قالتْ لي العتمة

..وكان السؤال الذي ارتسم في عتمة الغرفة منسابًا مع دمعي الساخن الصامت:
“لماذا نصرّ على استجلاب ما يثير أحزاننا الكامدة؟”

لم أكن أدري وأنا آوي إلى فراشي بالأمسِ قرابةَ منتصفِ الليل بعد نهارٍ طويل؛ أنّي سأفتح نافذةً من البكاء تُغرِقُ روحي، إذ أفتح نافذةَ الغرفةِ لتهويتها قليلا.

كان الطقس كامدًا بالخارج رغم نفخاتٍ متتابعةٍ من الهواء البارد، لكنّها محمّلةٌ بالرطوبة الثقيلة، ما أشاع دفئًا غريبًا لا علاقة له ببردِ ينايرَ ولا الليلِ المتأخّرِ ولا الدرجاتِ الخمسِ المئويّة.
فتحتُ مصراعَ النافذة الأقربِ لسريري بشكلٍ أفقيٍّ على وِسعه، واستلقيتُ منتظرةً تذوُّقَ طعم هواء الليل البارد الذي أحبّه.
لكنّي لإرهاقي غفوت.. ربّما ثانيةً أو جزءًا من الثانية، ثمّ فتحتُ عينيّ، أو هكذا ظننتُ..
وسمعتُ صوت ضحكٍ وسعالٍ وأحاديث من الشارع، أشخاصٌ يمشون.. ألقيتُ نظرةً على الغرفة المعتمة إلا من ضوء الشارع الأبيض البعيد، الخزانة الخشبيّة، نور الساعة الإلكترونيّة، صوتُ حفيفِ الشجر ونفخُ الريح كلُهاثٍ ضجِر، كلّ شيءٍ في مكانه تمامًا.. أنا فقط؛ لستُ هنا.

العتمة الجزئيّة قالتْ لي إنّ مصراع النافذة خشبيٌّ مطليٌّ باللون البنّي، وإنّ الأصوات التي سمعتُها تأتي من الطابق السفليّ حيث يجتمعون، وإنّ هذا هو أيلول الذي لا يُمطر ولذلك أحسّ الرطوبةَ الثقيلةَ المنعشةَ معًا، وإنّ الشجر الذي أسمع حفيفه هو السّرْوُ في الحديقة الشرقيّة، وإنّي لو التفتُّ قليلا تجاه النافذة على مهلٍ فسأرى البومة التي تقف هنالك بعينيها الكبيرتين.
قالتْ العتمة أيضًا إنّ هذه فرصتي كي أنهض وأفتح مصراع الشرفة التي لا يجلس فيها أحدٌ إلا نادرًا، وآخذ نفَسًا عميقًا من الوحدة والهدوء والسكينة، وأنا أنظر إلى شرفة منزل أهلي في البناية المقابلة، منزلهم الذي لا أعرفه لأنّ عُصبة السُّرّاق التي سرقتْ الوطن كلّه؛ اغتصبتْ بالجُملة حقّ ملكيّته من قبل أن أُوجد في الحياة.
قالتْ العتمة إنّي لو أغمضتُ عينيّ أكثر قليلا سأكون هنالك زمنًا أطول، وسأحفظ تفاصيل أكثر، قد أتذكّر مثلا عدد الأدراج في الخزانة الخشبيّة عند باب الغرفة، تلك الخزانة التي كنتُ أفتح دُرجها الأوّلَ خِلسةً من جدّتي وأتفرّج على أمشاط الشعر.. لعلّني أنتقي مرّة أخرى مشطًا مزهّرًا كذاكَ الذي أعطتنْي إيّاه.
قالتْ لي العتمة أشياءَ كثيرة؛ ولم تنتبه إلى دمعي الذي راح يقطر تِباعًا بصمتٍ كصنبورٍ ينقُط على منشفة. ولم ترَ السؤال الذي ارتسم في الفضاء:
“ما هي الحقيقة التي كانتْ؟ وما هي الحقيقة التي ستأتي؟ أيّهما أفضل لي: أن أتذكّر أو أنسى؟ من يقرّر ذلك إذا كنتُ لا أعرف كيف أقرِّرُه؟ ولماذا.. لماذا نصرّ على استِجْلاب ما يُثير أحزانَنا الكامدة؟”

أغلقتُ النافذة، وأغلقتُ المِصراع الكهربائيّ مانعةً آخرَ بصيصِ نورٍ من التسلّل، قلبتُ وسادتي وجعلتُ المبتلّ منها بعيدًا عن وجهي، تشرنقتُ بلحافي.. وتلوتُ أذكاري، وتأكّدتُ من إغلاق عينيّ جيّدًا.

