كاد المعلّم أن

قبل رمضان بأسبوعين، كنّا نتناقش حول الحضور والغياب في المدرسة العربيّة، فسألتني إحدى بنات الصفّ: خالتي، أوّل أسبوع صيام عندي احتفال رياضة في المدرسة وأنا مشاركة فيه.. إذا تعبت معلش أفطر؟
فأجبتُها ببساطة: أنتِ تعلمين أنّ الصيام لمن هو قادر عليه صح؟
– صح.
* إذاً ابدئي يومكِ بنيّة الصيام ثم إذا تعبتِ فعلا أفطري واقضيه مع قضائك. ولكن انتبهي يا بنتي.. الصوم بالذات فريضة خفية، فهي بين العبد وربه.. يعني لو أنتِ أكلتِ أو شربت دون أن يراك أحد لما عرف أحد أنك صائمة أو مفطرة، بينما بقية العبادات (الصلاة، الزكاة، الحج) كلها يمكن أن يراها الناس ويلاحظونها. والله وحده يعلم قدراتك وهل أنتِ فعلا قادرة على تتمّة الصيام أم لا.

فهمتْ البنت كلامي كلّه، وما لم أفهمه أنا هو كيف صارتْ هذه العبادة (الخفيّة) المظهرَ الإسلاميّ الوحيدَ لكثير من المسلمين؟. فهذه البنت مثلا لا تصلّي (تهاونًا) ولا تلبس الحجاب ولا تعرف من تاريخ الإسلام سوى اسم نبيّنا محمّد.. حتى اسم أمه وأبيه لا تعرفهما ولا شيئا من سيرته. ولنترك هذا جانبا، ولننظر للأخلاق والمعاملات، فهي موجودة عندها بحكم القانون والضمير، وليست مرتبطة برضا الله ولا محاسبة النفس. ومع ذلك أتمنّى أن تستمرّ في الحضور وألا تنقطع، لأنّها (من كثرة الزنّ) تستجيب أحياناً.
مثلا عند تسميع القرآن، وفي اليوم الذي طلبتُ منهم أن يحفظوا من بداية سورة المطفّفين، احتجّتْ الصبيّة وقالتْ أنا لا أستطيع، فما كان من زميلها (الذي يحفظ عدّة أجزاء ويشارك في مسابقات حفظ القرآن على مستوى ألمانيا) إلا أن قال بتباهٍ: سهلة وأنا حافظها من قبل. وسخر منها ببضعة عبارات مستفزّة.
وكان من عادتي معهم في تدريس القرآن أنّي أتلو الآيات مرّة أولى عليهم، ثمّ أشرح الكلمات، ثمّ أفسّر المعنى الإجمالي بما يتناسب مع فهمهم. ثمّ أطلب من هذا الحافظ أن يقرأ لأنّ قراءته سلسة، وأعطيهم وقتا ليحفظوا عدداً من الآيات في الصف، وكلّما طلب أحدهم أن أعيد الآيات له أعدتُها. وتنجح هذه الطريقة معهم، فهم في البيت لا يفتحون كتب المدرسة العربية فضلا عن عدم قدرتهم على تلاوة الآيات وحدهم.
ولمّا رأيتُ نظرة التباهي في عين الشاب، ونظرة الانكسار في عين الصبيّة، أخذتُ نفَساً عميقًا وتوكّلتُ على الله وبدأتُ محاضرة أدبيّة، فشرحتُ له كيف أنّ أجر زميلته أعظم من أجري ومن أجره، فكلانا نقرأ بسلاسة ودون عناء. وقلتُ له: لو فتحتُ المصحف الآن من منتصفه وطلبتُ منكَ أن تقرأ آية لم تقرأها من قبل، هل ستكون قراءتك مثل هذه الآيات؟ فسكت ثمّ قال بخفوت: لا. قلت: ولكن أنا سأقرأُها دون خطأ وبالترتيل والتجويد.. ومع ذلك، فأجر زميلتك أكبر من أجري أتدري لماذا؟. هنا كانتْ الصبيّة مشدودة بكامل انتباهها إليّ، فأكملتُ: لعدّة أسباب: أوّلا، إجادتي في القراءة هي من فضل الله عليّ وليس لي فضل في ذلك.. بتوفيقه تدرّبت وتعلّمت. ثانيا أنا كنتُ مثلكَ يا (فلان)، وكنتُ أشارك بمسابقات الحفظ وكانتْ أصعب لأنّنا كنّا ملزمين بالتجويد وأنتَ تشارك بحفظك فقط.. ولمّا كنتُ قريبة من الفوز نسيتُ الآية ببساطة، وحين أتذكّر ذلك الموقف الآن بعد مرور سبعة عشر عاما تقريبا فإنّي أحمد الله أنّي لم أفُز لأنّ الشيطان كان سيجد من ذلك مدخلا عليّ للغرور والتباهي، وإجادتي للقراءة الآن هي عِلم عليّ زكاته بتعليمه لغيري. ثمّ وجّهتُ كلامي للصبيّة وأكملت: والسبب الثالث أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال إنّ الذي يتلعثم بالقرآن أجره مضاعف.. لأنّه يحاول مرّة بعد مرّة. ولنحسب أنّ كلّ حسنة بعشر أمثالها، هذا يعني لو أنا قرأت آية وأخذتُ 100 حسنة مثلا، فأنا قد قرأتُها مرّة واحدة.. بينما أنتِ تقرئينها مرّة أولى فتأخذين 100 ثمّ تعيدين فتأخذين 100 أخرى.. وهكذا. ولمّا تكرّرينها للحفظ لا يتوقّف عدّاد الحسنات.. فأنتِ رابحة بكلّ حال. وأنا لن أعطيكِ درجة على إتقان الحفظ، بل على المحاولة لأنّي أعرف أنه صعب عليك. (ولسان البنت ثقيل فعلا في مخارج العربية). ثمّ جلستُ قربها وقلت لها: وأجركِ ليس لكِ فقط.. بل هو لوالديكِ أيضاً، فأبوك يأتي بكِ كلّ سبتٍ لتحفظي القرآن، وأمّكِ تريد ذلك وتشجّعكِ. فحتّى لو لم يكونا ممّن يقرأ أو يحفظ.. أنتِ بقراءتكِ وحفظكِ ترفعين درجتهم في الجنّة إن شاء الله.
وما انتهتْ الساعة الدراسيّة إلا وقد حفظتْ الطالبة الآيات الستّ وهي تفهمها ولو فهما مجملا.

