Monthly Archives: أبريل 2015

تكتيكات تربويّة

يمكن تكليف جميع الأطفال بالأعمال المنزلية، صبيانا وبناتا. ولكنّي لن أتحدّث عن التكليف بالأعمال.. بل عن طلب المساعدة منهم. لا أذكر أنّ أمّي -حفظها الله- أمرتْني أو كلّفتني بأيّ عمل منزليّ! طبعًا وبكلّ تأكيد هي علّمتني ما يجب عليّ عمله منذ الصغر ولذا اعتدتُه فلم تعد بحاجة للطلب. وهذا ما قصدتُه تمامًا؛ أنّي لا أذكر تكليفها لي وبالتالي لم أكن أشعر بالاستياء للقيام بتلك الأعمال أو أشعر بها مهمّات ثقيلة على نفسي.
بالنسبة لابنتيّ؛ كلتاهما تتميّز بشخصيّة قويّة ترفض الأوامر. فبمجرّد أن أقول: افعلي كذا.. يأتي الجواب: لا، ما بدّي. وبلهجة مغزاها: ماما اخبطي راسك في الحيط.
وهذا طبيعيّ جدًّا في الحقيقة، فمن أنا حتى آمر وأنهى؟! لكنّه الديكتاتور الصغير في نفس كلٍّ منّا يخرج بصورة أو بأخرى.

ولذا.. حرصتُ على تعلّم تكتيك جديد، وجهّزتُ نفسي بعتادٍ من الاستغفار قبل النزول لأرض المعركة كي لا أترك للشياطين مكانًا تقفز فيه بيني وبين ابنتيّ.
قبل قراءة التكتيك، لنتذكّر العمر الذي أتكلم عنه: (صفيّة وعمرها خمسة أعوام وتسعة أشهر، في الصفّ التمهيدي) و (سميّة وعمرها عامان وسبعة أشهر، ولا تذهب للروضة بل تبقى معي في البيت).

تكتيك المفردات:
1- اعتدتُ استخدام كلمات (من فضلك، لو سمحتِ، تفضّلي، شكرا، عفوا) بالعربية والألمانية منذ طفولة صفية المبكّرة واستمرّ الأمر مع سميّة. إلا أنّني ومع تغيّر إيقاع الحياة وسرعته صرتُ أستخدم بكثرة مفرداتٍ أخرى مثل (خذي، امسكي، هاتي، تحرّكي، ابتعدي..). وهذه المفردات جميعها أفعال أمر! أدركتُ حين بدأتْ ابنتاي تستخدمان نفس المفردات معي -باعتباري قرينتهما كما تريان!- أنّ الأمر سيتحوّل إلى الأسوأ. ولأنّ (من فضلك ولو سمحت) طويلتان نوعًا، قرّرنا استخدام كلمة (لُطفًا) و (أرجوكِ). في البداية كانتْ الصغيرتان تغرقان في الضحك حين أنطقها بالطريقة التركية؛ بعد يومين صارتْ سميّة كلّما أرادتْ أن تأخذ من صفية شيئًا؛ تتوسّل إليها بـ لطفا. عاد جوّ التحبّب والتودّد إلى الطلبات بدلا من الأوامر والنواهي.
2- (هل يمكن أن تساعديني؟ من تحبّ أن تساعد ماما؟ من تحبّ أن تحمل الأطباق؟ من تريد أن ترتّب الصحون؟ من سيحضر لي الألعاب لأرتّبها في الصندوق؟) إشعار طفلتيّ دائمًا بأنّي بحاجة للمساعدة رغم علمي أنّي أنجز أعمالي أسرع بدونهما. بهذه الطريقة أكسب عدّة أشياء: انشغالهما بعمل مفيد بدل الفراغ الذي يؤدّي للتناحر والتناكد ويوتّرني بصراخهما، أيضًا تتعوّدان المسؤولية، وأخيرًا تتأقلمان مع فكرة أنّ ماما تحتاج من يدلّلها أيضًا. وفي أحيان كثيرة تكون أسئلتي (من يريد أن يصبّ لي كأس ماء؟ ممكن حدا يجبلي تلفوني؟ ممكن تجيبيلي شحّاطتي؟).. وطبعًا لا تكون الاستجابة في كلّ مرّة هي الركض المباشر لتلبية الطلب، بل أحيانًا يكون الجواب من صفية ببرود: لا.. قومي انتِ جيبيه. فأقول لها باسمة: بس أنا تعبانة. فتنهض مرّات، وقد لا تنهض إلا إذا تحمّستْ سمية وسبقتْها.

