لماذا؟

لا عذر للألمان في الطلاق أو الانفصال. فالأسباب التي تؤدّي إلى الانفصال في مجتمعاتنا غير موجودة عندهم، وأعني أنّ هذا من حسن حظّهم. ولكن حتماً لديهم أسباب أخرى، أرجو ألا يكون الملل أحدها، لأنّ حقيقةً مترفةً كهذه لا تحتملها أعصابي.
مع تزايد حالات الانفصال والطلاق التي أسمعها من حولي بين العرب، حتى أولئك الذين لم ينشؤوا في البلاد العربية ولكنهم ينحدرون أصلا منها، ولم يدّخر أهاليهم جهدا في نقل العقلية العربية (بِعَجرها وبَجرها) معهم، وإهدائها كقنبلة موقوتة لأبنائهم، تنفجر فجأة، بدأتُ أتابع بعض القصص، وأسأل أكثر، وأستفسر من جانب النساء فقط (لأنّي لا أعرف من الرجال مطلّقين أو منفصلين يقبلون الحديث عن الموضوع). وحتّى تحدّثتُ مع اللواتي يفكّرن في الموضوع، وبحسب علمي، لا توجد متزوّجة لم تفكّر مرّة واحدة على الأقل في الانفصال، إن كان قد مضى على زواجها شهرٌ واحد أو سنوات. طبعاً هنالك متزوّجات فكّرن في التخلّص من الزوج بطرق أخرى غير الانفصال، ولكن هذه ليستْ مقالة في علم الجريمة.
ومن خلال المحادثات والنقاشات، وجدتُ أن:
1. أوّل وأعظم أسباب الانفصال، هو سبب الزواج وارتباط هذين الشخصين أصلا، والذي هو غالباً في مجتمعنا العربيّ: الجهة الخاطِبة، سواء كانتْ خطبة أهل، معارف، أصدقاء، زمالة عمل، جامعة.. إلخ من الأسباب. غالباً يكون هذا السبب ذاته هو طريق الانفصال، وأعني بالسبب، الشخص الذي تدخّل ليحظى بـ (يا بخت مين وفّق بين راسين في الحلال)، والحقيقة إنّ (التوفيق) من ربّ العالمين، أمّا (التطبيق والتلبيق) فاجتهادات بشر يتدخّل فيها كثيرٌ من الأبالسة والغباء وضيق الأفق. حتى في الحالات التي تكون عن طريق تعارف مباشر: زمالة عمل، وسائل تواصل اجتماعية ثمّ لقاء مع مجموعة، إلى غير ذلك، يكون هنالك ذلك الشخص أو مجموعة الأشخاص الذين يتوجّه إليهم الطرف قاصد الارتباط (سواء الشاب أو الفتاة)، ويسألهم عمّا خفي عنه من الطرف الآخر. وهنا تبدأ البدائع والروائع في الظهور: إما إحجام عن قول الحقيقة، أو تزوير وتدليس لأغراض مختلفة. والمرء مهما عرف واكتشف وكشف قبل الارتباط، تبقى أشياء لا يقدر أن يراها إلا إن سأل عنها، أو دخل بيت الطرف الآخر عدّة مرات وعاشر قبيلته كلّها وهو أمر نادر الحدوث قبل الإعلان الرسميّ. باختصار: الأهل الذين يسعون لتزويج ابنهم ليفرحوا فيه، والأهل الذين يسعون لتزويج ابنتهم ممّن يرونه مناسباً، هم أوّل أسباب تخريب هذه العلاقة لاحقاً، لأنّ المعيار الأساسي لم يكن صادقاً: أنتم تعرفون ابنكم العاهة، فلماذا تمرمطون بنات الناس الأكارم معه؟ بحجّة (ستره) وألا يقع في الحرام؟ أعيدوا تربيته طالما هو عندكم، اطرقوه كفّين لينصلح حاله قبل أن تخطبوا له!. وأنتم تعرفون ابنتكم العلّة، فلماذا لا تشدّون عليها وتعيدون تأهيلها لتصبح إنسانة مسؤولة قبل الزواج؟. يأتي بعد ذلك المعارف والأصدقاء المقرّبون وأدوارهم الغريبة العجيبة في الزنّ والطنّ ونخر الدماغ والنفسيّات، فيدخل الشاب أو الفتاة في علاقة الزواج ورؤيته الذاتية عن نفسه هي ما يراه هؤلاء.