الآن أنام.. أنام كجنينٍ في رحم أمّه.. يرفس بقدمه متعجّلا الخروج، يريد أن يعرف ما وراء العتمة، ولا يدرك أنّ تلك المعرفة ستأخذ منه حياةً كاملة!


في صباحٍ كهذا..

إنّه ذلك اليوم الذي يكون فيه الطقس رائعًا أكثر ممّا تحتمله أنفاسك.
شمس الصباح تسطع بدفءٍ خجولٍ لا يريد حرق النسمات الباردة. تشعّ بلطفٍ يجعلك ممتنًّا للمعطف الخفيف. الأشجار الخضراء تبدو خضراء جدًّا؛ عطِرةً برائحةٍ مميّزة ليستْ لها.. إنّها رائحة غابة جبليّة من بلادك البعيدة.

أنت تبكي، تدرك ذلك حين تنتبه لشخصٍ يمرّ قربك.

تتذكّر يوم ولادة طفلكَ الأوّل في صباحٍ كهذا تمامًا. كيف حملتَه، أذّنتَ في سمعه، رائحتَه التي لم يغيّرها شيءٌ بعد. ترْقُب حمّامه الأوّل بشغفٍ وتوتّر، تقول لك الممرّضة ألا تتوتّر هكذا فهي تجيد عملها. وأنتَ تكاد تبكي.. لأنّك تدرك الآن كم قلبك ضعيفٌ تجاه هذا الكائن الصغير.

في صباحٍ كهذا؛ تعثّر طفلكَ في الشارع لأوّل مرّة بعد أسبوع من تعلّمه المشي. ومع أنّك كنت تمسك كفّه بأصابعك، لكنّه سقط سقطة أليمة. ركبتاه انخدشتا، وكذا أنفه. تحمله سريعًا وبذعرٍ لا تعرفه في نفْسِك تخفّف عنه. تعود به إلى البيت وأنتَ تحمله لأنّك تشعر بالرعب من فكرة سقوطه مرّة أخرى؛ تناوله لأمّه بتوجّس، تسألها أن تتفحّصه جيّدًا. ولعدّة أيّام لاحقة؛ تبقى محيطًا به بذراعيك كلّما خطا في البيت خشية أن يسقط مرّة أخرى.. حتى تتزن خطواته.

في صباحٍ منعشٍ كهذا؛ ذهبتَ معه بصحبة أمّه لحضور يوم الروضة الأوّل. وحين أردتما الانصراف، تعلّق ببنطالكَ وبكى وهو يشدّك. زوجتكَ تسحبكَ وتقول لك: لن يحدث له شيء، تعال.. قسّي قلبك شوي. لكنّك تعجز. تذهب هي وتبقى أنت. تتغيّب عن عملك عدّة أيام حتى يهدأ الصغير ويركن إلى الحاضنة التي تُعني به. وفي كلّ يومٍ حين تعود إلى البيت، يكون قلبكَ معلّقًا برؤيته بانتظارك خلف الباب إذ يسمع خشّة مفاتيحك. تتعمّد أن تضع المفتاح في الباب وترنّ الجرس، فيقفز محاولا فتحه من الداخل وهو يهتف باسمك مجرّدًا كصديقٍ قديم.

في صباحٍ أخضر جدًّا كهذا؛ كان يومه الأوّل في المدرسة، كنتَ تلقي على مسامعه النصائح والإرشادات طيلة الطريق: لا تسمح لأحدٍ أن يلمسك، أو يضربك، أو يسخر منك، أو يسيء إليك بأيّ شكل. أنتَ كبير وذكيّ ومحترم. إذا واجهتكَ مشكلة ما، لا تفكّر بالضرب كوسيلة للحلّ.. إنّه شكلٌ من أشكال الاعتداء. دافع عن نفسكَ بالصدّ، ولكن لا تضرب أحدًا. استمتع بوقتك وكن شجاعًا. لا تخجل أن تسأل عمّا لا تفهم. وكان يجيبكَ بالإيماء ويقاطعكَ مرّاتٍ وهو يشير إلى أشياء في الشارع، ويعدّ أسماء أولاد الجيران الذين سيكونون في صفّه.

