إنهم لا يريدون الموز ولا الدونات!*

اليوم.. في (مركز التسوّق) القريب من بيتي؛ تناولتُ من أحد الأرفف علبة بلاستيكية شفافة، تحوي أربع قطع من (دونات 1الشوكولا) الكبيرة. دفعتُ ثمنها الزهيد (يورو وثمانون سنتا) مع بقية الأغراض واتّجهتُ إلى بيتي.
في طريق العودة سيراً على الأقدام، ابنتي جالسة في عربتها التي أدفعها، مرتدية ستّ قطع من الملابس الشتوية الثقيلة، تشعر بالدفء والراحة وتبدأ تغفو. أتوقّف قليلا وأنحني أزرّر معطفها جيّداً، أشدّ قبّعتها الصوفية على رأسها، وأتابع سيري.

لا أدري هل لأنّني صرتُ أمًّا، أم لأسباب أخرى.. صار قلبي يوجعني أكثر حتى أشعر أنّه تحوّل كتلة ألم قابعة في صدري، وصارتْ دموعي سريعة لا يمنعها الخجل من البكاء علنًا، وصار غضبي أكبر.
لا أدري.. هل أنتَ لا ترى ما نراه؟!، فالذي خلق في صدورنا هذه القلوب التي تذبحُها كلّ يوم؛ هو الذي خلق في قلبكَ صدرًا يبدو أنّ مهمّته الوحيدة هي ضخّ الدّم!

كان هنالك فقراء، وأغنياء، وطبقة (مستورة وماشي الحال) في بلادي.
اليوم؛ صارتْ بلادي: أثرياء بالنصب والنهب، مهاجرون/مهَجَّرون، ومُعدَمون.

في يوم العيد؛ كدتُ ألطم ضيفتي السوريّة الجالسة إلى مائدة غدائي حين قالتْ: إنّ الذين ثاروا في سورية هم من الفقراء الذين لا يجدون ما يقتاتون به. ثمّ أدركتُ أنّ اللطم لن يفيد في فتح فهمها؛ بل سيفتح رأسها فقط وننتهي جميعًا في المشفى القريب.

سورية أخرى تقول إنّ الثورة زادتْ الفقراء فقراً، ولم يكونوا بحاجة لفتح هذا الباب، فلم يتضرّر أحدٌ سوى المساكين الذين انقطع قوتهم وعملهم، وتوقّفتْ مظاهر الحياة عندهم منذ ثمانية أشهر حتى الآن.

بعد محاولات نقاش عديدة مع هذه النماذج؛ صرتُ أكتفي بالصمت.. لأنّ الحوار عن روعة انعكاس ضوء الشمس على قطرة الندى مع شخص (أعمى)، شبه مستحيل.

الفقراء في بلادي… ماذا تعرف أنتَ عنهم يا ابن عُصبة السُّرّاق؟
لن أخبرك أحوالهم، فهم كانوا أمامك لعشر سنوات خلتْ، وكانوا أمام من خلّفك لثلاثين سنة، لكنّكم (عميان) بالإرادة لا بالولادة.
سأعطيكَ لمحة عن (فقراء) ألمانيا: إنّهم يتلقّون معونة من الحكومة، وهي ملزمة بتوفير سكن لهم طالما هم من رعاياها، ولكلّ فرد منهم تأمين صحّيّ إلزاميّ. أطفالهم يذهبون للمدارس، وتتكفّل الدولة بثمن معظم أدويتهم طالما كانوا تحت الثانية عشرة! يستطيع أهاليهم أن يوفّروا لهم ملابس الشتاء المبطّنة اتقاء للبرد، ويشتروا لهم الشوكولا والجيلاتين ودرّاجة. وإن كان أحد الأطفال يعاني إعاقة ما، فحدّث ولا حرج عن عدد الأخصّائيين الذين سيعرض عليهم، والعلاج الذين سيتلقّاه.. وكلّه على حساب الحكومة. كلّ هذا وتستمرّ الحكومة في محاولة توفير فرصة عمل لربّ العائلة.
(الفقير) في ألمانيا قد لا يجد سقفاً يسكن تحته في حال من اثنتين: إن كان مدمن كحول أو مخدّرات لا يفيق من وعيه ولا يستطيع بالتالي تدبّر شؤونه، أو كان مقيماً بصورة غير شرعية على أرض البلاد.
ولمعلوماتك التي ما عادتْ تفيدك؛ حين أسير في الشارع، لا شيء يميّزني عن فقراء هذا البلد مع أنّي ولله الحمد والمنّة لستُ منهم، ولا شيء يميّز أغنياءهم عنّي إلا (ماركات) ملابسهم، والمكان الذي يشترون منه أثاث منازلهم وعربات وألعاب أطفالهم!
(الفقير) في ألمانيا لا يعرف بيت الصفيح، ولا يدرك كيف يعيش الإنسان بلا تدفئة في الشتاء، ولم يسمع باختراع اقتسام فنجان القهوة وقطعة الخبز مع عشرة أشخاص، منذ الحرب العالمية الثانية!