لا توجد مثل هذه العلّة في المجتمع الألماني لسبب بسيط: الأهل مجرّد شكليّات، لأنّهما سيعيشان وحيدين في ذلك البيت كأنّما في المرّيخ، وبالتالي هما الأساس، فإن قبلت أن تقابل عائلته فكثّر الله خيرها. طبعا من الجميل أن يتزوّج المرء من عائلة مترابطة أسريّاً، لكن الترابط الأسري في مجتمعنا العربيّ يعني: أن تعرفي موعد ولادة كنّة بنت ابن عم أبيه في حملها السابع، وتذهبي لزيارتها في المستشفى أولا، وفي البيت بعد ذلك، وتقومي (بالواجب) الذي لا أعرف من أوجبه، ولا أيّ شرع أقرّه. نفس هذا الترابط لا يجبره على شيء تجاه أيّ شخص من عائلتك. ويقول لك (صلة الرحم واجبة، وعلى الزوجة طاعة زوجها)، وتكتشفين أنّكِ تزوّجتِ شيخاً أذيال ثوبه مطهّرة يتمسّح بها المريدون، ولكنّ بركاته تنحسر عنكِ أنتِ بالذات دوناً عن الخلق! :tafkeer: 
2. (فلوسي)، طبعاً هذه الكلمة على لسان الزوج العربي، الذي هو غالباً المنفق على البيت. وفي حين أنّ النصّ الشرعي يقول إنّ هذا تكليفٌ مشرّف للرجل، يعني كرامة له أن ينفق على امرأة، وأنّ قوامته تنقص إذا لم ينفق (وكثير من الرجال لا يفهم القوامة لا من ناحية بما فضّل الله ولا بما أنفقوا)، فإنّ تصرّف الرجل يكون مختلفاً تماماً: إذلالٌ ومنّ على الزوجة، وكأنّها كانتْ تعيش في الشارع، أو أنّ أهلها سيرمون بها إلى الشارع لو لم يأتِ هو ويأخذها -وعند بعضهم يشيلها- هي شوال البطاطا الذي إذا لم يتخلّصوا منه سيتعفّن عندهم! ويكون الإنفاق أشبه بقلع العين، أو قلع الضرس بدون بنج، فيسحق كرامتها.

وأذكر أنّ (مختصّا في العلاقات الأسرية أجاب امرأة تقول إنها متزوجة منذ سنوات وتحتاج المال وزوجها لا يعطيها، فسألها هل طلبتِ منه فقالتْ أنا أستحي أن أطلب، فوجّه كلامه للنساء بأن يتعلّمن أن يطلبن، لأنّ الشاب حين يتزوّج لا يعرف هذه الأمور ولا بدّ أن تعلّمه هي، وختم بقوله: زوجك ليس والدك، الأب يعطي أبناءه وبناته قبل أن يطلبوا، ولكن الزوج لا بدّ أن تطلبي منه). انتهى.