وفي صباحٍ يعلن دخول الصيف رسميًّا كهذا الصباح؛ كنتَ تركض من عملكَ وقلبكَ يكاد يتوقّف عن عمله. لا تبعد عن مدرسته سوى ثلاثة شوارع، قطعتَها في ثوانٍ.. لكنّها لم تكن كافية. بين ركام الحجارة تفتّش؛ بأظفاركَ الدامية تنبش وهنالك من يساعدك. أخيرًا وقد مالتْ الشمس للغروب، يَخرجون بأجسادهم الطريّة واحدًا تلو الآخر، ما أجملهم.. غير أنّهم غارقون في نومة أبديّة. وبينهم تجده، تحمله وأنتَ تركض لا تدري إلى أين.. تريد أن تبتعد عن هذا الصخب. وكما كنتما وحدكما معًا دائمًا، أردت أن تكون وحدكَ معه الآن. أخيرًا.. لم تعد تقوى على الركض. فجلستَ على بقايا رصيفٍ؛ وجسده الساكن يجلس في حِجرك. تشدّ كمّ قميصك وتمسح وجهه ليشرق نظيفًا هادئًا.
الآن فقط؛ هدأتْ مخاوفكَ التي كانتْ تأكلكَ منذ ولادته، من أنّكَ لن تقدر أن تحميه من هذا العالم.
..
الآن تذكر هذا كلّه الذي كان، لأنّ صباحًا كهذا.. لا بدّ وأن يأتي بكلّ ما تريد نسيانه.
..
أنتَ تبكي؟ لا بأس. ولكن اسمح لي أن أجلس قربك وأبكي معك. هذا صباحٌ رائعٌ حقًّا، لا يصحّ أن تبكي فيه وحدك.


لو أنّنا..

لو أنّي أجلس معكِ الآن، على درجات المزرعة. من خلفنا أصوات الشباب يلعبون كرة الطاولة، والأطفال في المسبح، والنساء يفصفصن البزر ويتحادثن.
أنا وأنتِ؛ نبدو خارج هذه النغمة.. ندندن معًا لحنًا متقطّعًا، ونتبادل الكثير من الصمت والشرود.
نسمات الصيف تهبّ ساخنة لأنّ الشمس لم تغرب بعد، لكنّنا لا نشعر بالحرّ.
لو أنّني أسمع صوت خالتي (كميلة الزهراء) تنادي معاتبة الصبايا؛ لماذا لا يحضّرن القهوة والشاي. ونحن نعتبر نفسينا خارج القائمة.
رائحة التراب الأحمر المبلول حديثًا بعد السقي، رائحة كلور خفيفة تأتي من بركة السباحة، صوت النافورة مختلطًا مع صوت قفزات الأولاد في الماء. تقفز الكرة من جنبي فجأة فلا أتزحزح لابن الخال الذي يقفز الدرجات ليحضر الكرة ويكملوا الشوط.
وحدنا.. خارج الزمن. تقرئين ما بي دون أن أتكلّم. تعرفين أنّي سأهمس لكِ في هذا الزحام أسوأ أسراري وأشنعها، لتأكُّدي أنّ الصخب سيمنع أحدًا من استراق السمع.
وما كان أقلّ أسراري.. وكم كانتْ نظيفة مقارنة بما أخفيه الآن!
تعرفين أنّي سأكلّمكِ عن الحبّ الذي لا أؤمن به؛ سأقول إنّي أجرّبه كحلوى كثيرة السكّر. أعصر عليها ليمونًا لأتقبّلها!

تعرفين تمامًا رأيي في أنّه (يحدث للآخرين فقط، ولا يحدث لي)، وحين حدث.. لم أتغيّر أنا. ما زلتُ أعصر على الحلوى السكّريّة ليمونًا.. لآكلها بهناء.
.
لو أنّني أجلس معكِ الآن على الدرجات؛ كنتُ سأغنّي بصوتي الذي لا يروق أحدًا سواكِ:
يا ريح المسا غيمِك مراجيح.. لطيور السواقي وشجر الشيح..
ندهلي حبيبي وبيته بعيد..ندهلي حبيبي، ودّيني يا ريح
وستضحكين وتقولين لي: مين ماسكك. فأضحك وأقول لكِ إنّي حاولتُ أن أغيّر في الأغنية فلم أفلح. لكنّ البيت الأوّل يعجبني كثيرا، وكذا اللحن.فقط لو أنّ الأغنية كانتْ تتكلم عن شيء آخر غير الحبيب!
.
لو أنّها تتكلم عن رائحة ورق الدوالي المقطوف توًّا من العريشة.
عن رائحة غيمة أيلول التي لا تمطر.
عن رائحة الزيتون المجرّح.
عن رائحة الصمغ الذي يخرج من الشجرة المحنيّة على باب بيت جدّي.
عن رائحة هواء الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، يأتي باردًا بغتة فأقفز من نومي إلى الشرفة وأعبّ منه بنهَم، وأبتلع ريقي وكأنّ قطعة ثلجٍ لذيذة تذوب في فمي.

لو..