Category Archives: نثريّات

مقالات

روح متمرّدة على التدجين.. في الخامسة والثلاثين.

إذا التزم قالوا عنه معقّد وقفل، وإذا فعل ما يحلو له قالوا صايع! وإذا حضر صلاة الجمعة ثم لبس الشورت صار (منافقا)، وإذا تعدى الثلاثين ولم يتزوج، فهو إما (صاحب بنات) أو (صاحب شباب)!
إذا لبستْ العباءة أو الجلباب قالوا (شيخة ما شا الله)، وإذا تحجّبت بغير ذلك صار دينها خفيف والله يهديها. إذا التزمت بحضور دروس، معناها قبيسيّة أو إخوان، وإذا كانت تخالط الجميع وتشارك في كلّ المناسبات صارت (ما عندها مبدأ). إذا وضع صورته الشخصية على مواقع التواصل صار (محبّا للظهور)، وإذا وضعت صورتها صارت (تتسوّل الاهتمام).
ماذا أيضا؟
وإذا رجعنا للبداية لنرى من الذي يقول هذا، نكتشف -بكلّ أسف- أنّه الجيل الذي ربّى هذا الجيل، ويبدو أنّه بعد التربية اكتشف أنّ إنتاجه لم يعجبه!
وكلّ هذه المظاهر تدخل ضمن (الفقه) دينيّا ولا تمسّ (العقيدة)، لكن كثرة العبث بالخدوش تجعلها خروقاً لا راقع لها! ثمّ تتساءلون لماذا صار الشباب لا يقيمون وزناً لعالِم أو فقيه أو مفتٍ، وآخر همّهم إن قال لهم أحدهم إنّ هذا طريق الإلحاد!
هذه صناعة أيديكم، فكفّوا عن محاكمة أبنائكم الذين شابوا أبكر من وقتهم. تقولون إنّ زمانكم لم يكن سهلا وتسترسلون في الحديث عن صعوباته، لكنّكم لا تسمعون لصوتنا الذي يقول صراحة: ما عايشتموه كان نكتة بجانب حياتنا.
نحن ما زلنا نحترمكم، ولكنّكم ما زلتم تعتقدون أنّنا في الخامسة من العمر وقد تجاوزنا عقوداً من البلاوي التي تمرّ علينا كلّ يوم.
لم تعلّمونا وجود الاختلاف، عشنا زمنا لا ندرك أنّ في العالم مذهباً غير مذهبنا، وطريقة غير طريقتنا في عيش حياة محترمة هدفها النهائيّ مثل هدفنا الدينيّ تماما: عمران هذه الأرض بالخير، بغضّ النظر عن النوايا. ولما بدأنا نكتشف ذلك، أحطتمونا بنظريات المؤامرة!
تريدون أن نكون مع أبنائنا أفضل مما كنتم معنا، ولكن بطريقتكم وعلى نهجكم! وكأنّكم لم تدرسوا أن المعطيات المختلفة تعطي نتائج مختلفة أيضا!
وبدلا من الشعور بالسعادة باختلافنا عنكم، بأنّنا (نسخة مطوّرة) منكم، تريدون أن نبقى النسخة القديمة، هل هو الخوف من الانقراض؟ أنتم لستم جوّالات نوكيا! ونحن لسنا أبّل! وإن كان لكلّ برنامج ثغرات، فلذلك يدرس الإنسان ويتعلّم كيف يسدّها.
نحن نبْتٌ أنتم زرعتموه، وإن كان قد شبّ على غير هواكم، فلا يوجد في الحياة عِرقٌ أخضر بلا فائدة ما، حتى النبات الطفيليّ، له فائدته في دورة الحياة.

الشجرة مهما كبرتْ، تحتاج من يعتني بها ويسقيها، لا غِنى لنا عنكم، ولكن توقّفوا عن تقليمنا بالنمط والقالب الذي اعتدتم عليه، جرّبوا مرّة أن تجلسوا في الظلّ الذي نمنحه، وامنحونا بعض الثقة.

مصدر دَجَّنَ
لَهُ مَهَارَةٌ عَلَى تَدْجِينِ الحَيَوَانَاتِ : عَلَى تَلْيِينِ طَبَائِعِهَا وَتطْوِيعِهَا ، إِخْضَاعِهَا

عيد..بإذن الله.. كان سعيدا!

