أذكّر نفسي..

إنّنا لا ننسى؛ لكنّ الأحزان تغيّرنا.

هذا الكمّ الهائل من (الفقْد)؛ يملأ رئة الأيام فتختنق به ولا تموت. تنجو في اللحظة الأخيرة؛ وتختنق مجدّدًا لتنجو.. ويستمرّ عذابها بالاختناق والفقد.

لا أتخيّل صباحها؛ كيف تفتح عينيها بعد نوم لا يشبه النوم في شيء سوى بالموت، كيف تأخذ أوّل نفَس.. وتنهض، تفعل هذه المعجزة وتنهض لتواجه يومًا مليئًا بالفقد.

أنا لا أتخيّل صباحي إلا بشكلٍ واحد وبه أنهض: أني سأضع قدميّ في المسافة الصغيرة الخالية بين السريرين لأنحني أقبّل ضحكة سميّة بعينيّ قبل شفتيّ، وشعاع عينيها الفرِح ينير حتى تستحي منه شمس هذه المدينة الغائمة. أنا لا أتخيّل صباحي إلا بخطو قدمي صفيّة الحافيتين سريعًا على الأرضيّة الخشبيّة؛ فأغمض عينيّ وأتظاهر بالغفو.. وأسمع الباب ينفتح برفق؛ ينغلق برفق، خطوها يقترب، أحسّ لفح أنفاسها على وجهي إذ تلصق أنفها بأنفي وهي تهمهم بشغف: ممممم.. ماما.. فأفتح عينيّ وأضحك لتندسّ جواري في سريري، تتكوّم ما بوسعها لتعود صغيرة فأضمّها أكثر..

أنا لا أتخيّل صباحًا بفقدهما (إجباريًّا)؛ فقدًا لا يد لي فيه، ولا رجعة منه.
فكيف يسعني أن أتخيّل صباحها؟

لا أدري بأية معجزة تفتح عينيها وتنهض..

أنا أدري أني حين أمدّ يدي نصف نائمة لأغلق رنين المنبّه؛ فإنّ يده ستوقظني برفق قبل أن يغادر إلى عمله وهو يهمس: حبيبتي أنا طالع.. صليتِ الفجر؟، فأنهض.. ولا يكاد يذهب إلا وقد قرأتُ دعاء (الاستيداع) أسأل الله فيه أن يحفظه.

فكيف تصحو هي عالمةً أنّه لن يكون جوارها مرّة أخرى.. أبدًا؟

أنا لا أتخيّل فقد أشيائي الصغيرة أبدًا؛ أحسّ أني سأموت وسأتركها ليحتار من بعدي ما يفعلون بها، وهم يفكّرون ماذا كنتُ أفعل بها أصلا!
ولا أدري.. كيف يخرجون بلا شيءٍ إلى العراء والمجهول.. لا أشياء صغيرة ولا كبيرة، لا ضرورية ولا رفاهية.. بلا شيء مطلقا.

أنا لا أدري مقدار فقدٍ لم أذقه، ومهما جهدتُ وحاولتُ فلن يسعني تخيّل وقعه الهائل كاملا، لأنّني بشر. وللسبب ذاته.. أنعش هذا الخيال ببعض واقعٍ لينمو هذا الإحساس، أحاول تجربته.. أحاول التخلي عن أشياء أعزّها حقًّا، ومشتهاة من قبَل غيري.. ولم يطلبوها. السؤال مذلّة، وحين أنتظر أن يذلّ الناس أنفسهم بسؤالي بعضَ ما عندي فأنا أنتظر من نفسي أن (أتصدّق) عليهم لا أن (أتطهّر) وأطلب مداواة نفسي وعيالي ودوام البركة في مالي. وأنا أنتظر من نفسي أن (أتكرّم) عليهم وأحسّ بفخر على ما فعلت.. لا أن أقوم بواجبٍ أدركتُ وجوبه وما زلتُ أشعر بتقصيري في أدائه وأحاول قدر ما أمكن أن أتقنه.
لأنّنا بشر نسهو وننسى، لا بدّ أن نذكر أنفسنا.. بين حين وآخر.

وها أنا.. أذكّر نفسي.. وإيّاكم.. لعلّنا ننجو يوم تنفع الذكرى المؤمنين.

3 responses to “أذكّر نفسي..

  1. محمود عكل

    جزاك الله خيراً يا أخيّة ، وحفظك في دينك وصحتك وذريتك ومالك..
    الناس في هذه الدنيا نوعان : نوع يعيش الفقد، ولكن لا يحسه، فينقلب وحشاً كاسراً عندما تسنح له فرصة مهما كانت، ونوع آخر يحس الفقد لو أصاب غيره، فلو أصابه لم يجزع ولم يهلع .. فقد جربه من قبل، ومعظم أهلنا المبتلين في سوريا هم من الصنف الثاني ولله الحمد.
    نسأل المولى أن يعجل لهم الفرج من عندهم، ويعوضهم خيراً عن ما فقدوا.

    • أحبكما معا..
      وأرجو ربي أن نكون جميعا ودائما ممن يحس بمصاب الغير أيا كان ..
      وأن يفرغ الصبر والمزيد من الصبر على قلوب الأحبة هناك في سورية

  2. تبكيني دائماً كلماتك يا حبيبة .. وأسعد بها
    أسعد بها أول لأنك تصورين بدقة وتعبرين عما أريد قوله .. وقد جفّ قلمي
    وأسعد ثانية – وهو الأهم – أنك رغم البعد عن أرض الوطن وأهله, ورغم العيش في أمان تام حيث أنت ..ما زلت تشعرين بهم وتحملين بين جوانحك هذا الكم من المشاعر الإنسانية التي أسأل الله أن يعمر بها قلوب البشر جميعا ليستحقوا اسم “الإنسان”
    رعاك ربي وأسرتك الصغيرة وأعاتك على حسن التربية
    وأسفي شديد لأني أشغل بجدتك أحيانا عن متابعة جديدك :heart4:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.