سئمنا فسقمنا.

لا أعرف لماذا توقّف أخي عن الكتابة. لم يتوقّف تماماً، لكنّي أراه توقُّفَ السأم حَدّ السقم. إنّي أراه هكذا.. لأنّي أشعر هكذا، ربّما لديه شعورٌ آخر. في الحقيقة.. أنا لم أسأله عن السبب. من حقّه أن يتغيّر.. من حقّه ألا يبقى هادئاً كما كان، ومن حقّه أن يتعب من الحياة، ومن حقّه أن يسأم من التعبير. هكذا افترضتُ بيني وبين نفسي، ولم أسأله.
غير أنّي بعد تفكير رأيتُ أنّ هذه نظرتي إليّ، وكأنّي أحتجّ لنفسي أمام نفسي لأتوقّف عن الكتابة، لأقدّم استقالتي تجاه ذاتي المصرّة أنّي أفعل شيئاً له معنى.. لها على الأقل.
تقول لي: لماذا؟
فأجيبها: لأسباب كثيرة، منها أنّ العالم مزدحمٌ جدَّا بكثيرين لديهم ما يقولونه، فلماذا لا أترك لهم المجال ليقولوه طالما ليس لديهم وقتٌ للاستماع؟ في الحقيقة.. إنّ المرّات التي لم أندم فيها على أنّي تكلّمتُ أو كتبت قليلة، قليلة جدًّا.
مرّة في الجامعة، بعد بدء الفصل الدراسيّ بشهرين، لا أذكر المادّة لكنّ الدكتور -ذكره الله بالخير- كان مصريًّا، وكانت محاضرته سرديّة بحتة، ولأنّنا ندرس عبر الدارَة المغلقة، لم يكن يرانا، وكنتُ أغتنم محاضراتٍ كتلك في أحد أمرين: النوم، أو الكتابة التي لا علاقة لها بالمحاضرة طبعا. وفجأة ولسبب لا أعلمه استشهد الدكتور بشطر البيت الشعريّ: كناطح صخرةٍ يوماً ليوهنها.. وسكت، ثمّ قال: هاااا؟ وحصلّه إيه؟ فلم تجب أيّ من الزميلات، وتناولتُ أنا السمّاعة وأكملتُ بتلقائيّة: فلم يضِرها، وأوهى قرنه الوعلُ. والحقيقة إنّ البيت الشعريّ كان من أحد مناهجنا القديمة وليس من ثقافتي، فما كان من الدكتور إلا أن تهلّل صوته وسأل عن اسم التي أجابت. وحين قلتُ اسمي، سمعتُ صوت تقليبه للأوراق، ثمّ قال لي: إنتِ يا بنتي ما بسمعش صوتك في الحاضرات ليه؟ ده انتِ مالكيش ولا مشاركة عندي. قلتُ بهدوء بعد لحظة صمت: ليس لديّ ما أقوله يا دكتور. ومع علمي المسبق أنّ أجوبتي من النوع (الفالج) كما تقول أمّي، إلا أنّي لم أفكّر مطوّلا في عاقبة هذه الإجابة تحديداً، وما كان من الدكتور إلا أن غضب وأرغى وأزبد واعتبرها إهانة لشخصه، فمعنى عبارتي عنده: إنّ المحاضرة بايخة ومالهاش معنى!
لم أنس رغم السنوات الطويلة هذه الحادثة لأنّ معناها لازمني، وما زال يلاحقني إلى الآن: المعنى الذي يقول إنّ معظم الناس يحبّون كثرة الكلام والفلسفة مع علمهم المسبق أنّ الصفحات العشر يمكن اختصارها في جملتين، وأنّ خير الكلام ما قلّ ودلّ. والحقيقة إنّي حُرمتُ من كثير من الدرجات في المرحلة الجامعية لأنّي لم أكن أجيد (تطويل) الجمل! حتّى إنّي حين سجّلتُ لبحث التخرّج، بقيتُ ستّ أسابيع متردّدة لم أرسل شيئاً لمشرفتي وأتهرّب منها، فلما أمسكتْني مرّة بالصدفة، وسألتْني عن السبب أخبرتُها أنّي لم أكتب سوى بضع صفحات قليلة، وأنّ البحث لن يتجاوز الثلاثين صفحة ربّما.. فقالتْ لي: لا يهمّني عدد الصفحات، أريد المضمون، أرسلي أيّ شيء ولو كان مسودة أو خربشة أفكار. كانتْ هذه دكتورة نادرة في عالم يحبّ الثرثرة.
أخاف دائماً أن أكون ضمن الذين يقول عنهم المثل الساري: سكت دهراً ونطق كفراً. لذلك لم أعرف أبداً متى عليّ أن أحكي ومتى أسكت. الكلام عِلم من الصعب تعلّمه وتعليمه، لذا نتعلّمه بالطريقة الأصعب: التجربة والتخبيص.
يقول المثل أيضاً: كثرة التماس، تميت الإحساس. وهذا المعنى ينطبق على كلّ شيءٍ كثُر وفقد معناه. كالكتابة مثلا. وليست المشكلة في الكاتب، بل في القارئ..في النوع المصفّق تحديداً. هذا النوع الذي تكاثر كثيراً جدّاً فوق حدّ الاحتمال بفضل وسائل النشر السريعة. لم يعد أحدٌ يتابع الأخطاء الإملائيّة ولا النحويّة القاتلة، بحجّة أنّها أخطاءٌ (طباعيّة). ماذا حدث لأيّامنا في المدرسة حين كنّا نراجع إجاباتنا قبل تسلميها لنعدّل الهمزات كي لا تطير العلامات؟!. زرّ (الميم) في لوحة مفاتيح حاسوبي ذي الأعوام السبعة، مفقود. أصابع ابنتي أطارتْه حين كانتْ في عامها الثاني. ومن ذلك الوقت وأنا أعاني عند الكتابة لأنّه يسقط غالبا من الكلمات أثناء الطباعة السريعة. هل عليّ إذا أن أتركه يذهب وأترك للقارئ حرّية التخمين؟!
