Monthly Archives: مارس 2013

الألواح أم الألعاب الذكية؟

تعليم الطفل مهارة واحدة، يتطلب تعليم النفس مقدار سنة كاملة من الصبر.

الأجهزة الذكية عبارة عن اختراع لطيف جذّاب.. يفقدنا مهارات عديدة ويعوّضنا بكِسَر خبزٍ نعتقد أنّها تشبعنا!
طبعا كلّ اختراع له جانبه السلبي والإيجابي والفائدة ترجع بحسب تعاملنا معه وما إلى ذلك. لكن ما أتحدّث عنه هو شعور داخليّ بأنّ بعض الترف (غير محتمل) بالنسبة لي.. ومخرّب بشكل كبير.
حين اشتريتُ هاتفي المحمول الذكي قبل عام تقريبا، وكان أوّل هاتف لي بهذه المواصفات بعد (عزيزي النوكيا الخفيف الذي ما زال صامدا بأعوامه الأربعة)؛ أضفتُ إليه العديد من التطبيقات التعليمية لصفيّة، لاحظتُ بعدها أنّها لم تستفد منها كثيرًا سوى بتطبيقات الرسم. فلم تكن تجيد استخدام فأرة الحاسوب العادية، ولم أكن أرغب بترك (الفأرة القلم) خاصّتي معها بشكل دائم لأنها مرهفة جدا وقابلة للتعطيل. فوجدتْ أنّ اللمس بالأصابع ممتع فعلا وسهل جدًّا. وحين حصلتُ على لوح (الجالكسي) الخاص بي.. خصّصته تقريبا لها بإضافة العديد من البرامج المجانية والمشتراة، وتعلّمتْ كيفية تشغيل اليوتيوب فيه حيث تظهر صفحتي المسجلة هناك، المخصّصة بالتصفّح الآمن، وفيها اشتراكي في قنوات تعرض برامج وأناشيد الأطفال بالعربية والألمانية والإنجليزية، ولها أن تختار. والحقّ يقال فقد استفادت كثيرا وتعلّقت بهذا الجهاز، حتى ما عادتْ تقترب من حاسوبي ما أشعرني بالراحة فترة.
لكن أدّى هذا التعلق مؤخّرُا لنتائج غير مرضية. لاحظتُ أنها تتوتّر وتنام ساعات أقل، ونومها قلق.. وهي أيضًا ترفض أن تلعب بأي من ألعابها وتشعر بالملل سريعًا. وحدث في يوم الخميس أن فرغتْ بطارية اللوح، فأحضرتْه إليّ تطلب تشغيله، أخبرتها أنه يحتاج إلى فترة للشحن.. لكنها لم تكن مستعدة لسماع ذلك (وكان مزاجها طيلة اليوم سيئا، ولاحظتُ أنها تصبح عدوانية بعض الشيء حين تقضي فترة طويلة مع الجهاز)، ورمتْ الجهاز على الأرض، فأخذته وأخفيته وأقسمتُ أنها لن تحصل عليه قبل يوم الاثنين. وطبعًا كان هنالك حفلة من البكاء بعد توبيخي لها، ثمّ تعشّتْ وهدأتْ نفسها وقرّرتْ أن تنام، فاستلقينا في السرير وقرأنا القرآن.. أقرأ وهي تعيد، حتى غفَتْ.
في اليومين التاليين.. كان مزاجها رائعًا. سمحتُ لها بالجلوس إلى حاسوبي أثناء تواجدي في المطبخ.. والمتعة التي يقدّمها الحاسوب أقل بكثير كونها لا تعرف ولا تستطيع التحكمّ فيه بحريّة. فتجلس فترات أقصر، وقضينا وقتًا طويلا معًا في تعلّم التلوين داخل الخط بالألوان الخشبية، بعد أن كانتْ تشمخط فقط وتقول لي: لوّنت! وطبعتُ لها العديد من رسوم (هالو كيتي) المفضّلة والمحبوبة لديها، ولوّنتْها بمساعدتي وألصقناها على المرآة الكبيرة في غرفتي. وصارتْ إذ تمرّ من أمامها تقول لي: يااااي شقد حلو القلب كيتي.. لونتِ مع ماما (تقصد أنا لونتُ مع ماما). وصرنا نتعلّم القصّ على الخطوط بين (السمكات) المرسومة.. لا قصّ السمكات! وكادتْ أن تبكي حين قصّتْ ورقة طلبتُ منها ألا تقصّها وحدها، وغبتُ عنها دقيقة لأجدها قصّتها في المنتصف تمامًا، وبمجرّد أن رأتني ركضتْ واختبأتْ تحت لحافها قبل أن أقول شيئا. أمسكتُ الورقة وأنا أقول لها: ياا.. هيك قصّيتِ السمكة في النصّ؟ طيب كيف السمكة رح تشوف وعينها في الورقة الثانية؟! اسمعي اش قالتْ السمكة.. قالتْ آآآي يا عيني.. فينا عيني؟ فصرختْ بي: نلزقاااااااا .. وهكذا كان.. أحضرتُ ورقة أخرى كبيرة، وجلبتُ الصمغ، وطلبتُ منها أن تضع منه على الورقة.. وألصقنا الجزئين عليها متجاورين. – شوفي، رجعتْ عين السمكة.. هلأ بتشوف الطريق مشان تقدر تسبح في الماء. وهدأتْ نفسها وعادتْ للتلوين.
ألعابها التي لم تكن تفتحها عادتْ إليها حين وجدتْ أنّي مصرّة على تنفيذ يميني. واكتشفتُ مهارتها التي تتطوّر في تركيب ألعاب القطع. ابتعتُ لها اليوم واحدة بشكل قلبٍ بارز، وقد حملتْها بحرصٍ وصبرٍ أكثر من نصف ساعة حتى وصلنا إلى البيت لأني أخبرتها أن هذه اللعبة لا تفتح خارج البيت. وبمجرّد أن دخلنا بدّلت ثيابها المبتلة من ندف الثلج، وجاءتْ إليّ: ياللا نفتحا. وفتحتُ لها العلبة، وشرحتُ لها الفكرة، ثمّ ذهبتُ لأحضرّ الغداء. بعد فترة لحقتْ بي إلى المطبخ وجلستْ معي هي وسميّة تستمتعان برائحة قلي السمك :). وبعدما انتهينا من تناول الغداء، أحضرتْ العلبة إلى المائدة قبل أن أرفع الأواني، فتحتْها وجلستْ: ياللا ماما.. نركّبا. فجلستُ معها وبدأنا في التركيب، وأشرتُ لها إلى الصورة على العلبة وأنا أقول: شوفي.. الصورة على القلب صورة أميرة ولها تاج. وبدأتُ -كعادتي مع هذه الألعاب- بتركيب القطع الخارجية أوّلا، وظننتُها مشغولة بالتفرّج على القطع الصغيرة، حتى رفعتْ رأسها بعد فترة وهي تبتسم لي وتقول: ركّبتِ صح! نظرتُ إلى ما بين يديها لأجدها قد ركّبتْ خمس قطع من وجه الأميرة! صفّقتُ لها -وقد أعجبتُ حقا بما فعلتْ- وساعدتُها في قلب بقيّة القطع وأنا أراقبها، فوجدتُها تمسك كلّ قطعة وتقرّبها من القطع المقاربة لها في اللون وهي تقلبها من الجهات الأربع حتى إذا استقام لها الشكل، قامتْ بتثبيتها. كنتُ قد حاولتُ تعليمها هذه الطريقة قبل ستّة أشهر تقريبًا، وظننتُ أني لم أفلح.. حتى رأيتُها اليوم تفعلها بهدوء. انتهينا من تركيب القلب، ووضعتْه في علبته وهي فرحة جدا به. سألتها إن كانتْ ترغب في فكّه وإعادة تركيبه فرفضتْ. ويبدو أنها ضغطته بقوّة أثناء محاولتها لتسوية القطع، فوجدتُها قادمة إليّ في المطبخ وأنا أعدّ لها الجيلاتين الذي طلبتْه، ممسكة القلب بين يديها وثمّة قطع ناقصة شكّلتْ بعجًا في وسطه، وتقول لي: يا ماما انفكّ القلب.. ياللا نركّبه يا ماما. وقد أذابتْ قلبي طريقتها الحزينة، ورحتُ أصبّرها حتى أنتهي مما بين يدي ثمّ سارعتُ لإصلاحه لها. وقبل النوم سألتُها: ورجيتِ القلب لبابا؟ فركضتْ إلى علبتها وفتحتْها وذهبتْ إليه، وبدون أن تقول شيئًا وضعتْه عنده على المكتب قليلا وهي تبتسم بفخر، ثمّ عادتْ لأخذه وإخفاءه في العلبة.
بقي أن أقول لكم إنّي نهضتُ قبل قليل لأصوّر اللعبة وأضيف صورتها للتدوينة؛ فلم أجدها عند رأسها حيث تغفو ألعابها، وخمّنتُ مكانها على الفور.. وفعلا وجدتُها هناك تحت لحافها تغفو جوارها، والجهاز اللوحي يغفو في خزانة ملابسي منذ الخميس. النصر للألعاب الذكية! ورجاءً، لا تخبروها بمكان الجهاز.

