Monthly Archives: مارس 2012

في الحساب الذي لا نطيقه

لماذا يقولون: يا صبر أيّوب، ولا يقولون: يا صبر نوح وقد صبر كما ذكر ربّنا ألف سنة إلا خمسين عاما 1؟!
ألف سنة؟؟ يا ربّ ما أوسع حِلمك. وحين دعا سيّدنا نوح قال: “أنّي مغلوبٌ فانتصِر”.
جملتان مختصرتان تلخّصان: الإقرار بالعجز البشريّ، والضعف.. (مغلوب). قال إنّه مغلوب، وهي صيغة مفعول به من غلب، وهذا الجذر في اللغة يدلّ على (قوّةٍ وقَهرٍ وشدَّة)! وما كان طلبه؟ (انتَصِر) يا ربّ.
وحين فصّل في الدعاء، كان قوله: أهلكهم يا ربّ جميعا فلا يبقى منهم من يضلّ عبادك المؤمنين. لم يطلب النصر لنفسه؛ بل للمؤمنين الذين يخشى عليهم الفتنة في دينهم. فأين نحن اليوم من دعاء وأخلاق وصبر سيّدنا نوح؟! 2

في لقاء خصّصته الروضة الإسلامية (الوحيدة) في هامبورغ لأمّهات الأطفال المسجّلين على قائمة الانتظار، وقبيل انصرافي وقفتُ أتبادل الحديث مع إحدى المعلمات، فما كان منها في نهاية الكلام إلا أن سألتني: الأخت من لبنان أو سوريا؟ أجبتها بابتسامة: سوريا. قالت: نتشرّف والله.. ثمّ اقتربتْ وبقلق سألتني: وكيف الوضع هناك؟ كيف أهلك؟، أجبتُها بتفصيل مختصر أنّ أهلي في الرياض، والأقارب مقسّمون، وأنّ كلّهم أهلنا. سألتني إن كانتْ أيّة بوادر (فرج) تلوح في الأفق، أشياء لا تعرضها نشرة الأخبار في التلفاز.. أجبتُها: مِنقول إن شاء الله، الله يعين ويفرجها على العباد والبلاد.. وحضرتك من تونس؟، أجابتني مداعبة وقد رأت دمعتي تجول في عيني أثناء حديثنا: أيوا من تونس.. رأس البلا وأصله. فأجبتها ضاحكة: حاشاكم.. انتو أصل البركة، إذا كان هذا (بَلا) فالنّعم به.

أنظر إلى صورتي معك؛ تحوطني بذراعك مسندًا رأسك إلى رأسي، الغالية المدلّلة التي تمازحك أحيانًا فتُسقط (خالو) وتناديك بكنيتك. ستّة أعوام حقّا مذ رأيتكَ آخر مرّة! أتأمّل ابتسامتكَ وابتسامتي.. أكان العالم أجمل وقتها؟ أعني.. أكنتَ تراه أنتَ أجمل؟ أم هو أفضل من سنوات (تدمر) و(صيدنايا) و….؛ فكان ذلك كافيًا ليصبح (بركة)؟!.
بودّي أن أسمع صوتكَ الذي لم أسمع إلا منذ أشهر بعيدة بعيدة؛ بأحرف مشوّشة متقطّعة بسبب سرعة (الانترنت) العجائبيّة عندكم، لأسألك: أتراكَ تفكّر في العيال وأمّهم ورزقهم، أم بأولئك المكفّنين في ثيابهم؟. بودّي أن أسمعك تجيب لأنّي لا أعرف.. لأني لا أتكهّن أيّ شيء، لأنّي لا أدري، لأني أريد أن أحسّ بكَ/بكم.. لأنّي أخاف عليكَ الحسرة أكثر من الموت، لأنّي أعرف قوّتك وعنفوانك اللذان اشتعلا أكثر بعد سنوات السجن الثلاث عشرة.
أحاول أن أحصر في ذهني -الذي لا يطيق الرياضيات والحساب- أعوام عمرك المهدورة، وأحسب كم (إنسانًا) قاسمْتَهم تلك السنوات، وكم واحدا منهم قضى مثلك وأكثر، ثمّ أجمع كل تلك الأعوام.
أجمع؟ لا.. إن كان يوم الخميس قدّ مر عليّ وعليك وعلى عشرة سوانا، فلا يعني ذلك أنه يوم خميس واحد، بل هو عشرة أيام خميس.. فكلّ واحد منّا يعيشه بطريقة مختلفة. أجمع تلك الأعوام؛ فأدوخ محاولة قراءة الناتج الفلكيّ، أريد أن أضربه في 365 يومًا، وفي عدد الساعات.. فتنهار آلاتي الحاسبة.

