Monthly Archives: ديسمبر 2011

الصلاة، بين جدّة وهامبورغ.

أذكر الأيام التي كنّا نسافر فيها إلى بيت خالتي في (جدّة) منذ طفولتي المبكّرة.. وحتّى الآن بعد زواجي، ما زالتْ تستقبلنا هي وزوجها بصدر رحب واحتفاء لا حدود له. وأكثر ما أفكّر فيه حين أتذكّر مواقف (زوج خالتي) معنا، توجيهه التربويّ رغم أنه لا يملك سلطة تربوية مباشرة علينا، فنحن أبناء بنات حميه. ومع ذلك فقد كان نظامه التربويّ يمشي بالعدل على كلّ من يدخل البيت حتى لو كان ضيفاً.. رغم إكرامه وتدليله لنا. فمثلا؛ كنّا ننام في بيت أهلي في العاشرة، وحين كنا نذهب لزيارتهم كان لا بد أن نأوي لفراشنا في الثامنة (طبعا لم نكن ننام وكان يعرف ذلك ويمرّ يدقّ على الباب المغلق وهو ينبّهنا كي لا نزيد في السهر)، لكنّ سعرنا بسعر أبنائه وبناته في الثواب والعقاب على السواء.
وأكثر ما أذكر هو موضوع الصلاة، فحتى حين كنّا دون سنّ التكليف، كان يذكّرنا دائماً ويتابعنا في الصلاة، الشباب إلى المسجد لصلاة الجماعة، والبنات في البيت، وحتى صلاة الفجر. بالتأكيد كنّا (نزوّغ) ونراوغ ونفوّت من الأوقات ما الله به عليم، وكنّا نتضجّر ونتأفّف وخصوصًا حين نصحو من نومة العصر وتكون أخلاقنا ونفسيّاتنا (عظيمة!). ومع أنّ أمّهاتنا معنا؛ وأهلنا أصلا يتابعوننا في الصلاة في البيت، أي أنهم ليسوا مقصّرين.. فلا أذكر أنّ أمًّا من الأمّهات انزعجت مرة من زوج الأخت وتخاصمت مع أختها لمتابعته الأبناء في هذا الموضوع، أو طلبت منه ألا يتدخّل كونهم (ضيوفًا) مثلا. ربّما حدث ذلك ولم أعلم به، لكنه لم يحدث أمامي ولا مرّة.
أكتب هذه الذكريات ليس فقط لأقول لزوج خالتي جزاه الله خيرًا عن كلّ لحظة كان فيها ناصحًا ومربيًّا (وما زال حتى بعد أن تزوّجنا يعاملنا كبناته ويدلّل أبناءنا كأحفاده)، بل لأشير إلى المفارقة العجيبة التي أعيشها الآن. Continue reading

نشيد اليوم: هنا حِمصٌ! هنا (حاءٌ وباءُ)..

كلمات: جعفر الوردي. |أداء: أيمن الحمزة.|ألحان وتوزيع: أيمن حلاق.
(النشيد موجود على يوتيوب هنا وقمت بتحويله إلى Mp3).
* هذا النشيد يحوي إيقاعات موسيقيّة.
للاستماع:

Continue reading

عامان ونصف!

* صافي رسمت أمس أول وجه لوحدها: بأقلام الرسم على الزجاج وقفتْ أمام المرآة الطويلة لخزانتي حيث اعتادتْ أن أتركها ترسم هناك، وراحت (تشخمط) كعادتها. دخلتُ بعد دقيقة لأتفقّدها؛ فوجدتُها قد رسمتْ وجهاً يشبه حبّة بندورة عملاقة باستدارته.. وقد وضعتْ نقطتين مكان العينين، وخطا معكوفا من أسفله للأنف، وفما مبتسما، وخطا متعرّجا في أعلى الرأس للشعر! تماما كما أرسم لها. قبّلتُها وأنا أقول لها: ما شاء الله.. صفصوفة ماذا رسمتِ؟ ما هذا؟ فقالتْ لي وهي تشير إلى تفاصيله: هي عينو.. هي عينو.. هاد إنفه.. هاد تمّو.. قلتُ لها: وفين (وشّه)؟ فراحتْ تضع نقاطاً صغيرة (نمشاً) في مكان الخدّين. ثمّ رسمت خطّين عموديّين على جانبيه وهي تقول: هي أُدُنُه.. وهي أُدُنُه!
حاولتُ تصوير الرسم لكن لا أظنّني نجحتُ في ذلك.

