Monthly Archives: أبريل 2013

كومة على الرصيف.

20130406_090416-1

اُنظر جيّدًا إلى طرف الرصيف؛ أترى تلك الكومة؟ لم أستطع التقاط صورة أقرب، كان هنالك احتمال لا بأس به أن يرمقني أكثر من ستين شخصا على الإشارات الأربع بنظرات تقول إني مخبولة.
إنّها شموع وبعض الورود وصورة كبيرة لشاب في الخامسة عشر ربّما.. والصورة بالأبيض والأسود ليس لكونها قديمة، بل لتوحي بجوّ الموت.
تتربّع هذه الكومة على طرف الرصيف هذا منذ أربعة أشهر أو تزيد قليلا، وليس المشهد غريبا بالنسبة لي فقد اعتدتُه هنا في هامبورغ.
هذا الرصيف هو (جزيرة) بين طريقي الذهاب والإياب، هذا الطريق الذي أعبر إشارته الرباعيّة مرة واحدة على الأقل أسبوعيا، فمن أحد طرفيه توجد محظة الحافلات الرئيسة، وفي الطرف المقابل المكان الذي أشتري منه علب الحليب لرضيعتي.
منذ أربعة أشهر أو تزيد قليلا؛ ضغطتُ زرّ إشارة المشاة ووقفتُ أنتظر أن تضيء بالأخضر، شاردة أرمق الواقفين من الجهة المقابلة والسيارات السريعة تمرق.. شاحنات.. حافلات.. وأنا أقف بعيدة بقدر لا بأس به عن الشارع كي لا تشمّ الصغيرة في عربتها روائح السيارات.. تحين منّي التفاتة بطرف عيني فأرى تلك الكومة وأدرك في ثانية ما حدث لأنّ المنظر -كما قلت- مألوف لي: هنالك شخص ما دُهِس أو صُدِم وتوفّي هنا. أضاءت الإشارة.. أعبر الشارع بأكبر قدر ممكن من التأنّي وأنا أتّخذ المسار الأقرب للكومة، أفتّش بعيني عن الصورة التي عادة تكون لطفل.. فأجدها فعلا لطفل شاب، أو شابّ طفل.. بين الثالثة والخامسة عشرة، وألحظ لهب الشموع.. ما يعني أنّ الحادث كان في وقت قريب، فما زال أحبّة الفتى يعبرون هذا الطريق ويقفون على طرف الرصيف ليضيؤوا الشموع لروحه 1.
وصلتُ الرصيف الآخر وأنا ما زلتُ شاردة: أتراه كان يركب درّاجة؟ غالبًا كذلك.. لأنّ المكان الذي وُضعتْ فيه الصورة هو في مسار الدرّاجات.. وربّما فعلوا ذلك كي لا يعرقل عبور المشاة عند الإشارة. لكنّ الأغلب أنّ حافلة صدمته.. فهو هنا يقع في ما يسمّى بالمنطقة العمياء للسائق. لقد حدث حادث مماثل تمامًا في منطقة قريبة من بيتي قبل ثلاثة أعوام تقريبًا، وكان طفلا في السادسة.. دهسته الحافلة لأن السائق لم يره فقد كان أمامه تمامًا في المنطقة العمياء.. توفّي الطفل فورًا قبل وصول سيارة الإسعاف التي تصل -في هامبورغ- خلال سبع إلى عشر دقائق على الأكثر.
