Monthly Archives: فبراير 2014

طارت إلى الجنّة

– ماما.. إينا بلوزة آخد معي.. الخضرة ولا الزرقة؟
* أي واحدة ما بتفرق المهم شيل واحدة.
-ماما.. معلش آخد عروستي؟
* لا!
– ليش؟
* ولك بنتي شلون بدك تشيليها؟!
– بس أنا بدي اياها!
* اخرسي بقى حاج تنقّي!

تركضين هنا وهناك.. صياح ثلاثة أولاد أصغرهم ذو العامين يقف وسط البيت، ممسكا دبّه الكبير، من عنقه. يحرّك رأسه بين خطواتكم وقدماه متسمّرتان في الأرض.
ابنتكِ تخرج الملابس التي ملأتِ بها حقيبتها المدرسية وتضع كتبها، علبة ألوانها، فرشاة شعرها وكومة من ربطات الشعر الملوّنة، دفتر الرسم الكبير تحشره حشرًا، و(عروستها)، وتغطي ذلك كلها بواحدة من قطع الملابس كي تخفي (جريمتها) فلا توبّخينها.
ابنك الكبير ذو الأعوام العشرة، يرمي أغراضه في الحقيبة رميا، الغضب المكبوت داخله سينفجر في أية لحظة.
الصغير تحرّك أخيرا، مشى بهدوء، حمل كرته بيده الفارغة وعاود وقوفه.. متسمّرا.
أنتِ في غرفتكِ تتأكّدين أنّكِ أقفلتِ الخزانة على أشيائك، وترتبين حقيبتيك للمرّة الـ… أغراض الصغير وأغراضك الشخصية التي اختصرتِ منها الكثير.
تذكرين كلمة زوجك حين صرخ فيك للمرة الرابعة أو الخامسة: اعتبري حالك طالعة عالبدروسية.. اش بتاخدي معك لهنيك خدي هلق!
وهكذا.. تتخيّلين أنّكِ ذاهبة للتصييف في البدروسيّة التي نسيتِ شكلها، فالذاكرة امتلأت بأصوات القصف والانفجارات. وتعطين أوامركِ للأولاد: تعزيل، لملمة، ضبضبة كل شيء والإقفال عليه، تنظيف البرّاد، و(تطبيق اغراض).
لكنّ أولادك يعرفون.. ويرفضون تصديق الكذبة.
ابنك وضع كتاب الرياضيات بدلا من قميصه الداخلي الرابع، معتبرا أن ثلاثة تكفي.. واستغنى عن السترتين الخضراء والزرقاء، ووضع عوضا عنهما علبة من العلك والحلويات!
ابنتكِ وضعت كل شيء في الحقيبة ما عدا الملابس!
وصغيرك حمل الدبّ والكرة، ولو اتّسعتْ كفّاه لحمل أغراض السباحة!

سباحة.. في الشتاء؟ كيف سيصدّقون؟!
سباحة في الوحل، في الضياع، في المجهول.

قال زوجك: سنخرج كما خرج غيرنا.. نبحث عن رزقنا ونبدأ حياة جديدة. وقلتِ في نفسكِ بحنق: كم تبدو الأشياء سهلة عند الرجال.
بعد يومين؛ نزل برميل متفجّر على البناية في أوّل شارعكم. نزلتْ بكلّ من وما فيها. في لحظات الفزع دخل زوجك البيت كالمجنون، لا تعرفين من أين وكيف جاء.. وراح يصرخ: صرلكن شي؟؟ صرلكن شي؟؟! وينن وينن.. ولك وين الاولاااد؟ كانوا بينكما لكنّ الفزع أعمى. وقف لحظات يتفحّص وجوههم بين يديه.. ثمّ خرج كعاصفة كما دخل.
من الشرفة رأيتِه يركض باتجاه موقع البرميل. لم يعد إلا بعد ساعات. كان جثة تمشي على قدمين. جلس طويلا دون أن يكلمك وأنتِ تخافين أن تسأليه.
ثمّ حكى: بتتذكّري أبو اسماعيل السمّان؟ راح.. هو والعيلة.. سحبنا اتنين من اولاده شقف.. خمسطعش بني آدم طلعوا شقف.. والباقي .. الله أعلم.
اسمعي.. بكرة بتضبّي..
تسألين بخوف: وين رح نروح؟
يحتدّ: عـ جهنّم الحمرا,, وين ما كان رح ننقلع.. ما بدّي أجي أشوفكن هيك متل هالشوفة اليوم!
يعود الصمت الذي يشقّه صوت رصاص بعيد يأتي من كلّ مكان. ورأسه مستند على كفّه، ودمعه الذي ترينه لأوّل مرّة يقطر من وجهه يرسم دروبًا في الغبار على جسده.