ولكن.. ما تنفعها تلك الساعة أو الساعتان أمام عمر تقضيه بعيداً عن التوجيه الأساسيّ؟. إنّ مصيبتنا في الجيل الذي ينشأ هنا كمصيبتنا في جيلنا الذي نشأ في البلاد العربيّة تماماً. فقد أخذوا الدين واللغة وراثة. وبينما يسعى المسلمون من غير العرب لتعليم أبنائهم اللغة العربية ليفهموا القرآن حصراً، أو حتّى يتقنوا قراءته، يتوجّه العرب لتعليم العربية من منظور قوميّ بحت، ولتعليم الدين من منظور وراثيّ. قشور بلا جوهر، ثمّ نجد الأبناء يعانون من أبسط مواقف تصادفهم. وبينما تعاني البنت أمام رغبة أهلها في أن ترتدي الحجاب بشكله الخارجيّ (مجرّد غطاء للشعر) وتمتنع عن الطلعات والسهرات خارج البيت، ورغبتها في أن تبقى مقبولة وسط مجتمعها الألمانيّ تماما، نجد أنّ مفهوم الحجاب والغرض من الامتناع ليس موجودا لا عندها ولا عند الأهل! مجرّد أمر.. افعلي لا تفعلي. وأما الشاب في هذا العمر فأصعب ما يواجهه قضيّة (الصاحبة أو الجيرل فريند)، تأتي بعدها قضيّة الشذوذ الجنسيّ! والأهل غير مهيَّئين للنقاش في هاتين القضيّتين، فالردّ على الأولى عندهم هو: حرامٌ في العلن.. وفي الخفاء افعل ما تشاء، وعلى الثانية: الكلام في هذا عيب!

