أريد ألملمني

أريد أن ألملم نفسي وأضع شتات (أنا)يَ في صندوقٍ واحدٍ أغلقه بعض الوقت. صندوقٍ عاديّ جدًّا لا يقف في طريق أحد، ولا يتعثّر به أحد، ولا يستثقل وجودَه أحد، والأهمّ.. ألا يحتاجَه أحد.
أحتاج أن تبقى مفاصلَه ساكنةً لفترة. ألا يتهشّم مزلاجه من كثرة الفتح والغلق. ألا يعتبرَه أحدٌ كرسيًّا لِمَدّ الساقَين! أو طاولةً لصينيّة الشاي! ألا يغطّيه أحدٌ بمفرشٍ ملوّنٍ كثير النقوش. ألا يتعرّض للطلاء أو التشميع أو التزييت. وألا يكون له قفل مُحكَم، ولا مفتاح. إنّ الأقفال والمفاتيح لا تحبّني، ولا أحبّها. أثق بأنّ الآخرين يجيدون الاستئذان. أريد أن أضعـ(ني) في مجرّد صندوقٍ عاديٍّ مهمَل.

أريد أن أحزن بعض الوقت بلا بهرجة ولا مشاركة، ولا تعليقات ولا تعقيبات ولا مناقشات ولا مهاترات. لقد جُنّ العالم تمامًا. جُنّ العالم.. إنّه لا يسكت ولا لحظة واحدة، ويجبرنا على الكلام حين نختار الصمت.
ماذا حلّ بـ: السكوت من ذهب؟!

أريد لحظةً أتعب فيها.. وحدي. وأشتكي لي، وأتّكئ عليّ، دون هاجس.
أريد أن أهوي دون تفكير في الاصطدام، لا أن أحلّق.. لا. ولا أريد الهبوط بمظلّة، حينها عليّ أن أحسب المسافة اللازمة لفتحها.
أريد لتلك الثواني المعدودة القصيرة من لحظة القفز وحتى ملامسة الماء؛ أن تطول..كفِلم بطيء. ولا أريد أن أهوي في الماء، حينها عليّ أن أفكّر في الطفو سريعًا والتقاط أنفاسي.
ولا أريد أن أهوي على سطحٍ مطّاطي، لا أريد أن أرتدّ كالطابة المجنونة!

أريد تلك اللحظة التي وقعتْ فيها (أليس) في جحر الأرنب، وصارتْ تهوي في الفراغ، وترى أشياء لا علاقة لها بها.. ولا تشعر بشيء تجاهها.. تهوي ولا تحسب الزمن اللازم للوصول، ولا الكتلة، ولا مقدار الدفع، ولا السرعة المطلوبة.. كانتْ تشعر بالفراغ وحسب، وكانتْ هادئةً جدًّا.. جدًّا.. أكثر بكثيرٍ ممّا يحتمله الموقف. كانتْ هادئةً تمامًا.. كشيءٍ معبّأٍ في صندوق.
تقريبًا؛ كانتْ ميّتة. وهكذا.. كان يحقّ لها أن تصمت، وألا يطالبها أحدٌ بالكلام، وألا تربت كتفَ أحد، وألا ترفُوَ جرحَ أحد، وألا يتعلّق بأطرافها أحد.. وألا تفكّر في أحد.
وللحظاتٍ كانتْ زمن غفوها وحلُمَها وقصّتَها كلّها..
للحظاتٍ، لم يفكّر فيها أحد، ولم يكن عليها أن تسمع ضجيج الحياة.

هدوء.


النفسيّات الحامضة، والبلاليع المسدودة!

بعض النساء يعتقدن أن الرجل يذهب كلّ يومٍ إلى عمله ويقضي وقتًا أطول بكثير من المقابل المادّيّ الذي يستحقّه، ويقابل وجوهًا عابسة، ويتعامل مع نفسيّاتٍ (حامضة)، ويحمل معه همّ المال والعيال ويعود به..يقوم بكلّ ذلك من باب الترويح عن النفس!

وبعض الرجال؛ يعتقد أنّ المرأة تستمتع بالحمل والإنجاب ونقّ أطفالها وقفزهم على الكنب ومشيهم على الحيطان، ويعاملها على أنّها هي التي اختارتْ الحصول على الأطفال. وكأنّها ذهبتْ لشرائهم من البقالة وهو كان متواجدًا بالصدفة، وقال لها وهي تطالعهم على الرفّ: إي ما اشبن شي.. اذا عاجبينك خديهم! وتكرّم بدفع قيمة الشراء فقط، ثمّ نفض يديه من الموضوع باعتباره قام بدوره.