وأنا ضدّ هذا الرأي تماماً! أطلب منه أن يصلح شيئاً في البيت أو أن يجلب غرضاً لعياله، أو أن يأتي بطعام للدار، أما أن أطلب منه مالا لأغراضي الشخصية فهذا إذلال، ولو كانت لهذه المرأة كرامة عند زوجها لما أحاجها لهذا الطلب، ولو كان يحبّها ويعتبرها إنسانةً لتفقّدها بالمادّيات دائما دونما مناسبة. المرأة تستحي، وليس خطأً أن تستحي من زوجها، أليس الحياء زينتها؟، ولكنّ الرجل العربيّ أحاجها بهذا الأسلوب أن تخرج للعمل، أشعَرها أنّها عالة عليه، حتى إذا استغنت بالمال عنه، تخلّت عنه. ومعها حقّ: فأي شيء بقي من قوامته عليها؟ ولماذا تبقى عند رجل يعاملها كخادمة؟. والرجال يعتقدون أنّ معاملة الخادمة يعني أنّه يضربها، يا سادة.. من يضرب الخادم فهو يعتبر الخادم عبداً، وهذا مجرم! ولكنّ المقصود بالمعاملة كخادمة تجاهل تدليلها والعطف عليها والتودّد إليها. كلّ العبء على الزوجة، عليها هي أن تفعل كلّ ذلك، لماذا؟ لأنّه يخرج ويتعب ويشقى طيلة النهار. إذا كنتَ ترى أيّها الباشا أنّ هذا فندق وليس (سكناً)، فأين أجرة المبيت؟ والطعام؟ والغسيل؟ وغيرها؟ ما عاد هذا زواجاً. وانتظر اليوم الذي سيكبر فيه الأطفال لتقول لكَ مع السلامة. وصدّقني، المرأة تستطيع أن تعيش بمفردها في معظم الأوقات، أمّا الرجل.. وخصوصاً إذا اعتاد على امرأة واحدة، فإنّه يتبهدل بمعنى الكلمة. وعند أقوام غيرنا لا وجود لهذه المشكلة: الرجال أصلا يرتبطون بنساء عاملات مكتفيات مادّيًا، وأحيانا أكثر نجاحا وتفوّقا منهنّ.
3. (بيتي)، وهذه لاحقة بـ (فلوسي) ولكنّها أقبح وأكثر إيذاءً: فلا شيء في البيت يصحّ أن يكون على ذوقها ولو كان ذوقه الشنيع الفظيع (أخضر منقّط بنفسجي وفيه خطوط صفرا) فعليها أن تقبل و(تخرس) لأنّه (بيته)! أليس هو الذي استأجره ويدفع الإيجار؟ خلص.. هسس ولا كلمة. وإيّاها أن تحرّك غرضاً في البيت أو تنقل شيئاً أو تشتري دون علمه. ولأنّه (بيته) وهي اللقيطة التي آواها عنده شفقة وإحسانا لتعمل بلقمتها 1، فيحقّ له أن يستقبل من يشاء من أهله وأصحابه وضيوفه، حتى لو آذوها وتطاولوا عليها، وحتى لو نالها التعب، ولأنّه يصرف عليها، يعتبر أنّ من واجبها أن تقوم على خدمة ضيوفه والطهو لهم. والعكس غير صحيح: فهو بيته وليس بيتها، وإذا أدخلتْ أحداً لا (يروقه) أو لا (يهضمه) ولو كان أخاها، قامتْ الساعة ولم تقعد، وانقلبتْ حياتها جحيماً. وعند غيرنا: إذا قامتْ إلى المطبخ مرّة في الشهر شكرها أسبوعاً كاملا، وإذا أرادوا دعوة أكثر من ثلاثة أشخاص، كانتْ الدعوة إلى مطعم أو منتزه ليقضوا نهارا سعيدا جماعةً، أو إن كانوا من أهل المال وأقاموا حفلة في بيتهم، فيستأجر طاقماً من الخدم ويتّصل بمطعم يجهّز كل شيء. ولو كانتْ تحبّ أن تبقى في البيت وتطهو، لأصرّ وألحّ عليها أن يخرجا لو مرّة في الشهر معاً، وتدبّر هو أمر الأطفال عند من يثق بها، وجعلها مفاجأة للزوجة. :gift: 
4. (عشق النكد): والشخص الذي أطلق النكتة السائدة عن النساء أنّهن نكديّات وهنّ أصل النكد، هو على الأغلب رجلٌ نكديّ، ولكن قبل أن نتّهم أحدا سنعرّف النكد:

(ورد في لسان العرب في مادّة نكد: النَّكَدُ: الشؤْمُ واللؤْمُ، وكل شيء جرّ على صاحبه شَرّاً، فهو نَكَدٌ، وصاحبه أَنكَدُ. ونَكِدِ الرجلُ نَكَداً: قَلَّلَ العَطاء أَو لم يُعْط البَتَّة؛ والنُّكْدُ والنَّكْد: قِلّةُ العَطاء وأَن لا يَهْنَأَه مَن يُعْطاه). انتهى.

