حالة السلحفاة.

حالة (السلْحَفاة 1) مستمرّة معي.
أعني بذلك الجانب السلبي من السلحفاة الكريمة.. وهو جانب البطء الحركيّ لا التروّي، والثِّقل الذي لا يشبه الرزانة في شيء.
أشعر أنّي بطيئة في الإنجاز.. في التفكير.. في الحركة. يراودني الحزن كلما رأيتُ سلحفاة! أقول ذلك جادّة.. لا أدري لماذا يذكّرني وجهها بوجه امرأة عجوز وحيدة لا أحد يسأل عنها، وتحمل هموم سنواتها الكثيرة فوق ظهرها أينما ذهبتْ.. وحين تقرّر أن تستلقي فوق همومها وتطالع أشعّة الشمس البهيّة، يكون ذلك عذاباً بالنسبة لها ويكاد يخنقها ذلك الثقل المشدود إلى ظهرها إذا لم تجد طريقة سريعة للانقلاب بحيث تعود إلى وضعها الطبيعيّ: هي تحت، والهموم فوقها! والتعبير الاجتماعيّ الوحيد الذي تستطيع ممارسته هو الاختباء داخل درَقتها الصلبة.
أشعر بالحزن حين أرى السلاحف على شاشة التلفاز: هي دائماً ذاك المخلوق المثاليّ المثابر الذي يصل نهاية السباق قبل الأرنب.. لكنه لا يستمتع أبداً بالتمشّي والتلهّي وأكل العشب. أو هو سلاحف نينجا سخيفة لم أكن أطيقها في طفولتي. أو هي مشهد من برنامج طبيعي يصوّرها مع موسيقى وثرثرة علميّة ما ولا يرى منها أكثر من كائن يتكاثر.
أشعر بالحزن.. لأني أحسّها تختنق تحت ثقل الهموم، ولا أسمع صوتها تشتكي! الصمت الدائم حزنٌ لا علاقة له بالحكمة. ربّما كانت تبكي حين تختبئ في درقتها. لماذا تختبئ لتبكي؟.. ربّما -حتى السلاحف- لديها كرامة و(عزّة نِفس)!

هل تبكي السلاحف حين يبكي صغيرها لمجرّد أنها ذاهبة في اتجاه آخر وهي تقسم أنها عائدة؟ هل تبكي وهي تسمع صوت صغيرها آتياً إليها في الليل متسلقا الفراش مندسّاً تحت الأغطية ملتصقا بها، رائحته في أنفها، دفء جبينه يلامس ذقنها، ومع هذا تحسّه ينسرب من بين يديها ولا تملك أن تمسكه؟
لا أدري.. هل تبكي السلحفاة حين تشتاق لأمّها أو لإخوتها؟
هل تبكي السلاحف حين تتوقّف وتنظر إلى الطريق الطويل الذي رسمته أثناء مشيها، تمحوه الرياح والماء؟
هل السلحفاة حزينة حقا ومثقلة بالهموم؟
..

.

..أشكّ أنّ بكائي كان حزناً على السلحفاة.

Notes:

  1. * يصرّون في افتح يا سمسم أن يقولوا: سُلَحْفاة، مع أنّ العباب الزاخر يقول إنّ فيها ستّ لغات في النطق من ضمنها سُلحَفَاة كما تعوّدنا نطقها.

4 responses to “حالة السلحفاة.

  1. :smile:

    ما أروع هذا النص…
    أمتعني جدا..

  2. لبابة.. أفنان..
    شكراً للقراءة/المشاركة/التفاعل والتعقيب.

    دمتما بخير :ward: :heart5:

  3. أعجبني جدا في البداية ..
    وصف السلحفاة العجوز التي تحمل همها فوق ظهرها .. ولا تشتكي
    لكني وددت لو لم تكمليه حتى نلتقي ..
    لعلي أتمكن من الرد على شوق السلحفاة لأمها وإخوتها
    وثقي أنه لن يبكيها ضياع الجهد في رسم الدرب الطويل ..وإن محت آثاره الريح والماء .. .. لأنه سيبقى عند من لا يضيع لديه العمل والرجاء :heart7:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.