Monthly Archives: ديسمبر 2014

البئر.

الشيء الوحيد الموجع في الموت؛ ألا ترى ابتسامة من فقدتَ قبل وداعه الأخير. ستفكّر دائما؛ هل كانتْ تشبه ابتسامة الحياة؟ أم ابتسامة الراحة؟ أم تبسّم اليائس الذي كاد يفقد الأمل.. فناله؟

لا تسقطي في تلك البئر مرّةً أُخرى. ابتعدي كي لا تزلق قدمك. لقد خرجتِ منها وبقيتِ بعيدةً عنها زمنًا طويلا كافيًا؛ كي تنسيها. فما الذي عاد بكِ إليها؟!

كيف.. كيف عدتِ وأنتِ لا تحفظين شيئًا في ذاكرتكِ لأكثر من عامين؟. كيف وأنتِ لا تحفظين الطرُقات وإذا أرشدتِ أحدًا إلى مكانٍ تاهَ ودعا لكِ بتعلّم الجغرافيا والاتجاهات؟!

كيف عُدتِ؟
.
أراكِ في ضوء الشمس الذي أطلّ أخيرًا بعد عتمة؛ وجهكِ يبدو مرهَقًا مُتعبًا كأنّكِ مسافرةٌ منذ شهرٍ على ظهر الجمل في الصحراء. ضبابٌ في عينيكِ وأنتِ تقتربين من الجُبّ. أريد أن أمسك بكِ لكنّي مجرّد سرابٍ وهميٍّ في خيالك.. أنا أنتِ، لكنّي دون قوّة.

وقفتِ عند البئر؛ أغمضتِ عينيكِ ورفعتِ رأسكِ للسماء، تنفرد أصابع كفّكِ عن خيوطَ طويلةٍ ملوّنةٍ تتطاير مع الهواء الخفيف.. كأحلامٍ انتهتْ. وفجأة؛ تنحنين في شِبه ركوعٍ وأنتِ تلفّين ذراعيكِ حول بطنك، كأنّ طعنةً فاجأتْكِ.. لا صوت يصدر عنكِ.. سوى شهقة غريقٍ في نفَسِه الأخير. تعتدلين.. على وجهكِ تقطيبة ألمٍ ناعمة كالندى، تُرى ولا تُرى. ذراعكِ الأيسر مطويٌّ على بعضه ملتصقٌ بجذعك، وكفّكِ الأيمن يضغط بأصابعه على أسفل أضلاعكِ اليسرى.

تنظرين إلى البئر طويلا طويلا؛ لكأنّكِ تعيشين كلّ لحظات حبسكِ فيه لحظةً لحظة، ثمّ تجلسين على التراب. تتلفّتين فجأةً بذعر؛ أقول إنّكِ فطنتِ أخيرًا كم أنّ المكان مخيف وموحش، هيّا انهضي وارحلي!
لكنّكِ كنتِ تتأكّدين أن ليس ثمّة من يقطع خلوتكِ.

البئر التي دخلتِها باختياركِ؛ كانتْ سجنًا من كآبة ويأس، مزيجًا من اكتئاب عُصابيّ مذهل، أو عصبيّة اكتئابيّة مرعبة. كانتْ سنواتٍ ضبابيّة.. لا ليستْ سوداء، أعرف..
أنتِ ترين في السواد بوضوح عجيب، لكنّكِ تكرهين الضباب.

هل تفكّرين؟ في أيّ شيء؟!. في كيف دخلتِ؟ أم لماذا؟. في كيف خرجتِ؟ وماذا أخذتِ معكِ؟.
أقول لكِ.. صدّقيني.. أنتِ لم تتركي كلّ شيء هناك، لقد ضبطُّكِ متلبّسةً لحظة خروجكِ بأشياء صغيرة في جيوبك. أشياء كالهواء.. كان لها وزن الهواء، لكنّها كانتْ قطِعًا من الضباب الذي تكرهين.
يخيّل إليّ أنّكِ أخذتِها لتتذكّري أنّكِ لم تعودي هناك.. أنّكِ تعيشين الحريّة أخيرًا. لكنّكِ لم تفطني أنّها كانتْ ثقيلة؛ تلك القطع الصغيرة. أنّها تأخذ من مساحة حياتك، وتراكم الغبار على روحك.

أجئتِ تعيدينها؟ أمانة منكِ؛ لا يحتاجها أحد! لو رميتِها في أقرب قمامة لكان أفضل للجميع. هل سمعتِ شيئًا خرج من مقلب القمامة بعد أن وصلها؟ لا شيء سوى البعوض والأمراض.

حمقاء! ماذا تفعلين؟ أتهبطين البئر مرّة أخرى؟!
لا، لن أساعدكِ هذه المرّة، مجنونة أنتِ! مجنونة.. مجنونة..

أخيرًا رحلتِ،
أرجو ألا تعودي.

