التنّين الذي في داخلك


إنّها القشّة التي قصمتْ ظهر البعير، لو كنّا نعيش في عهد العرب القدامى، لكنّها تعيش في زمن مختلف تماماً. لا توجد قشّة، وإنّما ديك هنديّ، وليس ثمّة بعير، بل تنّين! نعم، فلكلّ حكاية أدواتها المناسبة.

على مائدة الغداء، تكلّم زوجها فجأة بحماسة:
أنا قلت لأهلي يجوا بكرة يحتفلوا معنا بعيد ميلادك.. ورح أنزل أجيب ديك هندي تعمليه بالفرن، وتحشيه فريكة..
وأكمل وهو يقرط فِجلة:
ولا تاكلي همّ الكيك، أنا موصّي عليه، طبقات محشي كريمة متل ما بتحبّيه..
سقطتْ الملعقة من يدها في الطبق أمامها، فأحدثت دويّاً لم يلفت نظره، توقّف أبناؤهم الأربعة عن الأكل، بينما هو لم يسمع شيئاً، يبدو أن الفجل أصابه بالصمم.
– من قال لكَ أني أريد أن أحتفل بعيد ميلادي أصلا؟ وأن أحتفل به مع أهلك؟!
رفع رأسه وابتلع اللقمة بلا مبالاة: أنا اقترحتْ عليهم..وين المشكلة؟
– المشكلة إن هذا اليوم لي! ليس عيدا للجميع! أنت لم تقترح عليهم، أنتَ (عزمتهم) ولم تسألني رأيي حتى.
* ما في داعي أسألك، هذه أوّل سنة يمرّ ميلادك وأهلكِ ليسوا بالقرب، فبدلا من أن تحتفلي مع أخواتك.. احتفلي مع أخواتي. وتابع بابتسامة سمجة: يعني إشو خواتي وإشو خواتك؟ متل بعضن..

كان ابن الرابعة عشرة يراقب وجه أمّه المتوتّر، وهي توشك على الإصابة بالفالج، فالتفت إلى أبيه:
– بابا لو كانوا متل بعضن، ما كان اسمن خالة وعمّة..
* بالله يا مفلسف؟ كمّل أكلك وحاجتك علاك..
التزم بقيّة الأبناء الصمت حين سمعوا الردّ على أخيهم الأكبر، وتابعوا الأكل. لكنّها قرّرتْ أنها لن تسكت هذه المرّة، لأنّ المسألة (تِخنت)!
– شوف.. أوّلا، أنا ما بدّي أحتفل، وثانيا كيك الكريمة الطبقات.. إنت اللي بتحبّه مو أنا، وثالثا..
* شلون؟ كلّ مرّة بجيبه بتاكلي منّه.
تردّ ابنة الثانية عشرة: إي بابا كلنا مناكل منه لأنّك ما بتجيب غيره ولا بتسألنا! بس ماما بتحب كيك الشوكولا الغامقة، وسعيد بحبّ كاتو الفراولة، وأنا..
* وانت اسكتي! الموضوع ما بخصّك! لا تاكلي منّه.
– إي نعم، الكيك لي وما سألتني ولا مرّة واحدة ما النوع الذي أُحِبّ، مثلما قالتْ سلام..
رمى الملعقة من يده بعصبيّة: ييييه علينا.. لسه بتتفلسفوا ع راسي! شوفي، بكرة في عزيمة.. وهاد اللي عندي!
وترك المائدة.

تبادلتْ النظرات مع سعيد وسلام: يعني لو قال من البداية إنها عزيمة وبلا سمّة هالبدن! لا شلون.. لازم يعزمهم ويحمّلني جميلة، يتمنّن عليّ إنه حاسس فيني..
وأكلمتْ الجملة في سرّها: الله ياخدك وياخد أهلك معك!
….
لو أنّ هذا الموقف حدث قبل سنتين فقط، لكان ردّ فعل (منى) اعتياديّا: تبكي قليلا دون أن يراها أحد، ثمّ تنفّذ الأوامر، وتخاصمه بضعة أيام ولا يعتذر طبعاً، بل (تكسر هي الشرّ) وتعيد الأمور إلى ما كانتْ عليه.
كان ذلك يحدث بشكل روتيني على مدى سنوات زواجهما، مثل روتين غسيل الملابس مثلا. ولم تصدّق (منى) أنّ مثل هذه الأشياء قد تحدث في العالم قبل زواجها، بل لم تعرف أن هنالك في العالم أشخاصاً بسماجة زوجها حتى تزوّجته!

