عذاب الموهوبين

كنتُ أكتب كثيرًا في ما يسمّيه الناس (مذكّرات) وأسمّيها أنا (مزبلتي الفكريّة).
منذ خمسة أعوام مضت.. لم أعد أكتب فيها إلا لمامًا، اعتقدتُ أنّ السببَ متعلّقٌ بماهيّة كتاباتي السابقة، وكان هذا صحيحًا نوعًا ما.. فأنا كنتُ أكتب هناك حين أشعر بالضيق والانزعاج -وغالبًا- حين يتملّكني شعور سلبيّ. الآن صرتُ أصرّف مشاعري السلبيّة بطرق أخرى، نعم.. أحيانًا باللسان، وغالبًا باليد.. في تلميع واجهات خزائن المطبخ!.
واليوم تذكّرتُ آخر سطر ٍكتبتُه في الدفتر منذ شهرين تقريبًا:
الكتابة مهنة المترَفين، وعذاب المحتاجين الموهوبين. كتبتُها كي أتوقّف عن لوم نفسي لأنّي فشلتُ في (الاسترزاق) من وراء الكتابة. وتذكّرتُ بغيظٍ كم كتابًا قرأتُ وثمنُه المبلغَ الفلاني.. وحزنتُ على الشجرة التي قطعوها ليصنعوا منها ورقًا يمتلئ بالهراء وينتهي في حاوية الورق لإعادة التكرير، لعلّه إن صار مناديل مطبخٍ أو حمّامٍ بات أكثر نفعًا.
اليوم فكّرتُ وأنا أقرأ كتابًا لابنتي، قرأتُه لها عشر مرّات سابقًا على الأقلّ: هل كلّ القرّاء يقرؤون بانتقاديّة مثلي؟ أعني إنّي لم أقرأ لها نصّ الكتاب ولا مرّة كما هو، في كلّ مرّة أغيّر فيه. ترى لو علمتُ أنّ أحدًا غيري يفعل بكتاباتي ما أفعله بكتابات غيري من تغيير للنصوص بانتقاديّة.. هل سأتضايق أم سأشكره لأنّه عبّر عن رأيه؟ لا أعرف حقًّا.
الكتابة عذاب الموهوب الذي يحتاج مصدر رزق لأنّها أبدًا لن تكون له ذلك إلا إن صار مثل الشعراء على أبواب السلاطين قديمًا. ليس لأنّ الناس اليوم لا تقرأ.. وهل كان الناس من قبل يقرؤون؟ ولماذا إذن كان العلماء يعيشون حياة الكفاف تقريبًا إلا من عاش منهم في كنف الحاكم الذي كان -من لطف أقدار الله- يحبّ العلم والعلماء؟ حتى إذا قضى الله أمره واستردّ أمانته جاء الحاكم الذي يليه ورمى بالعلماء لأنّه من مشجّعي المعارك والحروب. هكذا كان الحال من قبل وما زال، ومن قبل كان الناس متفرّجين وما زالوا. ومن قبل كان هنالك الخاصّة الأقلّيّة الذي يفرضون اتّجاه العلم والدين والسياسة والقوّة في كلّ بلد، وهنالك العامّة الأكثريّة الذين يتبعون، وما زال هذا الحال.
الكتابة مهنة المترَف الذي ضمن مهنة أو وظيفة أخرى وصار في غنًى عن البحث عن لقمة عيشه. أو هي مهنة الأعزب الوحيد الذي لا يعول سوى نفسه وليس لديه (من) يخسره.
لكنّها حتمًا ليست المهنة الملائمة للأمّ، أبدًا. ولن تطعمها سوى وجع القلب وصداع الرأس وضيق الوقت.
أن أفكّر بالكتابة بعد أربع ساعات في المطبخ، وخروج وعودة خمس مرّات للتوصيل من وإلى البيت، ومراجعة دروس ابنتي وواجباتها، والقراءة معها لتحسين مستوى تحصيلها الدراسيّ، والجلوس مع الأخرى التي لا واجبات لديها ولكنّ الغيرة تأكل قلبها، وتريد أن تنال مثل ذلك الاهتمام، ثم التنظيف والترتيب والغسيل وأعمال البيت العاديّة التي لا تنتهي والتي لا يُلقي لها بقيّة أفراد البيت بالا لسببٍ بسيط: هي لا تهمّهم. لقد اكتشفتُ متأخّرًا أنّي الشخص الوحيد في البيت الذي يرى الأوساخ.. أي والله! ويهتمّ لإزالتها. بل وأشعر بأنّ أعصابي تخرج من رأسي وتقفز أمامي حين أرى رفًّا أصابته الفوضى فجأة وأنا -بحسب آخر معلوماتي- قد رتّبتُه منذ يومين فقط! ولم أدرِ هل أسعد بهذا الاكتشاف وأحمد الله وأحاول أن أرتاح وأتعلّم التجاهل و(التطنيش)؟ أم أبقى على ما أنا عليه من ملاحقة ومتابعة حتى لا تصيبني العدوى ويتحوّل البيت إلى مكبّ نفايات مرّ به إعصار؟!
وبعد ذلك النهار الذي يبدأ مع السادسة صباحًا ولا ينتهي، أجلس لأقول لنفسي إنّي أكتب كي أرتاح، فما إن آخذ مكاني على كرسيّ المكتب حتى أرى الكتاب الذي قرأتُ منه صفحتين وتوقّفت، ومصحفي ووِردي اليوميّ الذي تأخّرتُ فيه، وكتب المدرسة والتحضير، وماكينة الخياطة والأقمشة المقصوصة التي تنتظر دورها، والكاميرا التي تنتظر ابنتي أن أفرغ مقاطع الفيديو منها. وأحاول أن أتجاهل، وأفتح حاسوبي فأتذكّر الامتحان الذي عليّ أن أؤدّيه عندما (أشعر) أنّي جاهزة له! يا سلام ما أجمل هذه الكلمة.. التي لن تحدث أبدًا طبعًا. وهل سأمشي إلى الامتحان برضاي وأنا (أشعر) شعورًا إيجابيًّا بالجاهزيّة؟! ربّما، لو صرتُ كائنًا آخر سواي.
كيف يجد الناس الوقت لكلّ أشيائهم؟! تحديدًا أولئك الذين يجلسون ولا يفعلون شيئًا؟. أليس لديهم مئة ألف مشروعٍ مثلي؟ ألم يكتبوا قائمة أحلامهم وقائمة مهمّاتهم المستَعجلة، وأخرى لتلك المؤجَّلة، فوجدوها تعدّتْ العشرين في يوم واحد؟! من أين يأتيهم هذا (الرَّواق)؟ هذا المزاج لفعل اللاشيء؟. للجلوسِ بيدين خاليتين؟!.
اليوم تحديدًا يلحّ عليّ النصّ الأخير الذي كتبتُه عن تلك الكاتبة الإنجليزيّة المنتحرة، وتذكّرتُ إنّها كانتْ من النوع الأوّل: مترَفة تمتهن الكتابة. لم ترزق أطفالا، ولديها خدمٌ في بيتها وكانتْ كاتبة فريدة في زمانها،  وكان زوجها يحبّها ويتفهّم مزاجها الغريب. وفي النهاية.. أغرقتْ نفسها في النهر مع رسالة اعتذارٍ له، تقول فيها إنّ الذين يتكلّمون في رأسها لم يخرسوا! بربّك؟!.. ربّما لو كنتِ مشغولة بالطبخ وحفر الكوسا مثلا، أو بالغسيل والوقوف ساعتين للكيّ، أو بتلميع الأراضي الخشبيّة والكريستالات التي تملأ بيتك؛ لما وجدتِ وقتًا لتسمعي صوت أولئك الذي يتكلّمون، لخرسوا جميعًا وانهدّوا من التعب وأصِبتِ كلّ ليلةٍ بإغماءةٍ تبدو كالإغفاءة، وشُفيتِ من داء الكتابة وتوقّفتِ عن النشر وتبنّيتِ طفلا أو اثنين من الميتم وعاش الجميع سعداء!

