من كوكب إلى آخر

اليوم كانت أوّل مرة منذ خمسة عشر عاما أو أكثر، أخرج من البيت بالحجاب بدون (القطعة القطنيّة) تحته. طول الطريق في السيارة كنت أتحسس رأسي وحجابي وأشعر أني حاسرة الرأس تماما. ربما يبدو الأمر للبعض سخيفا.. لكنّ الشعور (بالعريّ) لازمني رغم قصر المسافة التي كانت كلّها بالسيارة (من الباب للباب).
لماذا أقصّ هذا؟ لأنّ هنالك شعوراً أو قانوناً غير مكتوب يسري بين النساء، أنّ التي نزعت الحجاب بعد فترة طويلة من الالتزام به، فعلتْ ذلك والموضوع عندها (عادي). لو كان عاديّاً لما قامت بقطع كلّ صلاتها السابقة بـ (كوكب) المحجّبات. هي ما نامت وصَحَت فجأة وقرّرت تطلع للشارع بلا حجاب. قرار كهذا يحتاج وقتاً لـ (يختمر) في نفس صاحبته، فأين كانتْ بقيّة الصاحبات عنها وهي تفكّر فيه؟. وفِعل كهذا يحتاج شجاعة كبيرة لتنفيذه، فلماذا لم تُستغلّ هذه الشجاعة في موضع آخر من الصحبة الصالحة؟.
والقانون يسري بين الرجال أيضا، وكم سمعنا عن زوج منع زوجته من ملاقاة فلانة بمجرّد أن أزاحت حجابها ويخاف أن تؤثّر عليها! وهذا كلام شخصٍ معاق في الحقيقة.. فكيف نرجو من أمثال هؤلاء أن يربّوا جيلا يفهم شيئًا في دينه؟.
ما أكثر المحجّبات التي تدعو وتلحّ على صاحبتها لارتداء الحجاب، فلما تفعل، تعتبر الأولى أنّ ذلك (انتصاراً لها)، وأنّ (المعركة) انتهتْ!. ولا هو انتصار ولا هي معركة.. وكلّ عبادة تحتاج أن تبدأ في حياة الإنسان كعادة، ثمّ يبدأ باستشعار معانيها دون التوقّف عن ممارستها. وهذا تماماً عكس ما (صرعونا) به في مدارسنا: لا يجوز أن تصبح العبادة عادة. على أساس أنّها ستفقد معناها. فلماذا إذاً قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ (تعويد) الطفل على الصلاة ثلاث سنوات ما بين السابعة والعاشرة؟ ولو انتظر كلّ إنسان أن يصل إلى درجة الخشوع ليقف ويصلّي.. فعلى العبادات السلام!
أمّا لو كانتْ صاحبتكِ ذات حجاب منذ عرفتِها، ثمّ قرّرت أن تنزعه، فأين كنتِ؟ وأين كان لسانك وهي تفكّر بصوت مسموع؟. تذكّري أنّ الحجاب (عبادة) مثل العبادتين التي يمكن أن تكون يوميّة لكنّه أصعب: فالصلاة والصيام ليس فيها مواجهة للمجتمع، يمكنك أن تقومي بها لأعوام دون أن يعرف أحد أنّك مسلمة (أعرف مسيحية أسلمتْ أكثر من ستّة أشهر ولم يشعر أهلها ولا حتّى في رمضان أنها صائمة وتصلي وهي معهم في نفس البيت)، إلا الحجاب بمجرّد ارتدائه بأيّ شكل من أشكاله، سيعرف الجميع أنّك مسلمة.
هذا الانفصال العجيب بين المحجّبات وغير المحجّبات لا يحدث إلا في العالم العربي أو القادمين منه، لم أرَه هنا في المجتمع الأوروبّي المسلم، وبحسب حديث والدتي عن أيام سورية القديمة، لم يكن موجودا هناك أيضا. وكأنّ الموضوع أنّ كل فئة تعيش على كوكب! صاحبتكِ كانتْ صاحبتكِ لسبب ما بالتأكيد لم يكن طريقة لبسها، أمّا لو كان ذلك هو الرابط الأساسيّ بينكِ وبينها، فأنصحكِ بمراجعة طبيب نفسيّ! فالصحبة تقوم على الأفكار وتلاقي الأرواح، وفرق بين أن تعاتبي صديقتكِ أو تتكلّمي معها مرارا وتكرارا في الموضوع، وبين أن تقطعي صلتك بها، سواء كنتِ أنتِ المحجبّة أو غير المحجبة. نحن بحاجة أن نبقى معاً في هذا الوقت الذي صار فيه العِداء أسهل من عطسة.

اللهم نسألك الهداية ومن بعدها الثبات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.