20130310_004329 20130310_004337 20130310_004315

أذكّر نفسي..

إنّنا لا ننسى؛ لكنّ الأحزان تغيّرنا.

هذا الكمّ الهائل من (الفقْد)؛ يملأ رئة الأيام فتختنق به ولا تموت. تنجو في اللحظة الأخيرة؛ وتختنق مجدّدًا لتنجو.. ويستمرّ عذابها بالاختناق والفقد.

لا أتخيّل صباحها؛ كيف تفتح عينيها بعد نوم لا يشبه النوم في شيء سوى بالموت، كيف تأخذ أوّل نفَس.. وتنهض، تفعل هذه المعجزة وتنهض لتواجه يومًا مليئًا بالفقد.

أنا لا أتخيّل صباحي إلا بشكلٍ واحد وبه أنهض: أني سأضع قدميّ في المسافة الصغيرة الخالية بين السريرين لأنحني أقبّل ضحكة سميّة بعينيّ قبل شفتيّ، وشعاع عينيها الفرِح ينير حتى تستحي منه شمس هذه المدينة الغائمة. أنا لا أتخيّل صباحي إلا بخطو قدمي صفيّة الحافيتين سريعًا على الأرضيّة الخشبيّة؛ فأغمض عينيّ وأتظاهر بالغفو.. وأسمع الباب ينفتح برفق؛ ينغلق برفق، خطوها يقترب، أحسّ لفح أنفاسها على وجهي إذ تلصق أنفها بأنفي وهي تهمهم بشغف: ممممم.. ماما.. فأفتح عينيّ وأضحك لتندسّ جواري في سريري، تتكوّم ما بوسعها لتعود صغيرة فأضمّها أكثر..

أنا لا أتخيّل صباحًا بفقدهما (إجباريًّا)؛ فقدًا لا يد لي فيه، ولا رجعة منه.
فكيف يسعني أن أتخيّل صباحها؟

لا أدري بأية معجزة تفتح عينيها وتنهض..

أنا أدري أني حين أمدّ يدي نصف نائمة لأغلق رنين المنبّه؛ فإنّ يده ستوقظني برفق قبل أن يغادر إلى عمله وهو يهمس: حبيبتي أنا طالع.. صليتِ الفجر؟، فأنهض.. ولا يكاد يذهب إلا وقد قرأتُ دعاء (الاستيداع) أسأل الله فيه أن يحفظه.

فكيف تصحو هي عالمةً أنّه لن يكون جوارها مرّة أخرى.. أبدًا؟

أنا لا أتخيّل فقد أشيائي الصغيرة أبدًا؛ أحسّ أني سأموت وسأتركها ليحتار من بعدي ما يفعلون بها، وهم يفكّرون ماذا كنتُ أفعل بها أصلا!
ولا أدري.. كيف يخرجون بلا شيءٍ إلى العراء والمجهول.. لا أشياء صغيرة ولا كبيرة، لا ضرورية ولا رفاهية.. بلا شيء مطلقا.

أنا لا أدري مقدار فقدٍ لم أذقه، ومهما جهدتُ وحاولتُ فلن يسعني تخيّل وقعه الهائل كاملا، لأنّني بشر. وللسبب ذاته.. أنعش هذا الخيال ببعض واقعٍ لينمو هذا الإحساس، أحاول تجربته.. أحاول التخلي عن أشياء أعزّها حقًّا، ومشتهاة من قبَل غيري.. ولم يطلبوها. السؤال مذلّة، وحين أنتظر أن يذلّ الناس أنفسهم بسؤالي بعضَ ما عندي فأنا أنتظر من نفسي أن (أتصدّق) عليهم لا أن (أتطهّر) وأطلب مداواة نفسي وعيالي ودوام البركة في مالي. وأنا أنتظر من نفسي أن (أتكرّم) عليهم وأحسّ بفخر على ما فعلت.. لا أن أقوم بواجبٍ أدركتُ وجوبه وما زلتُ أشعر بتقصيري في أدائه وأحاول قدر ما أمكن أن أتقنه.
لأنّنا بشر نسهو وننسى، لا بدّ أن نذكر أنفسنا.. بين حين وآخر.

وها أنا.. أذكّر نفسي.. وإيّاكم.. لعلّنا ننجو يوم تنفع الذكرى المؤمنين.