Category Archives: في الأمّ والابنة

المؤمن القويّ والمؤمن الضعيف!

فجأة، جاءتْ إليّ سميّة بسرعة ووقفتْ وسألتني بجدّيّة:
ماما.. آآ.. ليش هيك هداك الـ Herz (القلب) الـ.. اللي الله ما بحبّه، لونه Dunkel (داكن)؟
– أي قلب؟!
بشيء من العصبية لأنّي لم أفهم فورًا:
يعني هداااك القلب المكسور!
توقّفتُ لحظات ثمّ تذكّرت:
– آهااا قصدك قلب الكافر في البطاقات؟ Continue reading

نانا

(نانا)؛ بحثتُ منذ عام عن مصدر هذه الكلمة الموجودة في لهجتنا، حتّى وجدتُها في القاموس الإنجليزيّ، يقول: نانا هي الجدّة أو من تقوم مقامها كمربيّة.
هكذا باختصار يقول القاموس عنكِ: مصدر التربية التي يختلط فيها الحزم بالحنان والمحبّة والعطف. لا تُقال للأمّ لأنّ الأمّ لا تمتلك هدوء وحكمة الجدّة، ولا تُقال للمعلّمة لأنّها لا تملك محبّة وحنان الجدّة، هي لكِ أنتِ فقط. كلمة خفيفة لطيفة عذبة سريعة تلخّص كلّ مشاعرنا:
نانا.. نهرب إليكِ من عقوبة ماما، نانا.. تعطينا الحلوى بدون حدود، نانا.. تجعل المبيت الجماعيّ في دارها مسموحًا بل وواجبًا، نانا.. آخر من يجلس إلى مائدة الطعام لأنّها تريد أن تتأكّد بنفسها من وجود كلّ شيءٍ واكتمال السفرة.
نانا من المستحيل أن تطلب من أحدنا أن ينهض ويحضر لها الملح أو كوب الماء المليء بالثلج.. تنهض بصمت لتحضره بنفسها.
نانا هي التي تتولّى شواء اللحم مهما كانت درجة الحرارة، ولو حدث وتنازلتْ عن العمليّة لا بدّ أن تجلس للمراقبة والملاحظة.
نانا لا تقبل أن يسيء البشر لأيّ كائن حيّ: لا تقبل ترويع طائر، ولا طرد قطّة، ولا قطع نبتة. Continue reading

نظافة وترتيب

منذ فترة، تعود صفية من المدرسة، ويكون أول ما تفعله عند وصولها للبيت، أن تكمل شطيرتها، وتأخذ علبة طعامها إلى المطبخ، تضع الكرسيّ الصغير عند حوض الجلي، وتقف لتغسل علبتها بالماء والصابون، ثم تعيد الكرسي لمكانه.
في أوّل يوم فوجئتُ بعلبتها النظيفة، ورحتُ أتذكّر متى قمتُ أنا بجليها. ثمّ ناديتُها وسألتها إن كانت قد فعلت ذلك، فقالت: إي ماما، شفتِ أنا شطوّرة (وهي تشير إلى نفسها بفخر). قبّلتُها وقلتُ لها: الله يرضى عليكِ، إنتِ كتير مرتّبة وبتعملي الأشياء بطريقة ممتازة.
اليوم، زادتْ عليه أن أخذتْ المنشفة وجفّفتْ العلبة ووضعتْها في المكان المخصّص لها لأحضّر لها إفطار الغد.

بعد انتهائنا من طعام العَشاء، جاءتْ إليّ تقول: ماما أنا بدّي أساعدك. قلتُ لها بحماس: إي تعي.. عندي كومة شغل، أوّل شي نظفيلي الكنبة (الأريكة) جيّدًا.
صببتُ القليل من الماء والصابون في الدلو، وأعطيتها ممسحة وقلتُ لها أن تدعك الكنبة (المصنوعة من الجِلد) بقدر ما تستطيع.
اندمجتْ في العمل سريعًا رغم زكامها وأنفها الذي يسيل كلّ دقيقتين، وكانتْ تدندن لحنًا من رأسها وهي تعمل. بينما أنا أجمع أطباق الطعام من على المائدة.
انتبهتُ أنّها تذهب كلّ نصف دقيقة لتغمر الممسحة في الدلو، وتخرجها ولكنّها لا تعصرها جيّدًا:
صفية..
-هااا؟
اعصريها منيح، شوفي شلون عم تنقط عالأرض.
نظرتْ لحظات إلى حيث أشرتُ لها، وقالتْ سريعًا: طيّب أنا آسفة كتير ماما، ما تزعلي إيه؟
مسحتُ على رأسها وأنا أقول: لا ما زعلت..بس حبّابة اعصريها بقوّة، بقووووووة.
فصارتْ تضحك، وعصرتْ الممسحة جيّدًا.

جاءتْ سميّة من غرفتها، واتّجهتْ إلى أختها مباشرة، تأمّلتْها ثوانٍ ثمّ قالتْ: صافي إش عم تعملي؟
أجابتها بالفصحى: – أنا أنظّف، (وبحركة مسرحيّة وهي تفرد الممسحة على الكنبة) أنا معلّمة التنظيف.
راقبتْها سميّة لحظات، ثمّ جاءتْ إليّ ركضًا (الموضوع صار فيه دلوٌ وماءٌ وصابون وأشياء مثيرة للاهتمام): ماما.. مامااااااااااا (كعادتها لا تعطيني فرصة الردّ) أنا كمان بدّي أصير متل صفيّة.. معلّمة التنـــ ضيييف.
قلتُ لها: ممم إش رأيك تمسحي الطاولات؟
وافقتْ، وساعدتني في جمع بقيّة الأطباق، ونظّفتْ جميع الطاولات، بإشرافي طبعًا حتى لا نغرق في الصابون.

تركتهما تكملان (تلميع) الكنبة، بينما كنستُ الأرضيّة وأذني مستغرقة مع برنامج (مصائب العرب) على قناة الجزيرة، (لا أعرف اسمه حقًّا لكنّ هذا الاسم يليق به).

بعدما انتهينا، قالتْ صفيّة: ماما ممكن تلعبي معنا لعبة التخبئة؟
– ممكن، بس ممكن أوّل تنزلوا معي عالقبو نحطّ الغسيل في الغسّالة؟
التفتتْ صفيّة بحماس إلى أختها: تعي سوسو، رح ننزل مع ماما.
نزلنا للقبو، فحملتُ سلّة فارغة، وقلتُ لهما: ممكن تلمّوا الغسيل من المنشر وتحطّوه هون؟ انتو بس لمّوه وأنا بطويه بعدين. وكان الغسيل الجافّ عبارة عن مسّاحات ومناشف. وتركتهما وذهبتُ لغرفة الغسّالة، وساد صمتٌ غريب. ثمّ بدأتْ صفية في الدندنة مرّة أخرى.
وبعد دقائق، جاءتا معًا إليّ، وصفيّة تحمل السلة وتقول لي: شوفي ماما أنا رتّبتن كلّن.
نظرتُ فإذا هي طوتْ كلّ شيء بعناية وترتيب ووضعتْ الأغراض في ذات النسق الذي أضعها فيه.
عانقتُها، وشكرتُها، وشكرتُ سميّة طبعًا لأنّها ساعدتها.