ذلك الزمن في الحافلة

حين صعدتُ الحافلة صباح اليوم متّجهة لزيارة صديقتي في المشفى؛ كان في داخلي استياءٌ عجيبٌ من نفسي، واتّهامٌ لها بالحماقة.
إذ كان صباحي الباكر مزدحمًا بعدّة أعمال داخل المنزل، ثمّ إيصال ابنتي الأولى إلى مدرستها، فالذهاب إلى الطبيب لموعدٍ لي، ثمّ الذهاب للسوق مع ابنتي الثانية لابتياع زهرٍ آخذه بيدي لصديقتي المريضة، ثمّ إيصال ابنتي إلى روضتها، وبعد هذا ركوب الحافلة لنصف ساعة هي مسافة الطريق.
وعند موقف الحافلة؛ كان معي من الوقت قبل وصولها قرابة 13 دقيقة، فقرّرتُ ولأوّل مرّة في حياتي (المرّة الأولى حقًّا لا مزاحًا) أن أبتاع لنفسي كوب قهوة أشربه في الطريق. ودخلتُ إلى السوق حاملةً أصيص النبتة المزهرة التي ابتعتُها لأنّي وجدتُها أجمل من الزهور التي تذبل بعد حين، وبعد حيرةٍ لدقائق، ابتعتُ من أحد المحالّ قطعة كرواسان سكّريّة، ثمّ عرّجتُ على محلّ آخر وطلبتُ شايًا لأنّي في آخر لحظة قدّرتُ أنّي قد لا أحبّ القهوة من عنده إذ إنّي لا أشرب القهوة إلا بمزاجٍ، ولا تعجبني أيّة قهوة. ولأنّي لستُ مغرمةً بالشاي، فقد أضفتُ له القليل من السكّر والحليب! وأنا منذ أكثر من عشرة أعوامٍ لم أشرب شايًا بالحليب.
وخرجتُ حاملةً كيسًا كبيرًا فيه أصيص النبتة، معلّقًا في منتصف ذراعي اليسرى، وبنفس اليد أحمل الكيس الورقيّ وفيه الكرواسان، وبين إصبعين أمسك الكوب المغطّى (الحمد لله ليس مفتوحًا) لأتمكّن من إظهار بطاقة المواصلات خاصّتي عند ركوب الحافلة، بيدي اليمنى.
صعدتُ فإذ مقاعد الحافلة ممتلئة، وبدأ شعورٌ بالاستياء يغمرني، ولمتُ نفسي أن لم أركب الحافلة الأخرى وأكمل طريقي بالمترو، فالمسافة نفسها لكن عليّ التبديل بين الوسيلتين في محطّة ما. وكنتُ سأجد عددًا من المقاعد الفارغة لو فعلتُ ذلك. خطوتُ في الحافلة فإذ الناس يحدّقون بي، أو هكذا شعرتُ.. ولم أفهم السبب.. وقلتُ لعلّها عيني المحمرّة المريضة، وحاولتُ أن أقنع نفسي إنّه أمرٌ طبيعيّ أن تلفت أنظارهم. *لو كنتُ أصعد الحافلة في بلدٍ لن أسمّيه، كنتُ سأعجب جدًّا لو لم يحدّقوا بي..*
ثمّ تذكّرتُ الكوب العظيم الساخن حين بدأتْ يدي تلسعني، وقلتُ لعلّهم مستغربون.. فنادرًا ما يصعد راكبٌ بكوبٍ ساخنٍ إلى الحافلة. أخيرًا وجدتُ مقعدًا، وبالكاد احتفظتُ بتوازني لأستطيع الجلوس دفعةً واحدة، بالاعتماد على يدٍ واحدة. ولشدّة ضيقي بقيتُ جالسةً متشنّجة محطّتين متتاليتين، أثبّت نظري إلى أبعد مدى أمامي، وأحاول بين فينة وأخرى أن أرشف شايي الساخن. كنتُ أفكّر:
أنا لا أشرب شيئًا ساخنًا في الأحوال العاديّة وفي بيتي، غالبًا أشرب وآكل الدافئ أو الفاتر، فما الذي خطر ببالي اليوم؟! وفي الحافلة؟! وأنا أحمل أصيص نباتٍ قابلٍ للكسر؟!! *لو كنتُ مثل بعض ناسٍ لن أذكر أسماءهم، لقلتُ إنّ الفضول يقتل الركّاب ليعرفوا ما الذي أشربه..*
بعد المحطّة الثالثة، بدأتُ أسترخي نوعًا، ورتّبتُ أشيائي في حضني، ورحتُ أرشف الشاي على مهل وأتشاغل بمراقبة قدميّ طفلةٍ رضيعة في عربتها على بُعدِ مقعدين أمامي.
وجدتُني في المحطّة الرابعة أستمتع بطعم الشاي بالحليب وقد كفّ عن لسعي بسخونته، كنتُ أحبّه فعلا.. وتذكّرتُ طفولتنا ودعايات الحليب المُحَلّى المقابل لحليب (نستله) وقتها، وكان اسمه (أبو قوس)، وكنّا نضيفه أحيانًا للشاي.