تكتيك المطبخ:
نعم؛ أنا أيضًا أكره أن يتواجد طفل صغير بين ساقيّ في المطبخ، وأكثر ما أخاف على الأطفال هو المطبخ. ولكن بعض التقنيات تكون مريحة في التعامل مع الأطفال في هذا المكان الخطِر. اليوم السبت هو نهاية الأسبوع التي تشبه الكارثة بالنسبة لي، لأنّي أكون فيه مجنّدة من لحظة استيقاظ ابنتيّ (السابعة والنصف صباحًا) وحتى نومهما. بالإضافة لزوجي الذي يريد تعويض ما فاته طيلة الأسبوع من (تواجد). بالإضافة إلى ما أريد إنجازه من أعمالي الخاصّة كالكتابة. هذه بعض التقنيات المناسبة لكلّ عمر ويمكن الاستفادة منها:
1- أثناء إفراغ الخضار والفاكهة في مكانها بعد شراء الأغراض من السوق، طلبتُ من صفية ترتيب الطماطم بينما طلبتُ من سمية ترتيب البرتقال والتفّاح. السبب طبعًا أنّ البندورة بين يديّ سمية ستصبح عصيرًا.
2- أسرعتُ بغسيل الفراولة التي تحبّانها كثيرًا وطلبت من صفية إخراج صحنين وسكب كميّة مماثلة في كلٍّ منهما، وأخذتْ هي الصحن الثاني تلقائيًّا إلى أختها. هذا أكسبني الكثير من الوقت بدون تشويشٍ منهما.
3- أعطيتُ سميّة منشفة وأجلستُها عند الطاولة المنخفضة وصرتُ أناولها الأواني البلاستيكية المغسولة لتجفيفها وأقوم أنا بترتيبها في أماكنها كلّما تراكمتْ.
4- قامتْ صفية ببشر الجزر على المبشرة اليدوية لأوّل مرّة.
5- تطوّعتْ صفية لغسيل الأطباق الخفيفة (طبعًا لتعبث بالصابون ولكن لا تخبروا أحدًا بالسرّ). وهنا تجدر الإشارة إلى مراقبة الطفل واستهلاكه للماء وتنبيهه.
6- ناولتُ سميّة الشوكات والملاعق وقامتْ بتوزيعها على المائدة.
7- ناولتُ صفية الأطباق الزجاجية ورتّبتْها على المائدة.
8- حملتْ كلّ منهما الكؤوس التي تناسب حجم يدها. (إشارة أخرى هنا أيضًا إلى أنّ ابنتيّ معتادتان على التعامل مع الكؤوس الزجاجية، وقد يختلف هذا من طفل لآخر).
9- نظّفتْ صفيّة طاولة المطبخ من أوراق الفجل.
10-  كنستْ سميّة الأرضيّة.
11- جمعتْ صفية الأوساخ بالمجرفة الصغيرة لأنّ سمية تعيد نثرها عندما تحاول جمعها.
12- تجمع صفية الأطباق البلاستيكية الخفيفة من المائدة وتأخذها مباشرة إلى حوض الجلي بعد الانتهاء من تناول الطعام.

تكتيك التعاون:
الغيرة؟ نعم موجودة، ولكنها محدودة جدًّا. الغيرة شعور ينمو بالتعزيز ويغرسه الأهل أوّلا وأخيرًا. والأسهل هو أن تسود المحبّة لأنّها الوضع الطبيعيّ.. بينما الغيرة هي الحالة الاستثنائية لكنّ ثقافتنا تحرص على تعزيز عكس ذلك.
* يرجى الانتباه إلى صدور الأفعال التالية بشكل تلقائي من الطفل دون أي ضغط نفسي أو (تلحين) من قبيل: إنت أنانية.. ليش ما بدك تساعديني؟ بدي أزعل منك!
1- صفيّة حبيبتي ممكن تساعدي سميّة لتغسل يديها بالماء والصابون؟ تردّ صفية مباشرة: إيه، وتقول لاختها: تعي يا سوسو.. تعي تغسلي إيديكِ روحي؟ تأخذها إلى الحمّام وتضع لها الصابون على يديها وتغسل لها فمها وتناولها المنشفة لتجفّف. اليوم بالذات تطوّعتْ زيادة وغسلتْ لها وجهها (بالطريق زيادة خير) فغيّرنا ملابس سمية العلويّة.
2- صباحًا تنتهي صفيّة دائمًا الأولى. ولذا تستطيع أن تغلق سحّاب معطف أختها ريثما أرتدي حجابي.
3- سميّة.. لطفا.. ساعدي اختك بجمع الألعاب. (الغالب أن سمية هي التي تبعثرها ولكن لو قلتُ لها اجمعي الألعاب لن تفعل).
4- همسًا: سميّة، ششششش خلينا نوطي صوتنا صافي بدها تنام.. عندها مدرسة بكرة.
5- صفيّة ممكن تعطي اختك (كذا) من الخزانة؟ (صفيّة أكبر وأطول طبعًا وبإمكانها أن تصل إلى الغرض الفلاني).
وفي معظم الأحيان؛ وخصوصًا حين يتعلق الأمر بالطعام أو الحلوى، يكون الاقتسام بينهما دون تدخّل منّي وبرضى كلا الطرفين وتطعم إحداهما الأخرى برضا.