إنّ التلقين في العِلم أساسٌ في السنوات السبع أو الثمان الأولى، بعد ذلك يبدأ الطفل بطبيعته بالإكثار من الأسئلة ومحاولة فهم تفاصيل كلّ شيء، وعندما يصل إلى العاشرة تقريبا تتكوّن لديه طريقته الخاصّة في الاستنتاج وربط الأفكار.وعندها لا بدّ أن يتوقّف التلقين، ويبدأ التحليل، وتنمية دروع الشخصية التي ستصمد أمام الضربات أيّا كانتْ. ومن المصيبة فعلا أنّ يستخدم معلّم اللغة العربية أو الدين في هذا البلد، أسلوب التقريع والتحطيم. وأن تبقى طريقة التدريس كما كانتْ منذ عصر الاستعمار الأوّل لبلادنا وحتّى الآن كما هي بل وأن ننقل هذه الثقافة معنا إلى بلاد أخرى. وأنا لا أمتدح طريقة المدارس الألمانية بمجملها، فلها مساوئها أيضا، يكفي أنّ السيّارة التي تختلف عن القالب يحيلونها إلى لجنة فحص ودراسة ليعرفوا كيف خرجتْ هذه السيّارة من نفس المصنع بمواصفات مختلفة. أعني بذلك الطالب والمدرسة. والمواصفات التي يطلبونها تتعلّق بالشخصية لا بالتحصيل الدراسيّ، وهذه هي الكارثة.

أليس بمقدرونا أن نصل إلى أسلوب من اختراعنا بلا تقليد؟ نضع فيه هدف (التربية) قبل (التعليم)؟. أن نتعامل مع هؤلاء الأولاد كأنّهم أبناؤنا حقًّا؟ وأن نجعل لديهم رصيداً كافياً من القناعات والعاطفة لحين خروجهم من هذه المدرسة وتعرّضهم لمواقف الحياة  المختلفة، يقيهم الأذى النفسيّ ويغنيهم عن التسوّل العاطفي؟.
إنّ التعليم عمليّة متبادلة كدورة الحياة تعود منافعها على الجميع، ومسكين هو المعلّم الذي يخرج طلابه من بين يديه بعد عناء تدريس عامٍ كامل ليقولوا عنه: نكرهه! وقد نسوا كلّ ما درسوه وانشغلوا بكراهيتهم له. مسكين هو المعلّم الذي لم يتغيّر بعد كلّ يوم تدريسيّ ولم يكتشف أين الخطأ الذي يجعله يتعب طيلة اليوم ويشعر باللاجدوى في النهاية. مسكين هو المعلّم الذي لا يرى في الإجابة الوحيدة في ورقة الطالب، رسالة سماويّة تقول له: ركّز هنا.. لتعرف كيف تحيل الورقة كلّها إلى إجابات سعيدة، وإن لم تكن توافق نموذجك. وما أدراكَ أنّ العلّة ليستْ منك؟


سئمنا فسقمنا.

لا أعرف لماذا توقّف أخي عن الكتابة. لم يتوقّف تماماً، لكنّي أراه توقُّفَ السأم حَدّ السقم. إنّي أراه هكذا.. لأنّي أشعر هكذا، ربّما لديه شعورٌ آخر. في الحقيقة.. أنا لم أسأله عن السبب. من حقّه أن يتغيّر.. من حقّه ألا يبقى هادئاً كما كان، ومن حقّه أن يتعب من الحياة، ومن حقّه أن يسأم من التعبير. هكذا افترضتُ بيني وبين نفسي، ولم أسأله.
غير أنّي بعد تفكير رأيتُ أنّ هذه نظرتي إليّ، وكأنّي أحتجّ لنفسي أمام نفسي لأتوقّف عن الكتابة، لأقدّم استقالتي تجاه ذاتي المصرّة أنّي أفعل شيئاً له معنى.. لها على الأقل.
تقول لي: لماذا؟
فأجيبها: لأسباب كثيرة، منها أنّ العالم مزدحمٌ جدَّا بكثيرين لديهم ما يقولونه، فلماذا لا أترك لهم المجال ليقولوه طالما ليس لديهم وقتٌ للاستماع؟ في الحقيقة.. إنّ المرّات التي لم أندم فيها على أنّي تكلّمتُ أو كتبت قليلة، قليلة جدًّا. Continue reading


