على الدرجة العالية

Spread the love

أنا أرى كلّ شيء حولي بوضوح، ولا أحتاج فتح عينيّ.
مصراع النافذة الخشبيّ عن يساري مفتوحٌ؛ ونسمات ما بعد العصر تجيء وتغيب.
أعرف حفيف هذه الشجرة تمامًا، وظلّها. تتعبني الوسادة القاسية والفراش الذي لم أتعوّده، والحرارة التي يشعّانها.
أنهض حافية؛ الباب المفتوح إلى يميني.. أراه دون نظر.
تخترق أنفي رائحة الخشب العتيق المختلطة بكولونيا الليمون ورائحة الشارع.
أخرج إلى الممر الصغير وأهبط أربع درجاتٍ عالية، أنعطف يمينا وأهبط أربعا أخرى، أنعطف يمينا وأهبط أربعا أخرى.
الباب إلى يساري مفتوح يحدث تيار هواء لا بأس به في البيت. يمينًا ثم يساراً ثم أمشي سبع خطوات، أنا في الشرفة الآن.
تجلس جدّتي على الدرجة العالية لا تفعل شيئا على غير عادتها، فبين يديها دائما شيء ما تفعله.
تحدثني باستياء عن سيري حافية وعن عدد الشحّاطات المرصوفة على درج القبو، ألتفت يسارا وأهبط ستّ درجات متقاربة سهلة ثم درجة واحدة يمينا.
بلاط الحديقة يشعّ حرارة.
أمشي إلى البركة المملوءة وأشمر بنطالي إلى الركبتين، أجلس على حافّتها وأمدّ ساقيّ في مائها البارد.
(ما هذا الهدوء الغريب؟ هل أصيبت المدينة بالخرس فجأة؟!).
صوت جدّتي وحده يعلو مناديا: إم يمان.. يا إم يمان. جارتها منذ أربعة عقود. لا يأتي ردّ، فتقول جدّتي أشياء كثيرة عن الجيران لا أسمعها.
(الصمت الغريب هذا.. إنّي لا أرى ولكنّي لم أفقد سمعي، أم تراني بدأت؟)
أسحب ساقيّ؛ أجلس قليلا فتجفّان سريعًا، الحرّ لا يطاق.
ولكن قريبًا يأتي المساء، ويأتي معه خالي وزوجته وأبناؤه، وأبناء خالتي وزوجاتهم، وربّما يحضر أحدهم أقراص الفلافل معه.
سنحمل الكراسي البلاستيكية إلى الوادي أمام البيت ونجلس هناك، نسمع نكاتهم ونضحك بصوت عال كأن ليس في الكون سوانا، وبين فينة وأخرى نعبر الشارع الواسع لنجلب من البيت كؤوسا وإبريق شاي وصحون بزر الجبس والفستق الحلبي وماء مثلّجا لجدّتي، ونسهر حتى الواحدة صباحا، وحين يرحلون أبقى ساهرة في الفراش حتى يبدأ التسميع لصلاة الصبح.
سيأتون إلى بيت الجد، فقط عليّ أن أنتظر هذه السويعات حتى يحلّ المساء.

عليّ أن أنتظر بصبر ولا أملّ الانتظار.

لم أعثر على صورة واحدة لبيت جدّي في حلب في ألبوم صوري، ربّما لأنّني أحفظه جيّدا ولا أحتاج صورة تذكّرني به. ولو هدّوه فأنا أقدر أن أعيد بناءه كما كان من ذاكرتي، وأن أضع جدّتي في مكانها هناك.. على الدرجة العالية.

8.6.2013

2 thoughts on “على الدرجة العالية

  1. حبست الدمعة يا جمان .. لم تبق سوريا دموعاً أذرفها ..
    حبستها فانقلبت غصة في قلبي تخنقه..
    أمس أصرت جدتي أنها تريد أن تصعد للأعلى.. كنت أحاورها وكل خمسة دقائق تحاول النهوض فتخذلها ركبتاها الواهنتان.. أعيد سؤالها: إلى أين؟ فتجيبني بنفس الإصرار القديم: بدي أطلع لفوق.
    استغرقت بعض الوقت لأفهم أنها تظن نفسها في بيتها .. وأنها تريد النوم في غرفتها تلك .. في الزاوية.
    ادعي لها يا جمان .. علها ترجع إلى الدرجة العالية قريباُ.


  2. فقط ,,أخطأت في عدد الدرجات ..
    ولكنك لم تخطئي أبدا في إثارة رماد النسيان عن جمرة الشوق الملتهبة دائما
    رعاك ربي .. وأعانني على الصبر وجدتك بين يدي تلح وتلح في الصعود لأعلى .. أو في الخروج إلى الحديقة .. أو في النزول لأسفل حتى تعد طعام العشاء للغائب الذي لا يعود وهي ما تفتأ تسأل :: ليش تأخر أبو زهير ؟؟
    لو أردت لأرسلت لك عشرات الصور الحقيقية للبيت القديم
    أو لرسمت لك الآلاف منها .. من ذاكرة القلب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.