أشياء كثيرة تغيّرتْ حين خرجتُ من البئر. أشياء كنتُ أريدها أن تبقى كما هي، لكنّها كانتْ ثمن الخروج.
حملتُ الضباب معي لأعرف طريق العودة إليه، الضباب ينجذب لبعضه.. لنفسه.
يرى العالم من حولي أنّ خروجي كان أمرًا رائعًا؛ بينما أنزوي أنا خلف أوّل بابٍ مُحكَم الغَلْق يقابلني، أضغط أسفل أضلاعي اليسرى بأصابع كفّي الأيمن، وذراعي الأيسر مطويّ على بعضه مشدودٌ إليّ كأنّي أشكو وجع طعنةٍ في جنبي. أعبُّ هواءً كشهقة الغريق الأخيرة؛ لكن بصمتِ من يمتلئ حلقه بالماء، وأنحني.. أبكي دون صوتٍ وبلا دمعٍ؛ لخمس ثوانٍ، ثمّ أرفع رأسي كأنّ شيئا لم يكن.

شيئًا لم يكن..
فقط.. كلّ شيءٍ تغيّر.. ولم أعد أخشى البئر ، ليس لشجاعتي، بل لأنّها ببساطة.. لم تعد تتّسع لي.

ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ

أنهيتُها منذ شهر، وأجّلتُ نشرها لعلّ شيئا يزيد|ينقص.. لكنّ القصائد تكتب نفسها، وتستخدمنا فقط للتدوين.

ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ
وأنا أخطو
بحذاءٍ صيفيٍّ واطئْ
وعلى غيرِ العادةِ أحملُ (شمسيّة)
إنّي..
في درب ذهابي،
لا أرغب أن أبتلّْ..
لكنّي حينَ العودةِ أغرقُ دومًا
في دمعي.

في دربِ ذهابي لا أبكي
أدري أنّي عائدةٌ،
وإذا لم أرجِعْ
يكفيني أن أقضيَ في مسقط رأسي.

أحيانًا أبكي ليَقيني
أنّ العودةَ أصعبُ ما في الرحلة.

ضوضاءُ الشارعِ والمطرُ
تأخذني لشتاءِ (رياضٍ)
في يومٍ (سحًّا غدَقا)؛
رائحةُ ترابٍ مبلولٍ تلفحهُ
رائحةُ (الفِتْنة)،
من عشرةِ أعوامٍ أوْ
خمسةَ عشْرة
لا أدري..
أشعر أنّي أسقط من ذاكرتي.

رائحةُ الطينِ الأحمر في (حلبٍ)،
رائحةُ الليلِ الأوّلِ من بعدِ غيابْ
رائحةُ الدربِ الْمُمتدِّ بقربِ الجامعْ
بيّاعُ السّوسْ
رائحةُ الصّابونِ المُنعشِ بالدُرّاقْ
رائحةُ (دْرِيرة)
تنبعثُ من الأغراضِ المصْفُوفةِ في (سحّابة نانا).

ضوضاءُ الشارع والمطرُ
تأخذُني للدربِ المظلمِ في رأس الحارة
شجرٌ من جَنْبيهِ
وأعمدةُ النورِ المكسورة
تُعطي للمشهدِ.. رائحةً!

للعتمةِ في بلدي؛
رائحةٌ
لا تُنسى.

في درب ذهابي؛ لا أرغب أن أبتلّْ.
لكنّي في دربِ العودةِ أغرقُ دمعًا..
أبكي وكأنّي لم أبكِ دُهورًا
أبكي أكثرَ من غيمةِ يومٍ هامبورغيٍّ معتادٍ
من كلّ خريفْ
أبكي أكثرَ من شلالٍ لم ينضبْ
منذُ عقودْ

أبكي؛ كلَّ الأشياءِ الـْ ما قلتُ ولم أفعلْ
كلَّ القبلاتِ الـْ لمْ أمنحها
أمّي..
كلَّ اللحظاتِ الـْ مرّتْ؛
لم أُلقِ بِرأسي
في حِضن أخي.

كلَّ ثوانٍ كانتْ تُخبِرُني أن أقفَ هناكْ
كي أتخلّصَ من حِمْل الذّكرى
كي أصحبَ قلبي الطفلَ الباقيَ يلعبُ في الطينْ
أبكي أنّي أتركهُ
في كلِّ الأحلام وحيدًا
يرجوني كي آخذهُ وأنسى
لكنّي أرفضْ!
محبوسًا أُبقيهِ هُناكْ
كي أعرفَ نفسي إذ أرجعْ..

كي لا أنساني.

ساق البنطال ابتلّتْ
وأنا من تحتِ (الشمسيّةِ) أرمقُ تلكَ الغيمة
ما أثقلها..

يا غيمة..
من لِبلادي يغسِلُها من حُزنِ سنينْ؟

أحملُ شمسي في قلبي،
تحميني من بردِ المطرِ
من دمعِ الغيمِ المسفوحِ بلا موعدْ
من قسوةِ يومٍ هامبورغيٍّ مُعتادٍ
في كلّ خريفْ

لا أحدٌ يُبكي الغيمةَ إذ تبكي
وأنا..
ما أكثرُ ما يُبكيني لكنّي..
أُخفي دمعي
حتّى عن دمعِ الغيم.

للدهشة
حين وصلتُ إلى بيتي؛
(كُلّي) مبتلٌّ جدًّا
إلا قدمايْ
بحذائي الصيفيّ الواطئِ
لم تبتلّا.