Monthly Archives: مايو 2015

في صباحٍ كهذا..

إنّه ذلك اليوم الذي يكون فيه الطقس رائعًا أكثر ممّا تحتمله أنفاسك.
شمس الصباح تسطع بدفءٍ خجولٍ لا يريد حرق النسمات الباردة. تشعّ بلطفٍ يجعلك ممتنًّا للمعطف الخفيف. الأشجار الخضراء تبدو خضراء جدًّا؛ عطِرةً برائحةٍ مميّزة ليستْ لها.. إنّها رائحة غابة جبليّة من بلادك البعيدة.

أنت تبكي، تدرك ذلك حين تنتبه لشخصٍ يمرّ قربك.

تتذكّر يوم ولادة طفلكَ الأوّل في صباحٍ كهذا تمامًا. كيف حملتَه، أذّنتَ في سمعه، رائحتَه التي لم يغيّرها شيءٌ بعد. ترْقُب حمّامه الأوّل بشغفٍ وتوتّر، تقول لك الممرّضة ألا تتوتّر هكذا فهي تجيد عملها. وأنتَ تكاد تبكي.. لأنّك تدرك الآن كم قلبك ضعيفٌ تجاه هذا الكائن الصغير.

في صباحٍ كهذا؛ تعثّر طفلكَ في الشارع لأوّل مرّة بعد أسبوع من تعلّمه المشي. ومع أنّك كنت تمسك كفّه بأصابعك، لكنّه سقط سقطة أليمة. ركبتاه انخدشتا، وكذا أنفه. تحمله سريعًا وبذعرٍ لا تعرفه في نفْسِك تخفّف عنه. تعود به إلى البيت وأنتَ تحمله لأنّك تشعر بالرعب من فكرة سقوطه مرّة أخرى؛ تناوله لأمّه بتوجّس، تسألها أن تتفحّصه جيّدًا. ولعدّة أيّام لاحقة؛ تبقى محيطًا به بذراعيك كلّما خطا في البيت خشية أن يسقط مرّة أخرى.. حتى تتزن خطواته.

في صباحٍ منعشٍ كهذا؛ ذهبتَ معه بصحبة أمّه لحضور يوم الروضة الأوّل. وحين أردتما الانصراف، تعلّق ببنطالكَ وبكى وهو يشدّك. زوجتكَ تسحبكَ وتقول لك: لن يحدث له شيء، تعال.. قسّي قلبك شوي. لكنّك تعجز. تذهب هي وتبقى أنت. تتغيّب عن عملك عدّة أيام حتى يهدأ الصغير ويركن إلى الحاضنة التي تُعني به. وفي كلّ يومٍ حين تعود إلى البيت، يكون قلبكَ معلّقًا برؤيته بانتظارك خلف الباب إذ يسمع خشّة مفاتيحك. تتعمّد أن تضع المفتاح في الباب وترنّ الجرس، فيقفز محاولا فتحه من الداخل وهو يهتف باسمك مجرّدًا كصديقٍ قديم.

في صباحٍ أخضر جدًّا كهذا؛ كان يومه الأوّل في المدرسة، كنتَ تلقي على مسامعه النصائح والإرشادات طيلة الطريق: لا تسمح لأحدٍ أن يلمسك، أو يضربك، أو يسخر منك، أو يسيء إليك بأيّ شكل. أنتَ كبير وذكيّ ومحترم. إذا واجهتكَ مشكلة ما، لا تفكّر بالضرب كوسيلة للحلّ.. إنّه شكلٌ من أشكال الاعتداء. دافع عن نفسكَ بالصدّ، ولكن لا تضرب أحدًا. استمتع بوقتك وكن شجاعًا. لا تخجل أن تسأل عمّا لا تفهم. وكان يجيبكَ بالإيماء ويقاطعكَ مرّاتٍ وهو يشير إلى أشياء في الشارع، ويعدّ أسماء أولاد الجيران الذين سيكونون في صفّه.