تكتيك الأعمال المختلفة:
1- يمكن لسمية نفض الغبار عن جميع الأسطح بالمنفضة. وحين أريدها أن تنشغل لفترة نصف ساعة مثلا، أشير لها أن تنفض الغبار عن مِمسك الدرج المعدنيّ (الدربزين) على ارتفاع الطوابق الثلاثة في البيت!
2- يمكن لصفية وسمية تلميع الزجاج بالقماش والسائل المخصّصان لذلك، تحت إشرافي طبعا.
3- يمكن لصفية جمع الغسيل من المنشر وترتيب الملاقط في مكانها، ويمكن لهما مساعدتي في مناولة قطع الغسيل لنشرها.
4- يمكن لسمية إحضار علب الحليب الكبيرة من مكانها عند مدخل القبو.
5- يمكن لصفية صبّ الماء لها ولأختها من الإبريق الزجاجي الكبير.
6- يمكن لهما ترتيب الأسرّة بشكل ممتاز، وجمع الألعاب وصفّها في أماكنها المخصّصة.
7- كلتاهما تستطيعان خلع الملابس وارتداءها بسهولة. (يتضمّن ذلك الأزرار والجوارب والأحذية).
8- تجيدان ترتيب بطّانيّات غرفة الجلوس وإعادتها إلى مكانها في الدُّرج أسفل الكنبة.
9- تجيدان مسح الطاولات وترتيب المفارش عليها.
10- تعلّمتا منذ يومين تنظيف أحذيتهما.
11- تتوجّهان إلى الحمّام فور العودة من ملعب الرمل وتغسلان الأكفّ والأقدام. (بدون طلبٍ من قبَلي).
12- يمكن لصفية كنس الأرضيّات والحديقة بالمكنسة الطويلة.

تكتيك احترام الخصوصيّة:
بمجرّد أن يبلغ الطفل عامين وأربعة أشهر تقريبًا، يستطيع إدراك خصوصية الأشياء بشكل سهل. أغراضي موجودة في متناول يد ابنتيّ ولم أجد سببًا لإخفائها. أحيانًا تحبّ سميّة أن تمارس اكتشافها باستخدام مقصّ الورق المخصّص للأطفال، وتقلّد أختها. ولكنّها تقصّ الأوراق المخصّصة لذلك فقط. بالطبع لا أترك أشياء مؤذية ولا أوراق مهمّة في مهملةً أو بطريقة تقول لهما (خذوني)، ولكن أقصد أنّي لم أضطرّ يومًا لإقفال باب غرفتي أو غرفة مكتبي إلا مرّة واحدة وكانتْ العلّة من صفيّة وقتَها. أمّا سميّة، فأقصى ما تفعله، أنها تصعد لغرفتي وتفتح الدرج الصغير وتأخذ مرطّب الشفاه فتضع منه على شفتيها وتغلقه وتعيده لمكانه ثم تأتي إليّ وتقول لي: أنا حطّيت حُمرة!
1- أطرق باب الغرفة لتتعلّما طرق الباب.
2- لا أحد يقفل باب الحمّام حين يدخله، فقط نغلقه لنفس غاية تعلّم طرق الباب. وحين تدخل أيّ منهما أقول للأخرى أن عليها أن تخرج حتى تنتهي أختها.
3- الألعاب لنا جميعًا، لكنّ الملابس لا. لا تفتحي خزانة أختك ولا أدراجها.
4- إذا طلبتْ أختكِ أن تغادري سريرها فلا تستفزّيها وغادريه.
5- سرير ماما جميل.. أعرف.. أسمح لكما بالبقاء فيه طالما أنا مستلقية، ولكن حين أغادر غرفتي ليس مسموحًا لكما بالبقاء فيها.
6- رسومات صفية المعلّقة عليّ أن أستأذنها قبل إزالتها.
7- أشكال الليجو المركّبة لا يجوز لأحد تخريبها بدون إذن من ركّبها.
8- الأمر ذاته مع أشكال الرمل في الملعب.
9- أحيانًا تُعجَب صفية بلعبة أختها أكثر من لعبتها، وتطلب منها التبادل فترفض سمية، أو العكس. هنا يكون التدخّل في صفّ التي رفضتْ لأنّ الأمر غالبًا سيحتدم.
10- أقلام ماما المصفوفة في المقلمة على المكتب، كرسي ماما، حاسوبها، اللاصق الشفّاف، الأوراق الملوّنة، جميعها خاصّة بماما. لا أحد يجوز له استخدامها بلا إذن.
..
هذا ما خطر في بالي اليوم، أتمنّى الفائدة لمن قرأتْ.

