Monthly Archives: يناير 2008

وعزّيتُ نفسي ساعة..

وعزّيتُ نفسي ساعةً، أننا كنّا سنرحل يوماً بأية حال.. السفن إن بقيتْ في مرافئها زماناً، صدئتْ!
وجلستُ دقائق أتلمّس ورق الهدايا الفضّي المغلفة به، وأنتحب، ولا أجرؤ على فتحها..
أردتُها أن تبقى كذلك أبداً.

فلا ينزعنّ أحدٌ منك إيمانك.

إنها تلك النواقص الصغيرة التي تتراكم في الزوايا صعبة التنظيف، تزعجنا حين نلمحها.. لكنّا نبتعد عنها بعجزنا المفتعَل، مدّعين أننا لا نستطيع إكمالها، بينما نحن لم نفكر حقّا إن كنا نستطيع أم لا. لم نبذل جهد التفكير؛ حتى نصل مرحلة المحاولة، حتى ننتقل إلى مرحلة التكرار، ونقرّر بعدها أننا لا نستطيع.

حين يقولون لكَ إنكَ لا تملك أن تفعل شيئاً لـ(فلسطين)، فأنتَ لن تحلّ القضيّة المعروف حلّها سلفاً، ولن تستطيع محو الوجود الصهيونيّ بثورةٍ ولا حتّى أن ترفع صوتكَ بدعاءٍ كهذا على منبر خطبةٍ في محفل وإلا عرّضتَ نفسكَ لزيارةٍ في (غوانتنامو).. وأن انسَ موضوع (صلاح الدين الثاني) هذا لأنّ الأوّل أعاد (القدس) في جيشٍ حقيقيّ ومعركة حقيقيّة، ونحن خسرناها في معركةٍ وهميّة، ولو كان الأمر كما كان عليه في زمن صلاح.. لصلّينا الجمعة اليوم في (الحرم القدسيّ).
تستمع إليهم، وتصدّقهم حدّ أنكَ تظنّهم اقتلعوها من أعماقك، وأنكَ ما دمتَ لم تولد في فلسطين، ولم تمتدّ جذوركَ فيها، لا صلة رحمٍ أو دمٍ لكَ فيها، لم تعرف عنها شيئاً إلا صوراً بدأتْ من ستّين سنة ولمّا تنتهِ، فلماذا قد تحنّ إليها، ولا شيء يبرّر حنينك؟. لكنّكَ لا تنسى، في حين يغفلون عن محو إيمانكَ، تجده يكبر فيك، وينغرس ويتجذّر أكثر أكثر.. لم يقولوا لكَ (لا تستطيع أن تؤمن بحقّكَ فيها)، فلماذا استبقتَ كلماتهم وأخذتها على عاتقكَ، وقرّرتَ أن تنسى؛ وتعيش صراعاً مع روحكَ التي لا تريد أن تتخلى؟

هذا شيءٌ عظيم تفعله، أن تؤمن بأنّكَ على حقّ، وأنّ في كلّ شبرٍ من (القدس) لكَ حقّ، وأنّ صلاتكَ هناك التي حُرمتَ منها، هي لك حقّ. وانظر كيف لو أنكَ أظهرتَ إيمانكَ هذا، لرفيق صباك مثلاً، ذاك الذي يعتقد أنه يعرف كلّ شيءٍ عنك، وتعتقد أنه يحمل ذات مبادئك التي نشأتما عليها، انظر ما يحدث لو أخبرتَه أنّ أمنيةً تتربّع على قائمة أمانيكَ الخمسة الأولى، أن تعرف ما رائحة الزيتون في (رام الله)، وطعم رذاذ الملح في نسيم بحر (غزّة)، ولون الطين في (بيت حانون)، وملمس حجارة حائط (البُراق)، وما اختلاف (الحنّون) في (نابلس) عن (شقائق النعمان) في بلادك.. انظر ما يحدث، لو أنّ رفيق صباكَ شارككَ الأمانيّ ذاتها، أو أنّكَ أخبرتَ الحكاية لابن أخيكَ، ولطلابكَ في الصفّ، ولعابرٍ صادفتَه ذات محادثة على شبكة الإنترنت. انظر لو أنهم جميعا قالوا لكَ كم هذا مستحيل، ألا تقول لهم حينها أنّ المستحيلات لا تغيّر شكل إيماننا بالأمنيات؟ وأنّها لا تبدّل حقيقة العبارة التي كتبتَها في أوّل صفحة في دفترك الذي يحضن أدفأ أفكارك: هذي فلسطين الحبيبة علّمتْنا.. (أنْ نكون).

وستفعل شيئاً آخر، ستقف في مظاهرة، أو مهرجانٍ إنشاديّ، أو مع رفاقكَ في أحد ممرّات الجامعة، أو مع أصحابكَ في ساحة المدرسة، وسترتجل ما في قلبكَ صادقاً، قد تُلقي فجأة كلماتٍ لـ(فاروق جويدة)، تعلن تأييدكَ لعناتِه:
ابني قد مات بسيف أخي
و غداً سأموت بسيف أخي
ملعون يا سيف أخي!
في كل كتابْ
في التوراة
و في الإنجيل
و في القرآنْ
ملعون يا سيف أخي،
في كل زمان..
ولن تفكّر ماذا قد يأتي بعد اللحظة. وربّما تجد نفسكَ مردّداً:
يا أقصى احنا معاك، سيّجناك قلوبنا
وسراجَك زيت ودمّ! ابشر ولا تهتمّ..
من فوقك أو من تحتيك..
بعظام الصدر منحميك

وقد تفعل أكثر من هذا، قد تستيقظ ذات صباحٍ مقرّراً أنّ (كوفيّتكَ الفلسطينيّة) التي ابتعتَها منذ خمس سنوات من امرأةٍ فلسطينيّة مغتربة، ستكون دفئكَ هذا الصباح، وترتديها وأنتَ لا تهدف لشيء.. ولا يوجد لديكَ (خارطة طريق) ذهنيّة، ولا تعرف أين ستصل.. وبعد يومين، تسير في الجامعة بكوفيّةٍ وخارطةِ (فلسطين) مرسومةٍ بقلم حبرٍ عاديّ، على ورقةٍ بيضاء، تتوسّطها كلمات: غزّة، تحت حصارٍ لا يرفعه إلا صدق الدعاء!، مثبّتةٌ على جانبٍ من صدرك، وعلى الجانب الآخر يتدلى طرف الكوفيّة الملتفّة حول عنقكَ لتدفئك بإيمانك.. ومعكَ أربعٌ، خمسٌ، عشر من أصدقائك. وستسمعهم يتهامسون حولكم في ممرّات الجامعة كلما حاذوكم: فلسطينيّ؟! أكيد.. بس مو معقول كلهم فلسطينية!! وتبتسم، تجهّز ملامحكَ بطريقة تجعلكَ عفويّاً أقرب للقلب، تلتفت إليهم وتخبرهم أنكَ فلسطينيّ قلباً، (ولا تهتمّ ما الذي سيفهمونه من هذه العبارة)، وتترك لهم فرصة قراءة ما كُتب على الخارطة المعلّقة، وتسمع دعواتهم.. فتتذكر أنهم أيضاً كانوا مثلك.. استبَقُوا الكلمات وقرّروا نسيان إيمانهم، لكنّهم الآن تذكّروه.. مثلما أنتَ تذكّرت. Continue reading