الناس تحبّ الثرثرة على الفيسبوك بالذات، يقولون لك: نفتح لنروّح عن أنفسنا فلماذا نريد أن نفتّش عن شيء جادّ، أو نقرأ مقالة من أربع صفحات A4؟!. ومن الطريف أنّهم يقرؤون معلّقات.. باللهجة العامّيّة.
مع احترامي لكلّ الأفكار النيّرة التي تكتب بالعامّية العميقة، لكنّي لم أعد قادرة على قراءة سطر واحد. منشورات كثيرة تمّت مشاركتها من عدد من الأصدقاء، أو كتابتها حتّى، لم أستطع أن أقرأها. أشعر بعناء حين أحاول. يعتقد البعض أنّه تكبّر أو تعنّت، وأنا في الحقيقة يصيبني الصداع. ربّما كلّ ما في الأمر أنّي أحتاج نظّارة قراءة، أو التوقّف عن القراءة في الشاشات الصغيرة، والاكتفاء بالحاسوب، الأمر الذي يمكنني فعله الآن بعد عودتي للحاسوب وعودة الإنترنت للبيت.
..
الناس تحبّ (الحكاوي)، والقصص التي تمرّ سريعاً، والمواقف البسيطة كالتي حدثت معي اليوم: عندما ذهبتُ لأخذ صفية من المدرسة في نهاية دوامها، سلّمتُ على معلّمتها وسألتها بابتسامة وأنا أرى وجهها الأحمر جدًّا، والمرهق جدّا:
كيف كانت رحلتكم اليوم؟
– سيّئة.. سيّئة جدا.
* لماذا؟؟
– أحد الأولاد وقع وكان لا بد أن يذهب للمستشفى! ولكن صفية كانت منطلقة ومتفاعلة جدا.
أخرجتُ من حقيبة يدي لفافة (سلوفان) شفّاف مربوطة بشريط ملوّن ومغلقة على قرصين من معمول التمر المعدّ منزليّا بمساعدة سميّة، وأربع قطع من التمر، ناولتُها لها وقلتُ:
– عندي شيء لك، نحتفل اليوم بعيدنا الإسلاميّ الثاني، وهذه الحلوى تقليد عندنا، بالإضافة لهذه التمرات من نخلة منزل أمّي في السعودية.
فرحتْ كثيرا: هذا رائع، شكرا شكرا جزيلا.. وعاد لوجهها بعض الهدوء.
تذكّرتُ ما حدث على الفيسبوك حين نشرتُ صورة بطاقة معايدة صنعتْها ابنتي صفية -بتوصية منّي- لنفس المعلمة في العام الماضي، تتمنّى لها عيد ميلاد سعيد، وكيف فرحتْ المعلّمة كثيرا بالبطاقة، وأخبرتْ صفية أنها ستضعها ضمن الصور العائلية على مكتبها. قامتْ القيامة عليّ كيف نهنّئهم في عيدهم، فتنهّدتُ في نفسي وقلت: سبحان الله.

خرجنا من المدرسة باتّجاه درس تقوية الرياضيّات، الذي تعطيه لصفيّة السيّدة (سعيد)، نعم هذه كنيتها، وهي فعلا إنسانة سعيدة ولطيفة جدّا جدّا، وفي الشقّة التي تعمل فيها، تحضر معها قطّها sunny (مُشمِس) من البيت، واسمه يليق بشعره الأشقر الجميل. وبعدما قدّمتُ لها أيضا لفافة التمر والمعمول وشكرتني بحرارة، قالتْ لي إنها أغلقت الباب على القطّ في غرفة المكتب، كي لا يثير وجوده الحساسية عندي! شكرتُها كثيرا وقلتُ لها إنه لا داعي لذلك، لكنّها أصرّتْ، وقالت لصفية: يمكنك ملاعبته قبل خروجك. والسيّدة عرفتْ بعد لقائنا الثاني بها أنّ حساسيّتي من القطط ستّة على ستّة، وليت هذه الدرجة كانت لنظري بدلا من حساسيّتي! الحمد لله على كلّ حال. المهم أنّها لاحظتْ أن -رغم حبّي الشديد للسيّد مشمس وملاعبتي إيّاه- جولة العطاس والحكة وضيق التنفّس تبدأ بعد دخولي بعشر دقائق إذا كان السيّد يقفز هنا وهناك، وتذكّرتْ هذا الأمر رغم انقطاعنا عن زيارتها طيلة الإجازة الصيفية -فترة توقف الدروس-، فأغلقت على القط طيلة ساعة الدرس احتراما لي. قارنتُ تصرّفها بتصرّف جماعة آخرين مسلمين معي حول ذات الموضوع، على النقيض منها تماماً، وقلتُ في نفسي: سبحان الله.

