في رواية (البلد)..

وكالعادة.. يخبرك بن جلّون في نهاية كلّ رواية؛ أنّك إنسانٌ حقا، وتحترم إنسانيّتك، لأنكَ بكيتَ حين انتهيت من الكتاب وأغلقته.
بكيتَ الأحلام المتكسّرة التي كنتَ تنسجها لتنقذ بها شخوص الرواية. بكيتَ آمالك بتغيير مجرى الأحداث لصالح سعادتهم. وصلتَ إلى النهاية، ولم يحدث شيء يغيّر تلك الكآبة القاتلة والحزن العميق اللذان يخنقان روحك!
ببساطة.. لا يمكن تغيير الحياة والواقع بكلمات سحرية، ولا بآمال أو أحلام. وروايات بن جلّون هي الواقع.. وهي الحياة بكلّ  ما فيها. إنّك تحتاج إلى أكثر من التمنّي لتخرج من موجة البكاء الثقيل التي غرقتَ فيها، لتخرج.. وتتنفّس.. وتعيش. تحتاج إلى أكثر بكثير من التمنّي، لتعود للحياة وقد رأيتَ الموت قبل لحظات بكلّ تفاصيله المؤلمة.. ولو في صفحات كتاب.
..
اقتباساتي من الرواية:
الصفحة ٢٠ /لم يكن العمل ربما يجعله سعيدا، لكنه كان يشغله ويمنعه عن التفكير. الخوف من أن يواجه كل واحد من أطفاله الذين لم تعد له أيّ سلطة عليهم.

الصفحة ٣٤/ كان بإمكاني أن أقول لها: لو عرفت كم عانيت لأنني لم أذهب إلى المدرسة، وكم أحرَم من أشياء بسبب الأمّية. أحس بنفسي كأنني حمار، حيوان شجاع، يمر في كل يوم من الطريق نفسه، يقوم بالحركات نفسها، وغير قادر على الابتعاد عن الروتين مخافة الضياع، مخافة الغرق في بحر هادئ.

الصفحة ٤٣/ هل كان أبي يكلّمني؟ نعم. لقد علّمني أسس ديننا وقال لي: الإسلام بسيط يا بنيّ، أنتَ وحدك المسؤول أمام الله، إن عملتَ خيرا وجدته في العالم الآخر، وإن فعلت شرا وجدته أيضا، لا مشكل في هذا، كل شيء يتعلق بالكيفية التي يتعامل الناس بها، وخصوصا الضعفاء، المساكين. لذا فالإسلام هو أن تصلي، تتوجه إلى الخالق، ولا تقترف الشرور من حولك، لا تكذب، لا تسرق، لا تخن زوجتك ولا وطنك، لا تقتل.

الصفحة ٥٠/ أتعتقد بأن الشرطي يعاملك كفرنسوي مئة بالمئة؟ نعم، إن ذهبت إلى المحكمة سيقول القاضي إنك فرنسوي، إنه مضطر، لكنه في قرارة نفسه ينظر إليك على أنك أجنبي أو لقيط.

الصفحة ٥٢/ لم أرتكب في حياتي أيّ جرم، لم أكذب ولم أسرق أوو أغشّ. كنت دائما مستقيما بقلب مفتوح. كنت أبدا شريفا، شريفا جدا. وأولادي لا يريدون أن يشبهوني، لماذا؟

الصفحة ٥٣/ ربّما كان عليّ أن أسافر، لا أعرف كيف يكون الواحد أجنبيا، سائحا في بلد أجنبي، لم يكن لديّ الوقت  للقيام بهذا النوع  من الأشياء..

الصفحة ٥٨/ يظهر أن الفرنسيين لا يحبّوننا كثيرا نحن المغاربة، لكنهم يكرهون الجزائريين. الجزائريون المساكين، لا حظ لهم. كان بلدهم محتلا في كل الأوقات. اليوم الجزائر غنية جدا، لديهم البترول والغاز، ورغم ذلك فالجزائريون يهاجرون، وعدد القادمين منهم للاستقرار في فرنسا في ازدياد. هذا محزن.. بلد غني وشعب فقير جدا.

من نفس الصفحة قصة طالبي الثانوية اللذان اعتقلا في مراكش واختفى أثرهما تماما لأنهما تكلما في السياسة.

الصفحة ٦١/ أعترف أنني أنني أنقاد في البلد. لقد خلقت لهذا: أن تنقاد، ألا تحتاط، أن لا تحترم القواعد، من الصعب رفض كأس شاي، الناس يغتاظون إن فعلت ذلك، لذا أشرب هذا الشاي الطافح بالسكر، وأدعو الله لكي يعينني على حرق كل هذا السكر الزائد في دمي.

