ياسر

كيف أنتَ؟
هل اشتقتَ لشيء عندنا؟ لا يمكن أن أعرف. أنا آمل أنّكَ لم تشتق.. لأنّي أعتقد أنّكَ تحظى حاليًا بأفضل ما يمكن أن تحظى به.
لا أعرف لمَ لا أتذكّر شعرَك. دومًا تخطر في بالي بصلعةٍ ملساء في جنبها بروز واضح. ولكنّكَ تضحك.. بعكس الصور. غريب هذا؛ وطريفٌ حقًّا. في الصورة الحقيقيّة يبدو شعركَ غزيرًا داكنًا؛ وتبدو مقطّبًا شحيح الضحك. ولكنّكَ في ذاكرتي؛ ابتسامةٌ في هيئة إنسان، وصلعةٌ ملساء نظيفة.. تذكّرني بالمعتمرين.. يعودون أنقياء.
.
تقول إنّكَ تشتاق لأمّك؟ لأبيك؟؛ أقول لكَ هما بخير.. عمومًا.
لكنّي في الصيف الفائت حين استقبلتُ أمّكَ على درجات منزل أهلي؛ بكيتُ وأبكيتُها. كانتْ قد سلّمتْ على الجميع بشوق وتماسك؛ فجئتُ أنا لأفرط مسبحة الدمع.. عانقتُها فكانّني عانقتُ معها خالتي/أختها (كميلة).
وطيلة أيّام مبيت أهلك عندنا؛ كنتُ أجلس معهم سارحةً؛ أذكر كلّ ليلةٍ سهرناها في بيتهم في حلب للفجر، فإذا أردنا العودة لبيتنا علا صوت والدكَ ببساطة: إي ناموا عندنا. وينزل أخوكَ معنا يوصلنا إلى التاكسي ليطمئنّ علينا.
.
مرّ بنا أهلكَ في طريق ذهابهم للعمرة؛ وفي طريق الإياب. وفي يوم مغادرتهم؛ ودّعتُ أمّكَ عند الدرجات ونزلتُ إلى حديقة البيت لأنّ ابنتي تريد الأرجوحة. فإذا سفرهم يتأخّر لظرف طارئ. وإذا بالوداع يتكرّر بعد ساعة. وكنتُ حين ودّعتُها في المرّة الأولى قد تماسكتُ وزجرتُ نفسي.. وأنا أنظر لوجه أمّكَ المتعَب. فإذا بي في الوداع الثاني أغصّ وأومي برأسي بعد أن عانقتُها، ولا أقدر أن ألحق بها على الدرج ولا أن أقول كلمة، وإذا بها تبكي.. للمرّة الثانية.
وما أدراني.. من فينا التي أبكتْ الأخرى.
.
أحقًّا تشتاق لدنيانا؟
كنتُ أدخل منزل أهلكَ في حلب؛ وبعد أن أسلّم على الجميع، أقف لأتملّى صورتكَ القائمة فوق المكتبة، وصورة أخيك. كم يشبهكَ؛ حتى في الابتلاء. الورم سجنكَ في آلامكَ زمنًا حتى حرّركَ الموت..
ونحن ندعو؛ وأمّكَ تدعو، لأخيكَ الذي خطا إلى الحرّيّة؛ فوَشتْ به النفوس الرخيصة؛ وفي السجن يكاد يكمل عامه الرابع.
لا تحزن.. قلتُ لكَ من البداية؛ إنّي أعتقد أنّكَ تحظى الآن بأفضل ما يمكن أن تحظى به حاليًا. ما دام الله قد اختار ذلك؛ فهو الأفضل. ولكنّي ما زلتُ أنظر في صورتكَ وصورته؛ وأتعجّب كم يشبهكَ حتى في الابتسامة الشحيحة، وفي الروح التوّاقة للانفلات.. للحرّيّة.

الشتاء؛ الذكرى السنوية لوفاة صديق طفولتنا (ياسر) منذ ما يزيد عن عشرين عامًا. فكّ الله أسر أخيه من معتقلات الطاغية الأسد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.