وفي صباحٍ يعلن دخول الصيف رسميًّا كهذا الصباح؛ كنتَ تركض من عملكَ وقلبكَ يكاد يتوقّف عن عمله. لا تبعد عن مدرسته سوى ثلاثة شوارع، قطعتَها في ثوانٍ.. لكنّها لم تكن كافية. بين ركام الحجارة تفتّش؛ بأظفاركَ الدامية تنبش وهنالك من يساعدك. أخيرًا وقد مالتْ الشمس للغروب، يَخرجون بأجسادهم الطريّة واحدًا تلو الآخر، ما أجملهم.. غير أنّهم غارقون في نومة أبديّة. وبينهم تجده، تحمله وأنتَ تركض لا تدري إلى أين.. تريد أن تبتعد عن هذا الصخب. وكما كنتما وحدكما معًا دائمًا، أردت أن تكون وحدكَ معه الآن. أخيرًا.. لم تعد تقوى على الركض. فجلستَ على بقايا رصيفٍ؛ وجسده الساكن يجلس في حِجرك. تشدّ كمّ قميصك وتمسح وجهه ليشرق نظيفًا هادئًا.
الآن فقط؛ هدأتْ مخاوفكَ التي كانتْ تأكلكَ منذ ولادته، من أنّكَ لن تقدر أن تحميه من هذا العالم.
..
الآن تذكر هذا كلّه الذي كان، لأنّ صباحًا كهذا.. لا بدّ وأن يأتي بكلّ ما تريد نسيانه.
..
أنتَ تبكي؟ لا بأس. ولكن اسمح لي أن أجلس قربك وأبكي معك. هذا صباحٌ رائعٌ حقًّا، لا يصحّ أن تبكي فيه وحدك.

النفسيّات الحامضة، والبلاليع المسدودة!

بعض النساء يعتقدن أن الرجل يذهب كلّ يومٍ إلى عمله ويقضي وقتًا أطول بكثير من المقابل المادّيّ الذي يستحقّه، ويقابل وجوهًا عابسة، ويتعامل مع نفسيّاتٍ (حامضة)، ويحمل معه همّ المال والعيال ويعود به..يقوم بكلّ ذلك من باب الترويح عن النفس!

وبعض الرجال؛ يعتقد أنّ المرأة تستمتع بالحمل والإنجاب ونقّ أطفالها وقفزهم على الكنب ومشيهم على الحيطان، ويعاملها على أنّها هي التي اختارتْ الحصول على الأطفال. وكأنّها ذهبتْ لشرائهم من البقالة وهو كان متواجدًا بالصدفة، وقال لها وهي تطالعهم على الرفّ: إي ما اشبن شي.. اذا عاجبينك خديهم! وتكرّم بدفع قيمة الشراء فقط، ثمّ نفض يديه من الموضوع باعتباره قام بدوره.

وبعض النساء؛ تعتقد أنّ زوجها يذهب إلى عمله هروبًا من مسؤوليّاته في البيت. وفي الحقيقة هو يهرب فعلا.. كالمستجير من الرمضاء بالنار. هو هاربٌ من وجهها العبوس الذي يجعله يشتهي الراحة الأبديّة (الموت) كلّما رآه. وحين يتواجد في أيّام الإجازة؛ تعامله كمعاملة السيّاف لمرتدٍّ عن الإسلام!

وبعض الرجال؛ لسببٍ ما.. يبدو متأكّدًا جدًّا أنّ كل النساء يعشقن التفكير في الطبخ وممارسته، وجمع الغسيل وفرزه وغسله ونشره وطيّه وكيّه وإعادة ترتيبه في الخزانات. وهو يبصم بالعشرة أنّ موضوع تسليك البلاليع المسدودة في المنزل مهمّتها هي لا مهمّته، وأنّها تقوم بذلك مبتسمةً على سبيل التريّض!

المشكلة الوحيدة عند هؤلاء البعض من الجنسين، هو التعامل مع العلاقة الدائمة على أنّها شراكةٌ مقرفةٌ وقتيّةٌ ستنتهي يومًا ما. ويعيش كلّ من الطرفين على (أمل) اختفاء الطرف الآخر فجأةً ليحظى بحرّيته المزعومة.