وإن تجاوزتُ شكل المفردات وقلتُ لا بأس، فاللغة كانت محكيّة أوّلا قبل أن تكون مكتوبة.. وجدتُ الفراغ والهباء! لماذا كلّ هذا السرد والتطويل في موضوع نظريّ بحت معلوم مسبقا عند القارئ وما فيه جديد؟. وصرتُ أرى كتب الخطوات مثل: افعل ولا تفعل، و (دليل استخدامات أو تركيب كذا) كتباً رائعة فعلا. فهي -على الأقلّ- تحوي أرقاماً وخطوات.. فيها بداية ونهاية منطقيّة.. لها رأس وذيل!.
وتأتي جماعة الاعتراض على جماعة: الكتاب واضح من عنوانه. فهؤلاء لا يقرؤون كذا لأنّه واضح من عنوانه، فيأتي أولئك ويعترضون عليهم بأنّه لا يجوز الحكم على الأشياء من مظهرها. وأنا أتساءل: لماذا قال الفريق الأوّل سبب عدم قراءتهم؟ ولماذا تدخّل الفريق الثاني في هذا السبب؟! وتركوا جميعاً المضمون دون أن يلتفتوا إلى حقيقة: هل يهمّهم فعلا في حياتهم أم لا؟!
ثمّ يأتي المرض الحقيقيّ: الفريق الذي تجسّده حلقة من حلقات المسلسل البريطاني (Black Mirrors)، والمسلسل باختصار يتكلّم عن أثر الشاشات في حياة الناس (كلّ شاشة لها علاقة بالتكنلوجيا الحديثة)، وفكرة كلّ حلقة مستقلّة عن الأخرى، معظمها تخيّلية. أمّا القصّة التي أراها حقيقيّة جدّاً فتقول: اختفت النقود من العالم، وصار كلّ شيء في حياة الإنسان يعتمد على (بروفايله/ملفّه الشخصي) على برنامج مثل الفيسبوك لكنّه مثبّت في عدسة لاصقة على العين. وعدد الإعجابات وتقدير الشخص (من خمس نجوم) هو الذي يسمح له بالحصول على: وظيفة، بيت، تأمين صحّي.. إلخ من أساسيّات الحياة الكريمة. ومن ينخفض تقديره إلى أقلّ من اثنين يعيش حياة المشرّدين. ونحن لم نصل تماماً في عالمنا الواقعيّ إلى هذه المرحلة، لكنّ الناس في الحياة الاجتماعية وصلوا إليها، وصارت علاقاتهم تعتمد على مدى شعبيّتهم الإعلاميّة، وازدادت الأشواك والحساسيّات وسوء التفاهم والمجاملات الكاذبة والنفاق وشهادة الزور و.. نعم، باختصار زاد كلّ شيء سلبي. و نعم، المشكلة في التكنلوجيا، وليستْ في المستخدم فقط كما يقول جماعة (التعقّل والتحضّر). أن نتعلّم كيف نتعامل معها؟! لا.. من قال إنّه من الطبيعي أن يصبح هذا الكوكب كلّه قرية صغيرة؟! هل تتخيل هذه البلايين من الناس تعيش في قرية؟! ألا تشعر بالاختناق من مجرّد التفكير في هذه الصورة الذهنية؟!. هذا ليس طبيعيّاً أبداً، وما ليس بطبيعيّ لا يحقّ لأحد أن يطلب من الناس أن يتعاملوا معه بطبيعية. الوضع أشبه بالتسونامي تماماً، لكنّه مستمرّ. آلاف الأشياء تتدفّق وتندلق على رأسك دون أن تطلبها أو تكون بحاجتها، لكنّك تعرف السبيل للخلاص منها، وحين تهمّ أن تفعل.. يأتي من يشعركِ باستماتة أنّ الخطأ منك، وأنّك أنتَ المشكلة.. وليس له من مصلحة في ذلك، سوى أنّكَ مختلف.. وهو لا يحبّ أن يرى شيئاً مختلفا عمّا ألِفه، لأنّه يخاف.
بالغريزة، حين يرى الإنسان موجة قادمة لتبلعه، سيغلق النافذة، أو يصعد إلى أعلى سطح يراه، أو يتسلّق جبلا، أو يبقى في مكانه ويتشهّد. أمّا أن يقف -بكلّ حماقة أو رباطة جأش، لا أدري- ويصوّر الموجة وهي تبتلع أشياءه واحداَ تلو الآخر وتوشك أن تبلعه، ثمّ يتفرّج الملايين من الناس عليه، فهذا ما لا أفهمه.
الموجة بدأتْ بابتلاع ذكائنا الفطريّ، ثمّ أخلاقنا.. ولم يبق سوى بعض البشريّة فينا.. لا أدري هل تنجو قبل خروج يأجوج ومأجوج أم لا.

والآن.. هل نفعتني حجّتي هذه أمام نفسي؟ أم تراني فجأةً أجدتُ التطويل الذي لم أكن أطيقه، وكان عليّ أن أختصر الكلام في جملتين؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.