السماجة، كانت الكلمة التي سمعتْها صدفة من التلفاز، بعد ثلاثة أعوام من الزواج السعيد، تعرفها مسبقا، ولكنها لم تدرك المعنى الدقيق لها. لم تنتبه لنفسها إلا وهي تفتح الإنترنت لتفتّش، فكان أوّل ما طالعها في النتائج، لسان العرب: سمُجَ الشيءُ، قَبُحَ!
ثمّ وجدتْ تفصيلا أدقّ: واللبن السمِج: الدسم، خبيث الطعم أو الرائحة!
وقتها.. زفرتْ زفرة تليق بتنّين، وأرادت لو أنّ ابن منظور كان أمامها، لقالت له:
إيدي ع راسك، انت كنت بتعرف الأفندي قبل ما تكتب معنى الكلمة؟
إذ يستحيل أن يكتب وصفا دقيقا كهذا، إن لم يكن قد عاين من هو على هذه الشاكلة: القبح المطلق والكراهة على جميع المستويات!

هكذا تغيّر ردّ الفعل الاعتياديّ على مهل، وحتى هي لم تلحظ التغيير في البداية. صارتْ تجيب همزات ولمزات أخواته إن اجتمعت بهنّ في مجلس، وكانتْ ردودها مفاجئة لهنّ، فأسكتتهنّ فترة، ثم لم يجدن وسيلة لإزعاجها سوى الوقاحة، ومرّة أخرى تفاجأن بردّها: كان من نفس مستوى الوقاحة! فاشتكينها لزوجها الذي جاء موبّخا، قالتْ بحدّة أربكتْه: وهل كنتَ معنا في مجلس النساء؟
* المعنى؟
– المعنى أنك تأخذ كلامهن وتأتي لتحاسبني بناء عليه، وأنا لست قاصرا، ولست ابنتك. وهنّ كذلك.. وليتوقّفن عن التصرّف بطريقة الأطفال السخيفة، ضربني وبكى وسبقني واشتكى..
فوجئ هو أيضاً، وقف لحظات مندهشاً لا يعرف كيف يتصرّف، هو مبرمجٌ على ردّة فعل مختلفة منها، وهذا كله طارئ جديد! وخرج من الغرفة.
بعد ذلك، صارتْ تسمعه إذا تكلّم معهنّ في الهاتف، يكذب على أخته:
إي بهدلتها وبكّيتها ومسحيت فيها الأرض، خلص ولا يهمّك..
ولكنّه صار يتحاشى النظر في عينيها، لأنّ على وجهها كان ذلك التعبير دائماً: كاشفتك.. يا مُهزَّأ!

أمّا مع أمّه فكان الأمر مختلفاً، لم تكن السيّدة الكبيرة من النوع المتكلّم، لكنّها كانتْ لا تراها مرّة إلا ويدور الحوار التالي بأعلى صوت على مسمع من في المجلس بلا مناسبة سوى إزعاجها:
مانك حبلة؟
– لا يا مرت عمي..
* ليش ما عم تحبلي؟
– مرت عمي، عندي أربع اولاد.. عم تحكي كأنه ما عندي!
* إي بس ابنك الصغير صار عمره تمانة..
– إي بعرف مرت عمي..
* إي، اش مستنية لسه؟؟
– الله كريم..
وتكتفي عادة بهذا الردّ، لكنّها في المرّة الأخيرة، غيّرتْ في ردّها، فحين قالتْ لها: ما باقيلك شي بتصيري بالأربعين.. ردّتْ:
– إي ممتاز، بتعرفي إني رح أصير أربعين، وما بتعرفي إنه حمل الأربعين خطر وغالبا ما بيجي الطفل سليم؟ ولا مشتهية لابنك على طفل مشوّه؟
وهكذا أغلق هذا الموضوع تماماً، أمامها على الأقلّ.
واكتشفتْ (منى) حقيقة غريبة: إنّ النساء الوقحات، ضعيفات وجبانات عند المواجهة، قوّتهن الوحيدة تعتمد على ضعف المتنمَّر عليها.. فمتى بكت، أو ظهر عليها أثر الانزعاج أو الخوف أو القلق، زاد التوحّش، وشعور الانتصار المزيّف. واكتشفتْ أيضاً حقيقة البيت الشعري: وإن أنتَ أكرمتَ اللئيم تمرّدا. اللئيم لازمه كفّين.

