Monthly Archives: نوفمبر 2014

الإمّ بِتلمّ

في الوضع الطبيعيّ؛
حين تكون طفلا وتعثر خطوتكَ؛ أوّل (الراكضين) إليكَ لـ (يلمّ) عثرتكَ عن الأرض هي أمّك، وهي -لعلمكَ- آخر الراكضين أيضًا!
لا أحد سواها سـ(يركض) إليكَ أبدًا. نعم؛ قد يخِفّون إليك.. قد يُسرعون، لكن لا أحد يركض سوى أمّك.. ولا أحد يقدر أن يلمّ عثرتكَ سواها، وإلا.. علامَ يكون أوّل ندائكَ حال العثرة: ماماااااا. حتّى أباكَ يهبّ لحملكَ -لأنّه أقرب مسافة- فتنتزع نفسكَ من بين ذراعيه لحظة يقع ناظركَ على أمّك.

تكبر قليلا؛ تبدأ تتناثر على سلّم الدّراسة والدرجات، وتبدأ (أمُّكَ تلُمُّك). أمّكَ التي لا تعرف الهندسة ولا الفيزياء ولا الإنجليزية، تعلّمكَ وتساعدكَ في عثراتك. تكلّم أستاذكَ دون أن تدري أنتَ كي لا تجرح كبرياءك، ترتّب أوراقكَ وذاكرتكَ ومعارفكَ وملبسكَ ونومكَ وكُلّك حتى تصل إلى نقطة تقتنع هي فيها أنّ بمقدوركَ أن تلمّ نفسكَ في هذا الجزء دون مساعدتها. لا تحاول أن تقنعها؛ بل ابذل جهدكَ لتبقيها مطمئنّة فتقتنع من ذاتها.

تكبر أكثر؛ وتعتقد أنّكَ (تقع) في الحبّ كـحقٍّ إنسانيّ مشروع. وتبدأ تنغّص حياة أمّكَ وتكدّرها بهذا العبث الذي تعتقده أنتَ غرامًا وعلاقة مصيرية. وحين ترتطم بقاع الحقيقة؛ وحدها أمّك.. تلُمُّك. فقد تجهّزتْ طويلا وهي ترى (الوقوع) وتعرف أنّكَ ستتناثر على مسافاتٍ شاسعة بعد ارتطام كهذا. وستكون هي جاهزة بأكثر من كلّ قواها وأقصى من كلّ طاقتها لتعيد تجميع وترتيب روحك.

تكتسب خبرتكَ وتتابع سيركَ دون أن تدركَ مصدر ذلك الترتيب وتلك القوّة التي عدتَ بها للحياة. تعمل وتتزوّج.. تختصم بعد أعوام مع زوجتكَ خصامًا عظيمًا. وحين ترمي بشعث نفسكِ (بالتقسيط) عند أمّك.. تلمّه، تكنس نفسكَ.. وتعيد توضيبك.. تلمّك.. لتعود متماسكًا قادرًا على اتّخاذ قرارك.

منذ عامكَ الأوّل صعودًا؛ ترى أمَكَ وهي تلمّ أشياءكَ الصغيرة التي تكبر مع الوقت: ألعابك، جواربك، أحذيتك، ملابسك، أقلامك، كتبك، أوراقك، مشاعرك، احترامك وتقديرك لذاتك، تكسّرك، ضعفك وخمولك، اندفاعك.. تنحني ألف مرّة لتجمعكَ من الأرض بلطف كأنّها تجمع زهور البابونج الناعمة من سهلٍ أخضر.
تنحني ولا تشتكي آلام الظهر ولا تقدّم العمر الذي يسمح لها بالتوقّف عن هذه المهمّة.
وحين تقول لها: يكفي.. أقدر أن أعتمد على نفسي. كأنّك تمنحها (إذن إجازة) من مهمّة رسميّة..
تزمّ شفتيها؛ وترمقكَ بنظرة زاجرة وتقول لكَ باختصارٍ عليكَ قبوله بكلّ امتنان وحُبّ: الإمّ.. بِتلمّ!