لو أنّنا..

لو أنّي أجلس معكِ الآن، على درجات المزرعة. من خلفنا أصوات الشباب يلعبون كرة الطاولة، والأطفال في المسبح، والنساء يفصفصن البزر ويتحادثن.
أنا وأنتِ؛ نبدو خارج هذه النغمة.. ندندن معًا لحنًا متقطّعًا، ونتبادل الكثير من الصمت والشرود.
نسمات الصيف تهبّ ساخنة لأنّ الشمس لم تغرب بعد، لكنّنا لا نشعر بالحرّ.
لو أنّني أسمع صوت خالتي (كميلة الزهراء) تنادي معاتبة الصبايا؛ لماذا لا يحضّرن القهوة والشاي. ونحن نعتبر نفسينا خارج القائمة.
رائحة التراب الأحمر المبلول حديثًا بعد السقي، رائحة كلور خفيفة تأتي من بركة السباحة، صوت النافورة مختلطًا مع صوت قفزات الأولاد في الماء. تقفز الكرة من جنبي فجأة فلا أتزحزح لابن الخال الذي يقفز الدرجات ليحضر الكرة ويكملوا الشوط.
وحدنا.. خارج الزمن. تقرئين ما بي دون أن أتكلّم. تعرفين أنّي سأهمس لكِ في هذا الزحام أسوأ أسراري وأشنعها، لتأكُّدي أنّ الصخب سيمنع أحدًا من استراق السمع.
وما كان أقلّ أسراري.. وكم كانتْ نظيفة مقارنة بما أخفيه الآن!
تعرفين أنّي سأكلّمكِ عن الحبّ الذي لا أؤمن به؛ سأقول إنّي أجرّبه كحلوى كثيرة السكّر. أعصر عليها ليمونًا لأتقبّلها!

تعرفين تمامًا رأيي في أنّه (يحدث للآخرين فقط، ولا يحدث لي)، وحين حدث.. لم أتغيّر أنا. ما زلتُ أعصر على الحلوى السكّريّة ليمونًا.. لآكلها بهناء.
.
لو أنّني أجلس معكِ الآن على الدرجات؛ كنتُ سأغنّي بصوتي الذي لا يروق أحدًا سواكِ:
يا ريح المسا غيمِك مراجيح.. لطيور السواقي وشجر الشيح..
ندهلي حبيبي وبيته بعيد..ندهلي حبيبي، ودّيني يا ريح
وستضحكين وتقولين لي: مين ماسكك. فأضحك وأقول لكِ إنّي حاولتُ أن أغيّر في الأغنية فلم أفلح. لكنّ البيت الأوّل يعجبني كثيرا، وكذا اللحن.فقط لو أنّ الأغنية كانتْ تتكلم عن شيء آخر غير الحبيب!
.
لو أنّها تتكلم عن رائحة ورق الدوالي المقطوف توًّا من العريشة.
عن رائحة غيمة أيلول التي لا تمطر.
عن رائحة الزيتون المجرّح.
عن رائحة الصمغ الذي يخرج من الشجرة المحنيّة على باب بيت جدّي.
عن رائحة هواء الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، يأتي باردًا بغتة فأقفز من نومي إلى الشرفة وأعبّ منه بنهَم، وأبتلع ريقي وكأنّ قطعة ثلجٍ لذيذة تذوب في فمي.

لو..


لو أنّها تختفي

لا أحبّ الصباحات المطيرة، لكنّي أفضّلها حتما على تلك ساطعة الشمس، فقط.. لأنها لا تذكّرني بكِ يا (حلب).
الصباح المطير يخبرني بوضوح أنّي ما عدتُ أملك فيكِ شيئًا سوى بعض ذاكرة. كلّ الذين كنت أزوركِ لأجل أن أراهم غادروا في غيابي عنكِ، إلى أرض أخرى، أو إلى السماء. وحين أمشي.. أراكِ في نافذة مزخرفة المعدن، وفي شرفة بأعمدة رخاميّة، وفي أبنية قديمة ذات سقفٍ عالٍ. أراكِ في صنوبر مختلف، و(مِستحيّة) مختلفة، وقرنفلة. أراكِ في يومٍ صيفيّ حارٍّ في ساعة ما قبل الغروب، في لمعان قطرات الماء ظُهرًا، أنثرها بيدي عاليًا وأرقبها تهوي، في النسمة الباردة على غير موعد. أراكِ في موسيقى الجيران الممتدّة لساعة متأخرة من الليل وأتمنّى ألا تصمت.

الصمت والمطر يخبرانني أنّ حقيقة وجودكِ فيّ تتلاشى مع الوقت.

لم نكن يومًا أحبابًا ولا حتى أصدقاء. عاملتِني دومًا كضيفة سمِجة، وعاملتكِ كمضيفة متحفّظة. حتى ضقتِ ذرعًا بسماجتي، وسئمتُ أنا تحفّظكِ. فأغلقتِ نفسكِ في وجهي وهجرتكِ أنا بغير عودة.

ما زلتُ كلّما صحوتُ ووجدتُ الشمس تغمر الأرض في السابعة صباحا؛ أنقبض. فإذا سمعتُ حمامًا يهدل؛ بكيت.

لو أنّها تختفي من العالم، أو تذهب من روحي وحسب..كلّ الأشياء الجميلة التي تشبهكِ.

*الصور بعدستي من صيف 2006، آخر زيارة لي لسوريا.


