Monthly Archives: ديسمبر 2003

أيا وطنًا من خِيام..

“ألا أيها الوطنُ المتدفـّئُ بالثلج، والمتلفـّعُ ثوبَ الغمامْ،
أيا وطنا من خِـيامْ،، عليكَ السلامْ ” *
—-
“أيا وطنا من خِـيامْ ..”

مساؤكَ جوع ٌ وبرد، وريحٌ تعصف بكيانكِ الممزّق، تبعثره، تملؤه نواحا ..
مساؤكَ قيدٌ وسجنٌ وأشلاء جثة، وطفلٌ رداؤه الحزن، وكفه حجر..
مساؤكَ نكبة أبديّة همـّـشتها التفاهات، واسمٌ على خارطة من ورق،
وكلمة تلوكها مذيعة في نشرة الأخبار.

مساؤكَ بئر نفط يشتعل نارا، ويلوّن الأفق سوادا ورمادا،
وانفجار لغم ٍ وآلاف قتلى ..
مساؤكَ ثكلى تذرّ التراب على رأسها، تروّي القبور بملح ..
مساؤكَ جرحٌ قديم توسـّـع، فزاد الألم، وزادتْ جرعة المسكـّـنات ..

مساؤكَ خير،
يا رقعة ً كبيرة ً ملوّنة، تختلف فيها الأسماء، الوجوه، اللهجات،
لكنها واحدة ٌ.. في المصيبة والبلاء.
—-
“أيا وطنا من خِـيامْ..”

يركض بأنفاس لاهثة، يسمع أصواتهم خلفه، تقترب.. تقترب..
يحاولون اقتناصه، فتجتازه رصاصة،
(لئن أخطأ القناص، ما الموت بمخطئك، آتٍ آتٍ لا محالة ..)
يقف فجأة، يغمض عينيه (مقضيّ عليك ..)
يستحضر صورهم في ذاكرته، يقبّـلهم على عجل، يتحشرج بكلمة وداع،
ويمتلئ الأفق لثانية بصدى صرخة منتهية، وهمهمات،، فأصوات ابتعاد .. ثم صمت.
بخوف يأتون، يحملونه غارقا في الأحمر الدافئ بلا نبض، وتبتلع ذاكرة الزمن كلّ الأدلة،
لا يبقى سوى أثر على رصيف الشارع، تدوسه الأحذية، وتعالجه الأيام بالنسيان ..
—-
“أيا وطنا من خِـيامْ..”

اقترب منه الصحفيّ، تبسّم ملاطفا، فصرخ الصغير مرتعبا، واستدار راكضا ..
لحقه أمسكه من ذراعيه، حمله محاولا تهدئته، لكنه كان يعوي ويولول بفزع،
ركضتْ الأمّ متعثرة بردائها، تلقفته، هدّأته، كفكفتْ دمعه..
وحين أقسم أن لم يمسسه بسوء، وأن لم يكلمه حتى، بل تبسّم فقط ،
زمجرتْ وكشّرتْ في وجهه، وولته ظهرها وهي تشتم!

اقترب أحد أبناء الحارة : (حاذر، أنتَ في مكان ٍ البهجة فيه ذنبٌ وخطيئة،
لو رأوكَ باسما، لجزّوا عنقكَ وسقوا تراب منازلهم المهدومة بدمك!)
واستدار موليـّـا، ثم التفتَ نحوه فجأة وهتف :
(غادِرْ! ما عاد لدينا شيءٌ لم تعرفوه نرويه لكم!)
—-
“أيا وطنا من خِـيامْ..”

ناول الضابط َ رزمة، وتناول منه أخرى..

همس لنفسه :
– (هذه آخر مرّة أفعلها، أقسم أن ستكون الأخيرة!)

صوت ذرّات الرمل تتخلخل تحت خطو حذائه العسكريّ،
صوت أنفاسه، وطنين سكون مفزع.. ثمّ..

– (هه! مَن هناك؟)
يرفع سلاحه، يرفع صوته (مَن هناك؟)
لا ردّ.. يعاود مسيره بتشكـّك،
حفيف بالكاد يسمع، يخترق حلقة الصمت المحكمة،
بصوت مرتجف يحاول أن يبدو واثقا:
– (أظهر نفسك!)
حركة من ورائه،
كعب بندقيّة يهوي..

ضحكة أخته الصغيرة،
دمعة أمّه،
همهمة والده الغاضبة (نقودكَ حرامٌ عليّ!)
طعمٌ لاذع ٌ في فمه.. ثمّ غامتْ الرؤى.

كانتْ جثـّته معلّقة تنفخها الرياح، يرمقها الصغار ويتفلون عليها..
الخائنُ، باع وطنه.

(لم يعرفوا بشأن قسَمه).
—-
“أيا وطنا،
بلا خِـيامْ..”

يموت أبناؤك،
لك، فيك، بعيدا عنك، معكَ أو ضدّك،،
بتوافق أو اختلاف، لكنهم يموتون جميعا، ألف مرّة،
ولا عزاءْ..

.. مساؤكَ كما أنت، وجهٌ مشوّهٌ يطالعُ مرآة ً مهشـّمة!

“ألا..عليكَ السلام”
________________
* كلمات معاوية البحيصي.

ما بين البُعد والشوق

يا موطني ..

أرى البعدَ “بحرا”
والشوق.. “حصى”!

– وأفكر: ترى متى قد أُنهي بناءك يا “جسر الوصول”؟

وقد أرى البعد “سفرا”
والشوق .. “غيمة”!!

– تراها تحملني إليكَ بثقل لوعتي، تجتاز بي الحدود بلا أوراق أو بوّابات؟

تراني لو تخيّـلتُ البعد “مِلحا”،
والشوق “ماءً”..

– تراه يذيبه.. فأجدني عندك؟

ألا ليت البعد كان “كلمة”
والشوق … “ممحاة”.