بين المرساة واليمّ

أخشى الوقوف أمام البحر؛ لا لخوفي من الغرق.. بل لانّي أخشى تلك الرغبة في داخلي التي تدفعني للتجديف بذراعيّ في عمقه حيث الموج أكبر، والمياه أكثر دفئا وعمقًا. أخشى رغبتي بأن أسبح دون النظر إلى الشاطئ وكم بعدتُ عنه.. لأنّي أدرك أنّي لو ابتعدتُ لدرجة ألا أراه، فلن أعود.
ليس لأنّي لا أجيد مصارعة ماء البحر المالح وقد تعرّضتُ لشبه غرق فيه مرّتين. لكنّي بمجرّد أن أذوق طعم الانفلات من مرفأ الروح.. سأفقد رغبتي في العودة إلى الأبد.

في الزمن الفائت؛ كانتْ أمّي هي مرساتي الوحيدة في المرفأ.
كنتُ كلّما راودتْني نفسي أن أسبح دون النظر إلى الخلف؛ زجرتُني.. والتفتُّ مجدّفة بذراعيّ في سباحةٍ احترافيّة تعلّمتُها على يدي مدرّبة أتقنتْ تدريبي. تحاول أمّي إقناعي بارتداء منظار البحر، تقول لي إنّه سيسهّل عليّ السباحة طالما أصرّ على نظام (ضربتين والوجه في الماء، ونصف ضربة مع شهيق)، لكنّي أبدًا لم أرتدِه. لأنّي أخاف أن أرى الأرض التي أسبح فوقها.. حتى لو كانتْ أرضًا مبلّطة نظيفة! ليستْ كائنات البحر التي تخيفني.. لكنّها المسافة. كنتُ أخشى أن تتخاذل نفسي وتفكّر في إغراقي عمدًا حين تعرف أنّ عمق الماء يسمح بذلك.
كنتُ أفتح عينيّ في الماء وأسبح، مفضّلة رؤيا ضبابيّة مغبشّة تُظهِر لي الضوء والظلال فقط لأدري إن كان شيءٌ ما يسدّ طريقي فأتفاداه. ودائمًا.. دائمًا كان طريق العودة أطول. رغم أنّ الموج يدفعني إلى الشاطئ.. نظريًّا، لكنّما يبدو أنّ روحي كانتْ تجذبني إلى اليمّ وتُثقلني عن العودة إلى مرفئي.
كنتُ دائمًا أعود لأجل أمّي؛ مرساتي ومرفئي.

لكنّي اليوم أجدني كلّما حاولتُ خوض البحر تجذبني ثلاث مراسٍ: أمّي وابنتاي!. وصار البحر بعيدًا؛ ولم أعد أسبح ووجهي إليه.. بل وجهي دائمًا ملتفت نحو الشاطئ.. قلِقٌ على ما خلّفتُه ورائي. فأجدني أعود قبل عُشْر المسافة.

اليوم وأنا واقفةٌ أنهي غسل الطبق الأخير في حوض المطبخ؛ رفعتُ نظري إلى سماء الربيع المطلّة من النافذة أمامي، فكانتْ السُّحب تسبح بسرعة.. وبينها النوارس، تضرب بأجنحتها فتهبّ رائحة البحر.. وأتلقّفها أنا بعطش حوتٍ فقد يمّه منذ أعوام.
عطش روحٍ تريد أن تنفلت في سباحة حُرّة وسط الموج؛ دون التفات. حتى إذا تعِبتْ.. استلقتْ على ظهرها كطوفٍ وحيد، وابتسمتْ في ارتياح.

وأدركتُ في تلك اللحظة؛ من تلك الدموع التي انحدرتْ تلقائيًّا من عينيّ، كيف يغادرون هذه الدنيا في سلامٍ هكذا..أولئك الشهداء.
إنّهم يتركون المرافئ في رعاية خالقها؛ وينسلّون لسباحةٍ تبدو عاديّة كأيّ يومٍ عاديّ، وحين يبتعدون كفاية ويغيب الشاطئ عن أنظارهم؛ يقطعون حبل المرساة في هدوء.. وينفلتون إلى الأبد، بابتسامة خالدة.

ذلك المزيج من الشجاعة، والتّوْق، والشغف والتوكّل.. يأخذهم إلى ما أعجز عنه.