طارت إلى الجنّة

– ماما.. إينا بلوزة آخد معي.. الخضرة ولا الزرقة؟
* أي واحدة ما بتفرق المهم شيل واحدة.
-ماما.. معلش آخد عروستي؟
* لا!
– ليش؟
* ولك بنتي شلون بدك تشيليها؟!
– بس أنا بدي اياها!
* اخرسي بقى حاج تنقّي!

تركضين هنا وهناك.. صياح ثلاثة أولاد أصغرهم ذو العامين يقف وسط البيت، ممسكا دبّه الكبير، من عنقه. يحرّك رأسه بين خطواتكم وقدماه متسمّرتان في الأرض.
ابنتكِ تخرج الملابس التي ملأتِ بها حقيبتها المدرسية وتضع كتبها، علبة ألوانها، فرشاة شعرها وكومة من ربطات الشعر الملوّنة، دفتر الرسم الكبير تحشره حشرًا، و(عروستها)، وتغطي ذلك كلها بواحدة من قطع الملابس كي تخفي (جريمتها) فلا توبّخينها.
ابنك الكبير ذو الأعوام العشرة، يرمي أغراضه في الحقيبة رميا، الغضب المكبوت داخله سينفجر في أية لحظة.
الصغير تحرّك أخيرا، مشى بهدوء، حمل كرته بيده الفارغة وعاود وقوفه.. متسمّرا.
أنتِ في غرفتكِ تتأكّدين أنّكِ أقفلتِ الخزانة على أشيائك، وترتبين حقيبتيك للمرّة الـ… أغراض الصغير وأغراضك الشخصية التي اختصرتِ منها الكثير.
تذكرين كلمة زوجك حين صرخ فيك للمرة الرابعة أو الخامسة: اعتبري حالك طالعة عالبدروسية.. اش بتاخدي معك لهنيك خدي هلق!
وهكذا.. تتخيّلين أنّكِ ذاهبة للتصييف في البدروسيّة التي نسيتِ شكلها، فالذاكرة امتلأت بأصوات القصف والانفجارات. وتعطين أوامركِ للأولاد: تعزيل، لملمة، ضبضبة كل شيء والإقفال عليه، تنظيف البرّاد، و(تطبيق اغراض).
لكنّ أولادك يعرفون.. ويرفضون تصديق الكذبة.
ابنك وضع كتاب الرياضيات بدلا من قميصه الداخلي الرابع، معتبرا أن ثلاثة تكفي.. واستغنى عن السترتين الخضراء والزرقاء، ووضع عوضا عنهما علبة من العلك والحلويات!
ابنتكِ وضعت كل شيء في الحقيبة ما عدا الملابس!
وصغيرك حمل الدبّ والكرة، ولو اتّسعتْ كفّاه لحمل أغراض السباحة!

سباحة.. في الشتاء؟ كيف سيصدّقون؟!
سباحة في الوحل، في الضياع، في المجهول.

قال زوجك: سنخرج كما خرج غيرنا.. نبحث عن رزقنا ونبدأ حياة جديدة. وقلتِ في نفسكِ بحنق: كم تبدو الأشياء سهلة عند الرجال.
بعد يومين؛ نزل برميل متفجّر على البناية في أوّل شارعكم. نزلتْ بكلّ من وما فيها. في لحظات الفزع دخل زوجك البيت كالمجنون، لا تعرفين من أين وكيف جاء.. وراح يصرخ: صرلكن شي؟؟ صرلكن شي؟؟! وينن وينن.. ولك وين الاولاااد؟ كانوا بينكما لكنّ الفزع أعمى. وقف لحظات يتفحّص وجوههم بين يديه.. ثمّ خرج كعاصفة كما دخل.
من الشرفة رأيتِه يركض باتجاه موقع البرميل. لم يعد إلا بعد ساعات. كان جثة تمشي على قدمين. جلس طويلا دون أن يكلمك وأنتِ تخافين أن تسأليه.
ثمّ حكى: بتتذكّري أبو اسماعيل السمّان؟ راح.. هو والعيلة.. سحبنا اتنين من اولاده شقف.. خمسطعش بني آدم طلعوا شقف.. والباقي .. الله أعلم.
اسمعي.. بكرة بتضبّي..
تسألين بخوف: وين رح نروح؟
يحتدّ: عـ جهنّم الحمرا,, وين ما كان رح ننقلع.. ما بدّي أجي أشوفكن هيك متل هالشوفة اليوم!
يعود الصمت الذي يشقّه صوت رصاص بعيد يأتي من كلّ مكان. ورأسه مستند على كفّه، ودمعه الذي ترينه لأوّل مرّة يقطر من وجهه يرسم دروبًا في الغبار على جسده.

عند باب البيت؛ يسحب أولادك حقائبهم، ينزلون الدرجات بصمت كريه.. تقفين. هذا بيتي منذ أحد عشر عاما، لمن أتركه؟ للنهب؟ للهدم؟ للحرق؟ وماذا أفعل بذاكرتي؟ وإلى أين أذهب؟ تنظرين إلى صغيرك.. الثقة البادية على وجهه.. بدبدوبه! لو أنني أملك بعض ثقتك يا بنيّ.. ترفعين بصركِ إلى السماء.. ألهمني يا الله، وكأنكِ تنتظرين إجابة فورية لتساؤلكِ.. تتردّدين لحظة.. ثمّ تجلسين على عتبة البيت. تحاولين النظر للأمام فتتراجع الذاكرة للخلف.. كيف وصلنا إلى هنا؟

ما زال الباب مشرعًا.. ولكنّ العتبة طارتْ.. إلى الجنّة!

يا الله..
لو تعلمين كم بكيتُ وأنا أقصّ حكايتكِ.. عليكِ!