ثور الساقية

يحتجّ الرجل في أوقات إجازاته بأنه لا يريد أن يخرج للنزهة، ولا أن يسافر، ولا أن يصلح الأعطال في البيت، ولا حتى أن يستأجر من يصلحها، ولا أن يأخذ زوجته لتسوّق ما يحتاجه الأطفال منذ ربع قرن، بأنّ: هذا وقت إجازتي، وأنا أعمل طيلة العام مثل ثور مربوط في الساقية، الآن أريد أن أجلس لأرتاح ولا أفعل شيئاً.
هو يعتقد أنه لا يفعل شيئاً، ولكنه في الحقيقة لا يفعل أيّ شيء إيجابيّ، بينما سلبيّته تملأ المكان وتطفح وتكبكب على الجيران.
يأخذ وضعيّة (الميّت) حين يُطلب منه شيء، ووضعيّة (باشا) حين يَطلب شيئاً.

بعض النساء لا تصدّق أنّ بإمكان الرجل أن يجلس في صندوق اللاشيء شهر زمان، لا يعمل شيئا سوى إثبات بقائه على قيد الحياة: يطالب بالأكل والطبخ والنفخ، يخاصم إذا سمع صوت الأبناء في البيت، ويوسّخ قدر المستطاع كلّ ما يتعامل معه من لباس وأشياء وأماكن، ويدير التلفاز على أعلى صوت وهو يحدّق في شاشة الهاتف. نشاطات رائعة ومبهجة تزيد المرأة حبوراً وسرورا وترحابا بوجوده وقعدته.

Continue reading

ستبكين كثيرا

(الكلام يصلح للأب أيضاً بكلّ ما فيه).

معنى الانتقال من حالة البنوّة إلى حالة الوالديّة، أن تضعي في اعتبارك أنّك ستبكين كثيراً. لا تقلقي بخصوص الأسباب، ستتوافر لديكِ بشكل غير مسبوق، ولكنّكِ طبعا ستجدين من يتّهمك بالمبالغة، أو ضعف الإيمان، أو ضعف الشخصية وعدم القدرة على تحمل المسؤولية أو الهروب منها.. إلخ.

تبقين أنتِ البنت ولديك أمّ وأب قلقان عليكِ طيلة الوقت حتى بعد زواجك، بل إنّ هذا يزيدهم قلقاً ولا يريحهم لحظة..
ثمّ تحين تلك اللحظة التي تعرفين فيها أنّكِ ستصيرين أمّاً، يتحدّثون عن (فرحة) معرفة الخبر، لا أمّ أخرى تخبركِ بصدق أنّها بكتْ حين عرفتْ أنها حامل، أو ضاق صدرها ولم تتمكن من البكاء.
لماذا تبكي؟ هنالك الكثير من الأسباب، أوّلها أنّكِ ستتحملين مسؤولية كائن بريء سيكبر ليقول لكِ إنه لم يختر أن يأتي لهذه الحياة فلماذا أنجبتِه؟ أي والله كما أقول لكِ بالحرف سيقول.
ولو قلتِ إنّ الله قضى أن يخلقك وكنتَ ستُخلَق سواء كنتُ أمّك أم سواي، سيردّ ولماذا يخلقنا دون أن يسألنا؟ وهلمّ جرّا.
ستبكين ذعراً، ماذا لو فعلتِ شيئاً أضرّ بالجنين دون علمكِ؟ ثم ستبكين إرهاقاً وألماً كلما تقدّمت أيام الحمل بك.
بعدها تبكين بحرارة عند الولادة، ينظر إليكِ الجميع مبتسمين ويقولون: يا سلام على دموع الفرحة وقلب الأم! بينما أنتِ تعتبرينهم حمقى.. لأنّكِ تبكين معرفتكِ أنّه لم يعد بمقدروكِ حماية هذا الصغير أكثر طالما خرج من رحمك.. الآن هو معرّض لكلّ خطر من العالم الخارجيّ حرفيّاً.
تدخلين بعدها في اكتئاب النفاس الذي تقضينه في فترات بكاء قصيرة أو طويلة.
ثمّ -لو خرجتِ منه سريعاً ولم تستغرقي عاماً كاملا أو أكثر- ستجدين أنّكِ تبكين كلّما هدّكِ التعب، أو قضيتُ معه ليلة مرض، تبكين شعور الذنب: هل يا ترى فعلتُ حقا كلّ ما عليّ؟
يذهب أخيرا إلى الروضة، ثمّ إلى المدرسة، فتبكين الانفصال عنه، وتبكين قلقا عليه من كلّ شيء هناك.
وعندما يبدأ في المراهقة، ستبكين طيلة الوقت وأنتِ تفكّرين في أحزانه التي لا يعرف كيف يتعامل معها، وفي أوقاته وعمره وأيامه التي تضيع منه، وفي عقله وروحه اللذان يُستهلكان سريعا دون أن يفطن لهما.
لو فقدتِ أحد والديك أو كليهما، ستبكين على أطفالك أنّهم لن ينعموا بدلال بيت الجدّ بعد الآن.
ولو كنتِ تعيشين بعيدة عن أهلك، ستبكين أنّ أطفالك لم يعرفوا فرحة دخول الخال أو الخالة عليهم كلّ أسبوع.
ستبكين بحرارة عندما يقول لكِ ابنك المراهق أوّل مرة: أنا أكرهك. لم يقلها لكِ أحد من أبنائك؟ ثقي أنّهم قالوها في سرّهم في لحظة ما، لم يمنعهم من التصريح بها الخوف منكِ، بل شعورهم الداخليّ (بالإثم)، لكنّ مراهقين آخرين يقولونها في وجه الأهل.. يعلم الله ما هو شعورهم الداخلي. لكنّ بكاءك لن يكون حزناً على نفسك، أو (زعلا) من الكلمة ولا قهراً، بل بكاء خيبة: أين أخطأتُ؟ وكيف أتدارك ما فات؟

