قالتْ لي العتمة

..وكان السؤال الذي ارتسم في عتمة الغرفة منسابًا مع دمعي الساخن الصامت:
“لماذا نصرّ على استجلاب ما يثير أحزاننا الكامدة؟”

لم أكن أدري وأنا آوي إلى فراشي بالأمسِ قرابةَ منتصفِ الليل بعد نهارٍ طويل؛ أنّي سأفتح نافذةً من البكاء تُغرِقُ روحي، إذ أفتح نافذةَ الغرفةِ لتهويتها قليلا.

كان الطقس كامدًا بالخارج رغم نفخاتٍ متتابعةٍ من الهواء البارد، لكنّها محمّلةٌ بالرطوبة الثقيلة، ما أشاع دفئًا غريبًا لا علاقة له ببردِ ينايرَ ولا الليلِ المتأخّرِ ولا الدرجاتِ الخمسِ المئويّة.
فتحتُ مصراعَ النافذة الأقربِ لسريري بشكلٍ أفقيٍّ على وِسعه، واستلقيتُ منتظرةً تذوُّقَ طعم هواء الليل البارد الذي أحبّه.
لكنّي لإرهاقي غفوت.. ربّما ثانيةً أو جزءًا من الثانية، ثمّ فتحتُ عينيّ، أو هكذا ظننتُ.. Continue reading


في صباحٍ كهذا..

إنّه ذلك اليوم الذي يكون فيه الطقس رائعًا أكثر ممّا تحتمله أنفاسك.
شمس الصباح تسطع بدفءٍ خجولٍ لا يريد حرق النسمات الباردة. تشعّ بلطفٍ يجعلك ممتنًّا للمعطف الخفيف. الأشجار الخضراء تبدو خضراء جدًّا؛ عطِرةً برائحةٍ مميّزة ليستْ لها.. إنّها رائحة غابة جبليّة من بلادك البعيدة.

أنت تبكي، تدرك ذلك حين تنتبه لشخصٍ يمرّ قربك.

تتذكّر يوم ولادة طفلكَ الأوّل في صباحٍ كهذا تمامًا. كيف حملتَه، أذّنتَ في سمعه، رائحتَه التي لم يغيّرها شيءٌ بعد. ترْقُب حمّامه الأوّل بشغفٍ وتوتّر، تقول لك الممرّضة ألا تتوتّر هكذا فهي تجيد عملها. وأنتَ تكاد تبكي.. لأنّك تدرك الآن كم قلبك ضعيفٌ تجاه هذا الكائن الصغير.

في صباحٍ كهذا؛ تعثّر طفلكَ في الشارع لأوّل مرّة بعد أسبوع من تعلّمه المشي. ومع أنّك كنت تمسك كفّه بأصابعك، لكنّه سقط سقطة أليمة. ركبتاه انخدشتا، وكذا أنفه. تحمله سريعًا وبذعرٍ لا تعرفه في نفْسِك تخفّف عنه. تعود به إلى البيت وأنتَ تحمله لأنّك تشعر بالرعب من فكرة سقوطه مرّة أخرى؛ تناوله لأمّه بتوجّس، تسألها أن تتفحّصه جيّدًا. ولعدّة أيّام لاحقة؛ تبقى محيطًا به بذراعيك كلّما خطا في البيت خشية أن يسقط مرّة أخرى.. حتى تتزن خطواته. Continue reading


لو أنّنا..

لو أنّي أجلس معكِ الآن، على درجات المزرعة. من خلفنا أصوات الشباب يلعبون كرة الطاولة، والأطفال في المسبح، والنساء يفصفصن البزر ويتحادثن.
أنا وأنتِ؛ نبدو خارج هذه النغمة.. ندندن معًا لحنًا متقطّعًا، ونتبادل الكثير من الصمت والشرود.
نسمات الصيف تهبّ ساخنة لأنّ الشمس لم تغرب بعد، لكنّنا لا نشعر بالحرّ.
لو أنّني أسمع صوت خالتي (كميلة الزهراء) تنادي معاتبة الصبايا؛ لماذا لا يحضّرن القهوة والشاي. ونحن نعتبر نفسينا خارج القائمة.
رائحة التراب الأحمر المبلول حديثًا بعد السقي، رائحة كلور خفيفة تأتي من بركة السباحة، صوت النافورة مختلطًا مع صوت قفزات الأولاد في الماء. تقفز الكرة من جنبي فجأة فلا أتزحزح لابن الخال الذي يقفز الدرجات ليحضر الكرة ويكملوا الشوط.
وحدنا.. خارج الزمن. تقرئين ما بي دون أن أتكلّم. تعرفين أنّي سأهمس لكِ في هذا الزحام أسوأ أسراري وأشنعها، لتأكُّدي أنّ الصخب سيمنع أحدًا من استراق السمع.
وما كان أقلّ أسراري.. وكم كانتْ نظيفة مقارنة بما أخفيه الآن!
تعرفين أنّي سأكلّمكِ عن الحبّ الذي لا أؤمن به؛ سأقول إنّي أجرّبه كحلوى كثيرة السكّر. أعصر عليها ليمونًا لأتقبّلها!

تعرفين تمامًا رأيي في أنّه (يحدث للآخرين فقط، ولا يحدث لي)، وحين حدث.. لم أتغيّر أنا. ما زلتُ أعصر على الحلوى السكّريّة ليمونًا.. لآكلها بهناء.
.
لو أنّني أجلس معكِ الآن على الدرجات؛ كنتُ سأغنّي بصوتي الذي لا يروق أحدًا سواكِ:
يا ريح المسا غيمِك مراجيح.. لطيور السواقي وشجر الشيح..
ندهلي حبيبي وبيته بعيد..ندهلي حبيبي، ودّيني يا ريح
وستضحكين وتقولين لي: مين ماسكك. فأضحك وأقول لكِ إنّي حاولتُ أن أغيّر في الأغنية فلم أفلح. لكنّ البيت الأوّل يعجبني كثيرا، وكذا اللحن.فقط لو أنّ الأغنية كانتْ تتكلم عن شيء آخر غير الحبيب!
.
لو أنّها تتكلم عن رائحة ورق الدوالي المقطوف توًّا من العريشة.
عن رائحة غيمة أيلول التي لا تمطر.
عن رائحة الزيتون المجرّح.
عن رائحة الصمغ الذي يخرج من الشجرة المحنيّة على باب بيت جدّي.
عن رائحة هواء الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، يأتي باردًا بغتة فأقفز من نومي إلى الشرفة وأعبّ منه بنهَم، وأبتلع ريقي وكأنّ قطعة ثلجٍ لذيذة تذوب في فمي.

لو..