ما أسهل أن نعلّم أطفالنا الترتيب:
* صافي تدخل إلى المنزل، فتقف عند خزانة الأحذية، تخلع حذاءها ذا الرقبة الطويلة، وتحمله وتصفّه في الرفّ الخاص بأحذيتها. تفعل ذلك بتلقائيّة منذ شهرين ودون أن أطلب منها.
* إذا أرادتْ أن تسحب كتاباً من كتبها، تقف على كرسيّها الصغير، وتحمل الكتب التي لا تريدها، وتنزل بها لتتركها على الطاولة في وسط الغرفة، ثمّ تعود لتصعد الكرسيّ، وتأخذ الكتاب الذي تريده، وتعيد تلك الكتب إلى الرفّ.
* قبل يومين.. ذهبتْ وفتحتْ باب الحمّام، وأحضرتْ كرسيّها الصغير (القابل للفتح والطوي) الذي تستخدمه عادة للوصول إلى حوض المغسلة، واتّجهتْ إلى غرفتي بكلّ ثقة، فتحتْ الكرسيّ  ووضعتْه أمام خزانة الأدراج الخاصّة بي(كانتْ تعاني صعوبة في فهم طريقة فتحه، ثمّ أصررتُ عليها مرة أن تفعل ذلك وحدها.. فتعلّمت بعد محاولات عدّة)، داستْ عليه، مدّتْ يدها وفتحتْ أحد الأدراج الصغيرة، أخذتْ قلم (مرطّب الشفاه) وأغلقتْ الدُرج، نزلتْ ووضعتْ القلم على الأرض، طوتْ الكرسيّ، حملتْ القلم والكرسيّ واتّجهتْ إلى الحمّام، أعادتْ الكرسيّ إلى مكانه (علما بأن نور الحمام مطفأ لأنها لا تصل إليه لإنارته)، ثمّ عادتْ إلى غرفتي.. وقفتْ أمام المرآة الطويلة، فتحتْ القلم.. أدارته (أدركتْ في ذلك اليوم فقط كيف يمكنها أن تدير قاعدة القلم لفتحه وغلقه)، ووقفتْ أمام المرآة وقد زّمتْ شفتيها وراحتْ تطليهما بالمرطّب!
كلّ ذلك وأنا جالسة للتسبيحات بعد الصلاة أراقبها.. طبعاً تركتُها تفعل ذلك، فهي لم تقم بأيّ شيء خاطئ، شفتاها متشقّقتان بسبب الزكام وهي تعرف ما تفعل.
المشكلة تكون فقط حين أحاول إقناعها أنّ عليها أن ترجعه لمكانه إذ تنتهي من استخدامه.. فهي تعتقد أني سآخذه لإخفاءه ولن أعطيها إياه مرة أخرى. ولذلك صرتُ أنتبه كثيراً للكلمات (والوعود) غير المقصودة التي ألقيها على مسمعها. فإذا أردتُ أن آخذ شيئا منها وأنا أدري أني لن أعيده لها، قلتُ لها بشكل واضح: هاد مو الك.. وما بصير تلعبي فيه. وحتى لو بكتْ وصرختْ (وهذا طبيعيّ.. ودموع الادّعاء تلك صرتُ أعرفها جيّداً) أدير ظهري وأذهب لأتابع عملي بعد أن أضع قريباً منها شيئاً آخر من أشيائها المفضّلة دون أن أقول لها شيئاً. فتسكت بعد ثوانٍ وتنشغل بذلك الشيء، وغالباً تحمله وتأتي إليّ في المطبخ مثلا، تقف في بابه وتنتظر أن أنظر إليها، فما أن ألتفتْ حتى تقول: لا لا لا.. لا تزعلي. أو لا تعصبي.. أو لا تصرخي. وهذه هي الجمل التي أقولها أنا لها عادة. فإذا قالتْ ذلك أكّدتُ لها: اي صح صفصوفة لا تزعلي.. أنا ما بحبّ أشوفك زعلانة.. تعي عطي ماما بوسة.

