الصلاة، بين جدّة وهامبورغ.

أذكر الأيام التي كنّا نسافر فيها إلى بيت خالتي في (جدّة) منذ طفولتي المبكّرة.. وحتّى الآن بعد زواجي، ما زالتْ تستقبلنا هي وزوجها بصدر رحب واحتفاء لا حدود له. وأكثر ما أفكّر فيه حين أتذكّر مواقف (زوج خالتي) معنا، توجيهه التربويّ رغم أنه لا يملك سلطة تربوية مباشرة علينا، فنحن أبناء بنات حميه. ومع ذلك فقد كان نظامه التربويّ يمشي بالعدل على كلّ من يدخل البيت حتى لو كان ضيفاً.. رغم إكرامه وتدليله لنا. فمثلا؛ كنّا ننام في بيت أهلي في العاشرة، وحين كنا نذهب لزيارتهم كان لا بد أن نأوي لفراشنا في الثامنة (طبعا لم نكن ننام وكان يعرف ذلك ويمرّ يدقّ على الباب المغلق وهو ينبّهنا كي لا نزيد في السهر)، لكنّ سعرنا بسعر أبنائه وبناته في الثواب والعقاب على السواء.
وأكثر ما أذكر هو موضوع الصلاة، فحتى حين كنّا دون سنّ التكليف، كان يذكّرنا دائماً ويتابعنا في الصلاة، الشباب إلى المسجد لصلاة الجماعة، والبنات في البيت، وحتى صلاة الفجر. بالتأكيد كنّا (نزوّغ) ونراوغ ونفوّت من الأوقات ما الله به عليم، وكنّا نتضجّر ونتأفّف وخصوصًا حين نصحو من نومة العصر وتكون أخلاقنا ونفسيّاتنا (عظيمة!). ومع أنّ أمّهاتنا معنا؛ وأهلنا أصلا يتابعوننا في الصلاة في البيت، أي أنهم ليسوا مقصّرين.. فلا أذكر أنّ أمًّا من الأمّهات انزعجت مرة من زوج الأخت وتخاصمت مع أختها لمتابعته الأبناء في هذا الموضوع، أو طلبت منه ألا يتدخّل كونهم (ضيوفًا) مثلا. ربّما حدث ذلك ولم أعلم به، لكنه لم يحدث أمامي ولا مرّة.
أكتب هذه الذكريات ليس فقط لأقول لزوج خالتي جزاه الله خيرًا عن كلّ لحظة كان فيها ناصحًا ومربيًّا (وما زال حتى بعد أن تزوّجنا يعاملنا كبناته ويدلّل أبناءنا كأحفاده)، بل لأشير إلى المفارقة العجيبة التي أعيشها الآن.

كيف نريد أن ينشأ لدينا رجل أو امرأة مسلم/ـة ملتزم بأساس دينه (الصلاة) في بيت لا يُقال فيه لأيّ طفلٍ أو ناشئ: قم يا حبيبي إلى الصلاة، بدعوى أنّ في هذه الجملة (ضغطًا) على نفسية الطفل وإجبارًا له على أمر (لا يرغبه) وتحميله ما لا يطيق حمله!
إنّني أعيش في انزعاج واستغراب، فهذه الحالة أواجهها على نطاق الأقارب ونطاق طلابي في المدرسة العربية (الإسلامية).
إنّ الأمر الطبيعيّ عند الطفل في طفولته المبكّرة هو التقليد، وألاحظ ذلك في ابنتي التي بلغت الآن عامين ونصفًا. فقد كانتْ سابقًا (تغار) من وقوفي في الصلاة لأنّي أنشغل عنها ولا أردّ عليها، لكنّها الآن صارتْ تتعامل مع الموضوع بطريقة مختلفة تمامًا: أقول لها: صافي بدّي أصلّي، فتقول: ماما وَضّا صلّي الله أكبر. وأحيانًا تقف جواري تقلّدني في الركوع والسجود والتشهّد، وأحيانًا تكتفي بالمراقبة أو الانصراف إلى كتابها ولعبها. لكنّها باتت تنتبه لأمرين: إذا كنتُ أصلّي تصرخ أحيانًا وهي تلعب ثمّ تقول لنفسها: هششش ماما صلّي. وإذا كانتْ بحاجة شيء: ماء، تشغيل الحاسوب، أن أمسح لها أنفها المزكوم، فإنها تقف قربي مردّدة طلبها بصوت خافت أو صامتة حتى أنتهي من الصلاة، ولم تعد تعمد إلى مقاطعتي أو التعلّق بي إلا في حالات نادرة. طبعًا بمرور الوقت وحين يصير موضوع الصلاة مسؤوليّة لا أستبعد حدوث المراوغات والتملّصات وهذا طبيعيّ، فقد فعلتُ مثلها في طفولتي.. لكنّ المهم في الأمر هو ذاك الشعور الذي يتكوّن في النفس حين ينشأ الطفل في بيت ملتزم بالصلاة: أنّ هذا الوضع هو الطبيعي والصحيح في الحياة كوني مسلمًا، وأنّ تقصيري في أدائها سيجعلني أحسّ بالذنب والخجل من ربّي حتى ولو لم يعرف أهلي بذلك.

