لماذا القصة

Spread the love

باسم الله..

مقدار الفائدة من المعلومة يرجع للمتلقّي، وليس للمعلومة ذاتها. تعال إلى بائع الفول الذي يقف على ناصية الشارع منذ سنوات، وأخبره أنّ بورصة الصين انهارت، سيرفع عينه إليك ويسألك: بدّك الفول بحمض إلا بطحينة؟. أمّا لو أخبرتَ صديقكَ الذي يضارب بالأسهم منذ سنوات أيضاً المعلومة ذاتها، فغالبا ستلبس ذنب إصابته بأزمة قلبية بقية حياتك!
وهذا طبيعي جدّاً، لذلك حين تتعجّب صديقاتي المقرّبات من طبيعة مصادري الثقافية، لا آخذ الأمر بشكل شخصيّ، بل أضحك غالبا.
تسألني صديقتي سوسن (وهي مثل أختي الكبيرة) كيف أنتقي الروايات التي أقرؤها، ومعظم قراءاتي (تسعون في المئة) هي روايات؟!. وقد كان من قبل أن واجهتُ أسئلة مثل ذلك. ومَن حولي من الصديقات يقرأن في كتب فكرية وإيمانية لا أهضم صفحتين منها، ولكتّاب معروفين بفكرهم لا يمكنني أن أسيغ أسلوبهم.
ربّما أنا ما زلتُ طفلة في داخلي لم أكبر، ولذا تكون قراءاتي في القصص، ومشاهداتي في الأفلام لأنها قصص مصوّرة!
وهنا سأجيب في عدّة نقاط وأحاول اختصارها، المحاولة التي ستكون فاشلة على الأغلب :) لأنّ الاستطراد يكون في معظم الأحيان ضرورة.

