Monthly Archives: يناير 2014

أمسكي يدي.. لاتفلتيني.

بعد تصفّح طويل لصور أطفال سوريا وأخبارهم وتعديل وطباعة أوراق لحملها أثناء وقفة أمس، ذهبتُ لأنام ساعة. ولأنّ عقلي الباطن لم ينم فقد بدأ يدمج الصور والأخبار ليخرج لي بفلم قصير يستحقّ الرواية.

كنتُ في حمص، في قبو كبير جدا نصف معتم شديد الاتّساع.
خرائب خرائب فوق بعضها.. معي أناس كثيرون لا أعرفهم.
صوت في عقلي يقول لي أنهم أقارب ومنهم معارف، ومنهم أشخاص أعرفهم من الشبكة ولم ألتق بهم يوما.
أرى ابنتيّ معي. أقف لحظة كأني غريبة في المكان، وأتساءل ماذا أفعل أنا هنا؟ متأكّدة أني لا أعيش في الخرائب فلماذا أنا هنا؟
أرى شابّين يتقدّمان إلى طاولة ويبدآن يلعبان البلياردو بأدوات وطريقة بدائيّة جدا.
على أريكة تجلس امرأة ستّينيّة وعلى وجهها قرف الحياة كلها.
أدرك أنّ ابنتيّ تغيبان عني فألحقهما. صفيّة متعجّبة وتتلفّت في المكان، ثمّ تبدأ -كعادتها- بملاحظة الأشياء الصغيرة جدا: ماما شوفي.. تشير إلى ضوء الشمس الطفيف المتسرّب من ثقوب السقف. ثمّ تلحق سميّة التي وجدتْ الدرجات الصاعدة إلى أعلى وطبعا ركضتْ لتتسلّقها.
ألحق بهما وهما تتحرّكان بسرعة غريبة. أتساءل في نفسي كيف لا تنزلق أقدامهما ولا توجد درجة واحدة مستوية أو خالية من معجون الطوب والزجاج والإسمنت المدمّر؟ الآن نحن فوق.. ضوء الشمس قويّ جدّا حتى إنّي استيقظت وأنا أشعر بلسعه على وجهي، يُظهِر لي الهول كلّه واضحًا. أنتبه أننا نرتدي معاطفنا الشتوية ولكني لا أشعر بالبرد ولا أرى ثلجا.
الصمت.. لا صوت هنالك ولا حتى صوت خطواتنا.. كأنّني أحلم على سطح القمر! أقف دقيقة لأفهم فأكتشف أنّ القبو لم يكن سوى الطابق الأخير من مبنى كبير حكوميّ لعله مدرسة.
ثمّة أعمدة متبقيّة على السطح حول الدرجات التي صعدنا منها. وهنالك درجات كثيرة متفرّقة صعودا ونزولا. بين الأعمدة يبدو لي أن هناك عرائش ياسمين يبستْ. لا شيء سوى الدمار.
سمية تركض سريعا كما تفعل دائما خارج المنزل، ما يصيبني بالاضطراب فألحق بها ركضا. تلحقنا صفية.. نصل جدارا عاليا هو جانب مبنى مدمّر آخر ينهي طريق هذا السطح. أخيرا أمسكتُ سميّة ودفعتها لتعود باتجاه القبو.
وفي نفسي استغراب أنّ الناس في القبو لم يظهروا خوفهم على ابنتي ولم ينبّهوني ألا أخرج بهما وكأن لا خطر هنالك أبدا.
تبدو المسافة التي قطعناها بعيدة في طريق العودة، وأنا بدأتُ أخاف على ابنتيّ. أفكّر لماذا هما معي؟ ولماذا لم أتركهما عند زوجي؟ في تفكيري جزم بأنه ليس معي.
ثمّ أرى ظهر رجلٍ قريبا من درجات القبو المفترض، ولا أعرفه. نبدأ في الاقتراب وأنا أحثّ البنتين على الاستعجال. فيلتفت الرجل. ما زلتُ لا أعرفه وهو يبتسم لي كأنه يعرفني لكنه لا يتحرّك من مكانه. يبتسم للبنتين وصفيّة تمشي تجاهه بثقة، يسلمّ عليها ويقبّلها. وأنا ما زلتُ أقترب أتمعّن في وجهه ولا أعرفه. لا يشبه أحدا أعرفه.
يمزّق الصمت صوت مروحيّة عسكرية، يطير صوابي فزعا فأركض تجاه القبو ومعي سميّة. وكما تحدث الأمور السيئة في أحلامنا في اللحظة الحاسمة أصل الدرجات فلا أجد أيا من بنتيّ معي. ألتفت خلفي فأرى جنودا يقفزون من المروحية ويقتربون من الرجل وصفية ما زالت واقفة بثبات تمسك يده، وسمية تعبث قريبا منهما.. أركض دون أن أصرخ.. أحمل سمية وأشير إلى صفية أن تعالي. أركض بسمية أدفعها في درجات القبو فتهبط.
ألتفت إلى صفية.. أراها أفلتت يد الرجل وتراجعت إلى الوراء خطوات، الرجل يكلم الجند ولا أسمعهم. أتجمّد مكاني لحظات وأفكر أني لو تحرّكت سريعا ربما أطلقوا الرصاص على صفية. هل يعتقلونها مع الرجل؟ يمكن جدا أن يفعلوا وقد فعلوه مع غيرها. تزلزلني فكرة أن يمسك أحدهم يدها أو يلمسها فكيف به يدفعها، يضربها؟ صفية التي أمشّط لها شعرها الناعم جدّا فإذا شددتُه قليلا تأوّهت. صفية التي تغيب عني مع أبيها في بيت جدّها فتتصل بعد ساعة تريد العودة إليّ.
أتحرّك أخيرا بمشي سريع تجاهها وعيناي مثبّتتان عليها، أشير لها بطرف خفيّ أن تعالي.. فتتحرّك تجاهي أخيرا حتى تصل إليّ بهدوء. تمسك يدي فأشدّ عليها كي لا تفلتني مرة أخرى.. وأفكّر أن لو أرادوا الآن أن يطلقوا الرصاص علينا فلا ضير طالما ابنتي ستموت معي ولن أتركها.
ما زالوا يحيطون بالرجل الغريب فينظر إليّ وكأنه يقول هم يريدونني فاذهبا. أومي برأسي وأهبط الدرجات. يدوي صوت انفجارات أصحو عقبه.

هذا هو الواقع. هل يفكّر أحدنا أن يعيشه ويكون حاضره ويومه ولا يعرف مستقبله؟. هل يتخيّل أحدنا -مجرّد تخيّل- أن يسمك غريب بابنته الصغيرة ويصرخ في وجهها؟ هل يتخيّل رعب ابنته؟ فكيف بما هو أبعد من ذلك؟

لفد كنتُ في حمص للحظات في حلم، وودتُ أنّي أبقى هنالك.. ولكن دون ابنتيّ.

Syrian Kids 1

سوريّة.. أنتِ أمّي وأنا ابنتكِ.. أمسكي يدي، لن أترككِ، ولن تفلتيني.

* هذه التدوينة كتبتْ مع صوت: عبد القادر قوزع/افعل ما شئت فإنّ الدهر له يومان.