لم أنتبه إلا وأنا أعبر الإشارة التالية؛ وأرمق منطقة بعيدة من الشارع وأحسّ بساقيّ قد صارتا كعجينة صلصال إذ تذكّرتُ حادثة قديمة، حين كانت ابنتي صفيّة مرّة مع جدّها، وفي ذات الشارع، وتركت يده وركضتْ إلى الإشارة تنوي العبور وحدها. لم أكن معهما.. وحين حكى لي عمّي كيف ناداه الناس وأشاروا له ليلحق بها، انتابني ذات الشعور.. تحوّلت ساقاي إلى عجينة صلصال. بقيتُ ثلاثة أيام بعدها أرى كوابيسًا تدور كلها حول الموضوع ذاته: أنا أركب المترو مع صفية، ثم أنزل في محطة ما ولا تنزل هي وينغلق الباب وأبقى أنا ذاهلة لثوان، وحين أدرك ما حدث أريد أن أصرخ فلا يخرج صوتي من حلقي!
وحين وصلتُ حافلتي؛ كنتُ كخرقة نُقِعتْ أيامًا ثمّ عُصِرتْ عصرًا رهيبًا ووضُعتْ في الشمس لتقدّ وتجفّ على هيئتها دون فرد. كان بإمكاني أن أرى بعين خيالي الحادث؛ وأسمع سيّارة الإسعاف التي وصلتْ متأخّرة، أرى الوفاة وإجراءات الدفن وأراهم يضعون صورة الفتى ويضيؤون لها الشموع، ويأتي مارّة لا يعرفونه يضعون له الورود. وكان بإمكاني أن أرى أمّه.. وكنتُ لا أريد أن أرى.
حين هبطتُ من الحافلة أخيرًا؛ وقفتُ أمام البناية أفتّش عن مفاتيحي.. ونظرتُ لحظة إلى السماء فهالني أن أرى طائرة حربيّة تشقّها بصوت يقطع القلوب وترمي بقذيفة.. رأيتُها تنفجر، رأيتُ المباني ترتجّ وتتهاوى.. ورأيتُ النسوة يخرجن بلا صوت.. فالرعب سرق حناجرهنّ، ورأيتُ أشياء صغيرة معجونة بالغبار في كلّ مكان.. عرفتُ فيها أطفالا سكنوا شارعنا وملؤوه حبورًا ذات يوم.. وألقوا عليّ التحيّة باحترام زائد حين تعلموا كيف يتكلمون مع الكبار، وارتطموا بي واعتذروا مرّات وهم يتعلّمون قيادة الدرّاجة، وعرضوا عليّ المساعدة في حمل أغراضي إلى البيت، وقفزوا وراء فقاعات الصابون التي أنفخها لابنتي، وصنعوا رجل الثلج في الشتاء، وجمعوا الكستناء البرية في الخريف، وقطفوا ذلك الزهر الصغير الشبيه بالنرجس في الربيع، وعادوا من مدارسهم في الصيف الحارّ يجرّون الحقائب الثقيلة على الأرض بدل رفعها على أكتافهم التي لا تحتمل، وتشاركوا الأرجوحة في الملعب القريب.
لم يعودوا هناك.. صاروا شيئًا عجنتْه قذيفة من طائرة ترى كلّ ما تحتها بدقّة، ليس واحدًا دهستْه حافلةٌ خطأً لأنّه وقف في المنطقة العمياء، بل مئات.. آلاف.. سحقتهم رغبة عمياء وأعين تبصر الشرّ وحده.