ما الفائدة من هذه الحكايات؟ لا شيء. ربّما أردتُ أن أقول إنّ المسلمين المقيمين في بلدٍ إسلامي في وادٍ غير وادينا، ولكنّهم يصرّون على تصدير الفتاوى لنا. وربّما أردتُ أن أشير إلى أنّ ابنتي الأكبر اختارتْ أن تذهب للنزهة المدرسيّة مع زملائها في يوم العيد، وأنا قبلتُ اختيارها الذي رجّحتْه بعد تردّد طويل، لأنّها المرّة الأولى التي تتغيّب فيها عن صلاة العيد، ولم تكن واثقة أنّ هذا (معلش)، وكان كلّ ما قلتُه لها: المهم أن يكون يوما سعيدا وأن تفرحي فيه، لأنّه يوم عيد.
وأننّي اخترتُ أن أفاجئ بناتي بزيارة لأصدقائنا في هذا النهار، بدل قضائه في التجوال محتارة في محاولة إيجاد ما يفرحهم لبقيّة الساعات خصوصا أنّ غدا يومٌ عاديّ، فعيدنا هنا يوم واحد دائما، والحمد لله أنّي فعلتُ، وفرحنا معهم كثيرا.
ولعلّني أردتُ أن أعيد ما تقوله أمّي لي دائماً، من أنّ الأشياء الصغيرة جدّا، حتى الكلمات، يتغيّر مفعولها حينما تشفَع بابتسامة صادقة لا ابتسامة تملّق. وأنّني -رغم كلّ المنغضّات التي حدثتْ اليوم لأسباب مختلفة- تجاهلتُ كلّ ما يزعجني ويزعج معدتي الحسّاسة، وعملتُ ما أنا مقتنعة بصوابه، وطالما ليس فيه تعدٍّ على حقوق الآخرين.. فما شأنهم بي؟.

ولعلّها كانت مجرّد (حكاوي) لا معنى من ورائها سوى الثرثرة.

عيدكم مبارك، وكل عام وأنتم بخير.

21.8.2018
الأضحى المبارك 1439

لماذا؟

لا عذر للألمان في الطلاق أو الانفصال. فالأسباب التي تؤدّي إلى الانفصال في مجتمعاتنا غير موجودة عندهم، وأعني أنّ هذا من حسن حظّهم. ولكن حتماً لديهم أسباب أخرى، أرجو ألا يكون الملل أحدها، لأنّ حقيقةً مترفةً كهذه لا تحتملها أعصابي.
مع تزايد حالات الانفصال والطلاق التي أسمعها من حولي بين العرب، حتى أولئك الذين لم ينشؤوا في البلاد العربية ولكنهم ينحدرون أصلا منها، ولم يدّخر أهاليهم جهدا في نقل العقلية العربية (بِعَجرها وبَجرها) معهم، وإهدائها كقنبلة موقوتة لأبنائهم، تنفجر فجأة، بدأتُ أتابع بعض القصص، وأسأل أكثر، وأستفسر من جانب النساء فقط (لأنّي لا أعرف من الرجال مطلّقين أو منفصلين يقبلون الحديث عن الموضوع). وحتّى تحدّثتُ مع اللواتي يفكّرن في الموضوع، وبحسب علمي، لا توجد متزوّجة لم تفكّر مرّة واحدة على الأقل في الانفصال، إن كان قد مضى على زواجها شهرٌ واحد أو سنوات. طبعاً هنالك متزوّجات فكّرن في التخلّص من الزوج بطرق أخرى غير الانفصال، ولكن هذه ليستْ مقالة في علم الجريمة. Continue reading