فكّرت (منى) كثيرا ما الذي ستفعله: هل تترك البيت في ذلك اليوم؟ ولكن أين تذهب وهي في مدينة غريبة، وليس لها من أهلها أحد؟ ولا تحبّ أن تلجأ لصديقاتها في مثل هذه المواقف. في الأساس، فكرة أن تترك البيت تعتبر هروبا، وهي لم تعد جبانة. هل تغرق الديك الهندي في الفلفل الحارّ فلا يقدر أحد أن يأكل منه؟ ولكن هذا هدر للنعمة..
واهتدتْ بعد قليل من التفكير لحلّ جعلها تضحك ضحكة شرّيرة عميقة، لم تكن تدري أنها قادرة على مثلها، إلا حين اقتربت منها ابنتها الصغيرة وقالتْ بحذر: ماما، ليش هيك وجهك صار متل الساحرة الشريرة في فلم رابونتسل؟
* خوّفتك؟
– آآ.. شوي..
ضحكتْ: لأنّي أتدرّب..
– على ماذا؟
* على مسرحيّة الغد يا صغيرتي.

في اليوم التالي، يوم العزيمة المنتظر، أحسّتْ يد زوجها تهزّها بغلظة لتوقظها: قومي حاجتك نوم..
سألت دون أن تفتح عينيها: كم الساعة؟
– ثمانية ونصف..
ردّت بهدوء: * طيب؟ ليش أقوم؟
سكت لحظة، ففتحت عينيها أخيرا لتراه واقفا كالصنم، هنا انفجرتْ بصوتٍ هادرٍ موبّخ وهي التي لم يعلُ صوتها يوماً: * إشبك؟!
ارتبك لحظة، ثم تدارك: شلون يعني ليش تقومي؟ مو اليوم عازم أهلي؟
تابعتْ بذات الهدير: إي صح، إنت عازمهم وإنت قلت رح تجيب الأكل والكيك.. أنا شو دخلني؟
إي العزيمة على شرفك!
* إي، شكرا. لأنه على شرفي لازم أشبع نوم.
وتقلّبتْ في السرير وأدارتْ ظهرها له!
خرج من الغرفة مغتاظا يقلّب كفّيه ويبرطم بكلام غير مفهوم. أكملتْ نومها حتى العاشرة، وطبعاً لم يكن نوماً حقيقيّاً، مجرّد تقلّب في السرير. أخيراً نهضتْ على أقلّ من مهلها، وخرجتْ إلى المطبخ وهي تتثاءب، وحين مرّت بغرفة الجلوس كان جالساً يتقلّى على مرجلٍ من غيظ، إنّ ما يثير سخطها أكثر من أيّ شيءٍ، هو غباؤه: لستَ قادراً على دخول معركة معي، ولا تعرف كيف تتصرّف لو غيّرتُ ردّ فعلي أو جملة واحدة في النصّ، ومع ذلك تمضي في استفزازي!
أعدّتْ لنفسها قهوة، وأحضرتْ علبة شوكولا كانتْ اشترتها لنفسها وتخفيها طبعا للمناسبات السعيدة، تسلّل الأولاد تباعاً إلى الغرفة حاملين هداياهم التي كانتْ مفاجأة حقيقية، فهي لم تكن تحتفل من قبل أبدا، بل كانتْ تتخذ من مثل تلك المناسبات حجّة لتذهب لبيت أهلها وتبقى عندهم نهاراً كاملا تقابَل بالحرمان منهم بعده بضعة أشهر! أسعدتها بحقّ هداياهم البسيطة التي صنعوها بأيديهم، والتي اشتروها من مصروفهم البسيط، قبّلتهم وقاسمتهم علبة الشوكولا، وهو جالسٌ كالنعجة السوداء وسط القطيع الأبيض الجميل!

فتح فمه أخيراً ليقول ما يظنّ أنّه سيعكّر صفو لحظاتها: الديك صار في المطبخ، وأهلي رح يجوا الساعة 2، والساعة الآن 11!
نظرتْ في برود، ورشفت من القهوة بصوت مسلتذّ مستفزّ: ممممم.. وين المشكلة؟ بيت ابنهم.. يجوا إيمت ما بحبوا، مية السلامة.
بدتْ علامات الغباء وعدم الفهم على وجهه، واكتفتْ هي بابتسامتها الشريرة التي تدرّبت عليها بإتقان.