ألا رحمة الله عليك يا ابن منظور، كم يزداد حبّي للغتي العربيّة كلّما تبحّرتُ في معجمك! أبعد هذه الدقّة مِن دقّة: قلّة العطاء وألا يهنأ من يُعطاه؟. والآن كيف يمكن أن تكون المرأة هي النكديّة في العلاقة الزوجيّة حين يكون الحديث عن العطاء؟ والقوامة عطاء، والقوامة لمن؟. ما جئتُ بشيءٍ من عندي والله!
وقد تكون المرأة هي النكد: الشؤم واللؤم، وتجرّ على زوجها الشرّ. وهنا تبدو المفارقة العجيبة: فحين تكون هي فعلا وجه لؤم وشؤم عليه، ولسببب لا يعلمه إلا الله وحده.. يصير هو كالقطّة المستكينة ولا يقدر على التخلّص منها! ويُعمى على قلبه، لأنّ (المفتي أبا عمامة) الكامن في داخل كلّ عربيّ مسلم، يستيقظ فجأة في نفسه: إنّ أبغض الحلال عند الله الطلاق 2. أمّا لو كان هو النّكَد النّكِد النّكادة المركّبة مرفوعةً للأُس ثلاثة، يجلس عابساً متجهّماً صامتاً، يخرج دون سلام، لا يسأل عن حالها ولا ما فعلتْ، ولو سأل فيكون للتحقيق. لا يريد أن يسمعها حين تتكلّم ولا أن تطلب منه شيئاً، إذا خرجوا من البيت في مشوارٍ عائليّ اشتكى الصداع من أوّل دقيقتين، وإذا مرض استعاذتْ البشريّة من حاله، و.. فلا يمكنها أن تتخلّص منه. فلتجرؤ امرأة عربية أن تطلب الطلاق من زوجها لأنّه (نكديّ)! إذا كانتْ كثير من النساء يردن الطلاق من أجل (حقّ الفِراش) ولكنّ الحياء أو لسان المجتمع القاتل يمنعهنّ من ذلك، وهذا حقّها شرعاً، فكيف ستجرؤ أن تتطلّق من زوجها فقط لأنّه (أبو عبسة)؟
وعندهم لا شيء من هذا: فلماذا تزوّجنا، أليس لنتشارك الأشياء التي تسعدنا معاً؟ هذا يعني أنّ بينهما أشياء مشتركة تشعرهما -معاً- بالسعادة. سبحان الله، قاعدة من أبسط القواعد في الزواج، الذي يعتبره الرجل العربيّ: إعادة برمجة للمخلوقة التي تزوّجها، وتعتبره المرأة العربيّة: تحصيل حاصل أو الطريق الوحيد إلى الأمومة، لذا هو (شرّ) لا بدّ منه للوصول للأطفال. أتمنّى ألا يسأل الرجال العرب زوجاتهم أيًّا من هذه الأسئلة: هل تزوّجتِني لأجل الإنجاب؟ هل تمنّيتِ يوما الطلاق؟ هل تفكّرين في خنقي وأنا نائم أو دسّ سمّ الجرذان لي في الطعام؟، لأنّ الإجابة ستكون كاذبة لو كانتْ لا. :box: 
5. وهي تابعة لنقطة الإنجاب: من أبسط قواعد الشراكة في الأفكار السؤال عن أمر مصيريّ، الأطفال. هل تريدين أن تكوني أمّا؟ هل تريد أن تنجب أطفالا؟ إذا لم ننجب لسببٍ ما، فما الذي سيحدث بيننا؟ كم طفلا في مقدورك أن تربّي؟. هذه ليستْ أسئلة في الغيبيّات كما يعتقد البعض، هذه ضرورة خصوصاً في زمن التنصّل من المسؤوليّات والحروب التي يكون معظم ضحاياها من الأطفال. في معظم الأحوال عندهم، يكون طرح هذه الأمور هو سبب الانفصال بعد علاقة طويلة دون زواج، فأحد الطرفين يرغب في الإنجاب بينما الطرف الآخر لا يرغب. أمّا في حالة عدم القدرة على الإنجاب فإنّ خيار الانفصال غير وارد عندهم لأنّ الأطفال ببساطة (زينة الحياة الدنيا)، وقد فهموا ذلك أكثر منّا، ويبحثون عن الخيارات البديلة كالتبنّي مثلا، الذي أفتى بحلّه العلماء مؤخّراً فقط!.