تبّاً لك.
كيف جعلتْ أبناء بلدي يصلون لمرحلة تجزئة (كيلو البرغل) على عائلتين كلّ واحدة منهما تطعم ستّة أفواه أو أكثر!

تبًّا لك ولأمّ ربّتك.
إذ لم يكفِ تهجير أهالينا من البلاد من ثلاثين سنة، وشعور الغربة الذي يقتلهم كلّ يوم، لتقتلنا الآن بشعورنا بالعجز والقهر أمام دموع أمّهات الشهداء؛ لأنّنا لا نستطيع أكثر من الكلمات.

يحكي لي زوجي الذي شهد اتّحاد الألمانيّتين في طفولته، مظاهر الدهشة الكبيرة لأهالي ألمانيا الشرقيّة حين دخلوا ألمانيا الغربيّة، وشاهدوا الموز لأوّل مرّة في حياتهم! وكان أطفال الغربيّة يسخرون من قرنائهم، حين يميّزون من لهجتهم أنّهم من الشرقيّة، بقولهم: هل شبعتم موزًا أم ليس بعد؟ كناية عن أنّ أقصى غاياتهم كان أن يعرفوا طعم الموز. الآن.. لا أظنّ طفلا ألمانيًّا لا يعرف الموز شكلًا ولونًا وطعمًا.
كثير من أطفال بلادي أيضًا يعرفونه، بالاسم فقط.. ومن صور التلفاز! 2.

الفقير في بلادي، من أربعين سنة خلتْ.. يزداد فقرًا. ما عاد في بلادي طبقة (كادحة متوسّطة) بإمكانها توفير (بعض) الرفاهية لأطفالها. يمكن أن نقول صارتْ هنالك طبقتان فقط: طبقة لا تعرف شكل شيء اسمه الموز، وأخرى ترمي الموز في القمامة حين يبدأ لون قشره بالتغيّر إلى الأسود لأنّهم لا يأكلونه إلا أصفر زاهيًا!
الفقير في بلادي، لا يعرف ما هي دونات الشوكولا التي ابتعتُها أنا اليوم دون تفكير سوى أنّي اشتهيتُها، وأنّ ابنتي تحبّها.

لكنّ هذه المعلومات لن تفيدك، لأنّك تصرّ على عدم الفهم، وتعتقد -تجاهلًا وغباءً معًا- أن الثورة في بلادي هي ثورة جياع، فقراء.
هم جياعٌ بلى.. للحرّيّة، وهم محتاجون بالتأكيد.. لإنهاء مظاهر وجودكَ من حياتهم! لكنّهم ليسوا فقراء للكرامة والإنسانيّة مثلك!

لكنّ الذي لا تفهمه، وتصرّ ألا تدركه، أنّ فقراء بلادي يريدون إعدامك.. ليس لفقرهم، وليس لأنّهم لا يملكون مصالح مشتركة معك ومع عصبتك كما حال أغنيائها، ولا لأنّهم يريدون رؤية الموز والدونات والمعاطف المبطّنة..
إنّهم يريدون إعدامك؛ لأنّك جعلتهم يدورون في متاهة (اللقمة والستر) لسنوات، بينما تسرق أنتَ وعصبتكَ كرامتهم/إنسانيّتهم/وجودهم بأكمله، وتحسب أنّك تمسكهم من اليد التي توجعهم، إذ تهدّدهم بتجويع أطفالهم.

أطفالهم الذين كانوا أوّل الهاتفين بسقوطك.. ما ضرّهم شيء اليوم، فهم شهداء.. أبناء شهداء.. إخوة شهداء، في جنّة لا يعرفون فيها جوعًا ولا بردًا.

لقد تصرّفتَ كأنّهم ليسوا موجودين أصلا، وكأنّهم لم يُخلقوا..

اليوم.. هم أيضًا يتصرّفون ببساطة: يتظاهرون، فيصعد منهم شهداء.. فيخرجون لزفاف الشهيد، فيصعد شهداء جدد، ويتجدّد نسيم الحرّية في نفوسهم، فيتظاهرون مجدّداً، فيصعدون شهداء.. ويحسّون حلاوة الكرامة ويخرجون لزفاف الشهيد… وما زلتَ لا تفهم.

