Category Archives: الوطن جِنّة

الجمعة لا تأتي يوم أحد.

أشتاق أن أخرج من بيت أهلي وأعبر الشارع إلى الجهة المقابلة لأدقّ باب بيت خالي في ساعة متأخّرة من الليل، لتفتح لي ابنة الخال، ونتسلّل إلى غرفتها لتقصّ شعري بشكلٍ جديد. أشتاق لشهقتها وهي تعتقد أنّه صار قصيرا جدّاً، وأنّه: يا ويلنا من عميمة/أمّي. ونضحك ونحن نقول: يلا.. نانا بتقول الشعر بضاعة مخلوفة.
أشتاق إليها الآن وقد علّمتني كيف أقصّ شعري وحدي منذ أعوام، ولكنّي لم أتعلّم كيف أقصّ شعر غيري.. شعر بناتي مثلا! بدلا من هذه الفوضى التي أُحدثها في رأسيهما كلّما أمسكتُ المقصّ.
أشتاق أن آخذهما إليها وأقول لها: علميني موديل يزبط على شعرن السايح أمشي معه عشرين سنة لقدّام!
كلّ شيء في الحياة رِزق، وأنا أعتقد يقينًا أنّ هذا البال والمزاج وحبّ تجميل الشعر والوجه هو رِزق، وأنا لم أُرزقه.. فلا بال لي مطلقًا ولا صبر لي لأكثر من خمس دقائق على تجميل بناتي. أنتظر أن تكبرا لتتعلّما ذلك وتعفياني من هذه (المهمّة). Continue reading

لقوه.

الهاتف لا يرن إلا حين يتّصل أيمن. وفي هذا اليوم اتّصل. رنّ الهاتف كثيرًا حتّى وصلتْ إليه ملهوفةً تدركه قبل أن ينقطع الخطّ.
* ألو أهلين ابني. (قبل حتّى أن تتأكّد من صوته، فمن يتّصل سواه؟)
– شلونك يوم؟
* الحمد لله بألف خير. (كلمتها الوحيدة دائماً.)
– الحمد لله.. يُوم.. إش بدّي أقلك.. أبوي جنبك؟
* إي جنبي وين بدّه يكون؟ (أين سيذهب هذا العجوز المسكين سوى ليقبض الحوالات التي تصله من ابنهم الثاني في استانبول؟)
– عطيني اياه الله يخليكِ.
لا تسأله ما الخبر.. فليس من عادتها أن تفعل. بحثتْ عن زوجها بأسرع ما مكّنتْها سنواتها الخمس وسبعون، وهي تنادي بأعلى ما استطاعت وبشيءٍ من النزق: أبو أيمن.. أبو أيمن.. إي وينك؟؟ خوه.. إحكي. (وتدفع إليه الهاتف).
* إي أهلين ابني أهلين.. شلونكم؟
– الحمد لله.. يوب.. اسمعني يوب.. إمبيرحة اتصلوا فينا قال لقوه.. (ثوانٍ من الصمت علّ أباه يفهم دون شرح) لقوا إبراهيم.
*… وين؟ Continue reading

لو ما كنتَ أنتَ.

“سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ “. هكذا كتبوا على لوح قبرك. وخطّوا تحت الآية اسمكَ، وكتبوا قبله: مَرقد. هكذا عرفنا أنّكَ (ترقد) هناك، تحت التراب، مرتاحاً من عفن هذا العالم بعدما خرجتَ منه شهيداً.

أين أمّك؟ هل ما زال أبوك على قيد الحياة؟، متى كانتْ آخر مرّة استطاعا فيها أن يزورا قبرك ويبكيا عنده وهما يتلوان الفاتحة؟ هل قصّا عليكَ ما حدث من بعدك؟.

أخبركَ أنا إذاً، ولكنّي لا أريد لقلبكَ أن يحزن، فخذ نفَساً عميقاً قبل أن أبدأ:

لم يحدث بعدك شيء.. تقريباً! ما حدث بعد رحيلكَ كان عاديّاً وطبيعيّاً جدّاً، وكنّا نعرف أنّه سيحدث لكنّنا نعتقد أنّ إنكارنا له سيحول دون وقوعه.

كلّ ما في الأمر أنّهم: اعتقلوك، عذّبوك، وقتلوك. وما في ذلك من أمرٍ لم نعرفه؟، ألم يفعلوها قبل أن تولد أنتَ وأنا؟ فما الذي أخرس شعبنا قبلا ولم يخرسهم لاحقاً؟، لم أفتّش كثيراً عن إجابة هذا السؤال، بالنسبة لي وكشخصٍ مؤمن، هنالك إجابة مريحة جدّاً تسمّى: قضاء الله وحكمته التي لا نعلمها قبل وقوعها. لكلّ شيءٍ أوانه لا يستقدم ولا يستأخر. إلا أنّنا لا نعرفه حتّى يقع.

لما فعلوها أوّل مرّة قبل عقود؛ ارتعب أهلونا من جدار زجاج كان بيننا وبينهم! يرَوْن ما لا يطيقون رؤيته، ولا يقدرون على إيقافه. قضوا أربعين عاماً محتجزين ضمن جدرانٍ زجاجيّة، ناسين أنّها تنكسر وتنهدّ تباعاً بضربة حجرٍ واحدة.

لكنّ أحدًا لم يجرؤ على رفع الحجر، حتّى رفعه رفاقك، ورميتَهُ أنتَ.. بموتك. تناثر الزجاج آلاف شظايا، وكلّ واحدٍ نال نصيبه وقام بدوره.

تخيّل.. هنالك من يشتم جثّتكَ الخالية من الحياة لأنّها رمت الحجر وهدمت الوهم الذي كانوا يعيشونه! تخيّل.. هنالك من يلعن رفاقكَ لأنّهم رفعوا رؤوسهم فوق الحواجز، واعتَلوا فوق الجدران الخياليّة، ورفعوا أيديهم إلى المكان الذي تستحقّ أن تكون فيه: عالية متسامية.

لم يحدث شيء لم نعرفه قبلا، ومع ذلك ما زلنا رغم سنواتٍ ستٍّ نفتح أعيينا على وِسعها بدهشة أعمى يرى للمرّة الأولى!

اهنأ بالا وطِب في مرقدكَ يا (حمزة)، فلو ما كنتَ أنتَ، لكان غيرك. ماضون نحن مع من يريد من شعبنا، حتّى يقضي الله أمراً كان مفعولا.

  • نشر على صفحة أدباء الشام.