الصفحة ٦٢/ توقف وتساءل: إذا دخلت إلى هذا البار، وشربت حتى الثمالة إلى درجة أنني أفقد توازني الجسدي وكرامتي كإنسان، فإنني أنا المسؤول، وليس الله هو الذي قرّر في مكاني. أن أرتكب حماقة، ثم طنا من الحماقات الأخرى، فأنا وحدي المذنب، لنترك الله فوق كل هذه الأشياء.

الصفحة ٦٧/ ثم بعد ذلك سيتكاسلون عن القيام برحلة لرؤية قبر محاط بأعشاب طفيلية، أكياس بلاستيكية، قنانٍ فارغة، أوراق جرائد ملقاة من طرف زوار ليس لهم أي حس مدني، كثر هم المغاربة اللذين يلوّثون المقابر، كما لو أنّ الأموات ليس لهم الحقّ في نظافة محيط قبورهم.

الصفحة ٨٤/ فاطمة تتكلم عن ابنها الشاب المصاب بمتلازمة داون والذي أرسلته منذ الطفولة المبكرة لعيش مع خاله في فرنسا ويحظى بالعناية:
في المرّة الأخيرة، ألحّ عليّ لكي أرافقه إلى فرنسا. قلت له: ليس لي جواز سفر ولا تأشيرة ولا نقود. لم يفهم. أخذ الدفتر وخربش بعض الأشياء، وأعطاها لي قائلا: خذ الباسبووور، والتأييرة وأنا معك. جعلني أبكي، حضنته بقوّة، وأحسست بدموعه تسيل على عنقي.

الصفحة ٨٥/ لذا سنبيع البلد، سيكون قرية سياحية لأغنبياء تعبوا من كونهم أغنياء. سيأتي هؤلاء عندنا ليقوموا بتجربة اللاشيء. اللاشيء عندنا، لا ماء، لا كهرباء، لا شيء في لا شيء.

الصفحة ١٠٤/ منذ زواجه لم يعد مراد يمضي عطله في البلد. كان يتساءل لماذا ينجح الأسبان أفضل من المغاربة. عثرت زوجته على جواب صدمه: بسبب الدين، بسبب الإسلام! ثارت ثائرته وقام برد فعل كأنه إمام، هو الذي لا يطبّق أي شعيرة إسلامية. حاولت ماريا أن تشرح موقفها.. كان مراد مجروحا، لا يمكن للإسلام أن يكون مصدر تأخّر. أوضحت ماريا: لا دين يشجّع على تطوّر الحداثة، وفي الواقع كان في يفكر في والده الذي كان الإسلام بالنسبة له أكثر من دين، بل إنه أخلاق، ثقافة، هوية.

الصفحة ١٠٧/ قصة زواج ابنته جميلة من شاب فرنسي مسيحي، وكيف تبرأ منها.

الصفحة ١٠٨/ سأذهب لأرى طبيب مجانين وسأقول له: هكذا إذن، أنا مريض لأنني أحب أولادي. أي دواء علي تناوله لكي أعالج؟ هل علي أن أشرب دواء مضادا للحب العائلي؟ أو أتناول حبوبا تنسيني أن لي خمسة أطفال من بينهمخ بنت ذهبت مع غريب عن ثقافتنا، عن ديننا وعن بلدنا؟ أي تربية هذه! لا أعرف من أين جاءت هذه الفظاظة ضد الأبوين.

الصفحة ١٢٥/ كان يحيل كل شيء على الإسلام. ديني هو هويتي، أنا مسلم قبل أن أكون مغربيا، وقبل أن أكون مهاجرا، الإسلام ملاذنا.إنه هو الذي يهدئني ويهبني الأمان والسلام.

الصفحة ١٥٧/ كان مسلما جيدا يرفض الانتحار. كان يدع نفسه تنقاد لحتفها، فلا يقوم بأي جهد ليصعد ويستعيد شغف الحياة، لكن حياته انتهت. ومشاعره كانت أسيرة أنانية أبنائه وفقدانهم للإحساس بما يكابده.

الصفحة الأخيرة/ في بضعة أيام تغطى القبر بعشب ذي خضرة نضرة، ونبتت فيه أزهار برية، وغرس مجهول قربه شجرة جيء بها من بعيد، وكان هناك ظلّ ورطوبة، وسلام.  هكذا رحل محمد الزماكري، الرجل الذي قتله التقاعد.

 

* الشكر الجزيل للمترجم عبد الكريم الجويطي. ترجمة الرواية أكثر من رائعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.