وإذا عدنا إلى مجتمعنا.. يا فرحة قلبي، لا يجوز أن نتدخّل في علم الغيب، وأقصى إجابة يمكن التحصّل عليها هي: إن شاء الله، اللي الله بيكتبه! يا جماعة ركزوا في السؤال قبل الإجابة.
وهنالك ما هو أدهى من ذلك: واحدة مشهورة على السوشيال ميديا تسأل عشرين ألف شخصاً فقط لا غير، من المتابعين عن رأيهم قبل زواجها: يعني أفضل الحمل مباشرة ولا بعد كم سنة؟ وكم أنسب مدة بين الطفلين؟ وكم طفلا يعتبر عددا جيّدا؟.. لا ينقص سوى أن توجّهي لهم دعوة رسمية لحضور ساعات المخاض في المشفى، أو تقومي بالبثّ المباشر من هناك، وأنتِ (المحجّبة).
ولكن في كثير من الحالات في عالمنا العربيّ، يعتبر الزوج نفسه قد تزوّج (مفرخة)، هكذا ببساطة عليها أن تنجب له قدر ما يشاء، وليس بالضرورة أن يسيء معاملتها أو يقصّر في المصروف، ولكنّه يعتبر ويتصرّف أن ليس من حقّها لا شرعًا ولا قانوناً الامتناع عن الإنجاب طالما ما زال رحمها قادراً على الحمل. إذا كنتَ تريد هذا الكمّ من العيال كان عليكَ أن تقول ذلك بوضوح قَبْلا حين سألتْكَ، فإن لم تكن قد سألتْكَ، فعليكَ أن تكون (إنساناً) وتراعي أنّها كإنسانة تريد أن تعيش حياة خارج نطاق الأمومة مهما كانتْ تحبّها، ولتعلم أنّكَ لستَ على ذلك القدر من الروعة لتنجب عيّنات أخرى منك، وأنّها حين ستتعب من التربية، سيصبح أبناؤك عاهات اجتماعية، وستكون مجرمًا بشكل ما. :be3: 
6. (الاختلاف الفِكري الذي ينقلب عقَديّاً)، وهذه حالات ظهرتْ مؤخّرًا، يتحوّل فيها أحد الطرفين في المجتمع العربيّ (المتديّن/المحافظ/المغلق) إلى التحلّل من كلّ الأفكار والمبادئ التي نشأ عليها، فيتصادم مع الطرف الآخر الذي لا يريد هذا التحوّل، ويحدث الانفصال. وقد يكون العكس، يتحوّل طرفٌ إلى الالتزام والتمسّك أكثر بالدين، أو حتى تغيّر التوجّهات السياسية، ما يدفع الطرف الآخر إلى الدفاع عن نفسه كي لا يتغيّر، ثمّ الهجوم، ثمّ اليأس وإنهاء الزواج. والمشكلة أنّ هذا التحوّل لا يكون مفاجئاً، ولكن النقاشات التي حدثت وقت التعارف لم تصل إلى هذه الجزئيّة لتقصيرٍ من الطرفين.
وهذه حالة لم أسمع بها عندهم: فالدين عندهم مسألة علاقة شخصيّة بين المخلوق والربّ الذي يعبده، والسياسة لا تتدخّل في حياتهم، والمذاهب لا وجود لها. ولو كانتْ موجودة، فالأصل أن يكون التفاهم على هذه النقاط واضحاً منذ فترة التعارف. ولكن لو حدث تغيّر بعد ذلك، فقد يحدث الانفصال.