وبعض النساء؛ تعتقد أنّ زوجها يذهب إلى عمله هروبًا من مسؤوليّاته في البيت. وفي الحقيقة هو يهرب فعلا.. كالمستجير من الرمضاء بالنار. هو هاربٌ من وجهها العبوس الذي يجعله يشتهي الراحة الأبديّة (الموت) كلّما رآه. وحين يتواجد في أيّام الإجازة؛ تعامله كمعاملة السيّاف لمرتدٍّ عن الإسلام!

وبعض الرجال؛ لسببٍ ما.. يبدو متأكّدًا جدًّا أنّ كل النساء يعشقن التفكير في الطبخ وممارسته، وجمع الغسيل وفرزه وغسله ونشره وطيّه وكيّه وإعادة ترتيبه في الخزانات. وهو يبصم بالعشرة أنّ موضوع تسليك البلاليع المسدودة في المنزل مهمّتها هي لا مهمّته، وأنّها تقوم بذلك مبتسمةً على سبيل التريّض!

المشكلة الوحيدة عند هؤلاء البعض من الجنسين، هو التعامل مع العلاقة الدائمة على أنّها شراكةٌ مقرفةٌ وقتيّةٌ ستنتهي يومًا ما. ويعيش كلّ من الطرفين على (أمل) اختفاء الطرف الآخر فجأةً ليحظى بحرّيته المزعومة.

لا أذكر متى سألتْني إحداهنّ عن كيفيّة معرفة الشريك المناسب. طبعًا سألتْني من باب الرأي الشخصيّ وليس الخبرة العظيمة. وقلتُ لها: شيئان، تخيّلي نفسكِ مع هذا الشخص بعد خمسين عامًا، فكّري أنّ هذا هو الوجه الذي سترينه كلّ صباحٍ وكلّ مساءٍ، وكلّ نزقٍ وكلّ نكدٍ وكل غضبٍ وكلّ مرضٍ، وكلّ لحظةِ صمتٍ لا يوجد ما يكسرها، هذا مشروع حياة.. قد يقصُر (لحُسن حظّك) وقد يطول (الله يعينك)، كوني جاهزةً لكلّ الاحتمالات . والأمر الثاني.. لا تتزوّجي من يقول إنّه يحبّك أو من تقولين إنّك تحبّينه، بل تزوّجي الشخص الذي يقدر أن يضحككِ مهما كنتِ غاضبة.
وهذه الإجابة تنفع للجنسين. طبعًا ما عدا أولئك الرجال الذين يذهبون لخطبة الأولى وهم يفكّرون في الثانية.. فهؤلاء لا يحتاجون نصيحة، بل (تنكة) بنزين وكبريتة وشخصًا (يولّع) فيهم.

حين أتكلّم مع بعض المتزوّجات؛ ألحظ أنّ هؤلاء يرفضن التمتّع بحياتهنّ ويرفضن التعلّم. يرفضن كلّ شيءٍ على أمل أن تحدث معجزةٌ ما؛ تغيّر الناس من حولهنّ، ولا تغيّرهنّ.
مفهوم التغيير عندنا مرتبطٌ بالصواب والخطأ فقط، وحين نقترب أكثر لندقّق على ماذا يعتمد قولنا إنّ هذا صواب وهذا خطأ؛ نجد المسألة عائمةً، ومزاجيّاتنا تتدخّل. وغالبًا؛ هو اختلاف المعايير التربويّة من بيئةٍ لأخرى. أشياء لا علاقة لها بالدين مطلقًا، وأحيانًا وبطريقة لَيّ الذراع تصبح مسائل دينيّة. وتكون المشكلة في أساسها مشكلة نقص عاطفة، أو نقص جرأة على اتخاذ القرار.

حسنًا؛ الآن صار بعض الرجال يدركون أنّ كثيرًا من النساء يمقتن الطبخ مع إجادته وبذل الجهد فيه، إنّ هذا يشبه تمامًا أن يدرس هو مجالا لا يحبّه أو يعمل في وظيفة يمقتها لأنّها الوسيلة الوحيدة لكسب رزقٍ محترم. هذا تقسيمٌ عادل. ولذا عليها أن تدرك أن قرفه من عمله وتشكّيه لا يعني كسله، طالما النتيجة النهائيّة حصلتْ.. تمامًا، كقرفها هي.
في النهاية.. أكل الجميع طعامًا شهيًّا بمال حلال.

مبدأ (تدفيش) الحياة صار قاعدة رئيسةً في أكثر العلاقات الزوجيّة التي أراها.
أمّا الأسوأ؛ فهو الإصرار على عدم الانفصال بتراضٍ؛ فإمّا انفصالٌ بصيغة الانتقام، أو بقاءٌ مع حربٍ مشتعلة بحججَ مختلفة؛ أبرزها وجود الأطفال الذين لا ناقة لهم ولا جملًا في صراع الديَكة هذا.