لم يكن هنالك شيءٌ طبعًا، كانت تلك عين خيالي، الخيال ذاته الذي يجعلني أفكر ما الذي كان سيحدث لو عبرتْ صفيّة الشارع في ذلك اليوم قبل أن يلحق بها جدّها؛ الخيال الذي يجعلني أتحوّل في دقيقتين إلى كيس طحين فارغٍ لا فائدة له؛ إذ يطير القلب فرَقًا وذعرًا من مجرّد فكرة. هذا الخيال ذاته الذي جعلني من يومها لا أنسى دعاء الاستيداع اليوميّ، فيهدأ قلبي ويطمئنّ..
وهو الخيال الذي لا أجرؤ على التمادي فيه لأتخيّل حزن الأمّهات، لأنّي لا أقدر على تحمّله ولو خيالا.

فاللهمّ.. يا من لا تضيع ودائعه، إنّي استودعتكَ أهلنا في سوريّا؛ دينهم، ودماءهم، وأعراضهم، وأبناءهم، وأموالهم، فكن لهم يا الله حافظًا ومعينًا، يا أرحم الراحمين.

Notes:

  1. بحسب معتقدهم

نشيد اليوم: سجني.. قيدي.. موتي

من قديم أبي راتب، الأشياء القديمة ما زالتْ كما هي.

مهداة لكل المعتقلين في سجون السفّاح؛ لابن خالتي وكلّ الجنود الذين اعتقلوا معه، لـ (رامة العسس) وكلّ من تشاركها ظلمة الزنزانة.. لكلّ مفقود تمنّي أمه النفسَ أن يكون معتقلا رغم ما في ذلك من عذاب، لعله يرجع لحضنها يومًا. لكلّ الذين كانوا يومًا في جحيم (تدمر) وخرجوا منها..
إنّنا ندعو لسلام أرواحكم، في الأرض أو السماء.. فرّج الله عنكم.

[audio:http://www.littletinythings.net/wp-content/uploads/2013/04/sejny.mp3]