7. الغيرة من الزوجة، نعم منها وليس عليها. فالطلاق بسبب الغيرة فيه منطق: هو يغار غيرة لا تخضع لشرع ولا عقل فتطلب الطلاق، أو هي التي تغار فيطلّقها ليعيش بهناء. لكنّ الغيرة منها تعني الغيرة من نجاحاتها، ذلك أنّ الرجل العربيّ يريد أن يشعر دائماً أنّه متفوّق، ورغم أنّ القوامة تضمن له ذلك الحقّ لو قام بأدائها كما أمره الله سبحانه، لكنّه يبقى على شعور النقص ما أن تتفوّق زوجته في أمرٍ ما. حتّى لو لم تكن في أيّ مجال منافسٍ له: يموت ويختنق لو حكت له عن سعادة أحدٍ بهديّة قدّمتها له، لأنّ هذا يعني أنّها شخصٌ محبوب وناجح اجتماعيّاً. ليست هنالك مبالغات في الموضوع، في معظم الأحيان لا يعرف الرجل أنّ هذه غيرة، لأنّ مفهوم الغيرة عندنا ضبابيّ ومرتبط بالنساء أيضا معظم الأوقات. :puzzz: 

(في القاموس الإنجليزيّ تعرّف الغيرة على أنها:
مجموعة أفكار وأحاسيس تتملّك الإنسان كعدم الأمان، والقلق، والحسد، انطلاقا من الشعور بالخوف من نقص شيء من الممتلكات الماديّة، أو تأثّر الوضع الاجتماعي، أو فقدان أيّ له قيمة شخصيّة عالية). انتهى.

وفي تعريف الحسد الذي هو جزءٌ كبير من الغيرة: (هو الاستياء والسخط الذي تثيره ممتلكات شخص آخر أو صفاته أو حظّه). انتهى..

وأيّ شيء يخاف الرجل العربيّ من فقدانه كالسيطرة؟، وفي الأغلب يكون هذا الشعور ناتجاً عن نقص التقدير في طفولته من أمّه تحديداً، ذلك أنّه مهما قيل، تبقى الأمّ هي المؤثّر الأكبر والمربّي للطفل. ومظاهر الغيرة من الزوجة لا يكن تحديدها، لأنّها تأخذ أشكالا مختلفة وغير واضحة، ولكنّها يمكن أن تتّضح بالنكد الدائم الذي ذكرناه سابقا، أو إهمالها تماماً ، أو تعمّد إذلالها أمام أهله خصوصاً والناس عموماً، أو محاصرتها وملاحقتها بالطلبات والواجبات والمسؤوليّات حتى تعلن أنّها تعبتْ فتترك العمل أو الوظيفة أو التطوّع الذي نشطتْ فيه لتتابع بيتها بحجّة أنّ بيتها أولى بها، فيتحقّق مراده. ونادراً ما يحدث العكس وتغار الزوجة من نجاح زوجها، ولكنّ هذا يشير ضمناً إلى تسليم المرأة بأنّه من الطبيعيّ أن يكون الرجل أذكى منها أو يستلم مناصب أعلى، ويمنحه شعور الثقة الذي يطلبه. المشكلة أنّ هنالك فرقاً عظيماً بين أن تشعر زوجتكَ أنّها تثق بكَ لأنّها مقتنعة أنّكَ تجيد ما تفعله، وبين أن تنكسر لكَ لأنّها تريد أن (تكسر الشرّ) الذي يركبكَ وأنتَ لا تجيد جمع ثمن كيلو بصل.
وعندهم نجد منهم: أنّ راتبها أعلى من راتبه، وأنّها اختارت أن تتقاعد مبكّرا، وأنها تريد أن تجلس في البيت لا وظيفة ولا أمومة، وأنّها تريد أن تتفرّغ لكتابة روايتها، وأنّها تريد أن تسافر حول العالم في حملة تطوعية تستغرق أشهرا، وأنها وأنها.. وهو يعطيها كلّ الدعم المعنويّ والتشجيع، ويتابع أخبار نجاحاتها ويفاخر بها.