خيالٌ كوارثيّ

لم أكن أعرف ما هو (النابالم)، ولم أكن حتى أعرف كيف تُنطق هذه الكلمة. لكنّي وجدتُها بهذا التعريف في (ويكيبيديا) بعد البحث عنها في (جوجل):
//نابالم هو سائل هلامي (gel) يلتصق بالجلد، وهو قابل للاشتعال ويستخدم في الحروب. تم تطويره من خلال مجموعة كيميائيين أمريكيين من جامعة هارفارد أثناء الحرب العالمية الثانية، بقيادة العالم لويس فيزر.
يصنع النابالم من خلال إضافة قطع الصابون الزيتي إلى البنزين المسخن بطريقة غير مباشرة وذلك بوضعه في حوض داخل حوض آخر يحوي ماء يغلي على النار وتضاف القطع مع التحريك المستمر إلى أن يصبح المزيج كثيف القوام ويجب أن يصنع في مكان مفتوح ويجب الحذر لأن هذه المادة سريعة الاشتعال.//
وكنتُ اليوم أفكّر؛ لماذا قد يلجأ شخص ما لكتابة رواية في (الخيال العِلمي الكارثيّ) والعالم مليء بالكوارث الحقيقيّة ولا يحتاج الخيال لإضافة المزيد؟!. حين كتب هربرت جورج ويلز روايته (حرب العوالم)، لم تكن الحرب العالمية الأولى ولا الثانية قد حدثت بعد، وربّما لو رأى بعينه ما الذي يُحدِثه خيالٌ تدميريّ كخياله المريض لنظر إلى تلك الحرب بعين الرضا والسرور! Continue reading


أنتِ بطلة

لا أحد يكتب عنكِ، عنّي، عن جيلنا نحن.

الذين يقولون والذين يكتبون والذين يحكمون هم الرجال. كنتُ وما زلتُ دائمًا أتساءل: لماذا قليلة هي الكتابات النسائيّة التفصيليّة عن نفسيّة الرجل أو عمره أو حياته، بينما تمتلئ المقالات والدراسات والكتابات بأقلام ذكوريّة تتحدّث عن النساء في: الحمل والإنجاب والسنّ المناسب للزواج وعمر الإنجاز وخريف العمر وسنّ اليأس والشيخوخة و…..
ربّما لأنّ المرأة تستطيع أن تعيش مستقلّة نفسيًّا وعاطفيًّا، أمّا الرجل فيبقى بحاجة للمرأة ومتعلّقًا بها، أيًّا كانتْ مرتبتها الاجتماعيّة بالنسبة له؟.

ولكنّي مستاءة من النساء اللواتي يرضين أن يتكلّم الرجل باسم مشاعرهنّ الشخصيّة، ويلُمْنه لأنّه لا يفهم شيئًا من الذي يتحدّث عنه. إذًا؛ لماذا لا تكتبن أنتنّ عن أنفسكنّ؟

ورجعتُ أقرأ وأبحث في ذاكرتي عن أغلب المقالات والمعلومات التي تتناول مراحل المرأة العمريّة، فوجدتُ:
1998_P_1346378847325
– الكثير من الكلام عن المرحلة العشرينيّة؛ باعتبارها سنّ الدراسة الجامعيّة والتفكير في الارتباط الزوجيّ وتأسيس أسرة. سنّ الانفتاح على الحياة والثقة بالنفس واتّخاذ القرارات وتحمّل نتائجها. سن التعلّم، الكثير منه، لأنّ العقل ما زال في أوج نشاطه واندفاعه وقوّته.
1998_P_1346378847199
– الكثير الكثير من الكلام عن مرحلة الأربعين والخمسين، وأنّها (خريف العمر) وسنّ اليأس. عن اكتئاب النساء في هذا العمر. عن خطر الإنجاب فيه. عن شعورهنّ بالخواء والانهيار والحاجة لوجود الرفيق (الرجل) في حياتهنّ.
7 6
– الكلام عن سنّ الستّين والسبعين على أنّها أعوام الشيخوخة والتهيّؤ للموت! و: اِلحق برَّ أمّكَ قبل فقْدِها، واختصار ذلك في أن تجعلها جالسةً مستريحة فقط.
– وأخيرًا؛ يقولون: عمر الثلاثين هو العمر الذهبيّ للمرأة. نقطة.. انتهى السطر. لا يزيدون شيئًا على هذا.

