Monthly Archives: مارس 2014

مَنْدورة الغيّورة

تربّعتُ على الأرض ألبِسُ سميةَ حذاءها ومعطفها. بعدما انتهيتُ، رفعتُ رأسي إلى صفية: يللا هاتي بوسة حبيبتي.. فانحنتْ لأقبّلها. وإذ بسمية تقترب وعلى شفتيها ابتسامة عريضة بمعنى (وأنا كمان)! فقبّلتُها.. وأنا أضحك قلتُ لها: منْدورة يا غيّورة.
و (مَنْدورة) هذه هي تسمية صفية الشخصية للبندورة، ولا أعرف صراحة لمن هي قد نذَرتْها.

لم أعانِ من غيرة صفية، حتى إنني نسيتُ غيرتها أثناء طفولة سمية المبكرة، لأنها كانت غيرة طبيعية. لكنّ غيرة سمية هي المشكلة. وقد بدأت تتضح منذ أربعة أشهر كأقوى ما يكون. إذا جلستْ صفية في حضني.. أصابتها حالة من الجنون! تبدأ في الصراخ وترمي نفسها في الأرض وهي تركل غضبا.. وإن حاولنا جعل الأمر شراكة فتجلسان معا، أعلنتْ الرفض بذات الأسلوب. والأمر يتكرّر في كل ما يشابه تلك الحالة. والحالة مستمرّة حتى الآن، لكنّ الحلّ كان بالتجاهل، وشرح مبدأ (الدور) لسمية:
سميّة، اللي بيصرخ ما حدا بردّ عليه، هلق دور صفية، لما بتقوم بتقعدي إنتِ. فتسكتْ وتقف بارمة شفتها السفلى مخفية عينيها بأصابع يديها (يعني تخبرنا أنها زعلانة). تجلس صفية دقيقتين ثم تنهض من تلقاء ذاتها، فأنادي سمية التي تجلس ثانيتين ثم تنهض! فقط لتحقيق مبدأ (وأنا كمان).

المصيبة حين اشتريتُ حذاء لصفية، والحذاء رياضيّ أبيض ولا شيء يميّزه، وفي ذات اليوم الذي اشتريته أخرجتُ لسمية حذاء أختها الصغير الذي صار مناسبا لمقاس قدمها الآن، ولكن سمية لم يعجبها الموضوع. وما زالتْ رغم مضيّ شهر تلبس حذاء صفية وتمشي به في البيت! وصفية تقول لها بكل هدوء: لا يا سوسو.. ما تلبسي حذائي.

عندما صار عمر سمية ثمانية أشهر تقريبا، وبدأت تلبس أشياء ملفتة قليلا للنظر تختلف عن ملابس النوم (الأفرولات) التي بقيت تلبسها في الأشهر الستة الأولى؛ بدأتْ صفية تغار، لأنّها تعرف أنّ هذه ملابسها حين كانت صغيرة، فهي تراها في صور طفولتها. وصارتْ تحاول ارتداءها. في البداية، كنتُ أغتاظ من هذا التصرّف، ثمّ تركتُها مرة أو مرتين تلبسها، فتشعر بعد فترة بالاختناق وتخلعها. وصدف أنها في هذه الفترة لم تكن بحاجة ملابس جديدة، ولم يكن هنالك داع لأن أراضيها بشراء الجديد حتى لا تعتاد.
تغيّر الوضع كثيرا بعد دخول صفية الروضة، أولا طالت قامتها وصارت بحاجة عدد أكثر من البناطيل والسترات، وأحذية جديدة.. فالاستهلاك واتساخ الملابس صار أسرع بكثير، وهي تطول بسرعة -أطول من أقرانها في الصف ما شاء الله رغم أن نصفهم أكبر منها بعام- وثانيا.. صارت تنتبه لما تلبسه الفتيات، وتحبّ الفساتين والأساور وربطات الشعر و…. هكذا في كل مرة تحظى صفية بشيء جديد، إما لضرورة أو كمكافأة على حسن تصرّف أو هديّة عيد. وتبدأ سمية عمليّة (السطو والتسوّل)، واستمرّ هذا الوضع حتى خمسة أشهر خلَتْ تقريبا، إذ بدأتُ أشتري لسمية بعض قطع الملابس الجديدة، لضرورة أيضًا، فملابس صفيّة الشتوية لعمر عام ونصف كانتْ ضيّقة وقصيرة بالنسبة لسمية وهي في عمر عام وثلاثة أشهر! ويبدو أنّ هذه (النتفة) التي ما زلنا ندعوها (حبّة البطاطا والبطيّخة) ستصير أطول من أختها.
وسمية تهتمّ كثيرا بالرسوم على الملابس، فكثيرا ما تفتح خزانة أختها في غفلة منّي وتبدأ في بعثرة السترات القطينة حتى تعثر على السترة البنفسجيّة التي يعلوها رسم قطّة كبير باللون الفضّي.. فتحضنها وتقبّلها بشغف شديد، وتبدأ تسمح وجهها وعنقها فيها. وإذا لم أداهمها في ذلك الوقت فغالبا ستسحبها إلى سريرها وتخفيها تحت الوسادة ككنز ثمين. وهذه السترة معشوقتها بشكل شخصيّ.. حتى حين أنشرها بعد غسلها، تقف عند منشر الغسيل تنتظرها أن تجف! وتشير لها وهي تقول بانتصار: أتّااااا (قطة). ثمّ تقول لي: دادا. أي هذه ملابس دادا (دادا هي الكلمة التي نستخدمها في عامّيتنا لتعليم الطفل الإشارة إلى الإخوة الأكبر منه). ومن ضمن القطع التي اشريتها لسمية؛ سترة قطنية صفراء يعلوها رسم بومة بنفسجيّة، تأخذ عقلها أيضا. فهي حفظت شكل البومة وأغرمتْ بها حين ذهبنا لحديقة الحيوان الشهر الماضي. ثمّ اشترينا بومة زهرية اللون صغيرة من السيراميك وضعناها في الحديقة، فكسرتْها ثلاث مرّات وألصقْتُها، من شدّة شغفها بها إذ تحملها وتقبّلها ثمّ تثقل في يدها فترميها! وهذه السترة كلما لبستْها نسألها: سوسو وينا البومة؟ فتشير إلى صدرها وتركض إلى المرآة الطويلة في غرفتها تقف أمامها وتقبّل انعكاس صورتها في المرآة. وأحيانًا تقول لنا: أوو أوو.. مقلّدة صوت البومة.
يستمرّ مسلسل الشغف بملابس وأغراض الـ (دادا)، فتفتح درج جواربها، وتلبسها واحدا فوق الآخر! أو تأخذ أساورها وسلاسلها الخرزيّة وتضمّها جميعا وتأتي إليّ مبتسمة.

ولدينا مصدر نزاع مزعج حاليا في البيت: نظّارة صفيّة الشمسية ذات رسم (هالو كيتي) والإطار الأحمر! فليس لدينا نظارة أخرى.. وهذه نظارة صفية منذ عامين. ولم يبدأ الصيف بعد وليس في السوق نظارات شمسية لأشتري واحدة لسمية، فهذه الأشياء لها مواسم هنا. وقد اتفقتُ مع صفية أن تخفيها حتى نشتري واحدة لأختها، فوافقت البنت المرضيّة.

IMG_20140224_093723

صفية وسمية تتشاركان شيئا واحدا -على امتعاض من سمية- وهو الجلوس في العربة!

ولكن في كلّ مرّة، يبقى لدى سمية سبب للغيرة.. فلم يبق إلا أن تغار لأنّ أختها أتت إلى هذا العالم قبلها!