أخيراً، بعدما صلّتْ الظهر، دخلت المطبخ، وبدأت تعمل على أقلّ من مهلها، ماذا قال؟ ديك هنديّ محشي فريكة.. ممم.. جيّد. وضعتْ زيت القلي على النار، هي لا تريد أن يجوع أولادها أو أولاد أخواته الذين لا ذنب لهم، وتعرف أنّ جميع الأطفال يعشقون البطاطا المقلية وشطائر الهوت دوغ.
بدأتْ تعد الفريكة وحين انتهت من قلي بعض البطاطا وحشو الديك بالفريكة، كانتْ الساعة قد صارت الثانية بالفعل، وهم دقيقون في مواعيدهم جدّاً حين تكون الدعوة لهم، أمّا لو كانتْ عليهم، فالضيف يمكن أن يتحوّل لمومياء من الجوع وقد يغادر دون أن يأكل! نعم، أهل بلا ذوق ولا حياء، ما المخلوق الذي سيتربّى بينهم؟ إنّها لتعجب كيف تربّي أربعة أطفال جميعهم يميل لها ويسعى لرضاها! لا ريب أنها دعوات أمّها.
كانت تفكّر بذلك وهي تبدّل ملابسها بملابس سوداء تصلح لمأتم، أي لهذا اليوم تماماً، ألا توجد جثّة ديك هنديّ في الفرن؟
إنّها تعلم يقيناً أنّه يحتاج ساعتين على الأقلّ لينضج، وأسعدها هذا كثيراً، سيكون هنالك وقت طويل بحقّ لتجلس مع هذه العائلة وابنهم في مجلس واحدٍ، وتبدأ حرب الكلام. انتهى زمن السكوت، وهي اليوم متسلّحة بأخطر الأسلحة: القهر والحقد والغيظ.

ماذا جرى؟ لقد مضى كلّ شيء كما أرادتْه: أكل الأطفال الذين لم يصبروا على الجوع، وجلس أهله كأنّهم على مقاعد من شوك، وحين أراد أن يصير (زلمة) وصاح بها أن تعدّ قهوة، قالتْ بتهكّم: مو انت قلت خواتك متل خواتي؟ خواتي لما بيجوا لعندي أنا بقعد وهنن بيشتغلوا. وغادرتْ إلى غرفة الغسيل تكمل طيّه وتنسيقه.
لم تجالسهم تقريباً، وحين انتهى الديك وضعتْه مع الأطباق على الطاولة، لم تضع شيئاً آخر سواه! ولدهشتها لم يتجرّأ أن يتكلّم أحدهم! لم تجلس معهم ولم تأكل، ذهبتْ لتجلس مع الأطفال في غرفة أخرى، وكانوا يلعبون، فصارت تلاعبهم. سمعت همهمات خفيضة من غرفة الطعام، وتعجّبتْ! أين حسّهم العالي وأين فجور أخته الكبيرة بالكلام؟!
لا تدري متى انتهوا، لكنّها سمعتْ قرقعة أطباق في المطبخ، معقول أنّهم جمعوها من المائدة؟! إنها لمعجزة تحدث لأول مرة، فقد كانت هي التي تقوم بكل شيء دائما وأبدا. خرجتْ لتجد الطاولة فارغة فاتجهت للمطبخ وراحت تغسل الأطباق، وهنا سمعتْ إحدى أخواته تنادي أطفالها لأنها ستغادر، ويحي.. أمعقول هذا؟! والله إنّ لِسَحنةِ ساحرة رابونتسل لأثراً خرافيّاً! بقيتْ أختٌ متزوجة وأطفالها، وأخت عازبة، وأمه، وبدأتْ تسمع حديثاً طويلا خفيضاً لم تميّز حروفه، فجفّفتْ يديها سريعا ودخلت الغرفة وسحبتْ مقعدا وجلستْ مبتسمة. توقف الحديث وارتبكت النظرات، التفتت إليه وسألت وهي ترفع حاجبها بقرف: وين الكيك؟
بهجومية ردّ وكأنّه كان جاهزا للسؤال: ما وصّيت عليه لأنّه حضرتك واولادك ما بدكم.
ضحكتْ، تلك الضحكة الطويلة التي يضحكها (الجوكر) وهو ينضَحُ شرّاً من أعطافه، ثمّ تنهّدت والتمعتْ عيناها شراسة: يعني كل هالسنين ما علّمتْك أي شي منيح، للأسف، كلُّ جيّدٍ كنتَ تناله تعتقد أنّه حقّكَ المستَحَقّ، لأنّك رجل عائلتكِ الوحيد المدلّل، طالما أنتَ كذلك، لماذا لم تبق عندهم فتريح وتستريح؟ أنا فعلا آسفةٌ لنفسي أنّي قضيتُ كلّ هذا الوقت ساكتة ومعتبرة أنّ هذا من الأدب والذوق وحسن الخلق..
ورفعتْ سبّابتها أمام وجهها: لقد نسيتُ تماماً القاعدة الأولى في الحياة: لا بدّ من العطاء قبل الأخذ، وأنا أعطيتُكَ وأعطيتُ هذه العلاقة كثيراً، أكثر من اللازم، حتى فاضتْ عليكَ وما عادتْ ذات قيمة، والآن أريد أن آخذ، لأنّه لم يعد لديّ ما أعطيه، وإذا لم يكن لديكَ ما أريده، فلستُ بحاجة لك!

