رأيتُ ذلك في عينيك

هل أخبرتُكَ متى تعلّمتُ القفز على قدمٍ واحدة؟، كان ذلك بعدما ركلتَ قدمي اليمنى بحذائكِ الرياضيّ المدبّب، صرتُ أعرج وتؤلمني كلّما حاولتُ المشي عليها، وأقفز مسافاتٍ طويلة على قدمي اليسرى. يومها قلتَ لأمّي وأمّكَ إنّ ذلك كان حادثًا؛ كنتَ تحاول ركل الكرة من تحت قدمي، وأصبتَني. طبعًا صدّقتْكَ، أنا نفسي صدّقتُكَ وقتها. فكّرتُ: ولماذا قد تفعل ذلك عمدًا؟ لماذا قد تؤذيني بقصد؟
ثمّ رأيتُ ذلك في عينيك، الشوكة التي تخِزُكَ، صارتْ تخِزُني كلّما نظرتُ إليك. كانتْ تأتي معكَ رائحة لؤمٍ خفيفةٍ لم أكن واثقة منها، كلّما رأيتَني أعرج.

في ساحة المدرسة الإعدادية؛ راكضةً أتسابق مع زميلاتي، وتقف أنتَ ببراءةٍ بين المشجّعين على طرف المسار. أولادًا كنّا نلعب. في السباق الأوّل فزتُ أنا. في السباق الثاني كنتَ قريبًا جدًّا، وقعتْ عيني على وجهكَ وأنا مندفعة، ابتسمتُ لكَ فابتسمتَ لي مشجّعًا.. ولا أذكر بعدَها سوى أنّي طرتُ منكفئةً على وجهي بسبب قدمكَ الممدودة. انفلتَ شعري من تحت حجابي الذي تعلّمتُ ارتداءه منذ شهرٍ واحد. تحاملتُ على نفسي كي لا أبكي أمام كلّ الأولاد. أسرعتُ أدسّ الشعر وطرف الحجاب في ياقة قميصي الخلفيّة، نهضتُ أنفض ملابسي وأنا أرى أثر المِزْق عند ركبة البنطال الجديد. بغيظٍ نظرتُ إلى سِرب المتسابقات أفكّر باللحاق بهنّ، فرأيتُ وجهكَ يطلّ، ورائحة اللؤم تفوح بقوّة هذه المرّة، والشوكة في عينيكَ صارتْ صبّارة مليئة بالأشواك. لحظاتٌ.. ويصبح وجهكَ ببراءة مولودٍ لم يُذنب يومًا:
هل أنتِ بخير؟.
– لا! لقد وضعتَ قدمكَ في طريقي عمدًا! يا سخيف..
* لم أفعل.. أنا.. أنا آسف.. حقًّا.. لا أدري كيف حدث هذا.
ونظرتُ إليكَ أفتّش في عينيكَ عن الصبّارة ولا أجدها، وصدّقكَ أبي.. أنا نفسي صدّقتُك.

في الجامعة، كنتَ تتعمّد أن تمرّ بقِسمي رغم بُعده عن مكان دراستك. تأتي في كلّ فرصةٍ وكلّ وقتٍ متاحٍ لك. تظهر فجأةً وتختفي فجأة، ولا تقترب أو تحيّيني من بعيدٍ حتّى. ولم يكن أحدٌ ممّن حولي يلحظ وجودكَ حتى ظننتُ أنّي أتوهّمك.
حتّى كان ذلك اليوم الذي مشيتُ فيه أكلّم زميلا لي؛ كنّا نهبط الدرجات معًا، وكان يشرح فكرة المشروع الذي يعمل عليه فريقنا، متحمّسًا كان.. ومستغرقةً في التركيز معه كنتُ أنا، وخمسُ درجاتٍ باقيةٍ..
لا أذكر سوى كتبي التي تبعثرتْ وأنا ممسكةً بحديد الدرج أحاول النهوض بعد أن وقعتُ، أحاول أن أفهم ما الذي دفعني. وتنبّهتُ على صوت زميلي يصرخ: ماذا دهاكَ يا مجنون؟ ألا تنظر أمامك؟
رفعتُ رأسي لأرى من يكلّم، فوجدتُك! آآه كنتُ أنتظر هذا، في كلّ مرّة أقع أنا، يكون ذلك بسببك. وكانتْ غابة الصبّار تقذف أشواكها من عينيك؛ وأنتَ تجمع كتبي وزميلي ما زال يصرّ ساخطًا: شكرًا لك.. لقد قمتَ بالواجب وزيادة. وقفتُ بسرعة ومددتُ يدي أسحب أغراضي منك وأنا أقول: الله يعطيك العافية! فعادتْ البراءة الدامعة تطلّ من عينيكَ وأنتَ تقول لي: لقد.. لقد زلّتْ قدمي ووقعتُ عليكِ! آسف والله..
هل صدّقتُك؟ يبدو أنّي فعلت. كيف إذًا لم أسألكَ: وماذا كنتَ تفعل هنا؟ وما الذي جاء بك؟!

