Monthly Archives: نوفمبر 2013

أمنياتنا الباقية

أتذكرين؟
لا، دعينا من الذكريات. تعالي نتخيّل أشياء لم تحدث.. سوى في أمنياتنا الباقية.

حين التقينا بعد فراق طويلٍ طويل، ولم تعرفيني. رفعتِ إليّ طرفكِ وغضضتِه سريعًا ولم يبدُ شيئًا هنالك.
كنتُ أحملق فيكِ قرابة ربع ساعة ولم يبدُ أنّكِ شعرتِ بوجودي أصلا. وفي ذهني رحتُ أتساءل: كيف لا تحسّ بهذا الكمّ من التحديق يخَزُ أطراف عباءتها، وروحها؟
نجح تجاهلكِ إيّاي في زرع الشكّ في نفسي.. عشرة أعوام مضتْ أو أكثر.. ومن أنا لأذكر كيف تبدين وأنا الذي لم أرَكِ في الواقع من قبل أبدًا!
قلتُ لعلّها ليستْ هي، ولعلّ خرف الشيخوخة المبكّر أصابني.. لكنّ وجه الصبيّة/الطفلة المستنسخ منكِ بملاحة زائدة، وشعرها الناعم جدًّا كأنّه نسمات هواء رصّتْ جوار بعضها (وهذا تشبيهكِ أنتِ لشعرك)، جعلاني أتمترس مكاني، وأحدّق، وأرهف السمع.
حتى إذ التقطتْ أذني اسمكِ من امرأة وقفتْ قربكِ.. صارتْ قدماي حجران تأبيان التحرّك. وجعلتُ أحدّق علّكِ تنزعجين من نظري إليكِ، فترفعين وجهكِ إلي..
علّك تسألين: أأعرفك؟ لأقول بلى. فتدهشين!
فأخبركِ أنا…. وأسألكِ عن حالك، عن الصبيّة الطفلة قربك، وعن…. وعلّك تختصرين الغياب الطويل الطويل في بضع جمل تنعش روحي.

لكنّكِ غضضتِ الطرف كأنّما لم أُخلَق!

ترفع كفّها -تلك الصبيّة قربك- وتمرّرها سريعًا في ذلك الهواء الناعم فيتبعثر لحظات ويضطرب ثمّ يعود كأنّما لا شيء. عيناي ترقبان كلّ حركة.. كلّ ضحكة.. وأنتِ لا ترين.

يخطر في بالي: كيف أنجبتِها تشبهك إلى هذا الحد؟ لكأنّكِ نزعتِ جينات والدها تمامًا منها!

أخيرًا؛ تتحرّكين من مكانكِ معها. أتوفّز.. تمشين وتمرقين أمامي تمامًا ولا تلتفتين.. كأنّي لا شيء.
تقطعين مسافة لا بأس بها وأنا جامدٌ في مكاني؛ مشوّش.. لا أفهم ما بي.
هل يُعقل أنّ هذا كله وهم؟ أنّ الأمر التبس علي؟
أتضعضع.. تتحرّك قدماي أخيرًا وأنا لا أرى أمامي.. فأراكِ تعودين؛ دون الصبيّة. أجمد مستعدّا لتجاهل آخر.
يبدو لي أنكِ تنظرين لواجهة المحلّ خلفي.. حتمًا نسيتِ شيئًا لا علاقة له بي!

أزفر أخيرًا وأشعر أنّ رئتي انخلعتْ. فأسمعكِ تسألين: هل أعرفك؟

أخيرًا..
أرفع إليكِ ناظري؛ فأرى بحرًا من البراءة في عينيكِ.. لم تعرفيني، ولا ارتأى في ظنّكِ أبدًا أنّكِ عرفتِني يومًا.
أجبتكِ، ولا أدري كيف قلتُ: لا… فتابعتِ بذات البراءة وبابتسامة رسميّة مؤدّبة: عفوًا إذًا.. لماذا كنتَ تحدّق بي؟
ولا أدري كيف ابتسمتُ وأجبتكِ بدعابة: الفتاة معكِ.. تبدو مستنسخة منكِ.. لفت نظري التشابه فقط.
تبتسمين بمرح وقد زال عنكِ التحفّظ: آآه.. معكَ حقّ، أمرٌ ملفتٌ فعلا؛ فغالب الناس يعتقدون أنّها ابنتي.. إنّنا متشابهتان فعلا. تقولينها وتضحكين.. فيتزلزل قلبي.
– اممم.. هي ليستْ ابنتكِ إذًا؟
يحمرّ وجهكِ وتجيبين بحرج: لا، بل ابنة أختي.. مع أنّ أختي لا تشبهني هكذا. تقولينها بابتسامة واسعة وتلقين بنظرة إلى الفتاة التي تستعجلك بإشارة من يدها.
* آآ.. عليّ أن أذهب.. آسفة..
– لم يحدث شيء، أنا الذي أزعجتكِ آسف..
* لا مشكلة.. سلام. تستديرين متعجّلة.. فيخرج السؤال أخيرًا من حلقي: لم تعرفيني؟
لكنّكِ عبرتِ الشارع فعلا ولم تسمعيني.. وقفتُ لحظة أحاول أن أفهم لماذا لم تجيبي.. لعلّكِ تلتفتين.
لكنّكِ ركبتِ الحافلة وأنا ما زلتُ أحاول أن أعبر الشارع.
.
.
سريعًا تكلّمتِ، سريعًا خطوتِ، سريعًا زال الحرج عنكِ فتبسّمتِ وضحكتِ، وسريعًا رحلتِ.
وأنا.. الصنم الجامد، السلحفاة السمينة.. وقفتُ متسمّرًا عند محطة الحافلة المغادرة..
ولا شيء في ذهني سوى أنّني كما أضعتُكِ مرّةً من قبل؛ أعدتُ حماقتي…
فأضعتُكِ مرّةً أخرى.
.
,
هذه التدوينة كُتِبتْ مع صوت: حمزة نمِرة/إنسان.

(أرجو تنبيهي للأخطاء النحوية واللغوية إن وُجدتْ).