الأطفال الذين أتعامل معهم حاليًا لا يعرفون هذا الشعور أبدًا، ولا يبدو أنّ أهلهم قد (استثمروا) مرحلة التقليد هذه مطلقًا. الأدهى.. يبلغون الخامسة عشرة وهم لا يعرفون كيفيّة الوضوء ولا الصلاة! أسأله: تصلّي أمّك؟ نعم، يصلّي أبوك؟ نعم.. فيزداد انزعاجي واستغرابي. إذا كانا يصليّان أمامه في البيت فكيف لا يميّز الركوع من السجود؟ ولا يعرف عدد الصلوات ولا أوقاتها؟ عِلمًا بأنّ نسبة لا بأس بها من هؤلاء الأطفال يحفظ قصار السور من القرآن.

تأتي الآن المصيبة العظمى في نظري، حين أرغب أنا في توجيه هذا الطفل بطريقة لطيفة وأنا غير مسؤولة عنه (أي أنّ قرابتي لهم كقرابة زوج خالتي لي)، فيحدث أن يستجيب لي الطفل إمّا بدافع الخجل منّي، أو بدافع حبّ إظهار القدرة والمعرفة (أي ليثبت لي أنه يعرف كيف يصلي وهذه تنجح مع الأطفال الأصغر سنًّا)، ويا للكارثة عندها! تقوم القيامة كيف تجرّأتُ و(ضغطتُ) على الطفل! وغالبًا يكون كلامي: من يحبّ أن يصلي معي؟ أو: (فلان) سأذهب لأصلي المغرب الآن.. أأنتظرك حتى تتوضّأ؟
وبعد عدّة تجارب ومشاكل، قرّرتُ أن تكون الملاحظة موجّهة للمسؤول عن الطفل، أو لشخص يقربه أكثر منّي، وبطريقة سؤال لطيف بيني وبينه، مثلا: هل يصلي معكِ فلان في البيت؟ أو كيف تشجّعينه على أداء الصلاة لأني أريد وسيلة لتشجيع طلابي في المدرسة.. صحيح أنّي لم أجد عنفًا في ردّة الفعل، لكني وجدتُ طناشًا ولا مبالاة، أو نظرةً من نوع: مالك علاقة. وأنا حقًّا لا أفهم ما الذي يجري في عقول أو قلوب هؤلاء الأهالي، لأنّي أعتقد أنّ الوضع (بيحرق القلب).