كان باب الحافلة ينفتح عند كلّ محطّة؛ فتهبّ منه نسمةٌ باردةٌ رغم الشمس الساخنة، تحمل معها جَمال الربيع الصافي، فأتمسّك أكثر بكوبي الدافئ.
عند المحطّة الخامسة كنتُ أبتسم، وقد انتبهتُ للمرّة الأولى منذ جلوسي إلى جارتي الملاصقة لي في المقعد، كان مقعدي على جانب الممرّ، بينما مقعدها يطلّ على النافذة، لكنّي وبزاوية عيني، كنتُ أرى فقط: امرأةً تخفض رأسها إلى حِجرها، ولا تنظر من النافذة مطلقًا. خطر في بالي إنّها مستغرقةٌ في القراءة، نظرتُ أخيرًا بطرف عيني (كي لا تستاء من فضولي فلعلّها مشغولةٌ بهاتفها المحمول في أمرٍ شخصيّ) فإذا هي تنسج شيئًا بالمخرز وخيطٍ رفيعٍ جدًّا بنفسجيّ اللون. هتفتُ داخلي بابتسامة بدتْ على وجهي: كروشيه!
ورحتُ أراقبها باهتمام، كانتْ تنسج شكل زهرةٍ مفرّغةٍ ما زلتُ أراها في عقلي وأنا أكتب هذا الكلام، وكانتْ منهمكةً في عدّ الغُرَز ما أوحى لي أنّها تجربتها الأولى، وعندما تهتزّ الحافلة قليلا، يتحرّك المخرز ويختلّ العمل، فتعيده بكلّ هدوء وتصميم.
في المحطّة السابعة نزل الشابّ الذي كان يجلس في المقعد المقابل لنا، فارتحتُ في جلستي، وأنزلتُ كيس النبتة ووضعتُه بين قدميّ، وكنتُ قد أنهيتُ نصف كوبي. استغللتُ فرصة توقّف الحافلة وقلتُ لها بصوتٍ مسموع (بالألمانية طبعًا): هذا جميلٌ جدًّا.
فالتفتتْ إليّ بابتسامةٍ وقالتْ: شكرًا لكِ.
كانتْ في آخر الستّينيّات من عمرها بتقديري، تضع كلّ مساحيق التجميل ولكن بألوان فاتحة، وأظافرها مصقولة مطليّة بلون ورديّ، وترتدي ملابس ربيعيّة أنيقة، وتصفيفة شعرها توحي باعتنائها الشديد بمظهرها، كنتُ أقول في نفسي: لديها كلّ هذا المال لتصرفه على مظهرها ومع ذلك تتعلّم شيئًا جديدًا، وتعمل على إنجازه يدويًّا، وهي قادرةٌ على ابتياعه جاهزًا.
سألتُها: لو تأذنين لي بسؤالك، ماذا ستفعلين بهذه؟ (أقصد الوردة)،
فقالتْ: أووه طبعًا، انظري، وأخرجتْ من كيسها بيضةً بلاستيكيّة شفّافة قد نسجتْ لها باللون الأخضر لباسًا مخرّمًا وفي أعلاه تعليقة صغيرة، وقالتْ وهي تبتسم: أريد أن أصنع مثل هذه للفصح، وأكملتْ وهي تضحك: أعلم أنّ الفصح انتهى وأنا أتعلّم، ولكن -على الأقلّ- لديّ الآن الوقت الكافي لإنجاز هذه للفصح القادم.
فضحكتُ معها وقلتُ لها: إنّها جميلةٌ فعلا، أنا أحبّ الكروشيه، لقد تعلّمتُه من أمّي..
قالتْ: لقد تعلّمتُها من خالتي/عمّتي (الكلمة نفسها بالألمانية)، وجدتُها تنسجها فقلتُ لها علّميني، ولذلك أعدّ وأعدّ بحرصٍ -وهي تضحك- فأنا تعبتُ حتى حفظتُها ولا أريد أن أخطئ.
وفي عقلي كنتُ أفكّر: يا سلام.. إذا كانتْ هي في أوّل السبعين، فكم عمر خالتها هذه التي ما زالتْ حتى الآن ترى وتنسج وتعلّم؟ ما علينا..
ثمّ قالتْ لي: ويمكن أيضًا بنفس هذه الطريقة أن يصنع المرء مفرشًا لطاولة مثلا..
فأجبتُها بابتسامة: هذا بصراحة ما اعتقدتُ في البداية أنّكِ تقومين به.. هل لي أن أسأل من أين ابتعتِ الخيط، فأنا أجد غالبًا خيوطًا صوفيّة وهذا قطنيّ؟ فذكرتْ اسم محلٍّ لا تسمح لي ميزانيّتي بالابتياع منه! وشكرتُها بأدب، وأنهيتُ كوبي وأنا أفكّر: وهي أيضًا مستعدّة لابتياع لفّة الخيط بأربعة أو خمسة يورو، لتصنع هذه الاشياء التي ستعلّق في عيدهم لعدّة أيّام، وتتباهى بها أمام أحفادها أو أبنائها لا أدري أمام مَن حقًّا، ولكن لا بدّ أنّها ستقول لهم بفخرٍ إنّها تعلّمت وأنجزتْها وسيقدّرون ذلك.
