بين المرساة واليمّ

Spread the love

أخشى الوقوف أمام البحر؛ لا لخوفي من الغرق.. بل لانّي أخشى تلك الرغبة في داخلي التي تدفعني للتجديف بذراعيّ في عمقه حيث الموج أكبر، والمياه أكثر دفئا وعمقًا. أخشى رغبتي بأن أسبح دون النظر إلى الشاطئ وكم بعدتُ عنه.. لأنّي أدرك أنّي لو ابتعدتُ لدرجة ألا أراه، فلن أعود.
ليس لأنّي لا أجيد مصارعة ماء البحر المالح وقد تعرّضتُ لشبه غرق فيه مرّتين. لكنّي بمجرّد أن أذوق طعم الانفلات من مرفأ الروح.. سأفقد رغبتي في العودة إلى الأبد.

في الزمن الفائت؛ كانتْ أمّي هي مرساتي الوحيدة في المرفأ.
كنتُ كلّما راودتْني نفسي أن أسبح دون النظر إلى الخلف؛ زجرتُني.. والتفتُّ مجدّفة بذراعيّ في سباحةٍ احترافيّة تعلّمتُها على يدي مدرّبة أتقنتْ تدريبي. تحاول أمّي إقناعي بارتداء منظار البحر، تقول لي إنّه سيسهّل عليّ السباحة طالما أصرّ على نظام (ضربتين والوجه في الماء، ونصف ضربة مع شهيق)، لكنّي أبدًا لم أرتدِه. لأنّي أخاف أن أرى الأرض التي أسبح فوقها.. حتى لو كانتْ أرضًا مبلّطة نظيفة! ليستْ كائنات البحر التي تخيفني.. لكنّها المسافة. كنتُ أخشى أن تتخاذل نفسي وتفكّر في إغراقي عمدًا حين تعرف أنّ عمق الماء يسمح بذلك.
كنتُ أفتح عينيّ في الماء وأسبح، مفضّلة رؤيا ضبابيّة مغبشّة تُظهِر لي الضوء والظلال فقط لأدري إن كان شيءٌ ما يسدّ طريقي فأتفاداه. ودائمًا.. دائمًا كان طريق العودة أطول. رغم أنّ الموج يدفعني إلى الشاطئ.. نظريًّا، لكنّما يبدو أنّ روحي كانتْ تجذبني إلى اليمّ وتُثقلني عن العودة إلى مرفئي.
كنتُ دائمًا أعود لأجل أمّي؛ مرساتي ومرفئي.

لكنّي اليوم أجدني كلّما حاولتُ خوض البحر تجذبني ثلاث مراسٍ: أمّي وابنتاي!. وصار البحر بعيدًا؛ ولم أعد أسبح ووجهي إليه.. بل وجهي دائمًا ملتفت نحو الشاطئ.. قلِقٌ على ما خلّفتُه ورائي. فأجدني أعود قبل عُشْر المسافة.

اليوم وأنا واقفةٌ أنهي غسل الطبق الأخير في حوض المطبخ؛ رفعتُ نظري إلى سماء الربيع المطلّة من النافذة أمامي، فكانتْ السُّحب تسبح بسرعة.. وبينها النوارس، تضرب بأجنحتها فتهبّ رائحة البحر.. وأتلقّفها أنا بعطش حوتٍ فقد يمّه منذ أعوام.
عطش روحٍ تريد أن تنفلت في سباحة حُرّة وسط الموج؛ دون التفات. حتى إذا تعِبتْ.. استلقتْ على ظهرها كطوفٍ وحيد، وابتسمتْ في ارتياح.

وأدركتُ في تلك اللحظة؛ من تلك الدموع التي انحدرتْ تلقائيًّا من عينيّ، كيف يغادرون هذه الدنيا في سلامٍ هكذا..أولئك الشهداء.
إنّهم يتركون المرافئ في رعاية خالقها؛ وينسلّون لسباحةٍ تبدو عاديّة كأيّ يومٍ عاديّ، وحين يبتعدون كفاية ويغيب الشاطئ عن أنظارهم؛ يقطعون حبل المرساة في هدوء.. وينفلتون إلى الأبد، بابتسامة خالدة.

ذلك المزيج من الشجاعة، والتّوْق، والشغف والتوكّل.. يأخذهم إلى ما أعجز عنه.

6 thoughts on “بين المرساة واليمّ

  1. سعيدة أنا حقاً ..
    أنك جعلتني مع ابنتيك الحبيبتين مرساتك
    ولكن .. ثقي أني سأكون أسعد لو جعلت زوجك مع ابنتيك مرساتك
    عندها .. سأطمئن تماماً عليك ..
    وأغادر بسلام كما يغادرون .


  2. أيقظت من جديد الشوق في قلبي لبحرنا هناك
    وقد تشقق جلدي عطشاً لملوحته
    لعلنا في قريب الأيام نخوضه معاً, وأوفق بانتزاع خوفك من النظر إلى أعماقه, لتسعدي بملاحقة سرب الأسماك الصغيرة .. ولتدركي معنى السكينة والراحة والسلام التي أستشعرها بانقطاعي عن العالم بكل ضجيجه



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)