لا أذكر متى سألتْني إحداهنّ عن كيفيّة معرفة الشريك المناسب. طبعًا سألتْني من باب الرأي الشخصيّ وليس الخبرة العظيمة. وقلتُ لها: شيئان، تخيّلي نفسكِ مع هذا الشخص بعد خمسين عامًا، فكّري أنّ هذا هو الوجه الذي سترينه كلّ صباحٍ وكلّ مساءٍ، وكلّ نزقٍ وكلّ نكدٍ وكل غضبٍ وكلّ مرضٍ، وكلّ لحظةِ صمتٍ لا يوجد ما يكسرها، هذا مشروع حياة.. قد يقصُر (لحُسن حظّك) وقد يطول (الله يعينك)، كوني جاهزةً لكلّ الاحتمالات . والأمر الثاني.. لا تتزوّجي من يقول إنّه يحبّك أو من تقولين إنّك تحبّينه، بل تزوّجي الشخص الذي يقدر أن يضحككِ مهما كنتِ غاضبة.
وهذه الإجابة تنفع للجنسين. طبعًا ما عدا أولئك الرجال الذين يذهبون لخطبة الأولى وهم يفكّرون في الثانية.. فهؤلاء لا يحتاجون نصيحة، بل (تنكة) بنزين وكبريتة وشخصًا (يولّع) فيهم.

حين أتكلّم مع بعض المتزوّجات؛ ألحظ أنّ هؤلاء يرفضن التمتّع بحياتهنّ ويرفضن التعلّم. يرفضن كلّ شيءٍ على أمل أن تحدث معجزةٌ ما؛ تغيّر الناس من حولهنّ، ولا تغيّرهنّ.
مفهوم التغيير عندنا مرتبطٌ بالصواب والخطأ فقط، وحين نقترب أكثر لندقّق على ماذا يعتمد قولنا إنّ هذا صواب وهذا خطأ؛ نجد المسألة عائمةً، ومزاجيّاتنا تتدخّل. وغالبًا؛ هو اختلاف المعايير التربويّة من بيئةٍ لأخرى. أشياء لا علاقة لها بالدين مطلقًا، وأحيانًا وبطريقة لَيّ الذراع تصبح مسائل دينيّة. وتكون المشكلة في أساسها مشكلة نقص عاطفة، أو نقص جرأة على اتخاذ القرار.

حسنًا؛ الآن صار بعض الرجال يدركون أنّ كثيرًا من النساء يمقتن الطبخ مع إجادته وبذل الجهد فيه، إنّ هذا يشبه تمامًا أن يدرس هو مجالا لا يحبّه أو يعمل في وظيفة يمقتها لأنّها الوسيلة الوحيدة لكسب رزقٍ محترم. هذا تقسيمٌ عادل. ولذا عليها أن تدرك أن قرفه من عمله وتشكّيه لا يعني كسله، طالما النتيجة النهائيّة حصلتْ.. تمامًا، كقرفها هي.
في النهاية.. أكل الجميع طعامًا شهيًّا بمال حلال.

مبدأ (تدفيش) الحياة صار قاعدة رئيسةً في أكثر العلاقات الزوجيّة التي أراها.
أمّا الأسوأ؛ فهو الإصرار على عدم الانفصال بتراضٍ؛ فإمّا انفصالٌ بصيغة الانتقام، أو بقاءٌ مع حربٍ مشتعلة بحججَ مختلفة؛ أبرزها وجود الأطفال الذين لا ناقة لهم ولا جملًا في صراع الديَكة هذا.

لم يعد أحدٌ راغبًا في التعلّم، ولا تطبيق ما يتعلّم.

تمنّيتُك،فنلتُ سواك

tamanaituk
في أسوأ حالاتي.
تدهشني تلكَ الرغبةُ ألّو:
أسمعُ صوتكَ في التوِّ
أنّي قادرةٌ -وبلا تفكيرٍ-
أن ْ أخترعَ الأسبابَ
لأتّصلَ بهاتفكَ
وأحادثكَ بأشياءٍ
ليستْ ذا بالْ.
أنّي أضحكُ للنكتةِ تحكيها؛
رغمَ سخافتها.
أضحكُ أيضًا؛
لو لمْ أسمعْها
يكفي أن تخطرَ في بالكْ
وكأنّي أعرف أفكاركَ قبلكْ.
.
كم تبدو الآن مُمِلًّا حقًّا.
.
(المجهول أمانٌ أكثرْ،
يُبقينا ضِمنَ فضولٍ صحّيٍّ
يحفظُ رغبتنا
في الاستمرارْ).