هنالك أشياء صحيحة فيما قالوا، لكنّي -باعتباري محسوبة على عالم النساء- أسمح لنفسي اليوم أن أتحدّث عن بعض ما لا يعرفه الرجال ليتكلّموا عنه. عن أشياء لا تقولها النساء غالبًا لعدّة أسباب:
– الشعور بأنّها بديهيّة وافتراض أنّ الرجل يدرك ذلك (أيًّا كانتْ مرتبته الاجتماعيّة في حياتهنّ).
– الشعور بعدم الجدوى من قولها لأنّ أحدًا لا يسمع ولا يفهم.
– افتقاد القدرة على صياغتها والتعبير عنها لأسباب مختلفة.

Fast-fifty-number-20
إذا كنتِ في العشرين من عمركِ وتعتقدين أنّ هذه أجمل مراحل حياتكِ؛ فاحتفظي بهذا الشعور ما استطعتِ لتتمكّني من مواجهة: تعسّر أمور الدراسة لأيّ ظروف في حياتك، تأخّر ارتباطكِ برجل أو ارتباطكِ المبكّر دون رغبتكِ، الشعور بنوعٍ من الضياع وعدم القدرة على تحديد الخيارات لمستقبل واضح. مرحلتكِ العشرينيّة هي فرصة رائعة للتعلّم، تذكّري هذا دائمًا: عقلكِ ما زال قادرًا على التركيز والاستيعاب والهضم والتحليل، مشاغلكِ أقلّ لو لم تكوني أمًّا، أو كنتِ أمًّا لأطفالٍ صغار. ما زال لديكِ الوقت لاختيار مهنة تحبّينها، ودراسة عددٍ من اللغات أو الدورات. ما زال هنالك من يتكفّل بالصرف المادّيّ تجاهكِ فاستغلّي هذا في التفرّغ للتعلّم والتدريب. استمتاعكِ بالإجازات والسفر يكون أفضل. هذا عمر رائع، لا تضيّعيه في الكآبة وصحبةٍ سوداويّة والتفاهات.

40 50-jaar-getrouwd-gouden-bruiloft
إذا كنتِ في الأربعين والخمسين، أصمّي أذنيكِ عن تسمية (سنّ اليأس) هذه، لقد تطوّر الطبّ كثيرًا كثيرًا. فإن كنتِ تسعين للإنجاب؛ فقط ابحثي عن طبيبةٍ تثقين بها وأكثري من الدعاء. إن كنتِ تعانين من أيّ مرضٍ فاتّجهي للطبيب وخذي علاجكِ وتابعي حياتكِ وكأنّ شيئًا لم يكن. إن كان أبناؤكِ كبروا فاستمتعي بتأمّلهم وقد صاروا أطول وأعرض من باب غرفتكِ، واتركي عن ذهنكِ بقيّة سلبيّاتهم لأنّهم صاروا بالغين مكلّفين محاسَبين، وأكثري من مديحهم. أكملي تعليمكِ لو كنتِ لم تحصلي على شهادة عليا، أو اتّجهي لتعلّم مهنة تحبّينها. انتظمي في دورة حاسوب، فقد صار ضرورة. أنتِ الخريف؟ إذًا أمطري وانفخي الأوراق الجافّة واغسلي الأشجار لتبدو أجمل في الربيع. لو كنتِ تعيشين في بلدٍ يسمح لكِ بالمشي في الشارع، فاخرجي وامشي كلّ يوم. ولو كنتِ مضطرّة للبقاء في البيت فاصنعي حديقة داخليّة من النباتات الخضراء، وأعدّي كوب قهوتكِ وضعيه على الطاولة في منتصف غرفة الجلوس، ثم اعرضي على اليوتيوب مشهدًا لموج البحر مع صوته، وامشي ربع ساعة داخل الغرفة، ثمّ اجلسي واشربي قهوتك. هذا عمرٌ رائع، لا تخسريه في الاستماع لمن يتكلّم عن ذبول الشباب. وتذكّري أنّ السيدة خديجة كانتْ في قمّة عطائها وحبّها وجمالها في هذا العمر.

