة واحدًا تلو الآخر، ما أجملهم.. غير أنّهم غارقون في نومة أبديّة. وبينهم تجده، تحمله وأنتَ تركض لا تدري إلى أين.. تريد أن تبتعد عن هذا الصخب. وكما كنتما وحدكما معًا دائمًا، أردت أن تكون وحدكَ معه الآن. أخيرًا.. لم تعد تقوى على الركض. فجلستَ على بقايا رصيفٍ؛ وجسده الساكن يجلس في حِجرك. تشدّ كمّ قميصك وتمسح وجهه ليشرق نظيفًا هادئًا.
الآن فقط؛ هدأتْ مخاوفكَ التي كانتْ تأكلكَ منذ ولادته، من أنّكَ لن تقدر أن تحميه من هذا العالم.
..
الآن تذكر هذا كلّه الذي كان، لأنّ صباحًا كهذا.. لا بدّ وأن يأتي بكلّ ما تريد نسيانه.
..
أنتَ تبكي؟ لا بأس. ولكن اسمح لي أن أجلس قربك وأبكي معك. هذا صباحٌ رائعٌ حقًّا، لا يصحّ أن تبكي فيه وحدك.