لم يعد أحدٌ راغبًا في التعلّم، ولا تطبيق ما يتعلّم.


بين المرساة واليمّ

أخشى الوقوف أمام البحر؛ لا لخوفي من الغرق.. بل لانّي أخشى تلك الرغبة في داخلي التي تدفعني للتجديف بذراعيّ في عمقه حيث الموج أكبر، والمياه أكثر دفئا وعمقًا. أخشى رغبتي بأن أسبح دون النظر إلى الشاطئ وكم بعدتُ عنه.. لأنّي أدرك أنّي لو ابتعدتُ لدرجة ألا أراه، فلن أعود.
ليس لأنّي لا أجيد مصارعة ماء البحر المالح وقد تعرّضتُ لشبه غرق فيه مرّتين. لكنّي بمجرّد أن أذوق طعم الانفلات من مرفأ الروح.. سأفقد رغبتي في العودة إلى الأبد.

في الزمن الفائت؛ كانتْ أمّي هي مرساتي الوحيدة في المرفأ.
كنتُ كلّما راودتْني نفسي أن أسبح دون النظر إلى الخلف؛ زجرتُني.. والتفتُّ مجدّفة بذراعيّ في سباحةٍ احترافيّة تعلّمتُها على يدي مدرّبة أتقنتْ تدريبي. تحاول أمّي إقناعي بارتداء منظار البحر، تقول لي إنّه سيسهّل عليّ السباحة طالما أصرّ على نظام (ضربتين والوجه في الماء، ونصف ضربة مع شهيق)، لكنّي أبدًا لم أرتدِه. لأنّي أخاف أن أرى الأرض التي أسبح فوقها.. حتى لو كانتْ أرضًا مبلّطة نظيفة! ليستْ كائنات البحر التي تخيفني.. لكنّها المسافة. كنتُ أخشى أن تتخاذل نفسي وتفكّر في إغراقي عمدًا حين تعرف أنّ عمق الماء يسمح بذلك.
كنتُ أفتح عينيّ في الماء وأسبح، مفضّلة رؤيا ضبابيّة مغبشّة تُظهِر لي الضوء والظلال فقط لأدري إن كان شيءٌ ما يسدّ طريقي فأتفاداه. ودائمًا.. دائمًا كان طريق العودة أطول. رغم أنّ الموج يدفعني إلى الشاطئ.. نظريًّا، لكنّما يبدو أنّ روحي كانتْ تجذبني إلى اليمّ وتُثقلني عن العودة إلى مرفئي.
كنتُ دائمًا أعود لأجل أمّي؛ مرساتي ومرفئي.

لكنّي اليوم أجدني كلّما حاولتُ خوض البحر تجذبني ثلاث مراسٍ: أمّي وابنتاي!. وصار البحر بعيدًا؛ ولم أعد أسبح ووجهي إليه.. بل وجهي دائمًا ملتفت نحو الشاطئ.. قلِقٌ على ما خلّفتُه ورائي. فأجدني أعود قبل عُشْر المسافة.

اليوم وأنا واقفةٌ أنهي غسل الطبق الأخير في حوض المطبخ؛ رفعتُ نظري إلى سماء الربيع المطلّة من النافذة أمامي، فكانتْ السُّحب تسبح بسرعة.. وبينها النوارس، تضرب بأجنحتها فتهبّ رائحة البحر.. وأتلقّفها أنا بعطش حوتٍ فقد يمّه منذ أعوام.
عطش روحٍ تريد أن تنفلت في سباحة حُرّة وسط الموج؛ دون التفات. حتى إذا تعِبتْ.. استلقتْ على ظهرها كطوفٍ وحيد، وابتسمتْ في ارتياح.

وأدركتُ في تلك اللحظة؛ من تلك الدموع التي انحدرتْ تلقائيًّا من عينيّ، كيف يغادرون هذه الدنيا في سلامٍ هكذا..أولئك الشهداء.
إنّهم يتركون المرافئ في رعاية خالقها؛ وينسلّون لسباحةٍ تبدو عاديّة كأيّ يومٍ عاديّ، وحين يبتعدون كفاية ويغيب الشاطئ عن أنظارهم؛ يقطعون حبل المرساة في هدوء.. وينفلتون إلى الأبد، بابتسامة خالدة.

ذلك المزيج من الشجاعة، والتّوْق، والشغف والتوكّل.. يأخذهم إلى ما أعجز عنه.