Monthly Archives: فبراير 2013

ثقافة الابتلاء

من كان في المرحلة الابتدائيّة أيّام جمع التبرّعات للـ (صومال) الشقيق؟ هل تذكرون تلك الأيام؟ هل تذكرون ماذا كانت المعلمات في المدارس يُجِبن حين نسألهنّ ببراءتنا: لماذا حصل القحط عندهم؟
كنّ يقلن: هذا عقاب من الله لهم لكفرهم النعمة! وأذكر أنّ معلمة فصّلت لنا هذا التحليل حين قالتْ: إنّ الصومال كانتْ بلدًا زراعيا غنيًّا بالمحاصيل وأهمّها الموز؛ كان عندهم الكثير من الموز.. وكانوا يتركونه على الأرض ويدوسون عليه، فعاقبهم الله بأن حرمهم الطعام. ولقد سمعتُ تحليلات مماثلة عن البوسنة وأفغانستان وفلسطين!
عرفتُ لاحقًا أن السودان مثلا يكثر فيها محصول المانجو لدرجة أنّ كثيرًا منه يسقط على الأرض ويفسد لأنهم لا يستطيعون تصدير كلّ ذلك المحصول. فهل فقر السودان الاقتصادي حاليا هو عقاب أيضًا؟
لماذا يصرّ الخطباء والدعاة في بلادنا على فكرة أن (التسونامي) والأعاصير التي تتعاقب على أمريكا هي عقوبات ربّانية؟. هل قصص القرآن دليل كاف على ذلك؟

ثقافة (العقوبة) هذه التي لا ينتبهون لها.. ترسّخ فكرة إله آخر غير الله سبحانه وتعالى في أذهان السامعين والمتلقّين. إله ساخط شرّير، تقدّس الله عن ذلك الوصف، فعل يعبد أولئك القوم إلها غير إلهنا؟!
مع أنّ الله سبحانه وتعالى سبقتْ رحمته عذابه، وسبق وصفه لنفسه بالرحيم على وصفه بشديد العقاب، فما بال هؤلاء؟
وما بالهم يُغفلون عمدًا أو غفلة مفهوم الابتلاء، ويجعلون كلّ شيء عقوبة؟ وأين الثواب إذًا؟، ألا يثيبنا الله بشيء في الدنيا؟، أم أنّ أهل الأرض جميعًا فسقة فجرة لأنّ الأرض خلتْ من الأنبياء، وبالتالي فآخر جوع حلّ بالناس كابتلاء هو جوع أهل (الشِّعب) وما جاء بعده هو عقاب وعذاب؟
من قال إنّ الله لا يثيبنا إلا في الآخرة حتى وإن كانتْ الدنيا جنّة الكافر؟ وماذا نقول عن الصحّة، والمال والسكن والأبناء؟ ألا يعطي الله المنفق خلَفًا؟ أليس هذا ثواب دنيويّ؟
ونحن سمعنا مرارًا أن الدنيا دار ابتلاء؛ وما سمعنا بكونها دار عقوبة!

إنّ ترسيخ فكرة العقوبة في أذهان الناس يجرّ وبالا عظيمًا على الأمّة؛ فهو أوّلا يمنعها من الحِسّ الإنسانيّ بالآخرين من باب: هم كفروا وحقّ عليهم القول؛ فلنستعذ بالله أن نكون منهم أو مثلهم.. ويلتفت كلّ إلى شوؤنه ويُترَك أهل الابتلاء في محنتهم. وهذا على صعيد جميع الأحداث.. البعض حين رأى صور الأطفال الذين قُتِلوا في إطلاق النار الأخير في أميركا لم تهتز في نفسه شعرة، بل وعقّب: يموت كلّ يوم في سوريا كذا طفل، وفي مالي كذا طفل.. وهؤلاء (أولاد الكفّار)! سبحان الله، وهل شققتَ عن صدورهم أم اطلعت على الغيب لتدري إن كان الله سبحانه وتعالى ختم لهم على الإيمان أم على الكفر؟! هؤلاء الأطفال ليسوا مسؤولين عن ظلم أمريكا وتعدّيها علينا، كانوا في مدرستهم مثل أي طفل في سوريا.. ذاك قصفته طائرة مجرم مريض بالحقد، وأولئك أطاحت بهم رصاصات مجرم مختلّ نفسيًّا.. لا فارق، ولو كنتَ إنسانًا فعلا لدمعتْ عينك أمام صور وجوههم ووجوه أهاليهم المفجوعة.
والأمر الثاني أنّ مفهوم العقوبة يرجعنا لترسيخ النقطة السابقة؛ وهي الخوف من الله أضعاف أضعاف محبّته، والهروب والفرار منه بدل الإقبال عليه، فيطلع علينا شباب يكفرون بكلّ شيء.. وقد رأينا وسمعنا من ذلك الكثير للأسف. وديننا يقول بالاتزان بين الحب والخوف، والأنفس ليستْ جميعها متساوية، فبعضها تستقيم بالمحبة، وبعضها بالعقوبة.. ولكنّ مهمّة الواعظ هي جذب الناس إلى طريق خالقهم، فكيف يجذبهم وهو يعرض لهم صورة إله كآلهة الإغريق يغضب ويضرب ويبطش لأنه إله ولا يقدر بشر على الوقوف أمامه؟ إنّ هذا المفهوم دفع أناسًا للانتحار بزعمهم أنّه السبيل الوحيد للنصر على هذا الإله لأنّهم يختارون لحظة موتهم ولا يتركونها له! فسبحان الله وتعالى شأنه.. تفكير سقيم قاد إلى تفكير أسقم منه.
والأمر الثالث إنّ مفهوم العقوبة يزرع في النفس اليأس والقنوط، ويسرق منها الصبر، ويجعلها أبعد ما تكون عن الله، ويجعلها في حيرة.. فكيف يكون الله توابا رحيما يقبل التوبة مهما تكرر الذنب وينزل عقابا بهذه القسوة بعباده؟

لماذا لا يستبدل أصحاب الخطاب مفهوم العقوبة بثقافة الابتلاء؟ أم أنّنا مجرمون عاصون لا نستحقّ أن نُبتلى لأنّ الابتلاء فقط للمؤمن؟ أليس في هذا الاستبدال خيرٌ ومنفعة؟
حين تقول للمصاب إنّ هذا ابتلاء؛ ومن صبر فله الجنّة.. فمهما كان جزعه فلا تدري لعل الله يربط على قلبه بكلمتك. وحين يسمع السامع ممّن لم يحلّ به ما حلّ بالقوم؛ يدفعه ذاك لمدّ يد المساعدة بدل تجنّب (المغضوب عليهم)، ويجعله ينظر في حاله بينه وبين نفسه، دون تسلط أو رقابة من أحد.. ليرى إن كان على معصية فيتركها كي لا يُبتلى، ولعله يقرب إلى ربه أكثر ويدعوه ألا يحمّله ما لا طاقه له به. ومفهوم الابتلاء يجعل الناس تسعى للأفضل؛ ويعطيها روحًا ودفعة لاجتياز المحنة. الابتلاء تذكرة، والعقاب ما يأتي بعد التذكرة مرّة ومرّات.. الابتلاء مرحلة، والعقاب نهاية.. فما بال هؤلاء القوم يجتازون المراحل ويتكلّمون بلسان المطّلع ويقفزون إلى النهاية؟

* بشّروا؛ ولا تنفّروا. صلى عليكَ الله يا حبيب الله.