نانا

(نانا)؛ بحثتُ منذ عام عن مصدر هذه الكلمة الموجودة في لهجتنا، حتّى وجدتُها في القاموس الإنجليزيّ، يقول: نانا هي الجدّة أو من تقوم مقامها كمربيّة.
هكذا باختصار يقول القاموس عنكِ: مصدر التربية التي يختلط فيها الحزم بالحنان والمحبّة والعطف. لا تُقال للأمّ لأنّ الأمّ لا تمتلك هدوء وحكمة الجدّة، ولا تُقال للمعلّمة لأنّها لا تملك محبّة وحنان الجدّة، هي لكِ أنتِ فقط. كلمة خفيفة لطيفة عذبة سريعة تلخّص كلّ مشاعرنا:
نانا.. نهرب إليكِ من عقوبة ماما، نانا.. تعطينا الحلوى بدون حدود، نانا.. تجعل المبيت الجماعيّ في دارها مسموحًا بل وواجبًا، نانا.. آخر من يجلس إلى مائدة الطعام لأنّها تريد أن تتأكّد بنفسها من وجود كلّ شيءٍ واكتمال السفرة.
نانا من المستحيل أن تطلب من أحدنا أن ينهض ويحضر لها الملح أو كوب الماء المليء بالثلج.. تنهض بصمت لتحضره بنفسها.
نانا هي التي تتولّى شواء اللحم مهما كانت درجة الحرارة، ولو حدث وتنازلتْ عن العمليّة لا بدّ أن تجلس للمراقبة والملاحظة.
نانا لا تقبل أن يسيء البشر لأيّ كائن حيّ: لا تقبل ترويع طائر، ولا طرد قطّة، ولا قطع نبتة.
نانا لا تحبّ أن تبقى القطط في حديقة البيت كي لا تعيث في الزرع فسادًا، لكنّها لا تقبل أبدًا أن تُبقيها جائعة.
نانا ترى أن طريقتنا في التنظيف عبثٌ ولعب، ولديها القدرة على (نفض) البيت بطوابقه وحجراته بمفردها.
نانا حين تهدينا شيئًا من أغراضها نطير فرحًا، وتفرح هي كلّما رأتنا نلبسه أو نستخدمه.
نانا لم تتعلّم القراءة ولا الكتابة ولكنّها تحسب أسرع من الحاسوب وتعرف كيف تستخدم الهاتف.
نانا لم أرَها ترمي كيسًا ولا قطعة قماشٍ قطّ، كانتْ تطويها جميعًا بعناية وترتّبها في مكانٍ ما.
نانا كانتْ تدخّن منذ صباها وتركتْ التدخين وهي في الثمانين، ورغم كراهيتي للتدخين.. كنتُ أحبّ علبتها المذهّبة الصغيرة، وطريقتها في لفّ ورق التبغ.
نانا لم أسمعها تتأوّه أو تقول إنّ شيئًا يوجعها.. كانتْ كلمتها فقط: أووووف مع زفرة طويلة.
نانا لم تكن تعتقد بجدوى الدراسة لبناتها، لكنّها كانتْ تلاحق حفيداتها على التفوّق وتفرح بشهاداتنا الجامعيّة.
نانا كانتْ تجيد كلّ شيء..وما لم تكن تقدر أن تنجزه بيدها.. كانتْ تعرف من يمكنه أن ينجزه بإتقان كإتقانها.
حين تصمت نانا وتشرد.. كنتُ أشعر بالحزن لأنّي لم أكن قريبة منها كفاية لأعرف معنى نظرتها الشاردة.
حين ترى ابنتي الصغرى امرأةً عجوزًا تمشي متوكّئة على عكّاز؛ تقول: هَي عجوز جدًّا مِتِل نانا الكَبِيرة.
تردّ أختها الكبرى: إي بس نانا الكبيرة ماتت.
فتقول الصغرى: إي ماتت لأنّه صارتْ عجوز جدًّا.
فتجيب الكبرى بيقين وبساطة: لا.. ماتتْ لأنّه خِلِص عمرها.
ما بال ذلك اليقين يغيب عنّي أحيانًا وأنا قد لقّنتُها إيّاه؟
أفكّر لو أنّي كنتُ أكبر قليلا، لو أنّ أمّي أنجبتْني أنا أوّلا، لعرفتُكِ أكثر، لوجدتُ طريقي إلى قلبكِ أكثر، لقضيتُ أنا وبناتي معكِ وقتًا أكثر.

اشتقتُ لكِ نانا.. اشتقتُ كثيرًا، ولا أعرف ما أقول أكثر.

4 responses to “نانا

  1. كتبت .. ووصفت .. وكعادتك أبدعت
    رحم الله أمي .. وأحمد الله أن كان لها مثل هؤلاء الأحفاد يذكرونها رغم قصر العهد نسبيا بها ويدعون لها ويتمنون لو أنهم عرفوها أكثر .. :heart5:
    ترى هل سأكون يوما لأحفادي كما كانت نانا لكم ؟

  2. لقد حركت مشاعرنا ياجمان وهيجت أشواقنا .. وألهبت حنيننا.. كلنا نفتقدها ولا يمر علينا يوم دون ان نذكرها عبر مواقف الحياة المتعددة .. رحمك الله يا أمي وأسكنك الفردس الأعلى فبصماتك باقية مابقيت فينا روح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.