وحين يكبرون أكثر، ستبكين ضياعهم وحيرتهم في أمور الدنيا، واختياراتهم التي ترينها خاطئة: هل أعطيتهم حرية أكثر من اللازم؟ أم قيّدتها أكثر مما يجب؟
ثمّ ستبكين حرقةً وأنتِ تفكّرين في أمر دينهم لو رأيتِ منهم تقصيراً أو تفويتاً، وتدعين ألا يكون مصيرهم الشقاء، ألا يكونوا من المكتوبين في الضالّين.

وتستمرّ أسباب البكاء، ولن تتوقّف أو تنقطع. هذا ما لا يحكيه لكِ أحد، لأنّ المجتمع لا يهتمّ للصدق، ويعتبر الحقيقة تشاؤماً.

كلّ ما أستطيع قوله لكِ، إنّ البكاء سيكون رفيقك من لحظة خلقهم في رحمك/حياتك، وحتى لحظة وفاتك. كوني مستعدّة!

13.7.2021


انفصام شخصية

منذ أربعة أشهر تقريبا، لم أفتح حاسوبي. كنتُ أمرّ بظرفٍ يمنعني من القراءة والكتابة والتركيز في أيّة شاشة أو سطرٍ أو خطّ. ليس من عادتي كتابة نصوصٍ طويلة بالقلم مطلقا، لم أفعل ذلك من أيّام محاضرات الجامعة، وهذا دهرٌ بعيد جدّاً.

وقد يكون سبب الأرق الذي أعانيه، هو انصرافي عن الكتابة. إنّ هذا الرأس الذي أحمله، يمتلئ بالأفكار كلّ يوم، ولا يدري أين يذهب بها. فتنشب حروبٌ بينها طيلة الوقت، لأنّ الموت هو الطريقة المثلى لإفساح المجال لحياة جديدة. هكذا يقضي عقلي وقته بين المناوشات والمطاحنات وتنظيف الفوضى الناتجة، وعملية الدفن الجماعية، ليفاجأ في اليوم التالي بعدد مواليد أكبر من الذين ماتوا، يكبرون بسرعة غير معقولة، ويقتتلون.. وهكذا دواليك.

لكنّي الآن وقد استعدتُ قدرتي على مطالعة الحروف، أجد (نفسي) تقف قبالتي وقد لوَتْ بوزها وعقدتْ ذراعيها على صدرها تسألني باستنكار:
– أتعودين للكتابة لهؤلاء الحمقى، المعاتيه الذين لا يفهمون ما تكتبين؟ أصحاب الأنوف الكبيرة التي لا يعرفون أين يذهبون بها فيدسّونها في كلّ تفصيلة تخطّينها؟
أردّ بصوتٍ هادئ:
* لكنّي أكتب لي، وليس لهم..
– إذاً لا تنشريه
* إنّ الغسيل المبتلّ إذا لم يُنشر ليجفّ، تعفّن.
تنظر بامتعاض:
– أفكاركِ غسيل مبتلّ؟! هذا سببٌ أدعى أن تحتفظي بها لنفسك. Continue reading