طارت إلى الجنّة

– ماما.. إينا بلوزة آخد معي.. الخضرة ولا الزرقة؟
* أي واحدة ما بتفرق المهم شيل واحدة.
-ماما.. معلش آخد عروستي؟
* لا!
– ليش؟
* ولك بنتي شلون بدك تشيليها؟!
– بس أنا بدي اياها!
* اخرسي بقى حاج تنقّي!

تركضين هنا وهناك.. صياح ثلاثة أولاد أصغرهم ذو العامين يقف وسط البيت، ممسكا دبّه الكبير، من عنقه. يحرّك رأسه بين خطواتكم وقدماه متسمّرتان في الأرض.
ابنتكِ تخرج الملابس التي ملأتِ بها حقيبتها المدرسية وتضع كتبها، علبة ألوانها، فرشاة شعرها وكومة من ربطات الشعر الملوّنة، دفتر الرسم الكبير تحشره حشرًا، و(عروستها)، وتغطي ذلك كلها بواحدة من قطع الملابس كي تخفي (جريمتها) فلا توبّخينها.
ابنك الكبير ذو الأعوام العشرة، يرمي أغراضه في الحقيبة رميا، الغضب المكبوت داخله سينفجر في أية لحظة.
الصغير تحرّك أخيرا، مشى بهدوء، حمل كرته بيده الفارغة وعاود وقوفه.. متسمّرا.
أنتِ في غرفتكِ تتأكّدين أنّكِ أقفلتِ الخزانة على أشيائك، وترتبين حقيبتيك للمرّة الـ… أغراض الصغير وأغراضك الشخصية التي اختصرتِ منها الكثير.
تذكرين كلمة زوجك حين صرخ فيك للمرة الرابعة أو الخامسة: اعتبري حالك طالعة عالبدروسية.. اش بتاخدي معك لهنيك خدي هلق!
وهكذا.. تتخيّلين أنّكِ ذاهبة للتصييف في البدروسيّة التي نسيتِ شكلها، فالذاكرة امتلأت بأصوات القصف والانفجارات. وتعطين أوامركِ للأولاد: تعزيل، لملمة، ضبضبة كل شيء والإقفال عليه، تنظيف البرّاد، و(تطبيق اغراض).
لكنّ أولادك يعرفون.. ويرفضون تصديق الكذبة.
ابنك وضع كتاب الرياضيات بدلا من قميصه الداخلي الرابع، معتبرا أن ثلاثة تكفي.. واستغنى عن السترتين الخضراء والزرقاء، ووضع عوضا عنهما علبة من العلك والحلويات!
ابنتكِ وضعت كل شيء في الحقيبة ما عدا الملابس!
وصغيرك حمل الدبّ والكرة، ولو اتّسعتْ كفّاه لحمل أغراض السباحة!

سباحة.. في الشتاء؟ كيف سيصدّقون؟!
سباحة في الوحل، في الضياع، في المجهول.

قال زوجك: سنخرج كما خرج غيرنا.. نبحث عن رزقنا ونبدأ حياة جديدة. وقلتِ في نفسكِ بحنق: كم تبدو الأشياء سهلة عند الرجال.
بعد يومين؛ نزل برميل متفجّر على البناية في أوّل شارعكم. نزلتْ بكلّ من وما فيها. في لحظات الفزع دخل زوجك البيت كالمجنون، لا تعرفين من أين وكيف جاء.. وراح يصرخ: صرلكن شي؟؟ صرلكن شي؟؟! وينن وينن.. ولك وين الاولاااد؟ كانوا بينكما لكنّ الفزع أعمى. وقف لحظات يتفحّص وجوههم بين يديه.. ثمّ خرج كعاصفة كما دخل.
من الشرفة رأيتِه يركض باتجاه موقع البرميل. لم يعد إلا بعد ساعات. كان جثة تمشي على قدمين. جلس طويلا دون أن يكلمك وأنتِ تخافين أن تسأليه.
ثمّ حكى: بتتذكّري أبو اسماعيل السمّان؟ راح.. هو والعيلة.. سحبنا اتنين من اولاده شقف.. خمسطعش بني آدم طلعوا شقف.. والباقي .. الله أعلم.
اسمعي.. بكرة بتضبّي..
تسألين بخوف: وين رح نروح؟
يحتدّ: عـ جهنّم الحمرا,, وين ما كان رح ننقلع.. ما بدّي أجي أشوفكن هيك متل هالشوفة اليوم!
يعود الصمت الذي يشقّه صوت رصاص بعيد يأتي من كلّ مكان. ورأسه مستند على كفّه، ودمعه الذي ترينه لأوّل مرّة يقطر من وجهه يرسم دروبًا في الغبار على جسده.