عند باب البيت؛ يسحب أولادك حقائبهم، ينزلون الدرجات بصمت كريه.. تقفين. هذا بيتي منذ أحد عشر عاما، لمن أتركه؟ للنهب؟ للهدم؟ للحرق؟ وماذا أفعل بذاكرتي؟ وإلى أين أذهب؟ تنظرين إلى صغيرك.. الثقة البادية على وجهه.. بدبدوبه! لو أنني أملك بعض ثقتك يا بنيّ.. ترفعين بصركِ إلى السماء.. ألهمني يا الله، وكأنكِ تنتظرين إجابة فورية لتساؤلكِ.. تتردّدين لحظة.. ثمّ تجلسين على عتبة البيت. تحاولين النظر للأمام فتتراجع الذاكرة للخلف.. كيف وصلنا إلى هنا؟

ما زال الباب مشرعًا.. ولكنّ العتبة طارتْ.. إلى الجنّة!

يا الله..
لو تعلمين كم بكيتُ وأنا أقصّ حكايتكِ.. عليكِ!

 

قطعة خبز من فمك.

أحبّكِ كثيرًا يا صفيّتي؛ حين أسألك أربع أو خمس مرّات: هل أنهيتِ شطيرتكِ؟ فتردّين بتأكيد: Ja! ثمّ -بعدما تنامين- أتّجه إلى حاسوبي وأسحب درج طاولته، فأرى لقمة واحدة من الشطيرة باقية هناك. آكلها وأنا أبتسم، وكأنّه عزّ عليكِ ألا أشارككِ شيئا من الشطيرة فتركتِ اللقمة لي.

تضع سميّة قطعة الخبز في فمها، فأقول لها: طعميني.. تضحك وتسحب القطعة من فمها وتدسّها في فمي بدل أن تعطيني قطعة من يدها.

ما زلتُ كما كنتُ من زمان؛ أرقب طريقة أمّي في تناول الطعام بشغف، خصوصًا حين تلفّ قطع الفلفل الأخضر الحار في الخبز وتلتّها في الملح ثمّ تأكلها بلا صوت. كما تفعل جدّتي -أمّها- تمامًا. كنتُ أحبّ مراقبة جدّتي حين تفعل ذلك أيضا. لم أرها تأكل منذ زمن بعيد.
أشعر أنّ الأمر بديهيّ.. لو قضمتْ أمّي شيئا وأكلمتُه أنا. لو أكلتْ أمي بملعقة عسلا ولعقتُ أنا آثاره في ملعقتها. لو عضّتْ قطعة تفاح أو خيار أو تمرة ودفعتْ الباقي في فمي لأكلته دون تفكير.

تنتزع سميّة لقمتي من فمي لتدسّها في فمها، تلقّمني صفيّة ملعقة من طبقها المفضّل بملعقتها.. وأكمل أنا لقيمات الخبز وقطع البسكويت التي تتركانها.
ولا أفهم ولا تفهمان كيف يشمئزّ الإنسان من أمّه، من بعضه، من روحه.
هذا شيءٌ من الحبّ لا يمكن اقتسامه مع أيٍّ كان.