كان الصمت في أرجاء الغرفة، وكان السؤال يهدر في رأسها: أين ذهبتْ الوقاحة وطولة اللسان واللت والعجن والهمز واللمز والصفاقة والصلافة؟ اختفتْ كلها.. ولم يبقَ سوى صورتها هي التي تبدو كتنّينٍ أفاق من سباتٍ طويل، وقرّر أن ينفخ نفخة ناريّة على كلّ شيء من حوله ويحيله رماداً.

* أيّ تشابه بين الواقع والأحداث والشخصيّات في القصّة هو تعمّد محض، لا مجال للصدف.


أبعد مِلحك عن جراحي !

تنويه:
*جميع الأحداث والشخصيات الواردة في القصّة حقيقيّة | ضمير المتكلم لا يعود على الكاتبة.

حين صحوتُ أخيراً في غرفة الإنعاش، احتجتُ دقيقتين لأتذكّر أين أنا، وتزول آثار التخدير الكلّيّ من رأسي، وأجمع أفكاري. وبمجرّد أن تمّ ذلك، انطلقتْ عاصفة الألم فيّ، وشعرتُ أنّ قطاراً دهسني مرّتين!
مرّة سحق جسدي، ومرّة نثر روحي.
كنتُ أعلم مسبقاً أنّ ألم فتح أسفل بطني بقدر اثني عشر سنتيماً، وإخراج رحمي المحمّل بورم، ثمّ خياطة تلك المسافة بعدد فلكيّ من الغرز، لن يكون ألماً سهل التجاوز أبداً.
قالتْ الطبيبة محاولة عدم تهويل الأمر: إنه كألم الولادة القيصريّة. فسألتُ من جرّبن القيصريّة، فقلن لي: كلّ ضحكة أو عطسة أو حتّى شهيق عميق بعد العمليّة، كأنّه موت! شكرتُ لهم هذه الصراحة المخيفة. Continue reading


أمنياتنا الباقية

أتذكرين؟
لا، دعينا من الذكريات. تعالي نتخيّل أشياء لم تحدث.. سوى في أمنياتنا الباقية.

حين التقينا بعد فراق طويلٍ طويل، ولم تعرفيني. رفعتِ إليّ طرفكِ وغضضتِه سريعًا ولم يبدُ شيءٌ هناك.
كنتُ أحملق فيكِ قرابة ربع ساعة ولم تشعري بوجودي أصلا. وفي ذهني رحتُ أتساءل: كيف لا تحسّ بهذا الكمّ من التحديق يخَزُ أطراف عباءتها، وروحها؟
نجح تجاهلكِ إيّاي في زرع الشكّ في نفسي.. عشرة أعوام مضتْ أو أكثر.. ومن أنا لأذكر كيف تبدين وأنا الذي لم أرَكِ في الواقع من قبل أبدًا! بل مجرّد صور ضبابية كنّا نتبادلها عبر الأثير.
قلتُ لعلّها ليستْ هي، ولعلّ خرف الشيخوخة المبكّر أصابني.. لكنّ وجه الصبيّة/الطفلة المستنسخ منكِ بملاحة زائدة، وشعرها الناعم جدًّا كأنّه نسمات هواء رصّتْ جوار بعضها (وهذا تشبيهكِ أنتِ لشعرك)، جعلاني أتمترس مكاني، وأحدّق، وأرهف السمع.
حتى إذ التقطتْ أذني اسمكِ من امرأة وقفتْ قربكِ.. صارتْ قدماي حجران تأبيان التحرّك. وجعلتُ أحدّق علّكِ تنزعجين من نظري إليكِ، فترفعين وجهكِ إلي..
علّك تسألين: أأعرفك؟ لأقول بلى. فتدهشين!
فأخبركِ أنا…. وأسألكِ عن حالك، عن الصبيّة الطفلة قربك، وعن…. وعلّك تختصرين الغياب الطويل الطويل في بضع جمل تنعش روحي.

لكنّكِ غضضتِ الطرف كأنّما لم أُخلَق! Continue reading