أظنّني أفضّل أن أكون من الموهوبين على أن أكون من المترَفين، نعم.. أنا موهوبة في الكتابة وليس هذا فخرًا، بل مرَضًا لا شفاء منه، وإن لم أفعّله فعليّ زكاتُه، الأمر يشبه عندي العودة للتعليم رغم كراهتي (لجوّه) المدرسيّ، لأنّي أعرف أنّ عليّ زكاة علمي وأنّي قادرة على منح أولئك الأولاد شيئًا ينفعهم.

لكنّي -ولسببٍ ما- لا أستريح لفكرة أن آكل بأفكاري خبزًا. ربّما أفضّل أن أتوقّف عن الكتابة تمامًا وأبقى في خانة المعذَّبين على التحوّل للخانة الأخرى.

2 responses to “عذاب الموهوبين

  1. يا حبيبة
    بت أغبطك على الأفكار الغزيرة والقلم السيال وعلى دقة العرض وجمال الوصف ..
    كثير مما ذكرتِه مررتُ به .
    ولعل ما توصلتِ إليه أخيراً هو ما يمنعني من امتهان كتابة الرواية، والاكتفاء بعبارات وحكايات قد يكون فيها النفع لمن يعاني
    أسأل الله أن يجعل حروفنا في سبيله وإرضاء له :heart2:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.