1. القراءة نتاج اهتمامات: وباعتبار دراستي أدبيّة في قسم اللغة العربية، ولأنّي كاتبة (وهذا اعتراف خطير انتزعته من نفسي انتزاعا!)، أجد من الطبيعي أن أقرأ في المجال الأدبيّ، وأيّ شيء سيجسّد هذا مثل الروايات، ودواوين الشعر؟. أقرأ في غير هذين المجالين، ولكن من النادر، وبحسب حاجتي، وأركّز على هذا المفهوم: أقرأ بحسب حاجتي. لماذا قد أذهب لقراءة كتاب عن تاريخ العصر الروماني وأنا لا اهتمام لي بالتاريخ؟، أو في فلسفة الحبّ أو تقوية الإيمان أو في طرق التفكير أو المؤامرات التي تدور في أروقة السياسة أو الطرق الفِكرية أو غير ذلك، وأنا لست بصدد البحث عن معلومة محددة، أو الكتابة في أيّ من هذه المجالات، أو دراستها، أو حتى سيؤثر ذلك على مسيرة حياتي؟!.
2. لا أؤمن بمبدأ الثقافة لأجل الثقافة، لقد كبرتُ! هذه الأشياء يفعلها الإنسان وهو في العشرينيّات، حين يكون خالي البال موفور الطاقة، فيطّلع على مواضيع مختلفة ويقرأ أيّ شيء يقع تحت يده، أمّا وقد جاوزتُ الثلاثين بسنوات، وصرتُ أمّا لمراهقة ونصف مراهقة! فإن لم يكن هذا وقت تحديد الاهتمامات، فمتى يكون؟!. نعم، لستُ مهتمّة بالفكر ولا الفلسفة ولا الاقتصاد ولا التاريخ ولا التصوّف ولا الإيمانيّات.. اهتماماتي في الأدب، والتربية، والسير الذاتية، والتجارب والدراسات في مجالات محدّدة. ولا أقرأ في الفقه أو العقيدة أو التفسير إلا ما أنا بحاجة إليه.
3. أؤمن أن القراءة بلا كتابة مجرّد عبث. من نشأت نفس نشأتي، لا بدّ أنّها تذكر كيف كنّا نذهب للندوة يوم الأربعاء ويؤكّدون علينا دائما إحضار دفتر وقلم. لكنّنا كبرنا، وأرى الآن أنّ كثيرات لم يلتزمن هذه النصيحة. أنا أؤمن أنّه لا يمكن للمعلومة أن تكون مفيدة ما لم ألخّصها بطريقتي وأدوّنها. كنتُ أستمع لخواطر الشعرواي وأحاديث الطنطاوي رحمهما الله، وعلي حمزة العمري، وأنا أعمل شيئا يدويا، أو أقف في المطبخ، ثمّ توقّفت عن ذلك، لأنّي كنتُ في كلّ خمس دقائق أنقطع عما بين يدي لأكتب فكرة ما! ووجدت أنّ مثل هذا الاستماع لا بد أن يكون مع جلسه هادئة وورقة وقلم. نعم، يمكن أن يستفيد الإنسان من هذه المعلومات بلا تدوين، ولكن هذا يختلف بحسب طبيعة الشخص، وعمره أيضا. أتعامل بنفس الطريقة مع الروايات! أضع ملاحظات وإشارات خاصّة إن كانت الرواية تتناول عرَضا جانبا تاريخيا ما، لأرجع للمصادر وأقرأ عنه.
4. من الطبيعي أن التربية في البيت لها دور كبير في الميول، وأمّي معلّمة ومربّية ومحاضرة، وكانت قراءاتها في المجالات التي تستفيد وتفيد منها. رغم ذلك، فقراءاتنا في البيت متنوّعة جدّاً، وكل واحد من أشقائي لديه ميوله، ولم تمنعنا من شيء. ما تعلّمتُه أنا في بيت أهلي، أنّ الدين عمل، طالما لدى الإنسان أساسيات العقيدة. ومنذ طفولتنا المبكّرة، لا أذكر أحدا من أقراننا في العائلة أو المدرسة أو المجتمع كانت أمّهم تجلس معهم لمشاهدة فلم أجنبيّ ومناقشته مثلما تفعل أمّي! وحتى اليوم أجدني تلقائيا أجلس مع بناتي وأعيد الدور. حتى الفلم نشاهده لأنّ فيه (قصّة) إضافة للمتعة، ونتناقش في الفكرة. واليوم صرتُ أفتّش عن الأفلام المقتبسة عن قصص حقيقية، وأرجع للقراءة عن القصة في الشبكة، وأكتب ملخّصا عنها وما استوقفني من نقاط تربوية أو اجتماعية. الأمر ذاته بالنسبة للروايات.
5. تفوّتين على نفسك: هذه العبارة أسمعها كثيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــرا، أنّي أفوّت على نفسي (الخير والفائدة) حين لا أقرأ للكاتب الفلاني، أو المفكّر هذا، أو حتى الروائيّ اللي شو اسمه. وأقول ببساطة: هذا التفويت، يساوي تفويت آخر صيحات الموضة والماكياج.. هؤلاء الأشخاص لسبب أو لآخر لا أشاهدهم ولا أتابعهم، فهل حقا فاتني الخير؟!
6. أخيرا أجيب صديقتي: كيف أنتقي الروايات أو القراءات؟
المصدر الأوّل: موقع جود ريدز، فخيارات الأصدقاء هناك متنوعة جدا، ولا أعرفهم من خارج الموقع، لذلك أرى مختلف أنواع الكتب، والآراء. ولا أعتمد على التقييمات، ولكن على التلخيصات. حين يلخّص شخص الرواية أو يضع منها اقتباسات، يمكنني أخذ فكرة، إن كانت الفكرة تستحق أم لا. ثم أنتقل إلى الكاتب: فأفتش عنه وفي أساليبه، هل هو من النوع الذي يتجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لي أم لا، فمهما كان بارعا، لا أقرأ له إن كان يتجاوز تلك الخطوط.
المصدر الثاني: الصديقات :) حين تتبادلين كتباً محددة مع صديقات تعرفين أمزجتهنّ ويعرفن مزاجك، سيتواصلن معكِ باستمرار لاطلاعك على آخر قراءاتهنّ. وهذا لا علاقة له بالصداقة العامّة! فأنا عندي صديقاتي أكلّمهنّ بالساعات، ولكنّ قراءاتنا مختلفة تماما!
المصدر الثالث: المواقع والتطبيقات التي تعرض بضع صفحات مجّانية من الكتب، وهذه مفيدة جدا في معرفة نوعية الرواية وهل تريدين إكمالها أم لا. وإن كنتِ تتسوقين من المكتبة فأنصحكِ باجتياز صفّ الكتب المشهورة وأفضل المبيعات، والنبش بين الأرفف الخلفية، وقراءة الرواية من آخر خمس صفحات! نعم.. افتحي الكتاب بالمقلوب، فإن وجدتِ النهاية مشوّقة، ابدئي الكتاب من أوّله :)
7. اعتراف أخير: الكتب المصرية للجيب (مثل ما وراء الطبيعة وفانتازيا وسفاري)، لا أعرف واحدة من صديقاتي كانت تقرؤها إلا عددا لا يجاوز أصابع اليد الواحدة، أيضا المصورات المترجمة (مثل تان تان)، بينما كانت هذه قراءاتي في المراهقة لأنّ أشقائي يشترونها. إضافة لروايات نجيب الكيلاني رحمه الله، في الوقت الذي كانت فيه الصديقات يقرأن (روايات عبير) وغيرها.
لكن لماذا أقول ما وراء الطبيعة وتان تان وأستثني سوبرمان ورجل المستحيل؟ لأنّ النوعية الأخيرة عبارة عن (خرط) وكلام فارغ، بينما الأولى كانت تتضمن دائما معلومات جديدة، وفي كل قصة معلومة بسيطة تبنى عليها قصة خيالية. قد يبدو هذا مصدرا غريبا للمعلومات عند كثيرين، لكني كنت أقرأ القصص وأرجع للقراءة عن الموضوع في الكتب وحاليا في الشبكة. لا أجد أجمل من قراءة معلومة مغلفة بغلاف قصة مشوقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

:za3lan: :yaay: :wink: :ward: :ward3: :ward2: :waa3: :uhh: :twisted: :tafkeer: :smile: :smile2: :shy: :seso: :roll: :puzzz: :plala: :oops: :ooh: :nyahaha: :mrgreen: :mmm: :love: :lol: :laaa: :idea: :heh: :heart: :heart8: :heart7: :heart6: :heart5: :heart4: :heart3: :heart2: :happy: :happy3: :happy2: :group: :gift: :fekrah: :fatakat: :evil: :esho: :cry: :cloud: :cloud2: :cheez: :box: :bey: :be3: :arrow: :?: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8)