8. (لا تسأليني عن أيّ شيء، ولا خصوصيّة لك). لا يحقّ لأيّ زوجة أو زوج التدخّل في خصوصيّات الآخر، العلاقة الزوجية لا تعني تحوّل شخصين إلى شخصٍ واحد، بل هي شراكة بين شخصين، والشراكة كلمة من مصدر إشراك: أي المساواة. والمساواة تتطلّب وجود كينونتين منفصلتين، ووضعهما في الميزان معاً كلّ في كفّة منفصلة ليحدث التوازن. حين يقرّر أحد الشريكين من تلقاء ذاته أن يعطي خصوصيّته للطرف الآخر فهذا قراره، ولكن لا يحقّ للآخر أن يتدخّل إلا فيما سمح له الدين: في الحلال والحرام والأعراض والمال. ومن عجائب الرجل العربيّ أنّه لا يخبر زوجته عن أمواله ولا راتبه ولكنّه يخبر أهله، وإذا قالتْ له: فما كتبتَ في وصيّتك؟ فيقول: مالك علاقة ولمّا يحدث لي شيء أهلي سيكفلونك لأنّك أمّ عيالهم! وليس لها أن تسأله أين يخرج وأين يعود، ولو كلّف خاطره بقول ذلك لما سألتْه. ولا يحقّ لها أن تخرج أو تغلق هاتفها سويعاتٍ إلا أقام الدنيا ولم يقعدها.
وتشمل الخصوصيّة كلّ وسائل التواصل الاجتماعية والأجهزة الإلكترونيّة ومكان الوظيفة والأوراق والمكتب.. إلخ. وسيقول كثيرون: فهل ينتظر حتّى يذاع بين الناس صيت السوء عنها حتّى يفتّش وراءها؟، ويقولون: وهل تنتظر حتى يقيم علاقات متعدّدة وهي نائمة على أذنها حتى تبحث وتبحبش؟. وشيئاً كهذا لم أجد إلا في العقل العربيّ وفي الأفلام الأمريكية! الزواج بنيّة الشكّ، الشريك متّهم بالسفالة ولن تثبت براءته مدى العلاقة.
وحين يقع من أحد الزوجين أمر يستدعي الريبة، فلا بدّ من المواجهة قبل كلّ شيء، والسؤال والاستفسار ومعاودة السؤال والتكرار حتى تتضح الأمور، لكنّ هذا آخر ما يفعله العقل العربي، فهو جاهز للاتهام وسماع كلّ الأشخاص إلا الشخص المعنيّ بالموضوع.
وأمّا عندهم، فلا أدري شيئا من هذا. وقد يكون موجوداً ولكنّه يختلف من حيث الكمّ والنوع.
..
ونعود لسؤال البداية: فلماذا ينفصلون؟ لا بدّ أنّه الملل إذاً، وأعصابي تلفتْ الآن تماماً لأنّي لم أجد سوى هذه الإجابة.
ولماذا نبقى ونستمرّ في علاقاتٍ تتعبنا؟ لأنّنا نحبّ (الأكشن). نحن شعوب نعشق الإثارة والتشويق والدراما، حتى في علاقاتنا الزوجية. :uhh: 
..
إنّي أعلم أنّ المقارنة مغلوطة أصلا ومرفوضة عقلا، أكره المقارنات، ولكنّي أكره الغباء أكثر! لماذا يصرّ الإنسان على فعله القبيح ولا يحاول تعلّم شيءٍ يحسّن أخلاقه؟ ألا يعلم أنّ حسن الخلق يورث السعادة؟.
..
يا رسول الله، إنّي كلّما ذكرتُ حديثك: ويكفرن العشير 3، استعذتُ بالله أن نكون منهنّ. ولكنّ رجالا مِن أمّتك آذونا يا رسول الله، فأمسكوا بما قلتَ ولم ينظروا أفعالك مع النساء من حولك، كلّ النساء، كيف كنتَ تجبر خواطرهنّ بالنظرة والكلمة واللمسة والتوصية، فلم يتركوا لنا ما نقول سوى هذا. فوّضنا أمرنا إلى الله إنّ الله بصير بالعباد. :ward: 

Notes:

  1. تعبير عامّي يعني عامل الأجرة اليومية الذي يتحصّل ما يكفيه قوت يومه فقط.
  2. ليس بحديث.
  3. حديث صحيح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.