Monthly Archives: فبراير 2016

لماذا وضعوا الرصيف؟!

#صفية سألتْني فجأة في الطريق إلى المدرسة: ماما هاد ليش حطّوه هون؟
– إيش؟
* هاد الحجر..
وهي تشير بطرف إصبعها، نظرتُ لأفهم أيّ حجر فلم أعرف! لم أرَ أيّ حجر مميّز في الطريق. كرّرتُ سؤالي وأنا أتوقّف عن المشي: بنتي ما عرفت أي حجر..
أجابتْ بحدّة ونفاد صبر: هاااااد ، وهي ترفس الرصيف بقدمها!
ثوانٍ واستوعبت: قصدك هذا الرصيف الذي نمشي عليه؟
* إي..
الحقيقة إنّي بوغتُّ بالسؤال! وتلعثمتُ قليلا.. كنتُ أعتبر الرصيف أمرًا (بديهيًّا) في الشارع.
– حطّوه حتى يتميّز طريق المشاة عن طريق السيّارات، لو لم يكن هنا رصيف لصارتْ السيّارات تقف هنا ولما وجدنا طريقًا آمنًا نمشي عليه. هل أجبتُ سؤالكِ؟
ابتسمتْ وقالتْ: إي..
ابتسمتُ لها:- جيّد.
ولكنّي حين تابعتُ المشي كنتُ أفكّر: في حياتي كلّها لم أسمع طفلا يسأل عن الرصيف! عن الأشياء التي يعتبرها الأطفال (عاديّة) باعتبارها موجودة. لكن من قال إنّ #صفيّة عاديّة؟!.
إنّها ترى الدنيا وكأنّ في عينيها شيئان: مجهر، وتلسكوب. هي ترى أشياء صغيرة جدًّا، وأشياء بعيدة جدًّا، وكلّها مميّزة جدًّا، لكنّها غالبًا تغفل عن الأشياء الواضحة جدًّا، ربّما لأنّها أشياء (عاديّة) و(مملّة) جدًّا!

ما زلتُ أحارب نفسي، وأحارب المدرسة.. كي لا نحوّلها طفلا (عاديًّا).

* أعمالها الفنية من الشهر الفائت. طبعا هذه رسوماتها في البيت، تذهب وتجلس إلى المكتب وتعمل وحدها ثم تأتي إليّ وتريني.

20160119_121844 20160119_121848 20160119_121858 20160119_121903 IMG_20151211_163531

مجدّرة!

زوجي يحبّ المجدّرة، يعزّ هذه الأكلة كثيرًا. ولذا وكلّما (احتستُ) في موضوع الطبخ الذي أعتبره (مطبّي) الوحيد كربّة منزل، إذ إنّي أتقنه ولكنّي لا أحبّه.. أقوم به كواجبٍ ثقيل.. أقول كلّما عجزتُ عن تحديد نوع الغداء ليومٍ ما، طبختُ مجدّرة.

ولكنّي في كلّ مرّة أقف لأطبخها أضحك مع نفسي، ذلك أنّ ذكريات المجدّرة أقدم من عمر زواجي بكثير.
في بيت أهلي -وكوني البنت الوحيدة- كنتُ وما زلتُ مدلّلة. ومع إنّي كنتُ أقوم بكلّ المهام المنزليّة بالتنسيق بيني وبين والدتي أدام الله عليها الصحّة، إلا إنّي كنتُ أجيد الهروب من الطبخ، وليس من المطبخ. بمعنى.. حلو على قلبي أنفض المطبخ تعزيلة ولكن لا أطبخ، وأتعامل مع الغِذاء كما تتعامل السيّارة مع البنزين! أعتبر الطعام وقودًا لا بدّ منه لتشغيل ماكينة الجسم.
ولأنّ طبخ والدتي أكرمها الله لا يُعلى عليه ولا يُمدح سواه بحضوره، فقد جعل هذا ذائقتي عالية كذائقة أهل البيت جميعًا.. واعتدنا على الطيّب اللذيذ الشهيّ.

وحدث مرّةً أن سافرتْ أمّي لتقديم دورة تدريبيّة ليومين، وكنتُ في عامي الجامعيّ الثانيّ. ولأنّ الوالد -رحمه الله- موجودٌ في البيت، وأخي مؤمن أيضًا، قلتُ لا داعي هذه المرّة أن يحضروا طعامًا من السوق، خلص عيب يعني.. وذكرتُ ذلك لابنة خالي التي كانتْ تدرس معي ونترافق في طريق الذهاب والإياب، وكانتْ وما زالتْ عاشقةً للطبخ وتتفنّن في إعداد الطعام. فقالتْ لي: بما إنّكِ ستعدّين الطعام بعد الرجعة من الجامعة، أعدّي شيئًا سريعًا لا يأخذ وقتًا. واقترحتْ المجدّرة. وذكرتْ لي باختصار كيف تُعَدّ. طبعا كانتْ مجدّرة الرزّ لأنّها المقبولة أكثر في بيتنا، ولأنّي أعرف كيف أطبخ الأرزّ، وبالتالي الطبخة كلمتين ونصف وخلصتْ.
وكان ذلك.. رجعتُ إلى البيت وغيّرتُ ثيابي ودلفتُ إلى المطبخ لأعدّ المجدّرة، وجهّزتُ السلطة، ووضعتُ الطعام، وجاء أخي مؤمن وجلسنا مع أبي وبدأنا نأكل.
أبي كان سعيدًا جدًّا أنّي طبخت، ولأنّي كنتُ مدلّلة عنده فما كان ليقول شيئًا. وكنتُ أشعر ونحن نأكل أنّي لم اصبر كفاية على العدس، فكان الأرز كامل الاستواء بينما العدس قاسيًا نوعًا ما. لكنّنا أكلنا بأيّة حال.. ولم يعلّق أحدنا على الأمر.
وقبيل انتهائنا من الطعام، وبين الكلام قال أخي مؤمن بنبرته الهادئة المحايدة المعتادة: ما إشبا شي مجدّرتك.. ذكّرتْني بطبخ الجيش..
وبين ضحكي قلتُ له: لا ياااااا.. وضحك أبي..
ولمن لا يعرف معنى (طبخ الجيش) فالمقصود هو طعام المجنّدين الذين يؤدّون خدمة التجنيد الإجباري في الجيش السوريّ، وبما إنّ أخي مؤمن هو الوحيد بين أشقّائي الذي أدّى تلك الخدمة العسكريّة، فقد كان خبيرًا بالعدس الذي لا يُهضم!

لا أذكر إنّي طهوتُ شيئًا بعد ذلك في بيت أهلي، ولا حتى بعد زواجي.. فكلّما ذهبتُ لزيارتهم أذهب (لأتدلّل) وآكل من طبخ أمّي. لكنّ جملة أخي (تنطّ) أمامي كلّما وقفتُ لأطبخ المجدّرة.. وأضحك لنفسي، وأدعو له: يسعد قلبك أمّون.. الله يعطيك حتى يرضيك.

* تنويه له: إذا كنتَ ستكتب في تعليقك أنّ طبخي حتى بعد هذه الأعوام ما زال يشبه طبخ الجيش، فقد كتبتُه لك.. لا تتعذّب :)