Monthly Archives: يناير 2016

قالتْ لي العتمة

..وكان السؤال الذي ارتسم في عتمة الغرفة منسابًا مع دمعي الساخن الصامت:
“لماذا نصرّ على استجلاب ما يثير أحزاننا الكامدة؟”

لم أكن أدري وأنا آوي إلى فراشي بالأمسِ قرابةَ منتصفِ الليل بعد نهارٍ طويل؛ أنّي سأفتح نافذةً من البكاء تُغرِقُ روحي، إذ أفتح نافذةَ الغرفةِ لتهويتها قليلا.

كان الطقس كامدًا بالخارج رغم نفخاتٍ متتابعةٍ من الهواء البارد، لكنّها محمّلةٌ بالرطوبة الثقيلة، ما أشاع دفئًا غريبًا لا علاقة له ببردِ ينايرَ ولا الليلِ المتأخّرِ ولا الدرجاتِ الخمسِ المئويّة.
فتحتُ مصراعَ النافذة الأقربِ لسريري بشكلٍ أفقيٍّ على وِسعه، واستلقيتُ منتظرةً تذوُّقَ طعم هواء الليل البارد الذي أحبّه.
لكنّي لإرهاقي غفوت.. ربّما ثانيةً أو جزءًا من الثانية، ثمّ فتحتُ عينيّ، أو هكذا ظننتُ..
وسمعتُ صوت ضحكٍ وسعالٍ وأحاديث من الشارع، أشخاصٌ يمشون.. ألقيتُ نظرةً على الغرفة المعتمة إلا من ضوء الشارع الأبيض البعيد، الخزانة الخشبيّة، نور الساعة الإلكترونيّة، صوتُ حفيفِ الشجر ونفخُ الريح كلُهاثٍ ضجِر، كلّ شيءٍ في مكانه تمامًا.. أنا فقط؛ لستُ هنا.

العتمة الجزئيّة قالتْ لي إنّ مصراع النافذة خشبيٌّ مطليٌّ باللون البنّي، وإنّ الأصوات التي سمعتُها تأتي من الطابق السفليّ حيث يجتمعون، وإنّ هذا هو أيلول الذي لا يُمطر ولذلك أحسّ الرطوبةَ الثقيلةَ المنعشةَ معًا، وإنّ الشجر الذي أسمع حفيفه هو السّرْوُ في الحديقة الشرقيّة، وإنّي لو التفتُّ قليلا تجاه النافذة على مهلٍ فسأرى البومة التي تقف هنالك بعينيها الكبيرتين.
قالتْ العتمة أيضًا إنّ هذه فرصتي كي أنهض وأفتح مصراع الشرفة التي لا يجلس فيها أحدٌ إلا نادرًا، وآخذ نفَسًا عميقًا من الوحدة والهدوء والسكينة، وأنا أنظر إلى شرفة منزل أهلي في البناية المقابلة، منزلهم الذي لا أعرفه لأنّ عُصبة السُّرّاق التي سرقتْ الوطن كلّه؛ اغتصبتْ بالجُملة حقّ ملكيّته من قبل أن أُوجد في الحياة.
قالتْ العتمة إنّي لو أغمضتُ عينيّ أكثر قليلا سأكون هنالك زمنًا أطول، وسأحفظ تفاصيل أكثر، قد أتذكّر مثلا عدد الأدراج في الخزانة الخشبيّة عند باب الغرفة، تلك الخزانة التي كنتُ أفتح دُرجها الأوّلَ خِلسةً من جدّتي وأتفرّج على أمشاط الشعر.. لعلّني أنتقي مرّة أخرى مشطًا مزهّرًا كذاكَ الذي أعطتنْي إيّاه.
قالتْ لي العتمة أشياءَ كثيرة؛ ولم تنتبه إلى دمعي الذي راح يقطر تِباعًا بصمتٍ كصنبورٍ ينقُط على منشفة. ولم ترَ السؤال الذي ارتسم في الفضاء:
“ما هي الحقيقة التي كانتْ؟ وما هي الحقيقة التي ستأتي؟ أيّهما أفضل لي: أن أتذكّر أو أنسى؟ من يقرّر ذلك إذا كنتُ لا أعرف كيف أقرِّرُه؟ ولماذا.. لماذا نصرّ على استِجْلاب ما يُثير أحزانَنا الكامدة؟”

أغلقتُ النافذة، وأغلقتُ المِصراع الكهربائيّ مانعةً آخرَ بصيصِ نورٍ من التسلّل، قلبتُ وسادتي وجعلتُ المبتلّ منها بعيدًا عن وجهي، تشرنقتُ بلحافي.. وتلوتُ أذكاري، وتأكّدتُ من إغلاق عينيّ جيّدًا.

الآن أنام.. أنام كجنينٍ في رحم أمّه.. يرفس بقدمه متعجّلا الخروج، يريد أن يعرف ما وراء العتمة، ولا يدرك أنّ تلك المعرفة ستأخذ منه حياةً كاملة!

اكتُب أحزانكَ كيْ

اُكتُبْ أحزانكَ
كيْ
تُفرِغَ بعضًا من ألَمِكْ
لا تنطق شيئًا
لا تحْكِ
لا تسرُدْ قِصّتَكَ لأحدٍ
لن يفهمَ ما بكْ!

لم يُخلَقْ بعدُ
من يفهمُ أحزانكَ؛ مِثلكْ.

لا تُخبرني
فأنا عاجزةٌ عن عَوْنِكْ
عن حَملِ الهمِّ معكْ

لا تمْنَحني شرفَ الصُّحبَةِ
إنَّ طريقي مخْتَلفٌ
وستُكمِلُ دربكَ وحدكْ!

فتهيَّأْ لِلْوِحدةِ، لَو تدري
ليستْ سيّئةً جِدًّا..

وستعتادُ الشكوى
للخالقِ دَوْمًا،
وستمضي في الدنيا
كالموجةِ.. فاخْتَرْ
أنْ تنحِتَ صخرًا
أو تمسُدَ رملًا
أو تغدُوَ قبرًا يبتلعُ الغرقى.

اِختَرْ ما تصنعُ
لكنْ
لا تخبرْ أحدًا بنواياكْ
وافعَلْ واصْمِتْ
وابقَ وحيدًا..
في صُحبةِ نفسِكْ.

سمّوكة الصغيرة ونانا

كان يفترض أن تخرج هذه القصّة للنور قبل عامٍ من الآن. لكن الله يعلّمنا أنّ لكلّ شيءٍ أوانه.

وبعد محاولات عديدة وطويلة لتسويقها، لم أصل إلى نتيجة. فقرّرتُ نشرها هكذا، لأنّ الغرض منها أن تُقرأ، لأطفالٍ في عمر ابنتي، التي تنتظر قصصًا أخرى ما زالتْ قيد الإنشاء.

أتمنّى أن تصلوا إلى الصفحة الأخيرة من القصّة، وأن تكون ضمن القصص المفضّلة لأطفالكم. :cloud: 

هنا، لقراءتها على المدوّنة arrow-down

Sammookah_PDF

ومن هنا،  لتحميل القصّة وطباعتها بدقّة عالية من موقع Lulu للنشر الإلكترونيّ.