* صارتْ تحفظ كثيراً من الجمل والأسماء التي تشاهدها في برامج قناة براعم، والطريف أنها تستخدمها في أماكنها الصحيحة. مثلا حين أصيبتْ بالزكام في الأسبوع الماضي.. وصفتْ لها الطبيبة قطرة للأنف، وطبعاً صفية (روحها في أنفها) وبالتالي.. فمن أصعب المهامّ في حياتي الأمومية تقريباً أن أضع القطارة في أنفها. في ذلك اليوم، حملتُ القطّارة وغافلتُها فقطرتُ في أوّل جانب من أنفها.. حسّتْ عالمقلب.. وإذ بها تحاول أن تفلحص من بين يديّ، وحين أمسكتُها راحتْ تصرخ: ساعِدُوونـــــــي.. وأغرقتُ في الضحك وأنا أقول لها: أنا إمّك.. وما في غيرنا في البيت.. مين رح يساعدك؟

في مرّة أخرى، أثناء الاستحمام، الذي تعشقه صفيّة لكنّها لا تطيق موضوع (غسل الرأس)، وحين بدأتُ أغسل رأسها من الصابون، راحتْ تصرخ: بابااااا.. النجدة.. ساعِدُونــــي.. فسمع أبوها صوتها (علما بأن باب الحمّام كان مغلقاً) ولم أشعر به إلا واقفاً جواري يسألني ما بها، فضحكتُ وأنا أحكي له، وما أن رأتْ أباها حتى رفعتْ ذراعيها إليه وهي تقول: بابا.. أشيلِك. طبعا هي ما زالتْ تردّد الكلمات بضمائر المخاطبة التي نستخدمها نحن معها.

مرّة كانتْ تلعب بصوصٍ بلاستيكيّ صغير من ألعابها، فتضعه أعلى (الزحليقة) وتتركه يتزحلق.. فإذا وصل النهاية وانكفأ على وجهه حملتْه وراحتْ تربت رأسه وهي تقول: هل أنتَ بخير يا صوصي؟ وتعيد الكرّة والسؤال. صارتْ تستخدم هذه العبارة مع كلّ أشيائها إذا وقعتْ.. وإذا وقعتْ هي، قالتْ: الله (مثلما نقول نحن لها عادة) ثم قالتْ: هل أنت بخير؟

دخلنا قبل يومين لبيت عمّي، ورحنا ندور مفتّشين عن قطّتهم (فوفو) صديقة صفيّة العزيزة، وبينما أنا أبحث كنتُ أنادي: وينك يا فوفو.. فإذا بصفيّة تنادي قربي: أين أنتَ يا فوفو؟ قلتُ لها: أين أنتِ يا فوفو؟ هي فوفو قطّة بنّوتة. وحدث مرّة أن ضربتْها القطّة على يدها، فبرمتْ شفتها دون أن تبكي.. وجاءتْ إليّ تقول: لا لا لا تزعلي.. فوفو (جملة طويلة لم أفهم منها شيئا) إيدك (بربرة أخرى). فأدركتُ المقصود. قبّلتُها وقلتُ لها: فوفو عبتلعب معك، لا تزعلي منها. فما كان منها إلا أن شرقتْ دمعها وراحتْ تثرثر مرّة أخرى (تراضي نفسها على ما يبدو) وهي تجلس قربي.. ولم تلبث دقيقة جالسة.. حتى نهضتْ تفتّش ثانية عن القطة.