يا ربّ.. أوَ نحن نطيق الحساب عن عمرنا الذي نسرف فيه؟ فكيف سيطيق المجرمون الحساب عن أعمار آلاف الخلق؟، يا ربّ.. إنّك ستحاسب المجرمين عن كلّ دمعة، وكل ضحكة ماتت في غياب الأحباب، وكلّ سنّ نبت ولم ينالوا منه (عضّة) تشعرهم لذّة الأبوّة. ستحاسبهم عن لهفة كلّ زوجٍ مع كلّ (عائد) من عالم المفقودين! أن يحمل معه رائحة خبر، فيفجعها؛ وتأبى أن تصدّق: أنّا سمعنا صوت زوجك مكبّرًا في ساحة الإعدام، وتبقى منتظرة (مولد حرية) جديدًا لتشتعل لهفتها مجدّدًا.
ستحاسبهم يا ربّ عن كلّ جرح، وكلّ خدش، وكل رصاصة وقذيفة ونافذة وحجر. فكيف يكون الحساب عن أرواح وأعمار خلائق محرّمة في كلّ الشرائع التي أنزلتَ؟
يا ربّ.. ندري أنْ سيطولُ حسابهم، وستطول وقفتنا.. فاجعله يومًا يسيرًا علينا.
وندري أنّ عدلك هو العدل؛ فاجعلنا في مقام علّيين مع أنبيائنا وشهدائنا؛ نطّلع على المجرمين في السعير، ونقول لهم: إنّا وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟. بل هو الحق سبحانه.. لا يضيع عنده مثقال ذرّة، ولن يضيّع قلوبًا تعلّقتْ به.

Notes:

  1. ومن جميل ما ذكِر عن التفرقة بين عام وسنة: أن العام للخير، والسنة للشر: “ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما”.
  2. إشارة إلى اللعن الذي صار على لسان الجميع بلا طائل ولا مردود.

نشيد اليوم: لن أداجي..

من لا يعرف هذا النشيد من قديم (أبي راتب)؟، من لا يحسّه اليوم؟، أكان يوم أنشده لـ(فلسطين)؟ لعلّه.. ألم يحوّل المجرمون -ونسَب الإجرام واحد- (سوريّا) فلسطينَ أخرى؟!

* النشيد يحوي إيقاعًا ضعيفًا بالدفّ، والتسجيل قديم ومشوّش بعض الشيء.

[audio:http://www.littletinythings.net/wp-content/uploads/2012/03/lan-Odaji.mp3|titles=lan-Odaji]

للحفظ اضغط هنا.
.

أيّها الجاثمونَ فوق ترابي::أيّها الشاربون نَخْب الرّقابِ
أيّها العابثون في كلّ وادِ::أيّها الساكنون عرش السرابِ
أيّها السارقون فجر بلادي::لن أُداجي 1ولن يطول جوابي
Continue reading

Notes:

  1. دجا/لسان العرب: وداجى الرجلَ: ساتَرَه بالعَداوة وأَخْفاها عنه فكأَنه أَتاه في الظُّلمة.وجامَله. التهذيب: ويقال داجَيْت فلاناً إذا ماسَحْتَه على ما في قلبه وجامَلْته.
    والمُداجاةُ: المُداراةُ. والمُداجاةُ: المُطاولة.
    وداجَيْتُه أَي داريته، وكأَنك ساترته العَداوَةَ؛ وقال قَعْنَبُ بن أُمِّ صاحِبٍ:
    كلٌّ يُداجي على البَغْضاءِ صاحِبَهُ، ولن أُعالِنَهُمْ إلا بما عَلَنُوا