وقبل عشرين عامًا من اليوم؛ كنتُ أقف على باب قسم الإسعاف مع أهلكَ، وأهلي، وقف الجميع رافضين الجلوس حتى يخرج إليهم الطبيب. أطلّ أخيرًا بوجهٍ مرهَقٍ بائس، يقول إنّ وضعكَ حرجٌ جدًّا، وإنّ إصاباتكَ في حادث السير كادتْ لتكون قاتلةً لولا لطف الله. يسأل أهلكَ إن كانوا بمقدورهم أن يروكَ، يسكت الطبيب لحظة ثمّ يقول: الحقيقة إنّ وضعه صعبٌ جدًّا رغم أنّه مستيقظ، وقد طلب رؤية شخصٍ واحد.
وللمرّة الرابعة، تضعني في موقفٍ محرجٍ يجعل الأنظار تنصبّ عليّ، فيغلي دمي في عروقي غيظًا منك. أتمتم لنفسي: حتّى وأنتَ راقدٌ مكسّر العظام، ما زلتَ قادرًا على مدّ قدمكِ في طريقي أو دفعي للسقوط بشكلٍ أو بآخر. أدخل إلى غرفتكَ لأنّي لا أرغب في الوقوف ومواجهة النظرات في الخارج.
ممدّدًا كشيءٍ لا يشبهكَ أبدًا؛ أقترب منكَ بوجلٍ وكأنّي حتى اللحظة، لا أصدّق أنكَ عاجزٌ عن عمل مقلبٍ ما بي. تفتح عينيك، تنظر إليّ.. أفتّش عن غابة الصبّار، عن بعضها، عن شوكةٍ واحدةٍ منها.. فلا أرى شيئًا، سوى دمعةً انزلقتْ من جفنك. أبتسم لك، وأخرج.

على حديد الشرفة؛ وقف عصفوران يغرّدان لشروق الشمس. رفعتَ جريدتكَ بيدكَ اليسرى، بينما ترتدي منظار القراءة بيدكَ اليمنى، وبهدوء شديد قلبتَ الصفحة الأولى، مبتسمًا للعصفورَيْن المتقافزَيْن اللذين لم تفزعهما خشخشة الورق. من خلف الزجاج أراقبكَ، ثمّ أنهض ساحبةً بطّانيّةً صوفيّة، وحاملةً بالكفّ الأخرى كوب قهوتك، فاترًا كما تحبّه. أنحني من خلف مسند كرسيّك ذي العجلتين ومن فوق كتفكَ؛ أضع كوبك على الطاولة أمامك. ترفع رأسكَ ملتفًا نصف التفاتةٍ إليّ خلفكَ مبتسمًا، فأبتسم وأنحني مرّةً أخرى أغطّي رجليكَ بالدثار الصوفيّ، يصبح فمكَ قرب أذني تمامًا، فتقول لي بصوتٍ واضح: هل قلتُ لكِ من عشرين عامًا، أربعين عامًا.. آآآه.. مذ كنّا صغارًا، هل قلتُ لكِ..إنّي أحبّكِ؟.
أنظر إليكَ بهدوء وأقول: لا، ولماذا قد تخبرني بشيءٍ أعرفه؟
تطرف لحظة، ثمّ تتساءل بدهشةٍ حقيقيّة: كيف تعرفين؟! أنا لم أخبر أحدًا! وكلّ ما كنتُ أفعله كان عكس ذلك.
أقترب أكثر وأرفع منظاركَ، وأنا أقول: لأنّني -ببساطة- رأيتُه، رأيتُه كلّه.. في عينيك.

4 thoughts on “رأيتُ ذلك في عينيك

  1. رائعة
    هل تكفي الكلمة أم أزيد ؟
    لن أزيد ..
    لكني أرجو أن تزيدي ، ويزداد قلمك نضوجاً
    وتزدادين تألقاً
    :heart4:



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)