عند باب البيت؛ يسحب أولادك حقائبهم، ينزلون الدرجات بصمت كريه.. تقفين. هذا بيتي منذ أحد عشر عاما، لمن أتركه؟ للنهب؟ للهدم؟ للحرق؟ وماذا أفعل بذاكرتي؟ وإلى أين أذهب؟ تنظرين إلى صغيرك.. الثقة البادية على وجهه.. بدبدوبه! لو أنني أملك بعض ثقتك يا بنيّ.. ترفعين بصركِ إلى السماء.. ألهمني يا الله، وكأنكِ تنتظرين إجابة فورية لتساؤلكِ.. تتردّدين لحظة.. ثمّ تجلسين على عتبة البيت. تحاولين النظر للأمام فتتراجع الذاكرة للخلف.. كيف وصلنا إلى هنا؟

ما زال الباب مشرعًا.. ولكنّ العتبة طارتْ.. إلى الجنّة!

يا الله..
لو تعلمين كم بكيتُ وأنا أقصّ حكايتكِ.. عليكِ!

 


على الدرجة العالية

أنا أرى كلّ شيء حولي بوضوح، ولا أحتاج فتح عينيّ.
مصراع النافذة الخشبيّ عن يساري مفتوحٌ؛ ونسمات ما بعد العصر تجيء وتغيب.
أعرف حفيف هذه الشجرة تمامًا، وظلّها. تتعبني الوسادة القاسية والفراش الذي لم أتعوّده، والحرارة التي يشعّانها.
أنهض حافية؛ الباب المفتوح إلى يميني.. أراه دون نظر.
تخترق أنفي رائحة الخشب العتيق المختلطة بكولونيا الليمون ورائحة الشارع.
أخرج إلى الممر الصغير وأهبط أربع درجاتٍ عالية، أنعطف يمينا وأهبط أربعا أخرى، أنعطف يمينا وأهبط أربعا أخرى.
الباب إلى يساري مفتوح يحدث تيار هواء لا بأس به في البيت. يمينًا ثم يساراً ثم أمشي سبع خطوات، أنا في الشرفة الآن.
تجلس جدّتي على الدرجة العالية لا تفعل شيئا على غير عادتها، فبين يديها دائما شيء ما تفعله.
تحدثني باستياء عن سيري حافية وعن عدد الشحّاطات المرصوفة على درج القبو، ألتفت يسارا وأهبط ستّ درجات متقاربة سهلة ثم درجة واحدة يمينا.
بلاط الحديقة يشعّ حرارة.
أمشي إلى البركة المملوءة وأشمر بنطالي إلى الركبتين، أجلس على حافّتها وأمدّ ساقيّ في مائها البارد.
(ما هذا الهدوء الغريب؟ هل أصيبت المدينة بالخرس فجأة؟!).
صوت جدّتي وحده يعلو مناديا: إم يمان.. يا إم يمان. جارتها منذ أربعة عقود. لا يأتي ردّ، فتقول جدّتي أشياء كثيرة عن الجيران لا أسمعها.
(الصمت الغريب هذا.. إنّي لا أرى ولكنّي لم أفقد سمعي، أم تراني بدأت؟)
أسحب ساقيّ؛ أجلس قليلا فتجفّان سريعًا، الحرّ لا يطاق.
ولكن قريبًا يأتي المساء، ويأتي معه خالي وزوجته وأبناؤه، وأبناء خالتي وزوجاتهم، وربّما يحضر أحدهم أقراص الفلافل معه.
سنحمل الكراسي البلاستيكية إلى الوادي أمام البيت ونجلس هناك، نسمع نكاتهم ونضحك بصوت عال كأن ليس في الكون سوانا، وبين فينة وأخرى نعبر الشارع الواسع لنجلب من البيت كؤوسا وإبريق شاي وصحون بزر الجبس والفستق الحلبي وماء مثلّجا لجدّتي، ونسهر حتى الواحدة صباحا، وحين يرحلون أبقى ساهرة في الفراش حتى يبدأ التسميع لصلاة الصبح.
سيأتون إلى بيت الجد، فقط عليّ أن أنتظر هذه السويعات حتى يحلّ المساء.

عليّ أن أنتظر بصبر ولا أملّ الانتظار.

لم أعثر على صورة واحدة لبيت جدّي في حلب في ألبوم صوري، ربّما لأنّني أحفظه جيّدا ولا أحتاج صورة تذكّرني به. ولو هدّوه فأنا أقدر أن أعيد بناءه كما كان من ذاكرتي، وأن أضع جدّتي في مكانها هناك.. على الدرجة العالية.

8.6.2013


في جنازة الكحليّ.

تنويه: الكلام أدناه، ليس مقالة ولا خاطرة، ليس اعترافًا ولا إدانة، وهو كلام كثير، وهو في النهاية مثلي.. غريب تمامًا إلا عن نفسه، ولا أدرى بنفسه من نفسه إلا خالقه.

كان بودّي أن أقول في هذا المقام كلمة حسنة بحقّ الفقيد، مثلا: كان طيّبا وابن حلال.. من باب اذكروا محاسن موتاكم. لكنّي لم أُجِد الكذب يومًا، ولا رغبة لي في المِران اليوم. لم يكن ابن حلال أبدًا وهو نتاج علاقة محرّمة بين طاغية وكرسيّ أنجبتْ نظامًا كان هذا الكحليّ أحد سلالته.
Continue reading