الأشياء التي ماتت

الميت الأوّل:
توقف الناس عن استخدام البريد الإلكتروني. هكذا.. صار هذا الاختراع الجميل مهجورًا عند المستخدم العادي مع وجود كل الاختراعات (الذكية) الأخرى. وصار البريد الإلكتروني مجرّد أداة للإجراءات الروتينية أو الرسمية، ولم يعد الناس يرسلون الرسائل المنوّعة الخفيفة أو الثقيلة ولا المعايدات ولا رسائل الشوق والاستفقاد والأخبار.
لكني ما زلتُ أفتح بريدي الإلكتروني كلما فتحتُ حاسوبي، ولا أجد فيه سوى رسائل الاشتراك المسبق من المواقع أو المدوّنات أو المجموعات المختلفة.
وأدرك بعد تقليب متململ أني أفتّش عن رسالة منك أعرف أنها لن تصل أبدًا.
منذ فترة طويلة حقًّا؛ أفتح بريدي وأنظر في الرسائل لأرى إن كان اسمك هناك وأنا أدري أنّك لا تملك عنواني فكيف ستراسلني؟!.
الميت الثاني:
أريد أن أرى اسمك هناك؛ فأجتازه عمدًا لأقرأ كلّ الرسائل الأخرى بتمهّل متعمّد كنوع من تضييع وقت الاختبار بالأسئلة السهلة لأني لا أعرف إجابة السؤال الأصعب ومعلّمتي التي تحبّني تقف قرب رأسي تنتظر مني أن أكتب الإجابة عن ذلك السؤال بالذات! ثمّ أفتحها أخيرًا فألقي عليها نظرة سريعة لأتأكد أنك كعادتك لم تنس (الرموز التعبيرية) وعلامات الترقيم التي تستخدمها في مواضعها الصحيحة بلا إفراط؛ تمامًا مثلي! كنتَ تستخدمها وكأنّكَ تعلّمتَ ذلك، لكنّك -مثلي- لم تكن تحفظ مواضعها بسبب عِلم أو تعلّم، بل لكثرة قراءاتك وهوايتك تصحيح الأخطاء الطباعية والإملائية للكتّاب. وأغلق الرسالة دون أن أقرأها، فأنا أعرف أنها (لن تطير)، ومع ذلك أقوم غالبا بعملية (تظليل ونسخ) سريعة وألصقها في ملف Notepad جديد وأحفظها برقم رمزي على سطح الشاشة لأقرأها لاحقا. وأفتحها مرّات.. أقرؤها عدّة قراءات سريعة ليطمئن قلبي أن ليس هنالك ما يخيف كـ: أنتَ مريض، أو ثمّة مصيبة في عملك، أو أسرتك أصابها شيء. ثمّ أعود للقراءة المتمهّلة مرّة تلو المرّة، أفكّر في كلّ عبارة كيف كتبتَها، كمّ مرّة مسحتها وأعدتَ صياغتها، كيف فكّرتَ بها، وماذا كنتَ تتوقّع مني حين قراءتها. وأكتشف كم تشبهني وأشبهك! ألهذا -ربّما- لم نستطع أن نحبّ بعضنا؟
ذلك التشابه الذي لم أفطن له إلا بمرور السنوات، تشابه غريب.. لم أعتقد يومًا أن سيكون لروحي نسخة.. وذكورية! كنّا نحبّ نفس المقاطع من نفس الأغاني، ونفس الأبيات من ذات القصيدة.. مع أنّنا لم نقرأها سوية، ولم يرشّحها أحدنا للآخر، بل نكتشف بمحض الصدفة أنّا قرأناها في أوقات مختلفة، وأحببنا ذات الكلمات.
من الغريب أن يراسل المرء نفسه! أفكّر في هذا الأمر الآن بطريقة مضحكة ولا يخطر في بالي سوى (أسطورة رفعت) أو (سالم وسلمى) من تلك السلسلة (ما وراء الطبيعة). نعم، من الغريب أن نحبّ -كلانا- أجنحة الدجاج ومن الجيّد أنّني لم أعرف أبدًا ما إذا كنتَ تحبّها أم لا لأنّي لم أكن لأقبل أن أقاسمك إيّاها مهما أحببتك! إنّني أحظى الآن بكل الأجنحة والأفخاذ لأنّ (الشريك) يحبّ الصدور.. وأجد في هذا سعادة لأنّه يعطيني حصّتي مباشرة بإعزاز عظيم في كلّ مرّة مدركًا أني لن أغيّر رأيي يوما، ومع ذلك لا يبخل أن يعرض عليّ ما في طبقه. وأشكّ أنك كنتَ ستفعل ذلك؛ تدري لماذا بالطبع.. لأنكَ أنا! كنتَ ستعاملني بعقليّتي: أنا الذي أتعب وأشتري هذا الدجاج ويحقّ لي أن أختار حصّتي، وأنا سأقول إنّي أنا من تعب وحضّر الطعام ويحقّ لي اختيار حصّتي. إنّها ذات النظرية في (سالم وسلمى). سنتنازع لأنّنا نحبّ ذات الأشياء، ونتحلّى بذات القدر من الأنانية (لو كان في ذلك حلية ما)، وسنغدو أمام مفترق طريق: إمّا أن نتغيّر ليبقى الحبّ، أو نبقى ليزول الحبّ.
ولكنّنا لم نتغيّر، أفلهذا افترقنا؟
ستقول كلامًا كثيرًا عن حبّك لي وقصائدك التي ما زالتْ، ولستَ بكاذب، ولكن الحبّ يحتاج (تداولا) لينمو، وأسهمنا كانتْ خاسرة على جميع الأصعدة. أنا لا أفقه شيئًا في علم الاقتصاد، لكني أعتقد أنّ الصورة وضحتْ. ولذا أحجمتُ أنا عن البذل لأترك ذلك المولود الصغير يموت ميتة لطيفة (لو كان في الموت لطف ما) بنقص الاهتمام وشحّ التعبير.
لا شيء من ندم يجول في نفسي؛ لكنّ كثيرًا من الحزن يغمرها.
إنّ المرء ليحزن حين يقتل نفسَه، لكنّه -ببساطة- لا يعيش ليدرك عمق ذلك الحزن.. أمّا أنا فأعرفه.. لكنّها المرّة الأولى التي لا أثق فيها بما أعرفه عنك.. فهل أنتَ تعرف ذلك الحزن أيضًا؟
.
.
ولستُ بانتظار إجابة؛ لأنه من المريع أن ألقي سؤالا في المقبرة فيرفع الموتى رؤوسهم لإجابتي!