في الأسبوع الماضي بدأنا أوّل يوم من صلاة الجماعة في المدرسة العربيّة (الدوام مرة واحدة في الأسبوع)، وقد كنّا نصلي من قبلُ فُرادى لعدم تنظيم الموضوع مسبقًا من قِبَل الإدارة، ولم ألحظ أيّ طالبٍ يصلّي عِلمًا بأنّ قرابة 10 منهم فوق الـ 13 عامًا، وفي الصفّ الذي أدرّسه، 3 فقط من أصل 20 طالبا وطالبة أعمارهم بين 5 و7 أعوام، والبقيّة تترواح أعمارهم بين 7 و10 أعوام. وجهّزنا قاعتين للصلاة لعدم وجود متّسع لصلاة النساء مع الرجال، ووقف طلاب صفّي (مندهشين) يسألونني: ماذا هناك؟ وهم يشاهدون الأخ المسؤول يفرش السجّادات في صفوف متتالية، فاندهشتُ من دهشتهم وقلتُ لهم: حكينا في الأسبوع الفائت أنّنا سنقيم صلاة الظهر جماعة في المدرسة من اليوم فصاعدًا.. والآن هيّا إلى الوضوء من فضلكم (وكنّا قد درسنا الوضوء والصلاة على مدى ثلاثة أيّام دوام سابقة). خرج معظم الصبيان والبنات إلى دورة المياه، ووقف في الباب اثنان من الطلاب أحدهما في التاسعة والآخر في العاشرة من عمرهما، متردّدَيْن.. سألتهما: ما بكما؟ فأجابا بالألمانية: لا نعرف ماذا نفعل! قلتُ بهدوء بالعربية: تتوضّآن وتصلّيان. بقيا جامدين.. فأشرتُ إلى الأخ المسؤول وكان قد شمّر للوضوء وقلتُ لهما: اخرجا مع (عمّو محمّد) وهو يخبركما ما تفعلان. لكنّها بقيا كلوحي خشبٍ قائمين بالباب! اقتربتُ منهما معًا وصرتُ أتحدّث بالألمانية بصوت خافت لا يسمعه سواهما، وكنتُ لاحظتُ أن (أحمد 5 أعوام وإبراهيم 6 أعوام) يقفان قربهما ويسمعان الحديث، وهما متقنان للوضوء والصلاة، فقلتُ للناشئَيْن: هل تصليان في البيت؟ هزّ (أيمن) رأسه نفيًا،ولم يجب (كريم). تابعت: هل يصلّي أهلكم في البيت؟ هزّا رأسيهما إيجابًا، قلت: عظيم.. إذًا أنتما تعرفان أنّنا الآن سنتوضّأ ونصلي، وهذه فرصة لكما أن تعتادا هنا على الأمر. قال (أيمن) وهو الأكبر: ولكنّي لا أعرف ماذا أفعل في الصلاة وماذا أقول! (وهو طالب مستجد لم يحضر معنا درس الصلاة)، قلتُ له: حين تقف في الصف مع الجماعة سيكون الأمر سهلًا، أمّا الوضوء فاخرجا الآن إلى الحمّام وراقبا بقيّة الزملاء هناك. خرجا أخيرًا بعد جهدٍ جهيد وبعدما أشرتُ للأخ أن يعتني بهما. اكتشفتُ أنّ البنات لسن بأفضل حال، فمن ضمن مجموعة من 20 فتاة توجّهن للصلاة، 5 أو 7 منهنّ فقط من يعرفن كيفيّة الصلاة فعلا. وفي جميع الحالات، الأهل يصلّون في البيت.

