برميل الأسى!

قليلو البكاء..لا يقدرون غالبا على شرح أسباب دموعهم المفاجئة. يعتقد من حولهم أنهم يمرون بظرف سيء، أن حادثا وقع لهم، أنهم مرضى جسديا أو نفسيا.. يريحهم هذا الاعتقاد لأن هؤلاء الآخرين يبكون غالبا بشكل عاديّ مرتبط بأسباب منطقية واقعية للبكاء. وحين يلتقون بشخص من النوع الأول، يرتبكون من تماسكه في مواقف البكاء المعتادة، ثم يرتبكون أكثر من فيض دموعه التي تغرقهم في مواقف ليست مواقف أصلا.
أنا من النوع الأول.. هنالك ذلك البرميل من الأسى في داخلي، الذي أحاول منعه من الامتلاء بدلا من اختراع طريقة لتصريف ما بداخله باستمرار. وهذا البرميل حين يمتلئ رغما عني، سيطفح ويتكبكب، حتى أستجمع قوّتي..فأنحني وأدلقه دفعة واحدة.
برميل أساي ممتلئ منذ بضعة أسابيع.. يرشق يمنة ويسرة.
الرجل العجوز التائه الذي أوقفني في الشارع قبل يومين ليخبرني أنه لا يذكر أين ترك سيارته ويسألني عن العلامات التي يذكرها أين يمكن أن تكون..وأنا في طريقي لإعادة بناتي من المدرسة، سكب في برميلي دلوين فبكيت عندما غادرتُه. عبرت معه الإشارة وأرشدته قدر استطاعتي وهو لا يذكر اسم الشارع حتى..عرضت عليه أكثر لكنه رفض وشكرني جزيلا.
منشور في الفيسبوك أفاض عليّ أسى، يحكي قصّة شهيدة كانت تعمل في جمعية لرعاية الأيتام في حلب، أقرأ التفاصيل وأنا أدعو: يا رب ما تكون هي. يا رب ما تكون هي الأخت التي كلمتني قبل عام أو أكثر وتواصلت معي عدة مرات ثم أهدتني فرصة الكلام لنصف ساعة مع مكفولتي (شهد) التي كانت في بداية صباها ولم تغادره أبدا.. إذ انقطعت أخبارها قرابة شهرين لأعلم لاحقا أنها استشهدت في القصف، لحقت بأبيها الشهيد.
ثم هناك ذلك الخاطر الملحّ يبتزّني لأقلب البرميل.. إنه عن الذي أبكي عندما ألتقيه، وأبكي عندما أودّعه، وأبكي بعد وداعه لأني لا أدري متى ألتقيه مرة أخرى، وأبكي بعد لقائه لأني قلقة من وقت الوداع. أخي..وشطر روحي، وكيف إذا لم يكن شطرا واحدا وإنما أجزاء معلّقة بروح كلّ واحد منهم.
..
ها قد سكبتُه، ها قد أفرغتُه.. برميل أساي لا تفرغه إلا الحروف المنسابة من يدي.. تنقط معها الدموع من عينيّ تباعا كصنبور نسي طفلٌ عجولٌ أن يغلقه بإحكام.