Monthly Archives: يناير 2013

الفصحى أوّلا.

يقولون إنّ هنالك من الأطفال من (يخزّن) اللغة فترة طويلة؛ ثمّ ينطلق لسانه دفعة واحدة. حسنًا.. نوعًا ما، هذه صفيّتي. ويبدو أنّ وجود (سميّة) في عالمنا كان محفّزًا لإطلاق لسانها لأنّ هنالك عنصرًا آخر تتكلم معه (الماما)، وكثير من جملها هي إعادة لما أقوله لسميّة. لكن الحقيقة أنّها صارتْ -فجأة- منذ ثلاثة أسابيع تتكلم العربية والألمانية والإنجليزية! كلّ ما كانتْ تسمعه وتخزّنه طيلة أعوامها الثلاثة ونصفًا انطلق من عقاله في إجازة منتصف العام؛ بوجود أبناء عمومتها مجتمعين بشكل شبه يوميّ في بيت الجدّ. ولأنّ أبناء العم يتكلمون الألمانية فيما بينهم (على طول الخطّ) بدأتْ تضطرّ هي أيضًا للكلام بها (كانتْ تفهمها سابقًا).
لكن العامل الأكبر لتكوين لغتها هو اليوتيوب؛ وكلامي. برامج البراعم في معظمها مدبلجة، وصارت صفية تشاهدها بالعربية والإنجليزية، وتشاهد مسلسلين من قناة ألمانية للأطفال، وكل هذا عبر اليوتيوب (تحت مراقبتي طبعا ببرنامج مراقبة الأهل وتمكين التصفّح الآمن في اليوتيوب وحظر الإعلانات عن طريق المتصفّح الفايرفوكس).
ذات مرّة كنتُ أريها صورة كعكة مزيّنة أرسلتها قريبتي، وسألتُها: صفية ما هذا؟.. نظرتْ ثوان ثمّ قالتْ لي بثقة: هذا كعكة حلوى الخطميّ. ولمن لا يعرف هي المارشميلو.
غالبًا؛ هي تتكلم بالفصحى وأجيبها بها، إلا إن تعثّرتْ بمفردة ما فتستخدم العامية، أو إن أحبّت تقليدي في بعض الجمل التي تروقها. وتتكلم فجأة بالألمانية مخلوطة بكلمات إنجليزية تلتقطها من المسلسلات التي أشاهدها مع زوجي غالبًا.
بدأتْ الآن تصحّح لنفسها وتتحدّث بضمير المتكلم، وليس المخاطَب كما نخاطبها. تقول لي: أجي أعضّك يا ماما.. فأقول لها: اي تعي عضيّني، وأنا أدري أنها تقصد العكس.. فتصحّح وتقول: تعي عضّيني يا ماما..
أجمل وأنعم عبارة تقولها بطريقة تذيب القلب: ياااااي كِل هدول زهرات؟.. ولا بدّ أن أستطيع تسجيلها لها يومًا، لكنّها بمجرّد أن تحسّ أن هنالك (تسجيلا) في الموضوع تتوقّف عن الكلام!
لم تتقن بعد استخدام التذكير والتأنيث.. فالأشياء الجامدة جميعها (هذا)، والأشخاص جميعهم (أنتِ)، وكم أضحك حين تقول لأبيها: تفضّلي يا بابا.. وأقول له: هذه نتيجة (الاتحاد النسائي) القائم في البيت.. في النهاية سنضع لك (فيونكة) في شعرك يا بابا.
أهمّ ما حفظته بالعربية والألمانية: تفضّل، و شكرا.
تروقها كثيرًا حكايات (روزي والأصدقاء) على قناة براعم.. وتتقمّص الشخصيات وتعيد تمثيل الأدوار بجملها كاملة. أمّا ما نمثّله نحن معًا وما يروقها حاليًا؛ هي فكرة الفضاء. فأيّ شيء هو سفينة فضاء، وهي مستعدّة في أية لحظة للانطلاق إلى القمر. ولا أدري إن كان لأخي (كنان) والوراثة أية علاقة بالموضوع.
تحفظ أسماء الألوان بدرجاتها المختلفة، وتميّز وتسمّي الأشكال الهندسية (مثلث، مربّع، بيضويّ، مستطيل، دائرة، متوازي، معيّن، خُماسي، سداسيّ) وهذه تعلّمتها من كتابها الموسوعيّ من سلسلة كتب (الفراشة)، طبعًا أقرأ معها فيه.
بدأتْ تفهم طريقة العدّ، هي تحفظ الأرقام من واحد لعشرة بالعربية والألمانية، ولكنها بدأتْ تدرك كيف تعدّ أشياء موجودة أمامها، وذلك أيضًا من سلسلة كتبها (من المختبئ؟)، وهي ثلاثة كتب جميلة جدًا اشتريتها من مكتبة (جرير) الصيف قبل الفائت، لعلّي أرفق لها صورة لاحقًا في تدوينة خاصّة.
بدأتْ تربط بين اسم الرقم وشكله بالألمانية، وتعرف الرقم الأقل والأكثر، وذلك عبر تطبيق قمتُ بشرائه وتحميله على (الجالكسي تاب) كونها تجيد استخدامه. والبرنامج ذاته يعلمها الرياضيات بشكل مبسّط وهو متوفّر بعشر لغات تقريبًا.
تنتبه حاليًا للفرق بين الحروف التي أحرص أن تخرجها من مخرجها الصحيح لأنّي رأيت الأطفال هنا يعانون كثيرًا من هذه المشكلة (القاف والكاف، الغين والخاء). وكثيرًا ما تقول (خيمة) فلا أعرف أتقصد خيمتها التي تلعب فيها أم غيمة في السماء. فأعيد عليها حتى توضّح الحرف.
أحبّ حين تطلب مني أغنية؛ وأحيانًا تطلب شيئًا نظمتُه في لحظة ونسيتُه، و(أتورّط) في تذكره وأركض لورقة لأدوّنه.. للمرّات القادمة. من ذلك ما كتبتُه هنا في المدوّنة في العمود الأيسر (واحد اثنان).
لمن يريد لطفله أن يفهم الفصحى ويتكلّمها، الأمر بسيط جدًّا: حادثه بها(الفصحى المبسّطة)، اعرض له كلّ البرامج الممكنة بلغة سليمة، ولا أنصح بغير البراعم (رغم وجود بعض الأخطاء اللغوية القليلة لديهم)، لأن برامجها عموما تناسب أطفال سنّ الروضة.. ولم أجد ذلك في غيرها(أي الجمع بين سلامة اللغة والجاذبيّة والفكرة النظيفة)، وفّر له البرامج في التكنلوجيا المستخدمة في البيت، اقرأ أمامه القرآن كثيرًا وإن لم يحفظ منك ولا تكتف بتشغيله في جهاز التسجيل (صفية ترفض أن تعيد الآيات ورائي لكنها تحبّ أن أتلوه لها كثيرًا)، وأخيرًا.. تجاهل من يسخرون منكَ أو من طفلك حين تتحادثان بالفصحى، فهم كثيرون ويشعرون بالعجز أمام لغتكما، فلا تعبأ. وتذكّر أن العربية الفصحى تأتي أوّلا، وأنها لغة مختلفة عن العامّية التي نتكلمها في بيوتنا، وهي المفتاح لتعلمه بقية اللغات.