أفهم أن يكون لدى بعض الأهل مشكلة أسلوب مع أبنائهم، ولذلك بتجنّبون توجيههم إلى الأمور الدينية خشية النفور، وتعظم هذه المشكلة كوننا مقيمين في دولة علمانية لا يفهم فيها قرناء الطفل فكرة الالتزام بدين ما، فالتعامل مع المسيحيّ هنا أفضل من العلماني في نقطة فهم وجود الالتزام بأساس في الحياة. بعض زملاء زوجي في العمل لا يحترمون هذا الالتزام، ولا يتورّعون عن توجيه النقد حين خروجه للصلاة أو حين صيامه شهر رمضان بنهاره الطويل هنا. وعليه في تلك اللحظة أن يكون حازمًا وأحيانًا (جفصًا) حين يكون التعليق عنصريًّا ليوضح للمتكلّم أن هذا ليس من شأنه. وطبعًا ليس سهلا على الأطفال أن يتعلّموا ردًّا ملائما لحالات مماثلة. وأرى بعض الأهل يأتون إليّ كوني معلّمة الأطفال ويطلب منّي أن أقول ما يريدون قوله ولا يستطيعون. وأشعر بالأمانة تثقل كثيرًا.
لكنّي لا أفهم الذي ينتفض ويستنكر أن أقول لابنه أو لحفيده: أتصلّي معي يا بنيّ؟. عِلمًا بأنّه مكلّف أو قارب التكليف! فمتى يكون توجيه هذا الطفل؟ وأيّ شيء بقي بعدُ من هويّته الإسلامية إن ترك الصلاة؟ فكلّما تحدّثنا عن شيء من الالتزام قالوا: إنه سينشأ هنا وهذا مجتمعه الذي يعيش فيه ولا بدّ أن نتركه (يتأقلم) معه كي لا يصير معزولا عنه، ثمّ إن المهم هو الأخلاق. ولا أنكر أهمّية التربية الأخلاقية، لكن أليس الالتزام الديني معينا عليها؟ فلماذا لا يجتمع الدين والخلق؟.. ولا أدري ما هي حدود التأقلم في أذهانهم.
يقولون لي إنّ ابنتي صغيرة ولذلك أنا أرى الموضوع سهلا، فأقول لهم: لكنّي كبيرة ولم أرَ أنّ الموضوع صعب. أفكّر أحيانًا أنّ الأهل هم من يشعرون بثقل الالتزام على نفوسهم وينقلون هذا الشعور إلى أبنائهم. لا أقول إنّ الأمور رائعة وسهلة، لكنّي أعرف حديثًا يجعل الأمور واضحة والمعادلة موزونة: “احْفَظْ اللَّهَ؛ يَحْفَظْكَ. احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ. وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاله” وهذا كافٍ إن وعيناه واستحضرناه وعلّمناه.

يا ترى كم مرّة تأفّفنا و(قلبنا وجوهنا) في وجه أهالينا وزوج خالتي حين يدعوننا إلى الصلاة؟، ومع ذلك لا أذكر مرّة تأنيبًا جرحني لدرجة أني لم أنسه، أو عقابًا أو ضربًا.. فلا أدري ما بال هؤلاء الأهل وهم يعتقدون أنّهم يحمون أبناءهم. إنّي أراهم أشبه بلجنة المراقبين العرب في سوريا، ينظرون ولا يرَوْن، وإن رأى أحدٌ سواهم ما عليهم رؤيته، قالوا: ما رأينا إلا خيرًا، وليس هنالك ما يخيف!

* اللهم أنِر قلوبنا وبصائرنا ولا تجعلنا ممّن يحسبون أنّهم يُحسنون صُنعًا فإذا به هباء منثور.

4 responses to “الصلاة، بين جدّة وهامبورغ.

  1. مرور سريع كان لا بد منه لأنك “نكشت” ذكريات جميلة جداً.
    ولي عودة بعد القراءة الكاملة لاحقاً

    • أين هذا الذي سيعود؟ ذهب مع الريـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــح! :box:
      و(بانتظارك… أنا…) :fatakat:

  2. كان آخر وصايا النبي قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى: { الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم }
    ليست فقط عندكِ ياجمان .. حتى عندنا هنا مع الوعي الديني الموجود .. أرى كثير من الفتيات لاتتقن وضع الحجاب للصلاة ولاتتقن الصلاة مع أنها تدرس كمنهج تعليمي في المدارس والأهل تصلي بالمنزل
    برأيي أن أولويات الناس تتغير ومفاهيهما .. أيضاً تغيرت
    ونسيت أنه ركن من أركان الإسلام .. وليس سنة من السنن
    وتناست أن الطفل كلما عودتيه من صغره على الذهاب للمسجد بالنسبة للولد وصلاة البنت مع والدتها بالمنزل .. تعود الطفل وتركز مفهوم الصلاة وعدم تفويتها
    الله يثبتنا ويعيننا على تربية أبنائنا وأبناء المسلمين
    دمتِ في علو

    • والله كارثة يا ميمونة.. يعني ما أسهل استغلال تقليد الطفل، وهو يستجيب من بعد ثالث مرة في الحالات الطبيعية للأسلوب الهادئ.. أتمنى أن أعرف ما الذي يفعله الناس بأوقاتهم إن كانوا لا يربون أطفالهم؟؟

      الله يثبّتنا جميعا ويعيننا على أداء الأمانة.
      لقلبك :ward:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.