ليس الآن.

“وأنتَ ما زلتَ تتكلّم. والآن بدأ النزق يكسو ملامحكَ متّهمًا إيّاي بأنّي لا أنصت. كيف سأقول لكَ أن تسكت.. لطفًا؟. هل ستقبل ذلك لو طلبتُه منك؟! كيف أقول لكَ إنّ حديثكَ ممتع ولكن ليس الآن؟ وكيف سأخبركَ عن أولئك الذين (يتكلّمون) داخل رأسي ولا يريدون أن (يخرسوا) قليلا، دون أن تظنّ بي جنونًا؟!!
أو عن (هُم) الذين قضوا عدّة ليالٍ سابقةٍ (يتمشّون) في أحلامي ويسهرون وتعلو أصواتهم، حتى أنهض قُبيل الفجر برأسٍ مليءٍ بالخطوات، والكلمات، والمشاكل والنزاعات؟!
لن تصدّقني. أعني إنّكَ لن تصدّق ألا علاقة لي بوجودهم في رأسي، وأنّي لا أملك إخراجهم منه، وألا سلطة لي عليهم وهم داخله!
ليلة أمس مثلا، وبعدما غفونا، استيقظتُ عدّة مرّات خلال ثلاث ساعات، في المرّة الأولى لم أدرك أنّي كنتُ أحلم، فتحتُ عينيّ ونظرتُ إلى نور الساعة الإلكترونيّة ورأيتُه يقترب من الثانية عشرة منتصفَ الليل، التفتُّ يسارًا لأسألـ(ـه) ماذا يفعل هنا، فلم أجده. أتتخيّل الفوضى التي ملأتْني حينها وأنا أحاول هضم الحقيقة إنّه كان حلُمًا؟ وحينها استيقظتَ أنتَ وبتلقائيّة جذبتني إليكَ تضمنّي، وأنا سارحةٌ ببلاهة أحاول فهم من أين جاء إلى رأسي وإلى أين ذهب، والسؤال الأهمّ: من حضرته؟!، وفي قلبي أقول لكَ إنّي أقدّر حبّك لكن ليس الآن وقت التعبير عنه.
لقد رأيتُ أناسًا لم أرهم منذ عقود، وأشخاصًا لا أعرف من هم أصلا، ولا أذكر إنّي التقيتُهم من قبل، لماذا يتجوّلون في دماغي هكذا ويفتحون أدراجه بحريّة؟. دخلتُ غرفةً مليئةً بالغبار واندهشتُ من عدد الناس فيها، كانوا منهمكين كمحقّقين محترفين في التفتيش بين الأرفف والصناديق، عن ماذا؟! لا أدري. من هم؟ لا أعرفهم.. صِدقًا لا أعرف أيًّا منهم. والمشكلة إنّ أشكالهم لا تدلّ على أي ترابط منطقيّ أو تاريخي أو نوعيّ. استيقظتُ للمرّة الثانية، وحين غفوتُ مجدّدًا عدتُ للموقع ذاته، حاولتُ أن أتكلّم وأفهم فقط ما الذي يحدث هنا؟ ثمّ خرجتُ من الغرفة بغضبٍ بعد أن عرفت أنّ صوتي غير مسموع فيها. ورأيتُ نفسي في حديقة مهملة أقرب لغابة استوائيّة، ومليئة بالناس أيضًا! ما هذا الزحام؟ كلّهم منهمكون في نقاشٍ ما، ومتضايقون من شيءٍ ما، ولا يرونني. لماذا يجلسون في رأسي؟! هل وجدوه بالصدفة فارغًا فقرّروا مَلْأه؟!
وأنتَ تأتي الآن لتكلّمني عن تاريخ البطاطس! بربّك.. هل هذا وقتُه؟! هنالك مؤتمرٌ نوويٌّ يجري في عقلي لا أدري من يديره، ولا أعرف مقرّراته النهائيّة. تاريخ البطاطس يبدو شائقًا يا عزيزي.. لكن ليس الآن.
هل تدرك ماذا يمكن أن يحدث لتركيزك بعد عدّة أيّام حين يستيقظ كلّ هؤلاء النائمين في رأسك وقت نومك؟! لكَ أن تتخيّل.. أو أن تكتفي بتأمّلي. إنّهم ليسوا من خيالي فلا تحاول أن تقنعني، في رأسكَ أمثالهم، لكنّهم محنّطون، أو ميّتون، أو خُرس، أو في وضعيّة سُبات أو شلل تامّ، لا يهمّني أن أعرف حالهم. لكن لا تحاول أن تقنعني إنّي اختلقتُ كلّ هؤلاء وزرعتُهم في رأسي! لقد خرجوا فجأة من اللامكان.. ساخطين، أنفاسهم ثقيلة، حجبوا ضوء الشمس عن أرض أفكاري وملؤوها غبارًا وفوضى ومشاكل ونزاعات.
والآن تسألني إن كتبتُ قائمةً بما نحتاجه للبيت! متى وصلنا إلى هنا؟! المستيقظون في عقلي تناولوا فطورهم وقهوتهم واستعادوا نشاطهم وأنا أمشي كالمخدّرة، مندهشةً أنّي وضعتُ طعام الفطور وأكلتُ معكَ وغسلتُ الأطباق! انتبهتُ فجأةً وكأنّي كنتُ في غيبوبة. والتفتُّ إليكَ أقول ليس الآن.
هربتُ واختبأتُ في الحمّام وأغمضتُ عينيّ أحاول التقاط وجهٍ واحدٍ فقط من وجوه هؤلاء المتسكّعين لأتعرّفه، لم أقدر. يفرّون كالزئبق. الآن أنا أقف بينهم وأصرخ: اخرسوا.. وارحلوا، يكفي هذا. لكنّي أرى صوتي يخرج كفقاعة هواء في كوب ماء! (بلب بلب).. يا سلام!!
لم أدرك الوقت الذي مضى إلا وأنتَ تدقّ الباب قلقًا عليّ! الآن بدأتُ أغضب. أنتَ خارج رأسي وهم داخله، وجميعكم تريدون أن تتكلّموا معًا!
أنا أحبّ أن تقلق عليّ يا عزيزي، لكن ليس الآن!!”
..
بعد أيّام، من مشفى الأمراض العقليّة:
“قلتُ لكَ إنّي لستُ مجنونة، كلّ ما في الأمر إنّكَ تملك مفتاحًا تقفل به الباب على (أولئك) في عقلك، وترفض أن تعطيني نسخة من المفتاح لأقفل على (أولئك) الذين يتجوّلون في عقلي!
وكلّما قلتُ لكَ أأعود معكَ اليوم إلى البيت، تقول لي: ليس الآن.”

مستوحاة من سيرة كاتبة روايات إنجليزية أحبّها زوجها كثيرًا وحاول أن يعالجها لكنها في النهاية انتحرتْ، لأنّ الذين (يتكلّمون في رأسها) لم يخرسوا.

One response to “ليس الآن.

  1. Pingback: عذاب الموهوبين | أشياء صغيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.