إنّهم يتصرّفون ببساطة كأنّ قنّاصتك ومجرميك ودبّاباتك ليستْ موجودة، وكأنّها لم تُخلق.
وسيتصرّفون ببساطة متناهية أيضًا حين سيسقطونك، و..(يِحسْبوا الله ما خلقك!).

Notes:

  1. الدونات Donuts: فطائر حلوة مقلية.
  2. “بطرف عيني رأيت من ضمن مارأيت طبقا من الموز. وكانت قد مضت أكثر من ثمان سنوات على عدم وجود موزة واحدة في الأسواق السوريّة. في إحدى المرّات أقسمت لي معلمة ابتدائي بأن طلابها لايعرفون تسمية الموز عندما يرون صوره في الكتاب!” د. وفاء سلطان.

5 thoughts on “إنهم لا يريدون الموز ولا الدونات!*

  1. رائعة كالعادة كتاباتك جمان ومعبرة ….فهي ليست ثورة الجوع والفقر فحسب !!! وانماهي ثورة الحرية والكرامة والانسانية ايضا …والله لاانسى ابدا خوفي في مطار حلب من موظف الجوازات حين يبدا بتمرير المعلومات على الكمبيوتر امامه ليعرف ان كنت استطيع السفر او امنع ؟؟؟هكذا بدون سبب طبعا ولايحق لك السؤال لم ؟؟؟.هل هذا طبيعي ..فالبرئ الذي لم يفعل شيئايجب الا يخاف من شئ الا في سوريا !!! فامين الفرع وربما اصغر موظف امن او اي شخص متضايق منه (ويملك ثمن ذلك )يصبح له الحق ان يلحق به اي تهمة ويسجنه الا ماشاء الله…..
    ندعو الله ان ياتيينا بالفرج القريب وتنعم سوريا وسائر بلاد المسلمين بالامن والسلام .. اللهم عجل لنا ذلك


    • أعتقد أن هذا الشعور بالمهانة، وأنني عرضة لنظرة حقيرة من موظف ما.. هي ما جعلني أختار الاستغناء عن زيارة البلد. ترى.. كم سأحتاج من الوقت -بعد انتصار الثورة بإذن الله- لأستعيد ثقتي ببلدي؟


  2. رعاك ربي يا ابنتي وحماك في غربتك ..
    وأنار دربك وأسال قلمك
    أسعدتني وأبكيتني معاً, ومع كل حرف كنت أقرؤه .. كنت أردد لنفسي : ما ضاع الحلم بإذن الله
    وستكون سوريا بإذن الله البلد الطيب الآمن المعطاء لكل أبنائها
    فقط أسأل الله أن يعجل بالنصر

    :heart:


  3. تعليقات وصلتني عبر البريد الإلكتروني:
    * أملودة: السوريون يريدون سويسرا اسمها سوريا حدا اخو مراقهم !!
    وفعلا اذكر السنة التي فتح فيها المجال لاستيراد الموز كانت اعجوبه ، إضافة إلى ان السوريين المقيمين في سوريا لا يعرفون المانجا ويسمون غيرها من الفاكهه باسمها !!! لك الله يسطفل فيه
    وأشهد لك بطول البال يعني مو بس مالطمتيها كمان غديتيها!! عن جد فهيييمه طيب الثوار فقراء شو يعني ؟!!بدهم يصيرو اغنياء مابيطلع لهم مالهم حق يعيشو بكرامة يشوفو الدنيا !! كمان الله يسطفل فيها!

    نادية: أشكرك يا جمان على المقالة المعبرة ولا فض فوك.

    خالة نرمين: أشكرك يابنتي على تدوينتك المحزنة الجميلة
    التي جعلت قلبي يبكي
    كلامك بليغ وأسلوبك نافذ و سلس
    لايشغل بالك أمر المتحكم في حياة أبناء جلدتك
    إنه هو وأمثاله من المصريين واليمنيين والليبيين والتونسيين مصيرهم معروف، وسوف نراهم يوم الحساب ثم نحمد الله أننا لم نكن منهم ولا معهم ولم نعمل من أجلهم
    فاصبري يابنتي وانصحي أبناء جلدتك بالصبر الجميل
    أتمنى لك أن يأذن الرحمن وتعودين لبلادك الحبيبة
    لتساهمي في إعادة نهضتها بعد ما يزول الحكم الجاثم على صدرها، وهو زائل لامحالة ولو بعد حين
    ألم يذهب من كان قبله؟؟؟
    الحياة إلى مآل، والدنيا إلى زوال، فهل يجدي السؤال
    أو حتى جواب السؤال؟؟؟
    جزاك الله خيرا وحفظك أنت وطفلتك.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.