أخيرًا وصلتُ إلى محطّتي؛ فنهضتُ وأنا أقول لها كما العادة هنا: أتمنّى لكِ يومًا سعيدًا.
أجابتْني كما هي العادة: ولكِ أيضًا. *لو كنتُ مكان ناسٍ تعرفونهم مثلي، لرحتُ أبالغ بالتباهي بإنجازاتي في هذا الفنّ، ولرحتُ أعطيها دروسًا مجّانيّة لم تطلبها.. ما علينا..*
نزلتُ وقد تبدّل مزاجي تمامًا إلى الأفضل، وقفتُ على طرف الرصيف، وفتحتُ هاتفي المحمول ورحتُ أبحث عن وجهتي عبر خرائط جووجل، ومشيتُ وعدتُ، ولاحظتُ أنّ الناس ترمقني رغم ارتدائي لنظّارتي الشمسيّة التي تخفي عيني الحمراء الشرّيرة، *قلتُ: ربّما يبدو عليّ إنّي تائهة، ما علينا..*
قرّرتُ أن أعبر الشارع للطرف الآخر من نفق المترو، وحين بدأتُ أهبط الدرجات سمعتُ امرأةً من خلفي تسألني: عفوًا هل أنتِ خبيرةُ بالمكان هنا؟
فضحكتُ وقلتُ لها: في الحقيقة أنا أبحث عن المكان الذي يُفترض بي الذهاب إليه.
فضحكتْ وقالتْ: إذًا أعتذر.. فأنا أيضًا أفتّش عن طريقي وظننتُ بإمكانكِ مساعدتي.
قلتُ لها: ربّما، أين تذهبين؟ وبعد سؤالٍ وجوابٍ أفدتُها بما أعرف،
فقالتْ: انظري، لقد ساعدتِني فعلا، أتمنّى أن تجدي طريقكِ أيضًا، شكرًا، أتمنّى لكِ نهاية أسبوع سعيدة.
ابتسمتُ لها: ولكِ أيضًا. *لو كانتْ المرأة في بلدٍ آخر لن أسمّيه، لوجدتْ عشرة أشخاص يدلّونها إلى الطريق الخطأ ويسرقون محفظتها على سبيل الواجب..*
طبعًا اكتشفتُ بعد عبوري للشارع أنّ عبوري كان خطأً، وعدتُ لأعبر الشارع مرّة أخرى، وأخيرًا وجدتُ المشفى، ووضعتُ هاتفي في الحقيبة، وبدأتُ أمشي بتؤدةٍ مستمتعةً بالطقس البديع، وأخرجتُ أخيرًا الكروسان الذي لم آكله بعد، ورحتُ أقسمه وآكله على مهل، وقد لمحتُ حاويةً بعيدة، فمشيتُ إليها بخطى ثابتة، وإذا امرأةٌ ستّينيّة قادمة من الجهة المقابلة ترمقني باهتمام، وبثقةٍ اتّجهتُ إلى الحاوية وتخلّصتُ من الكوب الفارغ، وعدتُ إلى الطريق وكانتْ المرأة عينها عليّ وهي تبتسم،
*قلتُ: لعلّها تظنّني من الأشكال الحضاريّة التي وصلتْ حديثًا والتي ترمي كلّ شيءٍ في الشارع باعتباره حاويةً عملاقة فابتسمتْ لأنّي خيّبتُ ظنّها!*
ولأنّي أرتدي منظاري الشمسي ابتسمتُ لها وهززتُ رأسي بتحيّة صامتة (كما هي العادة هنا)، لكنّي لم أفهم لماذا يرمقني الناس لهذه الدرجة بهذا الاهتمام.
أخيرًا دلفتُ المبنى الذي سأزور فيه صديقتي، اجتزتُ البوّابة وبحثتُ عن رقم الطابق على اللوحة المثبّتة على الجدار، وتوجّهتُ لأركب المصعد إلى الطابق السابع، ولكنّي توقّفتُ حين رأيتُ الواقفين عند المصاعد كلّهم من طاقم المشفى. عدتُ أدراجي إلى البوّابة، رتّبتُ نفسي وأشيائي في يدي وتوجّهتُ إلى موظّف الاستقبال وأنا أقول لنفسي: يا بنت، اسألي أحسن ما تاكلي بهدلة ويطلع المصعد للموظّفين. ابتسم لي: كيف أساعدك؟ أخبرتُه بالاسم الذي سأزوره، فذكر لي الطابق والغرفة وأشار إلى المصعد المقابل له تمامًا وهو يبتسم: يمكنكِ ركوب هذا المصعد.
أجبتُ بابتسامة عريضةٍ: شكرًا! لقد رآني كيف دخلتُ ورجعتُ ووقفتُ ثمّ عدتُ وسألتُه. *في كوكبٍ آخر، كنتُ سأجد موظّف الاستقبال من ذلك النوع المتوحّش الذي يفهم وظيفة الاستقبال خطأً على أنّها وظيفة حراسة الأسرار الخطيرة.. ولا يعطي معلومة واحدةً مفيدة أو صحيحة، بالإضافة إلى تكشيرة متعوبٍ عليها..*