60 image 240_F_26945411_DhoGK1ZKVmHSFqcVl0ENMnHqwOf9SytV
إذا كنتِ في الستّين أو السبعين أو الثمانين؛ اسمحي لي أن أقبّل يديكِ لأنّكِ قادرةٌ على التعامل مع التكنلوجيا وقراءة هذه الكلمات. هذا أنسب عمر لبدء (مشروع حياتكِ) الذي لم تتمكّني من إنجازه سابقًا. فالوقت لديكِ والمسؤوليّات قلّت، والمال متوفّر بإذن الله. طالما ما زلتِ تحتفظين بعقلكِ فهذا أهمّ كنز. وإن خاطبكِ من هو قريبٌ من عمركِ بكلمة: يا جدّتي بدلا من: يا أمّي، أو يا خالة.. فلا تغضبي أبدًا، بل ابتسمي للوقار الذي يبدو عليكِ ويمنحكِ الاحترام والتقدير ممّن حولك. فهذه الكلمة (الجدّة والأمّ والخالة) لا تُهدى لأيٍّ كانتْ. لا تنسي أن تلتزمي بأدويتكِ والغذاء الصحّي، والمشي. فالحركة بركة.

أمّا وأنتِ صديقتي ومن جيلي الثلاثيني، العمر الذهبيّ الذي لا يتكلّم عنه أحد سوى: بالروعة والمديح المبهَم، والانبهار، ولا يقتربون من تفاصيله أبدًا.. تعالي نتحدّث معًا عن (مطبّ) الثلاثين، عن (حفرة) الثلاثين، عن (صدمة) الثلاثين.
لا يعرفون أنّ المرأة في الثلاثين تعبر مرحلة فاصلة كلّ ما فيها يتغيّر ويطحنها طحنًا:
– الهرمونات تجنّ وتتصرّف بفوضى، لا تخضع لمنطقٍ ولا لنظام. كلّ ما يحدث قبل الثلاثين من أمور النساء جملة وتفصيلا يختلف تمامًا بعد الثلاثين.
– إذا لم تكوني متزوّجة؛ فسيجعلكِ المجتمع همّه وحديثه. وإن كنتِ متزوّجة لم تنجبي فسينصحونكِ بألف طبيب، وإن كنتِ أنجبتِ فعلا.. سيلحّون عليكِ بإنجاب المزيد قبل بلوغ الأربعين باعتبارها خطّ نهاية صلاحيّتكِ كأنثى!
– يرتفع احتمال إصابتكِ بالأمراض التالية (إن لم تكوني مصابة بها من قبل): السكّر، الشقيقة (الصداع النصفي)، الصداع الهرموني (صداع يستمرّ خمسة أيام إلى أسبوع قبل موعد الدورة الشهرية)، الديسك (انضغاط فقرات الظهر)، الاكتئاب (وهو مرض حقيقيّ ومن مظاهره العديدة العصبيّة)، أمراض ومشاكل المبايض، أمراض الغدد، الخمول والإرهاق المفاجئ، فقدان الذاكرة الجزئيّ (تشعرين بها كحالات من الغيبوبة وكأنّ أجزاء من ذاكرتكِ سقطت).
– تكتسبين الوزن بشكل مفاجئ ومخيف، وتفشل جميع أنظمة الحمية التي تحاولين الالتزام بها، بالإضافة إلى تغيير في عاداتكِ الغذائيّة لا تستطيعين السيطرة عليه.
– تشعرين أنّ كلّ ما بكِ/لكِ/حولكِ لا يلائمكِ وليس في مكانه الصحيح: بدءًا من وضع جسمكِ، وجهك، شعرك، وزنك، مرورًا بملابسكِ وأغراضكِ الشخصية، بيتكِ وأثاثه، انتهاءً بالناس الذين يحيطون بك!
– تميلين إلى الوِحدة والابتعاد عن الضوضاء، وتنتظرين الفرصة لتجلسي دون عملٍ أو هدف محدّد، وتعلّلين ذلك بأنّه (مجرّد قسط من الراحة يحقّ لك).
– تفكّرين في الاتفصال عن شريك الحياة إذا كنتِ متزوّجة في عمر العشرينيّات أو ما قبلها. وتتردّدين كثيرًا بشأن الارتباط إن لم تكوني متزوّجة.
– تنزَعين إلى الالتزام الدينيّ وتفتّشين عن مصدرٍ روحانيّ موثوق، أو العكس.
– تنظرين بحسرة إلى عمر العشرينات الذي غادرتِه، وشيءٍ من الغيظ من بنات جيله لأنّهنّ -بنظرك- مستهترات متهوّرات لا يعرفن قيمة عمرهنّ و(حرّيتهنّ).
– تميلين إلى التخلّي عن صديقات الطفولة وتشعرين أنّ (هنالك علاقات لها مدّة صلاحيّة وقد انتهتْ).
– تروادكِ فكرة التخلّي عن الحياة والهروب وبدء حياةٍ جديدة من الصفر، لوحدك.