فقط.. عندما خلعتُ شاليَ الصوفيَّ العريضَ المعقودَ على عنقي وكتفيّ، انتبهتُ لسبب نظرات الناس: كانتْ تلك الزهرة الكبيرة ورديّة البتلات التي علّقتُها بفتحات أزرار معطفي ونسيتُ أمرها تمامًا! إنّها الزهرة التي ناولتْها بائعة الورد اللطيفة لابنتي حين رأتْها تشير إلى الزهور الجميلة بخجلٍ وتحدّثني بالعربيّة، فأهدتْها تلك، وما كان من ابنتي إلا أن قالتْ لي: خذيها معكِ للبيت فأنا لا أريد أن يشمّها الأولاد في الروضة! وكأنّها تخاف أن ينتهي رصيد الرائحة لو شمّها كثيرون. فعلّقتُ الزهرة هكذا لأنّي لم أعد للبيت، ولأنّي خشيتُ أن تُسحق في الحقيبة أو الكيس.

وطيلة الوقت كان الناس يرمقون ملابسي السوداء وشالي، ومعطفي الأزرق، وزهرة ابنتي، وربّما وجهي المستمتع بالربيع، ويبتسمون.

2 responses to “ذلك الزمن في الحافلة

  1. لبابة الهواري

    شو حلوة يومياتك جمان ..
    عفوية
    ممتعة
    سلسة
    وبتشد

    الربيع كلوو بقلبك

  2. أعجبتني دقة الملاحظة والوصف الممتع والتعليقات المرحة
    وأحسست أني أضعت لحظات مرح خالصة وممتعة إذ لم أعثر عليها حتى اليوم
    أسلوب في الكتابة جديد وشيق ستحتاجينه مع الأيام أكثر.. صدقيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.