ربّما شعرتِ بكلّ ذلك، بنصفه، أو بربعه.. أو لا شيء منه. إن كنتِ تشعرين به؛ فتابعي القراءة:
30th-sparklers
– أنتِ رغم تلك الهرمونات المجنونة التي سيستمرّ جنونها لسنواتٍ قادمة؛ تضبطين أعصابكِ وتصرّفاتكِ، وتبحثين عن الوسائل المساعدة في ذلك.
– أنتِ غير متزوّجة، متزوّجة ولستِ أمًّا، مطلّقة، متزوّجة وأمّ، وضعكِ الاجتماعي في أيّة خانةٍ كان؛ لا يعدو كونه جزءًا من شخصيّتكِ وهكذا تتصرّفين، وتتجاوبين مع تعليقات المجتمع المستفزّة بدعابة.
– أنتِ مصابةٌ فعلا بمرضٍ دائم؛ لكنّك لا تشكين من أعراضه طيلة الوقت لأنّكِ قادرةٌ -بشيءٍ من الهمّة- أن تتأقلمي معه وتكملي حياتكِ بشكلٍ طبيعيّ.
– تتقرّبين من الله بمختلف الوسائل والطرق، دون ضغطٍ أو سلطة من أحد.. وتكتشفين روعة ذلك.
– تشعرين بالسعادة والبهجة حين تخاطبكِ من هي أصغر منكِ كما تخاطب الشيوخ، وتعتبرينه دليل احترام. وتشعرين بالفخر حين تستشيرك من هي أكبر منكِ اعترافًا منها بخبرتكِ.
– رغم كلّ المسافات المكانيّة والزمانيّة الفاصلة؛ تسألين باستمرار عن أحوال الصديقات، وتطردين كلّ هواجس سوء الظنّ بتقصيرهنّ، وتطيرين فرحًا بإنجازاتهنّ حتى لو كانتْ منافسة لإنجازاتكِ أو متفوّقة عليها.
– تهربين بأفكاركِ إلى المستقبل؛ وتتخيّلين مكانكِ بعد عشرة أعوام. تخطّطين أيّة خبرات تريدين اكتسابها، وأيّة عادات تريدين تركها، وأيّة تجاعيد ستبتسمين لظهورها.
– تتقبّلين التغيّرات الجديدة في شكلكِ، وتكفّين عن (هوس المراهقات) في الاحتفاظ بالقوام الفاتن، والشعر الرائع. وتستبدلين بذلك كلّه: الصحّة والعافية والأناقة.
– تركضين طيلة النهار، وحين تجلسين لترتاحي وتجدين الأعمال المتراكمة، تبتسمين لها وتقولين: أعلم أنّكِ لن تهربي، وأنا سارتاح الآن.. ثمّ نتفاهم.

أنتِ فعلا في العمر الذهبيّ؛ العمر الذي يسمّيه الجميع (سنّ الكمال). لأنّكِ تقعين في الوسط، في المنطقة الفاصلة بين جيلين يعتمدان عليكِ؛ بين الابنة والأمّ، بين المعلّم والمتعلّم، بين المربّي والمتربّي. العالم ينظر إليكِ في كلّ موقعٍ فيراكِ قادرةً، ومسيطرةً، وعلى أهبة الاستعداد. وأنتِ لستِ وحدكِ، كلنا مثلكِ، جيلك.
أنتِ البطلة، إذا كنتِ: تملكين خطّة واضحة وهدفًا في الحياة مرتبطًا بالآخرة تعملين على تحقيقه؛ يوميًّا، ولو بخطوات بسيطة. فقط، لا تتوقّفي.